يقصد بمصدر الحق السبب الذي يؤدي إلى إنشائه، والحقيقة إذا تأملنا في مصادر الحق نجد أنّ القانون هو مصدرها جميعا، ولا وجود لحق إلاّ بأمر القانون، فهو المصدر العام لها، أو المصدر غير المباشر، والذي يقرر الأسباب المنشئة لها, وهذه الأسباب المباشرة أو القريبة هي موضوع دراستنا. ويمكن تقسيم هذه المصادر إلى وقائع قانونية أو مصادر غير إرادية، وتصرفات قانونية أو مصادر إرادية.
المبحث الأول: الوقائع القانونية Les faits juridiques
الوقائع القانونية هي كل حدث يرتب القانون عن وجوده أثرا معينا, وقد تكون هذه الوقائع من عمل الطبيعة أو من عمل الإنسان (الأعمال المادية).
أولاً ـ الوقائع الطبيعية : وهي حوادث تطرأ بفعل الطبيعة دون أن تكون لإرادة الإنسان دخل فيها, فتكون سببا في اكتساب الحق الذي ينشأ مباشرة بوقوع حادث من الأحداث الطبيعية كالميلاد والوفاة، ومرور الزمن..فالميلاد: يترتب على قيامه نشوء حقوق قانونية للمولود, كحقه في الحياة وسلامة جسمه، والحق في الاسم العائلي، ثبوت النسب، وأهلية الوجود. ويترتب على الوفــاة نشوء حقوق لورثة المتوفى. ويترتب على مرور الزمن أن يكسب الأفراد حق التملك بالتقادم.
ثانياً ـ الوقائع المادية: هي أعمال مادية يقوم بها الإنسان يرتب عليه القانون أثرا، سواء أراد الإنسان هذه النتيجة أو لم يردها، إذ لا اعتبار لإرادته في هذا المجال. وتنقسم الأعمال المادية إلى أفعال ضارة وأفعال نافعة.
أ) الأفعال الضارة: هو ذلك العمل الإيجابي أو السلبي الذي يقوم به شخص عن قصد أو بإهمال منه، فيصيب شخصا آخر بضرر، فينشأ للمضرور حق المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء خطأ مرتكب الفعل الضار، وسواء كان ذلك الضرر المترتب على تلك الواقعة ماديا أو عضويا أو نفسيا أو معنويا، ينشأ إلتزام المسؤول بالتعويض، ويسمّى هذا في القانون بالمسؤولية التقصيرية(المسؤولية عن الأفعال الشخصية). و هذا ما نصت عليه المادة 124 مدني جزائري التي نصت على بأن: "كل فعل أيا كان يرتكبه الشخص بخطئه ويسبب ضررا للغير يلزم من كان سببا في حدوثه التعويض" ...فالفعل الضار إذن هو كل فعل يقوم به الإنسان ويترتب عليه أضرار للآخرين فيترتب عليه تعويض المصابين بالضرر, وقد تكون مصدر حق بالنسبة لهؤلاء. ويشترط فيه :

ـ أن يكون هناك خطأ ( الإخلال بالالتزام القانوني) .
ـ أن يكون هناك ضررا (إلحاق الضرر بالغير).
ـ أن يكون هناك علاقة سببية بين الضرر والخطأ , أي أن تكون هناك علاقة مباشرة بين الخطأ الذي ارتكبه المسؤول , والضرر الذي أصاب المضرور أيا كان نوعه ومقداره.
وإلى جانب المسؤولية التقصيرية التي يكون الخطأ فيها واجب الإثبات من طرف المضرور هناك حالات أخرى يكون فيها مفترضا أي غير واجب الإثبات، وهي:
1ـ مسؤولية الشخص المكلف بتولي رقابة شخص آخر: نصت المادة 134 مدني أن: "كل من يجب عليه قانونا او اتفاقا رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية، يكون ملزما بتعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص للغير بفعله الضار..".
2ـ مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه: نصت المادة 136 مدني أنّه: "يكون المتبوع مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعا منه في حالة تأدية وظيفته أو بسببها أو بمناسبتها.
وتتحقق علاقة التبعية ولو لم يكن المتبوع حرا في اختيار تابعه متى كان هذا الأخير يعمل لحساب المتبوع".
3ـ مسؤولية حارس الشيء: تنص المادة 138 مدني أنّ: "كل من تولى حراسة شيء وكانت له قدرة الإستعمال والتسيير والرقابة، يعتبر مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه ذلك الشيء. ويعفى من هذه المسؤولية الحارس للشيء إذا أثبت أنّ ذلك الضرر حدث بسبب لم يكن يتوقعه مثل عمل الضحية، أو عمل الغير، أو الحالة الطارئة، أو القوة القاهرة".
4ـ مسؤولية حارس الحيوان: تنص المادة 139 مدني بأنّ: "حارس الحيوان، ولو لم يكن مالكا له مسؤول عن ما يحدثه الحيوان من ضرر، ولو ضل الحيوان أو شرد، ما لم يثبت الحارس أنّ وقوع الحادث كان بسبب لا ينسب إليه".
5ـ مسسؤولية صاحب البناء: تنص المادة 140/2 مدني بأن: "مالك البناء مسؤول عمّا يحدثه انهدام البناء من ضرر ولو كان انهداما جزئيا، ما لم يثبت أنّ الحادث لا يرجع سببه إلى إهمال في الصيانة، أو قِدَم في البناء، أو عيب فيه.."
6ـ المسؤولية عن الحريق: تنص المادة 140/1 مدني بأنه: "من كان حائزا بأي وجه كان لعقار أو جزء منه، أو منقولات، حدث فيها حريق لا يكون مسؤولا نحو الغير عن الأضرار التي سببها الحريق، إلاّ إذا ثبت أنّ الحريق ينسب إلى خطه أو خطأ من هو مسؤول عنه".
7ـ مسؤولية المنتج: تنص المادة 140 مكرر بأنه: "يكون المنتج مسؤولا عن الضرر الناتج عن عيب في منتوجه حتى ولو لم تربطه بالمتضرر علاقة تعاقدية.."
ففي جميع الحالات سواء كان الخطأ بفعل الإنسان أو الحيوان أو الأشياء، وسواء كان مفترضا أو واجب الإثبات، يكون الضرر مصدر الحق للمضرور في التعويض، وينشئ إلتزاما في الجانب الآخر.
ب) الفعل النافع: وهو فعل يصدر من شخص قد يؤدي إلى إثراء ذمة الغير, ويرتب عليه القانون آثار, أو هو واقعة قانونية مؤداها أن يثري شخص على حساب شخص آخر دون سبب قانوني، أو أن يفتقر شخص لمصلحة شخص آخر دون مبرر مشروع. وهذا الفعل الذي يؤدي إثراء ذمة الغير له صور:
1ـ الإثراء بلا سبب: تنص المادة 141 مدني بأنّ "كل من نال بحسن نية عن عمل الغير أو بشيء له منفعة ليس لها ما يبررها يلزم بتعويض من وقع الإثراء على حسابه بقدر ما استفاد من العمل أو الشيء".
2ـ الدفع غير المستحق: تنص م143 مدني بأنه: " كل من تسلم على سبيل الوفاء ما ليس مستحقا له وجب عليه رده"، كمن يقوم بدفع الدين مرتين، فيسترد المبلغ المدفوع في المرة الثانية لأنه دفع غير مستحق.
3ـ الفضالة: وهو قيام شخص عن قصد بعمل لحساب شخص آخر دون أن يكون ملزما به بل متطوعا، كقيام شخص بإصلاح جدار جاره الذي آل إلى السقوط ... ويشترط في الفضولي أن يقوم بعمل عاجل لحساب الغير. وقد نظم القانون المدني الجزائري أحكام الفضالة في المواد من 150 إلى 159.

المبحث الثاني: التصرف القانوني
التصرف القانوني كمصدر للحق هو تعبير عن الإرادة اتجهت إلى إحداث أثر قانوني معين, وحتى يعتد القانون بهذا التصرف يجب أن يصدر عن إرادة سليمة خالية من أي عيب.
وجوهر التفرقة بين الوقائع القانونية والتصرف القانوني أنّ الوقائع القانونية قد تتوفر فيها النية لكن القانون يرتب الآثار ولا يعتد بالنية، في حين أنّ التصرف القانوني يعتمد على النية ويعتد بها القانون. وقد يكون التصرف القانوني عن طريق العقد، أو عن طريق الإرادة المنفردة.
أولا: العقود: ونوجز الكلام عن العقد بتعريف للعقد و بيان لأركانه. فالعقد هو توافق إرادتين توافقا تاما من أجل إنشاء حق أو نقله أو تعديله أو إنهائه.
ولكي يوجد العقد وينتج آثاره يجب أن تتوفر فيه أركان إذا تخلف أحدها كان التصرف باطلا بطلانا مطلقا. وتتمثل في الرضا، والمحل، والسبب، وكذا الشكل في بعض التصرفات.
1ـ الرضا(الإرادة): ويعب عنه بالتراضي، حيث تلعب الإرادة دورا فعالا في وجود التصرف القانوني، لذا وجب أن يعبر المتعاقد عن إرادته ويظهر نيته في ترتيب الأثر القانوني المراد ويتم التعبير عن الإرادة صراحة بالكتابة أو باللفظ أو بالإشارة، وتكون الإرادة صادرة عن ذي أهلية وخالية من أي عيب يشوبها وهي: الغلط،التدليس،الإكراه، الاستغلال.
2ـ المحل: العملية القانونية المراد تحقيقها من طرفي العقد، ويشترط أن يكون محل التصرف ممكنا أي موجودا فعلا، ومعيَّنا إن كان حقا عينيا, وأن يكون كذلك مشروعا.
3ـ السبب: هو الباعث الدافع إلى التعاقد، فغاية المتعاقدين تتعدد، فالدافع لبيع قطعة أرضية مثلا قد يكون من أجل شراء سيارة، أو من أجل الزواج..فإذا انتفى السبب في تصرف ما وقع هذا التصرف باطلا بطلانا مطلقا، كأن يقوم شخص بدفع مبلغ من المال وفاء لدين لا وجود له، لقيامه على غير سبب. ولا يكفي توفر السبب بل يجب أن يكون مشروعا(م97 مدني).
4ـ الشكلية: هناك بعض التصرفات لا تكون صحيحة إلا إذا تمت في شكل معين فرضه المشرع, أي اشترط تحريرها بالشكل الذي أورده القانون، وذلك لحماية المتعاقدين، وتخلّف هذا الشكل يؤدي إلى بطلان التصرف القانوني بطلانا مطلقا (المادة 324 مكرر1 مدني). كتحرير العقود التي تتضمن نقل ملكية عقار أو عقود تسير محلات تجارية أو مؤسسات صناعية.
ومتى توفرت أركان العقد فلا يجوز نقض أو تعديل العقد إلا باتفاق الطرفين، حيث نصت المادة 106 مدني أن: "العقد شريعة المتعاقدين, فلا يجوز نقضه، ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون".
ثانيا: الإرادة المنفردة: هو تصرف صادر عن إرادة واحدة كالوصية، والوقف، والوعد بجائزة..ويسري على التصرف بالإرادة المنفردة ما يسري على العقد من الأحكام باستثناء أحكام القبول (م123 مكرر مدني)، وقد يشترط القانون الشكلية في بعض التصرفات كالوصية.
الفصل الرابع: حماية الحق وحدوده
تعتبر الحماية القانونية للحق عنصرا مهما له، ففي حالة وجود تجاوز على الحق يضمن القانون لصاحبه الوسائل القانونية الكفيلة بدفع التعرض الصادر من الغير، و هي الدعوى أو الدفع أمام القضاء. وفي حالة وجود تجاوز من قبل صاحب الحق في استخدامه لحقه يعتبر متعسفا في استعمال حقه، ممّا يترتب عليه سقوط الحماية القانونية عنه. وسنبحث ضمن مبحث أول حماية الحق وضمن مبحث ثاني حدود الحق.
المبحث الأول: حماية الحق
إذا وقع اعتداء على حق من الحقوق خوّل القانون وسيلة لصاحب الحق من أجل حمايته، وهي الدعوى التي ترفع أمام القضاء محاولا إثباته، وسوف نتعرض في المطلب الأول لوسائل حماية الحق، وفي المطلب الثاني لطرق إثباته.
المطلب الأول: وسائل حماية الحق
الدعوى هي وسيلة حماية الحق،والتي يرجع إليها المدعي لتحريك القضاء للحصول على تقرير حقه أو حمايته.والدعوى التي يحرّكها الشخص للدفاع عن حقه،إمّا دعوى دعوى مدنية أو جزائية.
أولا:الدعوى المدنية: وهي التي ترفع أمام القضاء المدني إذا حدث اعتداء على أي حق من الحقوق الخاصة أو المالية للشخص، بهدف حماية ذلك الحق، وأساسها هو المسئولية المدنية، وهي جزاء الإضرار بالمصالح الخاصة من خلال إلزام المسؤول بتعويض الضرر بناء على طلب المضرور. ويترتب على ذلك:
ـ أنّ الدعوى المدنية هي وسيلة حماية الحقوق الخاصة والمالية.
ـ رفعها هو حق لصاحب الحق حسب رغبته، فله الحق في التنازل عن حقه، والتصالح بشأنه.
ـ يتم تحريكها بإتباع الإجراءات الواردة في قانون الإجراءات المدنية.
ويشترط لقبول الدعوى المدنية شروطا ثلاثة، وهي:
1ـ المصلحة: وهي الفائدة المشروعة التي يرمى المدعي إلى تحقيقها بالالتجاء إلى القضاء. والأصل أن تكون المصلحة قائمة وحالّة حتى تقبل الدعوى، والإستثناء هو قبول المصلحة الإحتمالية في أحوال معينة فقط. ولا دعوى حيث لا مصلحة . pas d interet pas d action
2ـ الصفة: هي أن تنسب الدعوى إيجابا لصاحب الحق في الدعوى، وسلبا لمن يوجد الحق في الدعوى في مواجهته. وقد يمنح القانون شخصا آخر غير صاحب الحق أو نائبه الحق بمطالبة المدين بالدين، كما لو كان للمدعي مصلحة شخصية في رفع الدعوى. مثال: الدائن الذي يستعمل حقوق مدينه عن طريق الدعوى غير المباشرة
3ـ أهلية التقاضي.
4ـ ألا يوجد قانونا ما يمنع سماعها، والمنع القانوني قد يكون:
منع شكلي: كتحديد مواعيد معينة ترفع خلالها الدعوى. فاذا تجاوز المدعى هذه المواعيد، كانت دعواه غير مقبولة.
منع موضوعي: كسبق الفصل في موضوع الدعوى، فيمنع من قبول الدعوى التي سبق الفصل فيها من جديد، حتى لو قدِّمت في الخصومة الجديدة أدلة واقعية، وأسانيد قانونية لم يسبق إثارتها في الخصومة الأولى.
وتختلف وسيلة حماية الحقوق المالية باختلاف الحقوق، فوسيلة الحماية في الحقوق العينة، هي الدعوى العينية، والتي يختلف موضوعها باختلاف الأحوال، ودعوى الحيازة. أمّا الدعوى الشخصية والتي يرفعها صاحب الحق، على من اعتدى على حقه فسببّ له الضرر، مطالبا إياه بالتعويض عن هذا الضرر. فوسيلة الحماية في الحقوق الشخصية قد يكون إمّا التنفيذ العيني كإجبار المدين على أداء موضوع الإلتزام سواء كان عملا أو إمتناع عن عمل، وقد يكون التنفيذ بطريق التعويض عند تعذر تنفيذ الالتزام عينا، أو التأخير فيه.
ثانيا: الدعوى الجزائية: أساسها هو المسئولية الجنائية، والتي تقوم جزاء الإضرار بمصالح المجتمع باعتبار أنّ آثار الإعتداء تتجاوز الضحية إلى المجتمع، كالإعتداء على حق من الحقوق اللصيقة بالإنسان، كحقه في سلامة جسمه بالتعدي عليه بالضرب أو الجرح أو القتل، أو يكون هذا الإعتداء ماسا بشرفه، كالجرائم المتعلقة بهتك العرض والقذف... ويتم في هذه الدعوى توقيع عقوبة على المسؤول عقابا له وردعا لغيره. وتتحرك الدعوى الجنائية بناء على شكوى من طرف الضحية أو من طرف النيابة العامة مباشرة. ولا يجوز التنازل عنها ولا التصالح فيها.
وممّا ينبغي التنبيه إليه أنّ للضحية بسبب الجريمة التقدم بدعواه المدنية إلى المحاكم الجزائية، تبعا للدعوى الجنائية، مطالبا إياها بالحكم له بالتعويض. وهنا يتعيّن وقف سير الدعوى المدنية لحين الفصل في الدعوى الجنائية عملا بقاعدة أن "الجنائي يوقف المدني".
ثالثا: بيان أوجه الاختلاف بين المسئوليتين المدنية والمسؤولية الجنائية:

المسألــة المسئوليــة المدنيــة المسئوليــة الجنائيــة
المصلحة محل الحماية هي جزاء الإخلال بمصالح فردية خاصة(الإخلال بالتزام عقدي أوقانوني) هي جزاء الإخلال بالأمن العام للمجتمع
القابلية للصلح أو التنازل تقبل الصلح أو التنازل لا تقبل الصلح أو التنازل
النطاق واسعة النطاق: تستند إلى مبدأ عام يلزم كل من أحدث ضرراً للغير بتعويضه نطاقها ضيق: عملا بمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص
الجزاء جزاء مدني: تعويض عيني،نقدي.. عقوبة

المطلب الثاني: وسائل إثبات الحق
إذا رفع المدعي دعواه فإن القاضي، بعد أن يطلب منه أن يبين دعواه، يسأل المدعى عليه المدعي، فإن أقرّ بما يثبت بإقراره الحق الذي يدعيه المدعي صدر الحكم به. وإذا أنكر المدعى عليه ما يدعيه المدعي طلب القاضي من المدعي أن يقدم بينته التي يثبت بها ما يدعيه. ذلك أنّ إدعاء الحق من غير إثباته يصبح هو والعدم سواء. وقد تناول القانون المدني الجزائري أحكام الإثبات في المواد من 323 إلى 350. والاثبات قانونا هو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي يجيزها القانون، على واقعة قانونية تؤثر في الفصل في الدعوى.
الفرع الأول: وسائل الإثبات
وسيلة إثبات الحق الذي يدعيه المدعي قد تكون الكتابة، أو البيِّنة، أو القرائن، أو الإقرار، أو اليمين. وسنتناول كل واحدة من هذه الوسائل بشيء من الإيجاز .
1ـ الكتابة: يعتبر الدليل الكتابي من أهم أدلة الإثبات، ويمتاز عن بقية الوسائل الأخرى بإعداده مقدما، أي وقت حصول الواقعة أو التصرف القانوني مصدر الحق، وقبل حدوث أي نزاع. والكتابة التي يتم بها الإثبات إمّا أن تكون في ورقة رسمية أو في ورقة عرفية. فالورقة الرسمية هي التى يثبت فيها موظف أو ضابط عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تمّ على يديه أو ما تلقاه من ذوى الشأن وذلك في حدود سلطته واختصاصه(م 324 مدني). أمّا الأوراق العرفية فهي المحررات الصادرة عن الأفراد وليس عن موظف عام، موقعة ممّن صدرت منه بإمضائه أو ختمه أو بصمته.
2ـ الشهـادة: وهي إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظ الشهادة لإثبات حق على الغير، وتسمّى البينة لأنها تبين ما في النفس وتكشف الحق فيما اختلف فيه. وللقاضي سلطة تقدير الشهادة فله أن يأخذ بها إذا اقتنع، أو أن يرفضها مهما كان الشهود. وكتمان الشهادة إثم نهى الله عنه، كما أنذ شهادة الزور كبيرة من الكبائر، وقد نص قانون العقوبات الجزائري في المادة 265 منه على المعاقبة بالحبس والغرامة على شهادة الزور.
3ـ الإقرار: هو اعتراف شخص أمام القضاء بواقعة معينة، مدعى عليه بها لآخر بقصد اعتبار هذا الأمر ثابتا في ذمته وإعفاء الآخرين من إثباته، وذلك أثناء السير في الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة، والإقرار حجة قاطعة على المقر( م 342 مدني)، وذلك إذا وقع أمام القاضي، أمّ إذا وقع خارج المحكمة فيخضع لتقدير القاضي. ومع أنّ الإقرار سيد الأدلة كما يقال، إلاّ أنه يعتبر حجّة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره، بحيث يؤاخذ به المقر وحده دون سواه لأن المقر لا ولاية له إلاّ على نفسه.
4ـ اليمين: يقصد بها قيام الخصم بالحلف لإشهاد الله سبحانه و تعالى على صدق واقعة سابقة يدعي وقوعها. و قد تكون اليمين حاسمة أو متممة.
فاليمين الحاسمة تكون عندما يكون عبء الإثبات على الخصم و يعوزه الدليل، فإنه يوجه "اليمين الحاسمة" إلى خصمه احتكاما إلى ضميره و حسما للنزاع، وهي دليل من لا دليل له، فقد تكون الملاذ الأخير لمن ينقصه الدليل. وتتمثل آثارها في أنه إذا حلف من وجهت إليه ترفض دعوى المدعي، وإذا نكل(رفض) من وجهت إليه اليمين يحكم للمدعي.
أمّا اليمين المتممة فيوجهها القاضي من تلقاء نفسه إلى أي من الخصمين لكي يستكمل بها الأدلة الأخرى. ويشترط لتوجيه هذه اليمين ألاّ يكون في الدعوى دليل كامل وألاّ تكون الدعوى خالية من أي دليل، و بخلاف اليمين الحاسمة، لا يجوز للخصم الذي وجهت إليه هذه اليمين أن يردها على الخصم الآخر، ولكونها دليلا غير كامل فالقاضي لا يتقيِّد بها.
5ـ القرائن: هي أمر يستخلصها القانون أو القاضي لأمر مجهول من واقعة معلومة،وهي أنواع:
ـ قرائن قضائية: يستنبطها القاضي من ظروف الدعوى.
ـ قرائن قانونية: يستنبطها المقنن وتنص عليها القوانين (مثال: م. 499 مدني "الوفاء بقسط من بدل الإيجار يعتبر قرينة على الوفاء بالأقساط السابقة حتى يقوم الدليل على عكس ذلك". وتنقسم القرينة القانونية أيضا إلى: ـ قرينة قانونية بسيطة: وهي التي تقبل إثبات العكس، وهي الأصل في القرائن، وإثبات عكس القرينة يتم بكافة طرق الإثبات. ـ وقرينة قاطعة: وهي التي لا تقبل إثبات عكس ماتقرره. ومثال ذلك ما نصت عليه المادة 338 مدني التي تجعل الأحكام التي حازت حجية الأمر المقضي حجة فيما فصلت فيه من الخصومة ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة.
الفرع الثاني: على من يقع عبء الإثبات
إنّ معرفة الخصم الذي يقع عليه عبء الإثبات من الناحية العملية له أهمية خاصة، تتمثل في معرفة الطرف الذي يلزم قبل الآخر بتقديم الدليل على صحة مزاعمه، فالقاعدة العامة المقررة في الإثبات أن "البينة على من ادعى"، ولذلك نص القانون المدني في المادة 323 منه "على الدائن إثبات الإلتزما وعلى المدين إثبات التخلص منه". ولا يقصد من عبارة المدعي هو المدعي في الدعوى، وإنّما المقصود منها هو من تخالف دعواه الظاهر، والأصل في كل الامور هو الظاهر، كمن يضع يده على شيء يعتبر صاحب حق عليه، ومن يدعي ملكية ذلك الشيء فعليه أن يثبت ذلك.
المبحث الثاني: حدود الحق
الأصل أن لصاحب الحق كامل الحرية في أن يستعمل السلطة الممنوحة له بالشكل الذي يريده أن يكون مسئولا عن الأضرار التي تصيب الآخرين مادام أنه لم يجاوز الحدود التي رسمها له القانون. والاستثناء هو إذا تعسف الشخص في استعمال حقه - حتى لو كان ذلك دون تجاوز لحدود هذا الحق - يكون نوعا من الخطأ الذي يستوجب مساءلته. وقد تبنّى المقنن الجزائري نظرية التعسف في استعمال الحق في المادة 41 من القانون المدني الملغاة، والتي مع إلغائها فيبقى حكمها باقيا لأنها تقرر مبدا قانونيا وهو عدم التعسف في إستعمال الحق. ويكون استعمال الحق غير مشروع إذا انحرف به صاحبه عن الغرض منه أو عن وظيفته الاجتماعية، وذلك في حالة:
1ـ عدم مشروعية المصلحة: إذا قصد صاحب الحق من استعماله لحقه الوصول إلى هدف لا يقرّه القانون، وذلك كاطلاعه على زوجة جاره أو بناته، أو إلحاق الضرر به ماديا أو معنويا، أو قام رب العمل بفصل عاملة رفضت أن تجاريه لأغراضه غير المشروعة.
2ـ قصد الإضرار بالغير(معيار شخصي): كإذا بنى مالك قطعة الأرض جدارا فيها قصد حجب النور عن جاره.
3ـ رجحان الضرر عن المصلحة(معيار موضوعي): ومعناه عدم التناسب بين مصلحة صاحب الحق وبين ما ينتج عنها من ضرر بالغير
و تتمثل أهم تطبيقات التعسف في استعمال الحق في: الإرتفاع بالبناء بقصد حجب النور و الهواء عن الجار، من يمسك بزوجته في الطلاق الرجعي خلال عدتها، ليس بقصد العدول عن الطلاق بل لغرض إطالة العدة عليها إضرارا بها. رب العمل الذي يفصل العامل بغير سبب جاد، رفع الدعاوى الكيدية.
وينبغي أن نشير إلى أنّ الضرر إذا كان مألوفا يكون مسموحا به كبكاء الأطفال أو صراخهم، أو نباح الكلاب، أو خروج الشخص مبكرا، أو رجوعه متأخرا،ً أو الجلبة البسيطة في المناسبات الاجتماعية، أمّا إن تجاوز الضرر الحد المألوف فإنّه يعتبر تعسفا كأن يقوم شخص ببناء مصنع كيماويات أو مدبغة جلود على أرضه فتنبعث ضجة أو رائحة تلحق ضررا غير مألوف بالجار.

ويأخذ القانون في الاعتبار في نالتعسف في استعمال الحق العرف وموقع العقارات وطبيعتها والغرض المعدّ له العقار ولا يحول الترخيص الصادر عن الجهات المختصة دون استعمال حق الجار بمطالبة بإزالة الضرر.
أمّا الجزاء الذي يترتب على مضار الجوار، فيجوز للمحكمة الحكم بإزالة الضرر الذي لحق بالجار أو إلحاق ضرر غير مألوف فللقاضي سلطة تقديرية في كيفية إزالة الضرر: فقد يحكم مثلا بتعلية المدخنة أو يحكم بوضع عوازل للصوت،أو يحكم بعدم تشغيل المصنع في ساعات معينة، أو يحكم بإغلاق المنشأة..
الفصل السادس: إنقضاء الحق
لا تبقى الحقوق قائمة إلى الأبد، بل لابد من حصول وقائع أو تصرفات - كأسباب كسبها تماما- يترتب عليها إنقضاء هذا الحق، والوقائع سواء كانت تلك طبيعية أو قانونية، أمّا التصرف القانوني فهو كل عمل إرادي اتجه لإحداث أثر قانوني معين. فإذا كان هذا الأثر القانوني هو
إنشاء حق فقد تنصرف الإرادة إلى إنهاء حق قائم فينقضي، والانقضاء هنا أثر قانوني يرتبه القانون إعمالا للإرادة.
ونتطرق فيما يأتي بإيجاز إلى انقضاء الحق في الحقوق العينية، والحقوق الذهنية، ونفصل بعض الشيء في انقضاء الحقوق الشخصية.
فبالنسبة لانقضاء الحقوق العينية فينقضي الحق العيني إذا انقضت الأسباب الناقلة له، وهي أسباب انقضاء بالنسبة للسلف، و أسباب اكتساب بالنسبة للخلف. وينقضي الحق العيني التبعي، تبعا لانقضاء الحق الشخصي الضامن له، وقد ينقضي بصفة أصلية كما في حالة هلاك الشيء المرهون وفق ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 965 مدني.
أمّا الحقوق الذهنية فتنقضي بانقضاء مدة معينة تختلف من دولة أخرى، بحيث يصبح بعدها هذا الحق جزءا من الثروة الفكرية العامة، فيمتلكه المجتمع، و لا تعود له صفة الحق الخاص، لأن الجانب المالي من الحقوق الذهنية هو حق مؤقت بإجماع القوانين الحديثة، و لقد نصت المادة (68)من قانون حق المؤلف على أنه "توضع المؤلفات التي أصبحت ملكا للجمهور تحت حماية الدولة". و لقد حددّ القانون الجزائري مدة انقضاء الحق الذهني بخمس وعشرين (25) سنة من وفاة المؤلف و هو الأجل الذي نصت عليه اتفاقية جنيف سنة1952. فلصاحب الحق أن يستغل ماليا ثمرة فكرة طوال حياته، و تؤول من بعده إلى ورثته، و بعد مضي مدة (25) سنة يسقط الجانب المالي للحقوق الذهنية بالنسبة للورثة، غير أن المقنن الجزائري نص في المادة 68 من قانون حق المؤلف أن المؤلفات التي أصبحت ملكا الجمهور توضع تحت حماية الدولة.
ومن ثمة فلابد من الحصول على ترخيص من وزارة الثقافة والاتصال في هذا الشأن، و يكون بالتالي لأي كان يستفيد ماليا منه دون أن يلتزم بأي مقابل نحو الورثة.
أمّا بالنسبة لانقضاء الحق الشخصي فقد يزول وينقضي الحق باستيفائه أي بحصول صاحبه عليه، وبالوفاء من الشخص الملزم به، وهذا ما سنتعرض له في المبحث الأول تحت عنوان إستيفاء الحق ذاته.
وفي بعض الحالات لا يحصل صاحب الحق على الحق ذاته، وإنّما يحصل على ما يقابله أو يساويه، فينقضي الحق باستيفاء ما يعادله، وهذا ما نتعرض له في المبحث الثاني تحت عنوان إستيفاء ما يعادل الحق.
وقد ينقضي الحق بطرق أخرى دون الحصول عليه بذاته أو بمقابل، وهذا ما سنتعرض له في المبحث الثالث تحت عنوان عدم إستيفاء الحق.
المبحث الأول: إنقضاء الحق باستيفائه
المقصود باستيفاء الحق ذاته التنفيذ العيني، أي قيام الملتزم بأداء الحق إلى صاحبه، وهو الطريق الطبيعي لانقضاء الحق وانتهائه، وذلك عن طريق استيفئه ذاته، أي عن طريق وفاء المدين لما التزم به، كما لو قا مالمقترض برد المال إلى المقرض إنقضى حق هذا الأخير، وانتهى اتزام المقترض بالوفاء. وقد عالج ذلك القانون المقنن الجزائري أحكام الوفاء في المواد من 258 إلى 284 من القانون المدني.
أولا: طرفا الوفاء:
1ـ الموفي: هو المدين أو نائبه أو شخص آخر كالكفيل وحائز العقار المرهون.
2ـ الموفى له: هو الدائن أو نائبه أو خلفه العام كالوارث أو خلفه الخاص كالمحال إليه.
ثانيا: محل الوفاء: يجب الوفاء بالمحل ذاته لا بشيء آخر، وبع كله لا ببعضه، فإذا كان محل الحق شيئا معينا بذاته في العقد، فلا يجبر الدائن على قبول شيء غيره حتى لو كان مساويا لمحل الحق في القيمة ومن نفس الجنس، بل وحتى لو كان له قيمة أكثر من قيمة الشيء محل الحق. ويجب أن يكون الوفاء بكل الحق، ومعنى ذلك أن يكون وفاء المدين بالتزامه زفاء كليا لا جزئيا، لأنه لا جبر الدائن على قبول وفاء جزئي إلاّ بالإتفاق على ذلك أو بنص القانون.
المبحث الثاني: إنقضاء الحق بما يعادل الوفاء
قد لا ينقضي الحق بذاته في بعض الحالات أي عن طريق الوفاء، فقد يزول بطرق أخرى تقوم مقام الوفاء في انقضاء الحق، وتتمثل في:
أولا: الوفاء بمقابل: قد يستوفي الدائن حقه بشيء آخر بدلا من المحل الأصلي، وذلك باتفاق الدائن والمدين كاستيفاء مبلغ من النقود بدلا من ملكية عقار (م285 مدني).
ثانيا: التجديد: يقصد به اتفاق صاحب الحق والملزم به على استبدال حق قديم بحق جديد، فيترتب على ذلك إنقضاء الحق القديم وإنشاء حق آخر جديد يختلف عنه إمّا في محله أو سببه أو أحد أشخاصه، ويتم تجديد الحق بإحدى الصور الثلاث، وهي( م289 مدني):
1ـ تغيير محل الحق ومضمونه بين طرفي الحق، فينقضي بذلك الحق الأصلي ويحل محله الحق الجديد.
2ـ تغيير المدين، وذلك باتفاق بين الدائن مع الغير بأن يحل هذا الأخير محل المدين الأصلي، او باتفاق بين بين الدئن والمدين على أن يحل شخص أجنبي محل المدين الأصلي.
3ـ بتغيير الدائن إذا تم الإتفاق بين الدائن والمدين والغير على أن يكون هذا الأخير هو الدائن الجديد.
ولا يفترض التجديد بل يجب الإتفاق عليه صراحة، أو استخلاصه بوضوح من الظروف (م289 مدني).
ثالثا: الإنابة: وتتم باتفاق ثلاثة أشخاص: الغير ويسمى المناب، والمدين ويسمى المنيب، والدائن ويسمى المناب لديه. وتكون هذه الإنابة في الحالات التي يحصل فيها المدين على موافقة الدائن بقبول الوفاء بالحق من شخص ثالث.
رابعا: المقاصة: هي عبارة عن تصفية حسابية بين الحقوق والإلتزامات من جانب الطرفين، إذا كان احدهما دائن للآخر ومدين له في نفس الوقت، وقد نظم المقنن الجزائري احكام المقاصة في المواد من 297 إلى 303 من القانون المدني.
خامسا: إتحاد الذمة: هو إجتماع صفة الدائن والمدين في شخص واحد بالنسبة لدين واحد، فينقض بذلك هذا الحق بالقدر الذي اتحدت فيه الذمّة( م304 مدني).
المبحث الثالث: انقضاء الحق دون الوفاء به
قد ينقضي الحق رغم عدم استيفاء صاحبه له سواء بذلته أو بما يعادله، ويتمثل ذلك في:
أولا: الإبراء: هو تنازل الدائن باختياره عن حقه بدون عوض أو مقابل، ويعتبر من أعمال التبرع، وتسري عليه الأحكام الموضوعية التي تسري على التبرع. ويتم الإبراء متى وصل إلى علم المدين، والذي له أن يقبله فيتم، أو يرفضه فيصبح باطلا (المادتين 305، 306 مدني).
ثانيا: إستحالة الوفاء: يصبح تنفيذ الإلتزام مستحيلا بسبب أجنبي لا يد للمدين فيه، وهذا السبب الأجنبي هو الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة، أو خطأ الدائن، أو فعل الغير, فهذه الأمور لم تكن متوقعة، وحدوثها جعل تنفيذ الإلتزام مستحيلا، الأمر الذ أدى إلى إنقضاء الحق وزواله دون استيفائه. وقد أورد القانون المدني استحالة الوفاء كسبب لانقضاء الحق في المادو 307.
ثانيا: التقادم: يقصد به مرور مدة زمنية معيّنة في القانون بنص خاص، ينقضي بها الحق إذا لم يقم صاحبه بالمطالبة به عن طريق القضاء، فإذا سكت الدائن عن المطالبة بحقه خلال هذه الفترة المحددة بنص قانوني، فإنّ حق الدائن ينقضي ولا يعود بإمكانه إرغام المدين على الوفاء.
وقد نصّ القانون المدني الجزائري على نوعين من التقادم، التقادم المكسب، وذلك في الحقوق العينية حسب المادة 827 وما بعدها، والتقادم المسقط وذلك في الحقوق الشخصية حسب المادة 308 وما بعدها.