المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظرية السيميولوجية



spisos
01-03-2009, 19:06
مدخل إلى المنهج السيميائي

عرف النقد العربي الحديث والمعاصر مجموعة من المناهج النقدية بفضل المثاقفة و الترجمة والاحتكاك مع الغرب ، من بينها : المنهج البنيوي اللساني والمنهج البنيوي التكويني والمنهج التفكيكي ومنهج القراءة والتقبل الجمالي والمنهج السيميولوجي الذي أصبح منهجا وتصورا ونظرية وعلما لايمكن الاستغناء عنه لما أظهر عند الكثير من الدارسين والباحثين من نجاعة تحليلية وكفاءة تشريحية في شتى التخصصات والمعارف الإنسانية.إذا، ماهي السيميولوجيا؟ وما منابعها؟ ومامرتكزاتها المنهجية؟ وما هي اتجاهاتها ومدارسها؟ وما مجالات تطبيقها سواء في الغرب أم عند العرب؟ وإلى أي مدى حقق البحث السيميائي نجاعته وفعاليته في مقاربة النصوص وتحليلها ولاسيما الأدبية منها . هذه هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها قدر الإمكان.

1- تعريف المصطلح:

إن أهم الإشكالات النظرية التي يصطدم بها الدرس السيميائي يتجلى بالأساس في تداخل المصطلحات وتشعبها واختلاف مضامينها. لذلك سوف نقتصر في هذا الصدد على تحليل مدلول المصطلحين الرئيسين المستعملين في هذا الحقل المعرفي وهما: السيميوطيقاSémiotique والسيميولوجياsémiologie معترفين أننا مهما حاولنا إيجاد محاولة لتعريف هذين المصطلحين لانستطيع أن نستقر على تعريف دقيق ومحدد، لأن" أية محاولة للتعريف، لابد لها أن تصطدم بتعدد وجهات النظر في تحديد هوية هذا الحقل المعرفي تحديدا قارا. خصوصا إذا نحن أدركنا الحيز الزمني الذي يستغرقه وهو حيز قصير"
ويضيف جون كلود كوكيه J.C.Coquet أحد اقطاب مدرسة باريس السيميائية قائلا:" إن القارىء العادي، وكذلك الباحث في مجال العلوم الاجتماعية من حقهما أن يتساءلا عن موضوع هذا العلم، إلا أنهما مع ذلك يجب أن يعلما- على الأقل- أن التعريفات والتحديدات، تختلف ولاسيما إذا تعلق الأمر بموضوع علمي لم يمر على ميلاده وقت طويل".
إن هذين المصطلحين يترادفان على المستوى المعجمي، حيث استعملا في الأصل للدلالة على" علم في الطب وموضوعه دراسة العلامات الدالة على المرض". ولاسيما في التراث الإغريقي حيث عدت السيميوطيقا جزءا لايتجزأ من علم الطب.
وقد وظف أفلاطون لفظ Sémiotike للدلالة على فن الإقناع، كما اهتم ارسطو هو الآخر بنظرية المعنى وظل عملهما في هذا المجال مرتبطا أشد مايكون بالمنطق الصوري، ثم توالت اهتمامات الرواقيين الذين أسسوا نظرية سيميولوجية تقوم على التمييز بين الدال والمدلول والشيء (المرجع).
ومع بداية النهضة الأروبية نصادف الفيلسوف ليبنتزLeibnitz الذي "حاول أن يبحث عن نحو كلي للدلائل، وعن ضرورة وجود لغة رياضية شكلية تنطبق على كل طريقة في التفكير" .
وإذ حاولنا استقراء تراثنا العربي، وجدناه حافلا بالدراسات المنصبة على دراسة الأنساق الدالة، وكشف قوانينها ولاسيما تلك المجهودات القيمة التي بذلها مفكرونا من مناطقة وبلاغيين وفلاسفة وأصوليين...إلخ.بيد أن مثل هذه الآراء السيميولوجية التي شملتها كل هذه المجالات المعرفية لم تكن منهجية أو مؤسسة على أسس متينة ولم تحاول يوما أن تؤسس نظرية متماسكة تؤطرها أو تحدد موضوع دراستها أو اختيارالأدوات والمصطلحات الإجرائية الدقيقة التي تقوم عليها. وبالتالي لم تفكر في استقلالية هذا العلم، بل ظلت هذه الآراء السيميولوجية مضطربة تجرفها وتتقاذفها التصورات الإيديولوجية والسوسيولوجية والثقافية. ويقول مبارك حنون في هذا الصدد :" إلا أن مثل تلك الآراء السيميولوجية التي احتضنتها مجالات معرفية عديدة. بقيت معزولة عن بعضها البعض. ومفتقدة لبنية نظرية تؤطرها كلها.
وإذا،بقيت عاجزة عن أن تبني لنفسها كيانا تصوريا ونسيجا نظريا مستقلا إلى أن جاء كل من سوسير وبورس".
يتفق جل الباحثين على أن المشروع السيميولوجي المعاصر بشر به سوسير في فرنسا في كتابه" محاضرات في اللسانيات العامة"،وارتبط هذا العلم بالمنطق على يد الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بورس CHS . PEIRCE في أمريكا. لكن على الرغم من ظهورهما في مرحلة زمنية متقاربة، فإن بحث كل منهما استقل وانفصل عن الآخر انفصالا تاما إلى حد ما.فالأول- كما قلنا- بشر في "محاضراته"ب" ظهورعلم جديد سماه السيميولوجيا(Sémiologie) سيهتم بدراسة الدلائل أو العلامات في قلب الحياة الاجتماعية ولن" يعدو أن يكون موضوعه الرئيسي مجموعة الأنساق القائمة على اعتباطية الدلالة" على حد تعبير سوسير-Saussure- الذي يقول كذلك في هذا الصدد:" ونستطيع – إذا- أن نتصور علما يدرس حياة الرموز والدلالات المتداولة في الوسط المجتمعي، وهذا العلم يشكل جزءا من علم النفس العام. ونطلق عليه مصطلح علم الدلالة Sémiologie : من الكلمة الإغريقية دلالة Sémion. وهو علم يفيدنا موضوعه الجهة التي تقتنص بها أنواع الدلالات والمعاني. ومادام هذا العلم لم يوجد بعد فلا نستطيع أن نتنبأ بمصيره غير أننا نصرح بأن له الحق في الوجود وقد تحدد موضوعه بصفة قبلية. وليس علم اللسان إلا جزءا من هذا العلم العام."
وقد تزامن هذا التبشيرمع مجهودات بورس( 1839-1914) الذي نحا منحى فلسفيا منطقيا. وأطلق على هذا العلم الذي كان يهتم به ب "السيميوطيقا " SEMIOTIQUE" واعتقد تبعا لهذا أن النشاط الإنساني نشاط سيميائي في مختلف مظاهره وتجلياته. ويعد هذا العلم في نظره إطارا مرجعيا يشمل كل الدراسات. يقول وهو بصدد تحديد المجال السيميائي العام الذي يتبناه : " إنه لم يكن باستطاعتي يوما ما دراسة أي شيء- رياضيات كان أم أخلاقا أو ميتافيزيقا أو جاذبية أو ديناميكا حرارية أو بصريات أو كيمياء أو تشريحا مقارنا أو فلكا أو علم نفس أو علم صوت، أو اقتصاد أو تاريخ علوم أو ويستا( ضرب من لعب الورق) أو رجالا ونساء،أو خمرا، أو علم مقاييس دون أن تكون هذه الدراسة سيميائية".
إذا،فالسيميوطيقا حسب بورس تعني نظرية عامة للعلامات وتمفصلاتها في الفكر الإنساني، ثم إنها صفة لنظرية عامة للعلامات والأنساق الدلالية في كافة أشكالها... وبالتالي، تعد سيميائية بورس مطابقة لعلم المنطق . يقول أمبرطو إيكو Umberto Eco في هذا الخصوص عن بورس محددا مضمون علمه بكل دقة ووضوح وعلاقته بعلم المنطق:" لنستمع الآن إلى بورس: إنني حسب علمي الرائد أو بالأحرى أول من ارتاد هذا الموضوع المتمثل في تفسير وكشف ماسميته السيميوطيقا SEMIOTIC أي نظرية الطبيعة الجوهرية والأصناف الأساسية لأي سيميوزيس محتمل" إن هذه السيميوطيقا التي يطلق عليها في موضع آخر" المنطق" تعرض نفسها كنظرية للدلائل. وهذا مايربطها بمفهوم " السيميوزيس" الذي يعد على نحو دقيق الخاصية المكونة للدلائل".
ويحسن بنا في هذا المضمار،أن نستحضر بعض تعاريف باقي الباحثين السيميائيين ولو بإيجاز كي يتسنى لنا التمييز بين المصطلحين أو بعبارة كي نستطيع الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه علينا بإلحاح ألا وهو: الفرق بين المصطلحين. وبالتالي، هل يؤثر تغيير شكل المصطلحين على تغيير مضمونهما؟
فهذا بيير غيرو Pierre Guiraud- أحد أساتذة جامعة نيس الفرنسية- يعرف السيميوطيقا قائلا:" السيميوطيقا علم يهتم بدراسة أنظمة العلامات ، اللغات، أنظمة الإشارات، التعليمات...إلخ. وهذا التحديد يجعل اللغة جزءا من السيميوطيقا".
يتبين لنا من خلال هذا التعريف أعلاه ، أن غيرو يتبنى نفس الطرح السوسيري الذي يعتبر اللسانيات فرعا من السيميولوجيا، غير أن رولان بارت Roland Barthes سيفند هذا الطرح ويقلب المعادلة على عقبيها ، بتأكيده على أن السيميولجيا لايمكن أن تكون سوى نسخة من المعرفة اللسانية. فإذا كان العالم السوسيري قد ضيق الدرس السيميولوجي ووجه كل اهتماماته للغة، وجعلها الأصل محل الصدارة ، فإن مفهوم بارت للسيميولوجيا فسح المجال بحيث اتسع حتى استوعب دراسة الأساطير واهتم بأنسقة من العلامات التي أسقطت من سيميولوجية سوسير كاللباس وأطباق الأكل والديكورات المنزلية ،ونضيف الأطعمة والأشربة وكل الخطابات التي تحمل انطباعات رمزية ودلالية.
أما جورج مونان George Mounin أحد أنصار اتجاه سيمياء التواصل بفرنسا إلى جانب كل من برييطو Prieto وبويسنس BuyssensومارتينيهMartinet...إلخ فيعني بالسيميولوجيا:"دراسة جميع السلوكات أو الأنظمة التواصلية، وعوض في الفرنسية بالسيميوطيقاSEMIOTIQUE ". ثم نصادف باحثا آخر وهو أمبرطو إيكو أحد اقطاب المدرسة الإيطالية السيميائية الذي يفضل استبدال مصطلح السيميولوجيا SEMIOLOGIEبمصطلح السميوطيقا SEMIOTIQUE يقول في مستهل كتابه: البنية الغائبة La structure Absente معرفا هذا العلم " السيميوطيقا تعني علم العلامات" .
أما بالنسبة لمدرسة باريس التي تضم كلا من غريماسGreimas وكوكيهCoquet وأريفيArrivéإلخ...فلها تعريف مغاير للتعاريف السالفة الذكر. فالسيميوطيقا في مشروعها" تأسيس نظرية عامة لأنظمة الدلالة" .
هذا، ويتبين لنا من خلال التعريف أن السيميولوجيا والسيميوطيقا متقاربتان في المعنى. فالسيميولوجيا –إذا- مترادفة للسيميوطيقا، وموضوعها دراسة أنظمة العلامات أيا كان مصدرها لغويا أو سننيا أو مؤشريا كما تدرس أنظمة العلامات غير اللسانية. فلم تعد ثمة أسباب أو مبررات تجعل أحد المصطلحين يحظى بالسيادة دون الآخر. وإن كانت هناك أسباب تميز بعضهما. فهي في الواقع أسباب تافهة تعتمد النزعة الإقليمية على حد تعبيرترنس هوكز الذي يقول في هذا الخصوص: " ومن غير اليسيرالتمييز بينهما، وتستعمل كلتا اللفظتين للإشارة إلى هذا العلم( يعني به علم الإشارات) والفرق الوحيد بين هاتين اللفظتين أن السيميولوجيا مفضلة عند الأوربيين تقديرا لصياغة سوسير لهذه اللفظة، بينما يبدو أن الناطقين بالإنجليزية يميلون إلى تفضيل السيميوطيقا احتراما للعالم الأمريكي بيرس" ؛ لكن الصيغة الثانية السيميوطيقا كتسمية لمجال هذا العلم هي التي أقرت أخيرا. وقد أخذ بها من قبل " المجمع الدولي لعلم السيميوطيقا"المنعقد بباريس في شهريناير سنة 1909م. يقول أمبرطو إيكو في هذا الصدد:" لقد قررنا على كل حال أن نتبنى هنا بصفة نهائية مصطلح السيميوطيقا Sémiotique بدون أن نتوقف عند المناقشات حول التوريطات الفلسفية أو المنهجية لكلا المصطلحين. نحن نخضع بكل بساطة للقرار المتخذ في يناير سنة 1969 بباريس من لدن الهيئة الدولية التي تمخضت عنها الجمعية الدولية للسيميوطيقا والتي قبلت ( بدون أن تقصي استعمال السيميولوجيا) مصطلح السيميوطيقا على أنه هو الذي ينبغي ابتداء من الآن أن يغطي جميع المفاهيم الممكنة للمصطلحين المتنافس فيهما" .
والاختلاف بين السيميولوجيا والسيميوطيقا في رأي كثير من الباحثين لايجب أن يأخذ الجانب الأوسع، أو الحيز الكبير من اهتماماتهم. إذ هما سيان كما رأينا، غير أن هذه الأخيرة، ونعني السيميوطيقا أصبحت تطغى في الساحة. يقول غريماس ردا على سؤال روجي بول درواRoger-Pol-droit حول الاختلاف بين المصطلحين في حوار صدرته صحيفة " العالم Le Monde " 7 يونيو 1974م تحت عنوان: "علم العلامات" : " أظن أنه لاينبغي أن نضيع الوقت في مثل هذه الجدالات الكلامية حينما تكون أمامنا أشياء كثيرة. فعندما تقرر منذ سنوات في 1968 إحداث جمعية دولية، وجب الاختيار بين المصطلحين. وبتأثير من جاكبسون وموافقة ليفي شتراوس وبنفنست وبارت بالإضافة إلي تم التمسك بالسيميوطيقا غير أن مصطلح السيميولوجيا له جذور عميقة في فرنسا. ومن ثم تم الأخذ بتسمية مزدوجة، وقد يعتقد اليوم أن الأمر يتعلق بشيئين مختلفين. وهذا أمر مغلوط طبعا. وسنقترح في الغالب وتبعا لنصيحة هيلمسليف لتخصيص اسم السيميوطيقات Sémiotiques للأبحاث المتعلقة بالمجالات الخاصة كالمجال الأدبي والسينمائي والحركي كما سنعتبر السيميولوجيا بمثابة النظرية العامة لهذه السيميوطيقات."
أهم ما يمكن أن نستشفه من خلال هذا التصريح ال"ﯖريماصي" هو أنه حاول أن يقدم تفسيرا دقيقا لظاهرة لم يتم الحسم فيها على ما يبدو واقترح تبعا لنصيحة هيلمسليف Hjelmslev الأبحاث التي سيختص بها كل على حدة. فالسيميوطيقا ستنصب اهتماماتها على القسم المتعلق بالمجالات التطبيقية في حين يعد علم السيميولوجيا مجالا نظريا عاما تندرج تحته جميع السيميوطيقات وهذا ما نلامسه من خلال تصفحنا لبعض الكتب التي ألفت في هذا المجال. فحينما يتعلق الأمربتحليل نصوص أدبية كانت أم توراتية ( دينية) أو حينما يتعلق الأمر بمحاولات تطبيقية بصفة عامة. يفضل مؤلفو هذه الكتب استعمال مصطلح السيميوطيقا لعنونة مؤلفاتهم التطبيقية ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: " عن المعنى: محاولات سيميوطيقية" Du sens :essais sémiotiques " لغريماس و"موباسان: سيميوطيقة النص، تمارين تطبيقية" Maupassant :la "sémiotique du texte : exercices pratiquesوالتحليل السيميوطيقي للنصوص- Analyse sémiotique des textes لجماعة أنتروفيرن وغيرها من المؤلفات مثل : ميشيل أريفي وكوكيه إلخ...
ونستنتج من كل ما سبق، أن السميولوجيا والسميوطيقا كلمتان مترادفتان مهما كان بينهما من اختلافات دلالية دقيقة، أي إن السيميولوجيا تصور نظري والسيميوطيقا إجراء تحليلي وتطبيقي. وبالتالي، يمكن القول بأن السيميولوجيا هي علم ونظرية عامة ومنهج نقدي تحليلي وتطبيقي.

2- المرجعيات والمنابت:

وتجدر الإشارة إلى أن السيميولوجيا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنموذج اللساني البنيوي الذي أرسى دعائمه وأسسه العالم السويسري فرديناند دو سوسير منذ القطيعة الإبيستمولوجية التي أحدثها في ميدان الدراسات الألسنية إن جاز التعبير مع الفيلولوجيا وفقه اللغة واللسانيات التاريخية الدياكرونية.وقد جعلت هذه القطيعة اللسانيات العلم الشامل والرائد الذي تستفيد منه مختلف المدارس والمشارب المعرفية كالنقد الأدبي والأسلوبية والتحليل النفسي وعلم الاجتماع بالإضافة إلى جهود الوظيفيين والكلوسماتيكيين في اللسانيات والشكلانيين الروس في الشعرية.
وأخيرا، السيميولوجيا باعتبارها علما حديث النشأة اقتدت هي الأخرى في بناء صرحها النظري بالمبحث اللساني البنيوي، واستقت منه تقنيات وآليات ومفاهيم تحليلية تعد بمثابة مرتكزات أساسية يقوم عليها المبحث السيميائي الحديث، ولاسيما سيميوطيقا الدلالة التي تندرج في إطارها أبحاث رولان بارت السيميائية. هذا الأخير الذي التجأ منهجيا إلى اشتقاق بعض الثنائيات اللسانية وطبقها على موضوعات سيميائية غير لغوية ذات طبيعة اجتماعية كالألبسة والأطعمة...إلخ. أهم هذه الثنائيات: اللسان/الكلام، الدال/المدلول، المركب /النظام، التقرير/ الإيحاء.
وعليه، يمكن أن نحدد مجموعة من المرجعيات التي استندت إليها السيميولوجيا أو السيميوطيقا. ومن هذه المرجعيات أو المنابع:
1- الفكر اليوناني مع أفلاطون وأرسطو والرواقيين؛
2- التراث العربي الإسلامي الوسيط ( المتصوفة- نقاد البلاغة والأدب كالجاحظ...)؛
3- الفكر الفلسفي والمنطقي والتداولي( بيرس، فريج، كارناب، راسل...)؛
4- اللسانيات البنيوية والتداولية التحويلية بكل مدارسها واتجاهاتها؛
5- الشكلانية الروسية ولاسيما فلاديمير بروب صاحب المتن الخرافي الذي انطلق منه كريماس وكلود بريمون لخلق تصورهما النظري والتطبيقي إلى جانب أعلام أخرى في مجالات الشعر والأدب والسرد....؛
6- فلسفة الأشكال الرمزية مع إرنست كاسيرر الذي درس مجموعة من الأنظمة الرمزية التواصلية مثل: الدين والأسطورة والفن والعلم والتاريخ.

3- مبادىء السيميوطيقا:

من المعلوم أن السيميوطيقا هي لعبة الهدم والبناء،تبحث عن المعنى من خلال بنية الاختلاف ولغة الشكل والبنى الدالة. ولايهم السيميوطيقا المضمون ولامن قال النص، بل مايهمها كيف قال النص ماقاله،أي شكل النص. ومن هنا فالسيميوطيقا هي دراسة لأشكال المضامين. وتنبني على خطوتين إجرائيتين وهما: التفكيك والتركيب قصد إعادة بناء النص من جديد وتحديد ثوابته البنيوية.
وترتكز السيميوطيقا على ثلاثة مبادىء أساسية، وهي:
أ‌- تحليل محايث: نقصد بالتحليل المحايث البحث عن الشروط الداخلية المتحكمة في تكوين الدلالة وإقصاء المحيل الخارجي. وعليه،فالمعنى يجب أن ينظر إليه على أنه أثر ناتج عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر.
ب‌- تحليل بنيوي: يكتسي المعنى وجوده بالاختلاف وفي الاختلاف. ومن ثم، فإن إدراك معنى الأقوال والنصوص يفترض وجود نظام مبنين من العلاقات. وهذا بدوره يؤدي بنا إلى تسليم أن عناصر النص لا دلالة لها إلا عبر شبكة من العلاقات القائمة بينها. ولذا لايجب الاهتمام إلا بالعناصر إلا ماكان منها داخلا في نظام الاختلاف تقييما وبناء. وهو مانسميه شكل المضمون، أي بعبارة أخرى تحليلا بنيويا لأنه لا يهدف إلى وصف المعنى نفسه، وإنما شكله ومعماره.
ت‌- تحليل الخطاب: يهتم التحليل السيميوطيقي بالخطاب، أي يهتم ببناء نظام لإنتاج الأقوال والنصوص وهو ما يسمى بالقدرة الخطابية. وهذا ما يميزه عن اللسانيات البنيوية التي تهتم بالجملة.

4- المدارس والاتجاهات السيميولوجية:

لقد استعرض مارسيلو داسكال هذه الاتجاهات في اتجاهين رئيسيين:المدرسة الأمريكية المنبثقة عن بيرس والتي يمثلها كل من موريس وكارناب وسيبووك ، والمدرسة الفرنسية أو بالأحرى الأوربية المنبثقة عن سوسير والتي يمثلها كل من بويسنس وبرييطو وجورج مونان ورولان بارت وغيرهم. كما استعرض بعض الاتجاهات الفرعية الأخرى يمثلها كل من ﯖريماس وبوشنسكي وجوليا كريستيفا. لكن ما يلاحظ على مارسيلو داسكالMarcelo Dascal هو إغفاله لاتجاه أو مدرسة تعد من أهم المدارس السيميولوجية الروسي، وهي مدرسة تارتو التي يمثلها كل من يوري لوتمان وأسبنسكي وبياتغورسكي وإيفانوف.
أما الأستاذ محمد السرغيني فهو يرتضي تقسيما ثلاثيا للاتجاهات السيميولوجية تتمثل في الاتجاه الأمريكي والاتجاه الفرنسي والاتجاه الروسي. ولكنه يقسم الاتجاه الفرنسي إلى فروع على النحو التالي:
1- سيميولوجيا التواصل والإبلاغ كما عند جورج مونان؛
2- اتجاه الدلالة الذي ينقسم بدوره إلى الأشكال التالية:
أ‌- اتجاه بارت وميتزالذي يحاول تطبيق اللغة على الأنساق غير اللفظية.
ب‌- اتجاه مدرسة باريس الذي يضم : ميشيل أريفي وكلود كوكيه وﯖريماس.
ت‌- اتجاه السيميوطيقا المادية مع جوليا كريستيفا.
ث‌- اتجاه الأشكال الرمزية مع مولينو وجان جاك ناتيي أو ما يسمى مدرسة " إيكس" على اعتبار مولينو كان ولايزال يدرس بكلية آداب هذه المدينة الفرنسية.
في حين يفضل مبارك حنون التقسيم التالي: سيميولوجيا التواصل، وسيميولوجيا الدلالة، وسيميوطيقا بورس، ورمزية كاسيرر وسيميولوجيا الثقافة مع الباحثين الروس ( يوري لوتمان وأوسبانسكي وإيفانوف وطوبوروف...) والباحثين الإيطاليين ( أمبرطو إيكو وروسي لاندي...)، وتنطلق هذه السيميولوجيا من اعتبار" الظواهر الثقافية موضوعات تواصلية وأنساقا دلالية".

5- موضوع السيميائيات:

من خلال تمعن التعريفات التي قدمت للسيميائيات يتضح أنها جميعها تتضمن مصطلح العلامة. ويعني هذا أن السيميولوجيا هي علم العلامات ( الأيقون- الرمز- الإشارة). ومن الصعب إيجاد تعريف دقيق للعلامة لاختلاف مدلولها من باحث لآخر. فعند فرديناند دوسوسير تتكون العلامة من الدال والمدلول والمرجع. ولكنه استبعد المرجع لطابعه الحسي والمادي واكتفى بالصورة الصوتية وهي الدال والصورة الذهنية المعنوية وهي المدلول.كما اعتبرالسيميولوجيا علما للعلامات التي تدرس في حضن المجتمع. وهذا يؤكد لنا ارتكازالعلامة على ماهو لغوي ونفسي واجتماعي. وتبدو العلامة في تعاريف السيميائيين كيانا واسعا ومفهوما قاعديا وأساسيا في جميع علوم اللغة.
وتنقسم العلامات على نسقين:
أ‌- العلامات اللغوية المنطوقة:(اللغة- الشعر- الرواية-....).
ب‌- العلامات غيراللفظية:( الأزياء- الأطعمة والأشربة- الإشهار- علامات المرور- الفنون الحركية والبصرية كالسينما والمسرح والتشكيل ...).
وإذا كانت العلامة عند سوسير علامة مجردة تتكون من الدال والمدلول ، أي تتجرد من الواقع والطابع الحسي والمرجعي. فإن العلامة عند ميخائيل باختين العالم الروسي ذات بعد مادي واقعي لايمكن فصلها عن الإيديولوجيا. وفي نظره ليس كل علامة إيديولوجية ظلا للواقع فحسب وإنما هي كذلك قطعة مادية من هذا الواقع. إضافة على ذلك، يرى باختين أن العلامات لايمكن أن تظهر إلا في ميدان تفاعل الأفراد أي في إطار التواصل الاجتماعي. وبذلك فوجود العلامات ليس أبدا غير التجسيد المادي لهذا التواصل. ومن هنا يخلص باختين في دراسته السيميائية إلى ثلاث قواعد منهجية وهي:
1- عدم فصل الإيديولوجيا عن الواقع المادي للعلامة.
2- عدم عزل العلامة عن الأشكال المحسوسة للتواصل الاجتماعي.
3- عدم عزل التواصل واشكاله عن أساسهما المادي.

6- علاقة السيميائيات بالمجالات الأخرى:

للسيميولوجيا تفاعلات كثيرة مع معارف وحقول أخرى داخل المنظومة الفكرية والعلمية والمنهجية. فلقد ارتبطت السيميولوجيا في نشاتها مع اللسانيات والفلسفة وعلم النفس والسوسيولوجيا والمنطق والفينومولوجيا أو فلسفة الظواهرعلاوة على ارتباطها بدراسة الأنتروبولوجيا كتحليل الأساطيروالأنساق الثقافية غير اللفظية. كما ترتبط السيميولوجيا منهجيا بدراسة الأدب والفنون اللفظية والبصرية كالموسيقى والتشكيل والمسرح والسينما. وترتبط كذلك بالهرمونيطيقا وبدراسة الكتب الدينية المقدسة. وارتبطت كذلك بالشعرية والنحو والبلاغة وباقي المعارف الأخرى. وإذا كانت السيميولوجيا أعم من اللسانيات أي إن اللسانيات جزء من السيميولوجيا كما عند سوسير فإن رولان بارت يعتبر السيميولوجيا أخص من اللسانيات، أي إن السيميولوجيا فرع من اللسانيات وأن كثيرا من العلامات البصرية والأنساق غير اللفظية تستعين بالأنظمة اللغوية.

7- مجالات التطبيق السيميولوجي:

لقد صار التحليل السيميوطيقي تصورا نظريا ومنهجا تطبيقيا في شتى المعارف والدراسات الإنسانية والفكرية والعلمية وأداة في مقاربة الأنساق اللغوية وغير اللغوية. وأصبح هذا التحليل مفتاحا حداثيا وموضة لابد من الالتجاء إليها قصد عصرنة الفهم وآليات التأويل والقراءة. ويمكن الآن أن نذكر مجموعة من الحقول التي استعملت فيها التقنية السيميوطيقية للتفكيك والتركيب:
1- الشعر( مولينو- رومان جاكبسون- جوليا كريستيفا- جيرار دولودال- ميكائيل ريفاتير....).
2- الرواية والقصة: ( ﯖريماس- كلود بريموند- بارت- كريستيفا-تودوروف- جيرار جنيت- فيليب هامون...).
3- الأسطورة والخرافة:( فلاديمير بروب...).
4- المسرح( هيلبو- كير إيلامElam Keir).
5- السينما( كريستيان ميتز- يوري لوتمان...).
6- الإشهار( رولان بارت- جورج بنينوG. Penino – جان دوران J. Durand ...).
7- الأزياء والأطعمة والأشربة والموضة ( رولان بارت-....).
8- التشكيل وفن الرسم:(بييرفروكستيل Pierre Francastel- لويس مارتانlouis Martin- هوبرت داميش Ebert Damisch- جان لويس شيفر....).
9- التواصل: ( جورج مونان- برييطو-....).
10-الثقافة( يوري لوتمان- توبوروف- بياتيكورسكي- إيفانوف- أوسبنسكي- أمبرطو إيكو- روسي لاندي-....).
11-الصورة الفوتوغرافية:( العدد الأول من مجلة التواصل- رولان بارتAvedon –...).
21- القصة المصورة La bande dessinée :(بيير فريزنولد دورييلPierre Fresmanlt-Deruelle........ ).
13- الموسيقى: ( مجلة Musique en jeu في سنوات 70-1971 ...).
14- الفن: (موكاروفسكي-.....).

8- السيميولوجيا في العالم العربي:

ظهرت السيميولوجيا في العالم العربي عن طريق الترجمة والمثاقفة والاطلاع على الإنتاجات المنشورة في أوربا والتلمذة على أساتذة السيميولوجيا في جامعات الغرب . وقد بدأت السيميولوجيا في دول المغرب العربي أولا، وبعض الأقطار العربية الأخرى ثانيا، عبر محاضرات الأساتذة منذ الثمانينيات عن طريق نشر كتب ودراسات ومقالات تعريفية بالسيميولوجيا(حنون مبارك- محمد السرغيني- سمير المرزوقي - جميل شاكر- عواد علي- صلاح فضل- جميل حمداوي- فريال جبوري غزول-...)، أو عن طريق الترجمة( محمد البكري- أنطون أبي زيد- عبد الرحمن بوعلي- سعيد بنكراد...)، وإنجاز أعمال تطبيقية في شكل كتب( محمد مفتاح- عبد الفتاح كليطو- سعيد بنكراد- محمد السرغيني- سامي سويدان...)، أومقالات(انظر مجلة علامات ودراسات أدبية لسانية وسيميائية بالمغرب ومجلة عالم الفكر الكويتية وعلامات في النقد السعودية ومجلة فصول المصرية- ...)، ورسائل وأطروحات جامعية تقارب النصوص الأدبية و الفنية والسياسية... على ضوء المنهج السيميائي أنجزت بالمغرب وتونس وهي لاتعد ولاتحصى.
ولقد وقع النقد السيميولوجي العربي في عدة اضطرابات اصطلاحية ومفاهيمية في ترجمة المصطلح الغربيSémiologie-Sémiotique إذ نجد : علم الدلالة (محمد البكري...)- الرمزية(أنطون طعمة في دراسته" السميولوجيا والأدب"...)- السيمياء( محمد مفتاح في كتابه " في سيمياء الشعر القديم")- علم العلامات- علم الإشارات- السيميولوجيا- السيميوطيقا…
وما يلاحظ على هذه التطبيقات السميائية أنها عبارة عن تمارين شكلية تغفل الجوانب المرجعية والمضمونية والأبعاد الإيديولوجية، كما تخلط بين المناهج تلفيقا وانتقاء.أما النتائج المتوصل إليها فأغلبها تبقى- في اعتقادي- تحصيل حاصل بعد تسويد العديد من الأوراق المرفقة بالأشكال والجداول والرسومات الهندسية والأسهم التواصلية ؛ولكن الفائدة قليلة جدا تتمثل في لعبة التفكيك والتركيب دون الحصول على معارف جديدة ماعدا القليل من الدراسات والأبحاث الجادة. ويلاحظ أيضا أن هذا المنهج السيميائي يقف عند حدود الملاحظة والوصف ولا يتعدى ذلك إلى التقويم والتوجيه الذين يعدان من أهم عناصر النقد الأدبي.

خاتمة:

تلكم نظرة موجزة عن مفهوم السيميولوجيا وما يتصل بها من مفاهيم، وتلكم كذلك أهم منابتها المرجعية و مبادىء التحليل السيميائي ومستوياته ومدارسه واتجاهاته وتطبيقاته في الغرب والعالم العربي.


- الهوامش:
1 - عبد الرحيم جيران: ( مفهوم السيميائيات)، الحوار الأكاديمي والجامعي، العدد1، السنة 1يناير1988، ص:7؛
- J.C.Coquet et autres : Sémiotique : l’école de Paris. Hachette 1982, Paris : 5 ;
- A regarder, Le petit Robert, Paris, 1976, p : 1633 ;
- أنور المرتجي: سيميائية النص الأدبي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،ط1، 1987، ص: 3؛
- مبارك حنون: ( السيميائيات بين التوحد والتعدد)، الحوار الأكاديمي والجامعي، العدد2، فبراير 1988، السنة1، ص: 8؛
- فرديناند دي سوسير: محاضرات في علم اللسان العام، ترجمة عبد القادر قنيني، ط1، 1987،أفريقيا الشرق، الدارالبيضاء، ص:88؛
- نفس المرجع، ص:26؛
-Oswald Ducrot/Tzvetan Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. Edition du Seuil, 1972, p : 11 ;
- نقلا عن ترجمة إدريس بلمليح: الرؤية البيانية عند الجاحظ، ط1، 1984، دار الثقافة ، البيضاء، ص:111؛
- بيير غيرو: السيمياء، ترجمة: أنطون أبي زيد،ط1، 1984، منشورات عويدات بيروت ، لبنان، ص: 5؛
- George Mounin : Clefs pour la
Linguistique .Collection Clefs ,19 éditions, Paris : 133 ;
- U .ECO : La Structure Absente : 8 ;
- Coquet et autres : Sémiotique : l’école de Paris, p : 5 ;
- ترنس هوكز: البنيوية وعلم الإشارة، ترجمة مجيد الماشطة، ط1 ،1996، بغداد ، العراق، ص:114؛
-U. Eco : la Structure Absente : 11 ;
- A regarder : la sémiotique : L’école de Paris, Paris :128 ;
- رولان بارت: مبادىء في علم الأدلة، ترجمة محمد البكري، دار قرطبة للنشر بالدارالبيضاء ، ط1، 1986؛
-Groupe d’Entreverne : Analyse Sémiotique des textes, éd. Toubkal, Casablanca, 1987, p : 7-9 ;
- مارسيلو داسكال: الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، ترجمة حميد لحميداني وأخرين، ط1 ، 1987، دار أفريقيا الشرق، البيضاء.
- د. محمد السرغيني: محاضرات في السيميولوجيا،دار الثقافة ، الدار البيضاء، ط1 ،1987م؛
- محمد السرغيني: نفس المرجع، صص:55-66؛
- مبارك حنون :دروس في السيميائيات، ط1 ، 1987، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء؛
- المرجع السابق، ص: 85؛
- انظرد. عبد الرحمن بوعلي: محاضرات في السيميولوجيا، ألقيت على طلبة الإجازة بكلية الآداب بوجدة سنة 2005-2006؛

spisos
01-03-2009, 19:18
http://vb.arabseyes.com/uploaded/43101_1199713585.gif
سيميائية النص الأدبي:

من الصعب تحديد مصطلح السيميائية نظرا إلى تشعب المنظور الدلالي
للكلمة، سواء من حيث طبيعتها الكلية أو الجزئية ، غير أن هذا لا يمنع من الإحاطة
بمبحث دلالة الألفظ في محتواها المنطقي والبلاغي، ضمن ما تدل عليه مباحث اللغة،
من خلال رصد دائرة المطابقة في بعض ما تتضمنه من دلالات الكلمة، بوصفها ذات
مستويات عديدة في البناء التركيبي للنظام اللغوي ، سواء من حيث نمط المواصفة، أو
من خلال الحدود المرسومة ، أو ما ينجز عن ذلك من أداء وصياغة أسلوبية، بما في
ذلك معاني الحروف والمفردات، كما عبر عن ذلك الساكي في كتابه مفتاح العلوم
بقوله: إن المفردات رموز على معانيها ، وإن كان هذا لا ينفي وجود فوارق صوتية
. في مفردات الحروف تختص بها 1
إن صلة اللفظ بمدلوله من الصفات المميزة لحقل العلامات التي لها طبائع في
البناء التركيبي لمدلول اللفظ، وما ينتج عنه من إشارات، وعلامات سيميائية، تتدرج
لتمحور العناصر التكوينية للبناء اللفظي، ذلك أن اللفظ المفرد إما أن يكون معناه
مستقلا بالمفهومية، بحيث لا يحتاج في فهم معناه الإرادي إلى غيره أو لا يكون كذلك
2"
لقد جاءت السيميائية لتقريب العلوم الإنسانية من حقل العلوم التجريبية، وهي تهتم
بإنتاج العلامات واستخدامها، بحيث تتجّلى الأنظمة السيميولوجية من خلال العلاقات
بين هذه العلامات.
والسيميولوجية منهج يهتم بدراسة حياة الدلائل داخل الحياة الاجتماعية، ويحيلنا الى
معرفة كنه هذه الدلائل، وعّلتها، وكينونتها، ومجمل القوانين، التي تحكمها. فالكون
-------------------------------------
- 1 مفتاح العلوم الانسانية 151
. - 2 محمد عبد المطلب : مفهوم العلامة في التراث ، مجلة فصول، ع 4 ، مج ، 1986 6


مركب من دلائل، وبذلك كانت السيميولوجيا بحسب دي سوسير " علم يعرفنا على
وظيفة هذه الدلائل والقوانين التي تتحكم فيها" 3 ويعمل من جهة على دراستها بكل
أبعادها، وأستعمالاتها، وتعقيداتها دراسة شاملة، وعامة، لكل مظاهرها العلامية؛
لأن ذلك يشكل جوهر ما يندرج ضمن أهدافها، وغاياتها، ومطامحها، في تحقيق
المشروع السيميولوجي الذي يرمي من وجهة نظر [ هينو ] " الى تأسيس وعي بنيوي
للاستقراء الدلالي، ويعني ذلك وصف القواعد العامة لإنتاج المعنى الإنساني وصفا
دقيقا " 4 ؛ وفي ذلك محاولة لفك رموز الخطاب، والاهتمام بخلية النص من حيث كونه
مولدا لمجموع من العلاقات والرموز، ذات مدلولات لا يمكن الكشف عنها إلا من
خلال العلاقات الجدلية القائمة بينها؛ إذ " الطبيعة الحقيقية للأشياء لا تكمن في الأشياء
. نفسها، بل في العلاقات التي نك  ونها، ثم ندركها بين الأشياء 5
ومع ذلك ما يزال المشروع السيميولوجي رهين المغامرة. فهو علم مستحدث
اصطلاحيا، لكنه قديم قدم الإنسان في تجاربه واحتكاكه بالكون وبالطبيعة ، وهو حقل
علمي واسع ومتنوع يقارب المسعى الفكري في إدراك العلاقات بين العلامات . ونظرا
إلى ذلك فهو يستند إلى علوم مختلفة ويلتمس مشروعيته من مجالات إبستيمولوجية
متداخلة ، كما أنه لم يستقم بعد كعلم خاص له أدواته المعرفية الخاصة، وأطره
وأجهزته المميزة. ولعل علم النفس العام هو السند الأكبر له، لكون هذه الدلائل ذات
طابع اجتماعي نفسي، ومن ثم فقد تبنى دي سوسير " آدم الألسنة " سيكولوجية
اجتماعية لتدعيم منحاه السيميولوجي. وعلى الرغم من ذلك ، ما يزال هذا الحقل
متضمنا في علوم أخرى ما دمنا نفتقد إلى مفتاح ندخل به إلى عالمه وهو ينحو إلى
التجريد والشمولية . وتظل، إلى جانب ذلك، معظم المقاربات التحليلية حول المفاهيم
والأبعاد السيميائية تعاني غيابا للمنهج المعاصر في مواصلة البحث السيميولوجي الذي
يحوم حول الموضوع ولا يدخله.
--------------------------------------
- 3 حنون مبارك : دروس في السيميائيات، دار توبقال للنشر، المغرب، ص 79
- 4 محمد الناصر العجمي: مدخل الى نظرية غريماص السردية / الفكر العربي المعاصر
. 1990 ، ص 80 – 79/ ،ع/ 78
. - 5 ترنس هوكز: البنيوية وعلم الإشارة ، بغداد، 1986 ، ص 14


وعلى الرغم من المحاولات الجادة في السعي إلى توسيع هذا الحقل وتقريبه
إلى الأذهان إلا أنه ظل يشكو عدم القدرة على تحديد توجهاته. ومن أسباب ذلك عدم
تمكنه من الأداة المعرفية التي يطرح بها إشكالاته من منظور جدلي وفقدان الفكر
الديالكتيكي الذي يبث من خلال رؤاه. وإن اتخذ المصطلح مفهوما مشتركا وهو دراسة
حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية، إلا أن كيفية الطرح والمعالجة تختلف، مما
أفضى إلى تعددية الخطاب السيميائي، فمنهم من يحيله إلى مجرد خطوط بيانية تحصر
جدلية الطرح في أطر أو مثلثات، ومنهم من قلص فضاءه ليحيله إلى معادلة ثنائية لا
تتعدى العلاقة فيها طرفيها ، وهذا ما غيب الجانب الديناميكي والحركي لهذا الحقل؛
ليظل طيلة السنوات الأخيرة مجرد حقل تجارب يستمد خبراته من مختبر العلوم
الأخرى بما فيها الرياضيات، والمنطق، وعلم النفس، وغيره من العلوم التي أحالته إلى
محض ممارسة مجانية. إلا أن هذا الجدل في الرؤيا والتعددية في الطرح، أكسب
السيميولوجيا وجودا مغايرا ومفهوما مناقضا للأفكار السابقة في ميدان ممارساتها،
ومجال استعمالاتها، فاتخذت من الممارسات الفنية أوسع فضاء لها.
لقد تعددت المفاهيم السيميولوجية في أدبيات النقاد، والألسنيين، والفلاسفة، مما
أقضى إلى ظهور سيميولوجيات متولدة عن التعارض في المنطلقات والتصورات.
، وتتمثل هذه الأختلافات في التعارض " من حيث النظريات السيميوطيقية المتناثرة " 6
والمفترحة من قبل المنظرين، وفي البعد التصوري لما يمكن أن يخلق نظرية
سيميولوجية، وقد نتجت هذه الأختلافات من تعددية القراءة لمفاهيم دي سوسير، وما
نجم عنها من تأويلات أعطت أبعادا وتصورات جديدة لهذا الحقل، من حيث الطرح
والرؤيا وتجاوز العهد الذي طغت فيه اللغويات وسيطرت فيه العلامة. فمنهم من
يمنطق هذا الحقل بحيث يجعله مرادفا للمنطق ، والرائد في هذا بيرس الذي يقول: "
إن المنطق في معناه العام ليس إلا كلمة أخرى للسيميوطيقا " 7 . وعلى الرغم من أن
معظم الأطروحات السيميائية تتخذ من الظواهر الاجتماعية على اعتبار أنها دوال
----------------------------------
. - 6 مارسيلو داسكال: الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، المغرب ، 1987 ، ص 18
. - 7 أمينة رشيد: السيموطيقا، مفاهيم وأبعاد، مجلة الفصول، م 1،ع 1981،3


لها مدلولات موضوعا لها، فقد جاءت " السيميوطيقا لتكون العلم الذي يدرس بنية
الإشارات وعلائقها " 8 إلا أن هذا العلم لم يستوف مقوماته المعرفية، وقدراته
المنهجية، لتحقيق استقلالية طموحة تخرج عن دوائر اللغويات ومستويات الطرح
الأحادي، وربما يكون تودوروف من الذين ثاروا على طغيان الألسنية التي جعلت من
نفسها نموذجا سميولوجيا، ومن ثم فقد دعا هذا الباحث إلى تحرر هذا العلم وألح على
أنه "يجب على السيميوطيقا أن تدخل عهدها الثالث الذي يصبح فيه العلم المستقل القائم
على تمييز العلامات والرموز" 9 . وفي المقابل تطل علينا كريستيفا ياستقراء لا محدود
لعالم الرموز والإشارات اللامحدودة، وتنطلق من جدلية النص والذات لتعلن أن "
السيميولوجيا هي لحظة التفكير في قوانين التدليل دون أن تبقى أسيرة اللغة التواصلية
التي تخلو من مكان الذات" 10 ، وتقصد باللغة، هنا، اللغة الأداتية أو الوسيطة، أو الناقلة
التي هي كائنة من أجل الإيصال وحسب، ولكن ما عساه يكون هذا التدليل؟.
إن كريستيفا تنتشلنا من التساؤل لتقول إن تفكيك الدليل، وخلق فضاء جديد، من
المواقع القابلة للقلب والتأليب، ذلك هو فضاء التدليل، وهذه مساهمة جريئة لا تخلو من
رؤيا جديدة، وإذا كانت محاولات بعض اللغويين، والفلاسفة، والمنظرين لعلم
السيميولوجية قد حققت بعض المنجزات وحّلقت بعيدا، محاولة الإلمام بمجالات شتى
في ممارسات جمة، فإنها أخفقت في بلورة مفاهيمها وتصوراتها في نظرية عامة،
ورؤيا شاملة، تستوعب الواقع والذات. فما يكاد هذا الحقل يستقر حتى يتزعزع هدوؤه
المزعوم، وربما مآل ذلك الى ما ينطبق عليه القاموس السيميوطيقي من مصطلحات،
كالمؤشر، والأيقونة، والإشارة، والدليل، والتواصل، والشفيرة، والمؤول،
والعلامة،....إلخ، إلا أن ثراء القاموس وإن كان لا يؤدي بالضرورة الى حقائق
مسلم بها فما هو إلا نتيجة لكثرة رواده وتباين اتجاهاته. فتعددت بذلك فروع
السيميولوجية وتقاطعت اتجاهاتها ولم يظهر هذا التنوع، والتفرع، والتصور،
------------------------------
. - 8 بيير جيرو:علم الإشارة، دار طلاس، دمشق، ص 9
- 9 مجلة فصول العدد السابق ص 47
-10 مارسيلو داسكال: الإتجاهات السيميولوجية المعاصرة ص 70


والاستعمال. وهذا يعكس ما ذهبت إليه جان مرتيني في تحديدها للاتجاهات الثلاثة
للسيميولوجية 11 ، بحيث يتناولها الاتجاه الأول ممثلا في "مونان " من حيث الاتصال،
ويستعملها الثاني على مستوى الدلالة "بارت" بينما يستخدمها الثالث " موريس" في
جميع استعمالاتها، وهذا ما أثار إشكالية الدلالة والاتصال، ومن ثم تعددت أشكال،
وأنماط ،وأوصاف الاتصال، انطلاقا من السلوك الاتصالي الحيواني الى الأنظمة
الترميزية البشرية. وبما أن التواصل يكون بوساطة الأنظمة من العلامات الدالة، فلا
ينبغي له أن يتم بين أحداث دالة ف " إنتاج الإعلام عبر إشارات هو الموضوع
الأساسي لعلم السيميولوجية 12 الذي هو بحث في ماهية هذه الإشارات، وعّلتها، وكيفية
حدوثها، أو انتاجها ووظيفتها، والقوانين التي تتحكم بها.
---------------------------
-11 مجلة فصول، العدد السابق ص 43
. - 12 المرجع نفسه، ص 44

شبيهة القمر
01-03-2009, 19:20
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

الشكر موصول للأخ الكريم

إضافة حتى لا يضيع الطلبة بين الكم الكبير للمعلومات




إذا أتينا نتحدث عن النظريات السيميولوجية علينا ان نعرف

أن هناك اتجاهات كثيرة

منها الاتجاه الفرنسي او الاوروربي بقيادة ديسوسير و معه ممن تبعه :

بويسنس + بريطو الايطالي + جورج مونان الفرنسي + رولاند بارث

و الاتجاه الاميركي و رئيسها شارل ساندرس بيرس و تبعه :

موريس + كارناب + سيبووك


و الاتجاه الروسي : او ما يقال له مدرسة tarto

و ألمع الأسماء نجد :

يوري لوتمان + أسبينسكي + ايفانوف + بيا تغورسكي




و عموما هناك عندنا انواع عديدة من المدارس المتخصصة و هي :

سيميولوجيا التواصل

سيميولوجيا الدلالة

سيميوطيقا بيرس

رمزية كاسيير

و سيميولوجيا الثقافة مع كل من الروس و الايطاليين



يتبع ماما تنادي للعشاء

نكمل أهم النظريات


تحياتي

spisos
01-03-2009, 19:28
السيميائية من نظرية المحاكاة إلى النظرية الشكلية



1- الفاعل في المنظور البنيوي السيميائي

أحدثت المدرسة الشكلية الروسية (1916-1930) تحولا هاما، في المفاهيم النقدية التقليدية في روسيا و في العالم الغربي، الذي هاجرت إليه . وقد يُعتبر أصحابها " مخصصين" Spécifier ، نظرا لاستطاعتهم الفصل، بين الدراسات الأدبية، و غيرها من الدراسات الإنسانية ، مثل التاريخ و علم الاجتماع و علم النفس . و هو ما يُشعر بالانتقال ، من نظرية المحاكاة لأفلاطون ، الذي يرى بأن العمل الفني محاكاة الواقع ، واجبه تمثيل أو وصف الحياة كما هي، أو كما ينبغي أن تكون . 1 و قد تهتم هذه النظرية، اهتماما خاصا بجانب المضمون الذي - غالبا ما - يفرض واجبا أخلاقيا على الأدب، على خلاف من "النظرية الشكلية" لأرسطو، الذي تتوقف نظرته إلى العمل الإبداعي عند الحدود الشكلية لا غير . ما دام العمل الفني في نظره، هو عالم كامل مستقل بذاته، وأن جماله " كجمال أي كائن حي، يتوقف على حجمه و على تنظيم أجزائه." 2

و انطلاقا من هذا التصور، توجه النقاد إلى دراسة القوانين الداخلية والوظائف، التي تحكم نظام البناء النصي، بُغية تعمّق المفاهيم، و النظريات حتى تنمو و تتطور، في ظل تقنية واعية و منظمة، من شأنها تحديد المادة الأدبية، وضبطها في سمات مميزة تجعل منها " أدبية الأدب" . و قد اعتبر أصحاب هذا الاتجاه ، الأدب ليس أدبا هادفا بقدر ما هو نظام من اللعب . 3 كما رفضوا ما يُسمى بقضية الشكل و المضمون المنفصلين، معتمدين في ذلك على أن الشكل و المضمون يذوبان في الإبداع الأدبي .

يُعدّ " فلاديمير بروب " من أبرز أعضاء مدرسة الشكليين الروس ، إذ سار بالتحليل الشكلي خطوة حاسمة ، تُعد بداية حقيقة مشجعة، لمسار المنهج البنيوي، الذي يتعامل مع الأشكال السردية، من خلال نموذج التحليل الشكلي، و الوظائفي، و قد أحدث كتابه : "مورفولوجيا الحكاية الخرافية الروسية " الذي ظهر سنة 1929 تحولا كبيرا ، في تاريخ التحليل القصصي ، وكان هدفه هو " وصف الحكاية حسب أجزائها ، التي تتكون منها ، و علاقة هذه الأجزاء ببعضها ، و بالمجموع ." 4

استخلص "بروب"، من مائة حكاية شعبية روسية ، ما سماه "بالنموذج الوظائفي"، أي البنية الشكلية الوحيدة، التي تتفرع منها، عدد لا نهائي من الحكايات، و إن كانت مختلفة التراكيب و الأشكال. و الوظيفة هي فعل الشخصية، من وجهة دلالته، في سير الحكاية . لقد أبعد "بروب" الشخصيات ومبرراتها النفسانية، بوصفها و حدات متغيرة، لا تُسهم في استنتاج القيمة الوظيفية، و اقتصر إلا على الأفعال، التي مهما تبدلت الشخصيات و تغيرت، تبقى وحدات ثابتة، لا تتغير، استطاع "بروب" حصرها في إحدى و ثلاثين وظيفة، تتفاوت في الأهمية، و ليست مجتمعة ، في حكاية واحدة ، تحوم حول غاية واحدة ، و هي إصلاح الإساءة ، أو تعويض الافتقار ، من خلال التتابع الفعلي، و الحتمي، لعنصر الصراع، الذي غالبا ما يفضي، إلى نهايات إيجابية، وسعيدة ، متوجة بالانتصار .

و قد لاحظ "كلود بريمو"، بأن نتيجة الانتصار، ليست النتيجة الوحيدة الممكنة، إذ أن هناك نتيجة أخرى، يقرها منطق السلوك البشري، وهي نتيجة الهزيمة و الإخفاق، مما جعله يفرع الوظيفة الأساسية، في السرد الحكائي، إلى أنساق، تتكون من الوظائف التالية :


لم يتجاوز "بروب"، المجال الضيق، الذي عرض فيه منهجه، مكتفيا بالإشارة، إلى التماثل البنيوي، الذي يقرب بين الحكايات الشعبية العالمية، مهما اختلف انتماؤها الحضاري و الجغرافي. شكلت هذه الإرهاصات قاعدة أساسية في مجال التحليل البنيوي، إذ تزايد اهتمام النقاد و الدارسين، ببنية النص و عناصره المنسجمة، كما وقفوا على نواته و وحداته الوظيفية ورموزه السيميائية و شحناته الدلالية المتناسقة والمتكاملة، فتعددت الدراسات و تنوعت اتجاهاتها ، ففي الوقت الذي كان "سارتر"، يمضي في التركيز على الوجودية المقترنة بالماركسية ، كان "بارث" و "غريماس" و غيرهما يتوجهون تدريجـيا ، إلى السيميائية عند العالم اللغوي " فرديناد دي سوسير" السويسري (1857-1914) الذي تطابق منهجه، مع الفيلسوف الأمريكي" تشارلز سوندرز بيريس" (1839-1914)، و لما كان " لفي شتراوس"، " قد طبق منهج علم اللغة البنيوي على الظواهر الاجتماعية ، رأى "بارث" من الأنسب أن يدرس الأدب بهذا المنهج ، بل سعى إلى حد المطالبة بتوسيع " المنهج و تطبيقه على دراسة التراث الفلسفي و الثقافي ." 6 و قد نجد كتابه " لذة النص" (Le Plaisir du texte )على قدر كبير من الأهمية، لما يحمله من مبادئ نقدية ، تُوحي بانتظامها جميعا في نسق فكري متكامل، يومئ بقدرة فذة ، على التجريد و البناء النظري ، و من أفكاره، أن الأدب مخلوق ذهني، لا يُدرك إلا بالتعلم بواسطة النقد عن طريق شكل من أشكال عقولنا نحن ، مما يبدو لكل واحد منا بأنه بنيوي لذاته. 7

لقد أسهمت الفلسفة منذ نشأتها مرورا بمناطقة العرب ، إلى العلماء المحدثين ، في بلورة مفهوم الدلالة ، بغرض تحديد دور العلامة و خصوصا دور اللغة في المعرفة . و قد يعود الفضل " لدي سوسير" ، في فتحه الآفاق أمام الأبحاث السميائية العلمية المتنوعة ، التي شاعت في الألسنة الأوروبية ، التي يعدها "سوسير" سوى فرع من علم العلامات العام. 8، بينما يتبنى " بارث " وجهة نظر مخالفة، عندما اعتبر علم السيميائية المنشود ، تأسسه فرعا من علم الألسنية.

و لعل أهمية " علم الدلالة "، تكمن بوجه خاص، في الكشف عن حركية الدلالة، و إبراز مستوياتها، و إعادة بنائها بهدف تعيين الوحدات الدالة، "و تنظيمها و فق "سلم تراتبي " متكامل البناء. يسلمنا هذا إلى تعيين الجوامع المنهجية القائمة بين"علم الدلالة " و "علم اللسان"، مؤكدين أن أهم مبدإ أفادته "الدلالية" من "الألسنية"، القول بأن المعنى شكل و ليس مادة. و من الجلي أن المبدأ المذكور، يناقض الاتجاه التقليدي السائد، في فهم الدلالة، و القائم على اعتبارها مادة مستقلة بذاته ، و أن وظيفة اللغة ، لا تعدو أنها رداء خارجي ، يكسو الفكرة ، و يعكسها بأمانة و شفافية ." 9 و قد انتهى "علم الألسنية الحديث" ، منذ عقود إلى فرضية، و هي أن "الدلالة" مثلها مثل اللغة، شكل و ليست مادة، لأن "اللغة" ليست انعكاسا آليا للواقع، أو ترجيعا موضوعيا له، و إنما هي تجزيئ له تجزيئا خاصا، و تأويله تأويلا يتنوع بتنوع التجارب ، و يتلون حسب العلاقات القائمة بين مختلف المجموعات البشرية ، و الوسط الذي تعيش فيه . إذ تُعتبر اللغة في نظر "سوسير" من أهم الموضوعات الاجتماعية ، إذ " لا توجد إلا من خلال نوع من العقد المشاع بين أفراد المجموعة." 10 و لا يمكن أن ننكر ما للعرب القدامى من فضل السبق والريادة، في مجال اللغة و الفلسفة و الأصول و الفقه والنقد و الأدب ...الخ. فقد أثروا الدراسات الدلالية بشكل مستفيض، إذ تناولوا بالتحليل و الدرس جملة من المفاهيم ، من عدة أوجه فكرية مختلفة، ( لا يتسع المجال لتناولها بالتحليل ) منها: النظم و السياق و اللفظ و المعنى والمفهوم و الصورة الذهنية و المرجع والمدرك و الدال و المدلول أي المعلول والعلة، و دراسة علاقتها التماثلية، وفق مختلف مستوياتها الصوتية و النحوية و الدلالية. فالتاريخ المبكر للبحوث والدراسات الدلالية العربية إنما "يعني نضجا أحرزته العربية، و أصله الدارسون في جوانبها." 11 مما مهد الطريق أمام البنيويين المحدثين، الذين طوروا هذه التصورات والمفاهيم الفكرية بشكل يتماشى و طموحاتهم التحليلية الصورية العميقة، من خلال خطوات إجرائية تطرح فرضيات حلول مجردة، ثم تقيسها على الواقع التجريبي انطلاقا من أصغر وحدة ، و هي الحرف المقطع الصوتي للكلمة، إلى حدود الجملة، من مختلف أوجه مجالات الحقول المعرفية في الميدان اللساني. 12

ففيما يسعى "علم الألسنية" إلى اختزال الوحدات الدالة الصغرى المميزة انطلاقا من الجملة. تحتل الدراسات السيميائية مكانتها على صعيد أرفع، مستهدفة استقراء النظام الدلالي وفقا لوحدة أكبر من الجملة، و هي الخطاب، الذي لا يُستنتج منه فائدة، بمجرد ضمّ الوحدات الدلالية الصغرى المكونة له، وإنما يتم استخلاصه جملة وفي كليته كوحدة كبرى، تتآلف من كلية الأنساق المختلفة. و لعل الاهتمام الخاص و المتزايد بالسيميائية، ( التي تأسست ردا على الألسنية ) ، هو نتيجة حاجة مختلف فروع المعرفة لأدوات إجرائية ، قادرة على الوصف و التفسير والتحليل، بدرجة عالية من الدقة ، إذ نراها تصلح حاليا، "لأن تكون وسيلة فعالة لاستقصاء أنماط متنوعة، من عمليات الاتصال والتبليغ. إذ أنها أصبحت تمتلك عُدّة من المفاهيم المجردة تتيح لها استيعاب ما هو مشترك ، بين كثير من هذه العمليات. " 13

و قد تساعد منطلقات السيمياء المنهجية، على تحويل العلوم الأدبية، من مجرد تأملات، إلى علوم بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، من خلال المظاهر الدلالية العامة، انطلاقا من تجلياتها اللغوية، التي تتيح طرح تصور للأنساق المجردة التي تحكم العلاقات الرابطة بين العناصر و الانتقال بوساطتها من مستوى إلى مستوى آخر، لإدراك النظام الكامن من خلال المستوى التجريدي، الذي ينحو نحو كشف البنيات العميقة، التي ينطوي عليها العمل، و الكامنة وراء صياغة النص الأدبي. 14 الذي يُعد في نظر الدراسات البنيوية ، لا يمثل الواقع و ليس منعكسا عن ظلاله، بل هو عالم يتأسس بنظام العلامات، مفرغ من المحتوى النفسي. و خارج عن إطار ذات الكاتب و التاريخ . فهو نظام من منظور لغوي بحث 15، يتكوّن من أنساق وحداتها واضحة ، تحكم العلاقات التي تربط بين العناصر، التي لا يُسمح بفصل أجزائها، لأن الجزء يستدعي آخر حتى نهاية البنية . فنظام النص السردي، كل متكامل قائم بذاته، يحتوي على وحدات مختلفة أصنافها متجانسة ، تنسجم في مستويات متنوعة تؤدي إلى نظام متعدد الأبعاد. يقودنا هذا الطرح المنهجي، إلى تصور النص الأدبي الذي يتأسس من خلال منطقه الداخلي، غير خاضع لأي منطق خارج عنه و إن امتزج به . فنظام مادته ينطلق من فرضية مؤداها أن المعنى، لا يُستخلص إلا من خلال التآلف بين أجزاء الوحدات التركيبية، المتتابعة في المحور السياقي، إذ أن الجزء من المستوى السردي، لا يكتمل معناه إلا إذا ارتبط ببقية الأجزاء، قصد تكوين المعنى الكامن داخل النص الإبداعي، حيث العلاقة بين اللغة و الخطاب الأدبي،علاقة تماثلية، تعرض خلالها السلسلة الأفقية للسياق السردي، لوضعها ضمنيا على محور عمودي، 16 بمقدار ما يحتاجه إنطاق النص، و إبراز آليته المنتجة للدلالة، و توليدها وفقا لنظام الوحدات المكونة له.

الفاعلون هم شخصيات لغوية، تُصنف ضمن المكون السردي ، في المستوى السطحي، باعتبارها وحدات تركيبة نحوية ، لا تكتسب صفتها بصورة جوهرية، إلا بتحميلها دلالة الفاعلية، الكامنة في المستوى العميق. استنادا إلى مفهوم الشخصية عند "أرسطو"، الذي يعده مفهوما ثانويا، خاضعا كليا لمفهوم الفعل لأن "سعادة الإنسان و شقاؤه يتخذان صورة الفعـل و غـاية ما نسعـى إليـه في الحيـاة هو ضـرب مـعين مــن الفعل." 17 وإن كانت الشخصيات في النصوص السردية ، تُمثل حقلا للوصف أساسا ، تظل دونه أدق الجزئيات المروية غير مفهومة. 18

تتفادى البنائية وصف الشخصيات، بالمفهوم النفسي والتاريخي، و" تبحث عن وسائل أخرى للرصد و الحديث عن مشتركين و فاعلين، و قد تلجأ إلى استخدام مقولات سيميولوجية، مثل المرسل و المرسل إليه و المعاون والمضاد و المنتفع و العائق، و تحلل مراتبهم في بنية القصة." 19

و إن تغيرت أسماء الشخصيات و صفاتها، تبقى وحدات أفعالها ثابتة، وهي الوظائف قسمها "بارث" إلى فئتين: وحدات الفئة الأولى السردية أصلية، و هي وظائف مركزية أو"النواة"، تتوزع تتابعا على محور نظمي، وحتى تكون " وظيفة أساسية، يكفي أن يكون العمل، الذي إليه ترجع يُفتح (أو يُثبت أو يُغلق ) مبادرة منطقية لتتابع التاريخ، أو بإيجاز أن يُفتح أو يُنهي ترددا، إذا ورد في نص السرد ، قطعة تالية . " 20

أما وحدات الفئة الثانية، فهي وظائف ثانوية تكميلية، عبارة عن حوافز و مؤشرات و عوامل إخبارية غير مرتبطة بتطور أحداث القصة، فهي عبارة عن توسعات ، تتأطر مكانتها من خلال مدى تفاعلها مع "النواة"، فالحيز الذي يفصل بين (رنين الهاتف ) و بين ( رفع السماعة) يمكن إشباعه بجملة من الأحداث الدقيقة أو بفيض من الوصف الدقيق " توجه < بوند > نحو المكتب، رفع السماعة وضع سيجارته..." الخ. غير أن وظيفتها مخففة، تتعلق بفعالية زمنية بحثة، تُسهم في فصل اللحظتين للقصة، في حين تشتغل في الوصل بين وحدتين أصليتين بسد حيز سردي بينهما، بفاعلية مزدوجة زمنيا و منطقيا." 21 والوظيفة المركزية أساس الفعل المحوري، التي تنبني عليه بنية النص القصصي. فالعملية الفعلية تتم أو لا تتم ، مما يؤدي بالحكاية إلى أن تتجه أحد الإتجاهين، الذي يُحدد بموقع الحدث المرتبط منطقيا بالحدث الذي سبقه و بالتالي الذي نتج عنه، مكتسبا قيمته الدلالية، التي تخوله التموقع ، ضمن السياق العام لمجرى أحداث القصة.


2- النموذج العاملي ، و المربع السيميائي


استوعب "غريماس" المنهج البروبي، معيدا النظر في بعض المفاهيم الوظيفية و صياغتها "صياغة جديدة موسومة بالاختزال و التجريد الرياضيين." 22 منتهجا المنهج البنيوي، الذي يُرى من خلال مفهومه العام ، ما يبقى أصليا "فهو النـواة أو الشكل الثابـت Shema Fixe » « أو أيضا، البنية الشكلية للتحويلات. " 23 كما استفاد من تصورات "كلود ليف ستروس" « Claud Lévi – Strauss » الذي يشير من خلال نموذجه البياني، إلى العالم الإنساني المزدوج الأبعاد، يُمثل البعد الأول الطبيعة و نواميسها، و يدل البعد الثاني على الحضارة و قوانينها المختلفة، فالنيء يمثل الطبيعة، و المطهو يرمز إلى الحضارة. 24


كما عمل " غريماس"، على توسيع شكلنة الأجهزة النظرية، بإدماج النص السردي ( الذي ما زال يستقطب المنهج الشكلاني، في حقل مشروع السيمائية العامة)، و البحث في العلاقة التي يمكن أن تربط النص القصصي بالنظرية، ( التي لا تزال في حاجة إلى تعديل أو تعميق ) 25. من خلال الالتحام العضوي، بين القيم التعبيرية و المضامين التي تنطوي عليها. إذ أن النص الأدبي عند "غريماس"، يسير ضمن " آلية منطقية تحكمها شبكة من العلاقات والعمليات التي تنظم النص السردي. و من خلال هذا التصور نستشفّ بأنه لا يتم استخراج المعنى ، إلا بكشف شبكة العلاقات القائمة في صلب النص، و حصرها، بربط الوحدات السردية وفق الغايات القصوى المقصود بلوغها. لأن جوهر الدلالة و علاقتها بالخطاب الأدبي علاقة توليدية، حيث يكون المعنى رهين ديمومة النص ، أي البنية المتكاملة المغلقة، التي تحكمها عناصر داخلية منفصلة عن العوامل الخارجية، حيث تتحرك و تتوزع ضمن محاور دلالية بحكم ، امتلاكها الطاقة على تغيير الدلالات الأصلية المشحونة فيها.

فتحليل القصة حسب " غريماس " ، يعني تحليل مستوياتها المختلفة ، بما فيها جميع مظاهر الخطاب، و أبعاده الدلالية العميقة، بصفة آنية و منسقة حسب الوحدات، التي تتميز بصيغة لغوية خاصة، و مفردات ذات معاني منظمة، حسب علاقات منطقية، قد تكون نواة . تشكل مع مثيلاتها، المعنى الضمني العام للقصة، "فالنواة الدلالية "sème " لا مجال إلى استكشافها، إلا بعد التفكيك الدلالي للمفردات، التي هي وحدات دلالية معقدة، تتماسك فيها معاني مختلفة، ولكنها بسيطة." 26

و لعل الهدف من هذه العملية، هو ربط صريح النص بباطنه، من خلال مجموعة من الملفوظات المتتابعة المكونة من وحدات لغوية متماسكة، مندمجة ضمن الخطاب، الذي يُعد مشروعا منظما يومىء - من طرف خفي - بوجود عمليات دلالية كامنة في المستوى العميق. إذ تتم عملية استقراء الدلالة بتفجير الخطاب، و تفكيك الوحدات المكونة له، التي تُسفر بدورها عن حصيلة دلالية هيكلية، بإعادة بنائها، وفق جهاز نظري متسق التأليف." 27

البنية العاملية، مستوى من مستويات التحليل السيميائي، للنصوص السردية، تقوم على أساس "النموذج العاملي"، الذي يُعد تشخيصا غير تزامني، و استبدالا لعالم الأفعال. ذلك أن السرد يقوم على التراوح بين الاستقرار و الحركة و الثبات و التحول في آن. ففيما تتغير مضامين الأفعال بصفة مستمرة. يظل الملفوظ السردي ثابتا. و قد يتشكل النظام

العاملي، على النحو التالي :

المرسل المرسل إليه

الفاعل - الموضوع


المساعد (هنا رسم بياني لم استطع نقله ) المعارض

يتأسس الرسم العاملي على ثلاثة أزواج من العوامل هي:


المرسل / المرسل إليه ـ الفاعل / الموضوع ـ المساعد / المعارض .

فكل برنامج سردي، يتشكل من خلال العوامل، التي تُنتج الفعل ، الذي ُيمارسه المرسل على الفاعل ، لتحقيق عمله ، من خلال جملة من العناصر، التي تحاول إنجاح أو إفشال البرنامج، تبعا للعلاقات التي تنجلي من خلالها الوظيفة الدلالية للبنية العاملية، على مستوى النص القصصي. ميز "غريماس" بين الفاعل الرئيس و بين بقية الشخصيات الأخرى، التي تقتسم فيما بينها وظائف مختلفة، و رأى من اللازم " التمييز بين الفاعل أي الشخصية الواحدة القائمة بالفعل، و مجموعة الفاعلين، الذين تربط بينهم وحدة التصرف الوظائفي." 28 إذ تنتظم وحدتا المساعد و المعارض، في سياق العلاقة، بين الفاعل وموضوع القيمة . تتحدد وظيفة المساعد، في تقديم العون للفاعل ، بغية إنجاح البرنامج ، فيما يقوم المعارض حائلا دون تحقيق الفاعل موضوعه، و عائقا في طريقه. و يتكون المقطع السردي ، من وحدة سردية كاملة ، مُكونة من المهمة التأهيلية ( المناورة ) و المهمة الأساسية ( الإنجاز العملي للمشروع ) و المهمة التمجيدية ( الجزاء ) .

و تنتظم المهمة التأهيلية، في مستوى علاقة المرسل بالمرسل إليه، و تأثير ذلك في هذا، للقيام بالفعل الإقناعي ( فعل الفعل ). و يتم في هذه المرحلة، التعريف بموضوع المشروع المعتزم القيام به، و إبرام عقد بين المرسل و المرسل إليه. بعد توفر جانب الكفاءة المتمثل في الرغبة في الفعل، و الشعور بوجوب الفعل، و القدرة على الفعل و المعرفة بالفعل ، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الإنجاز الحاسمة، وهي مهمة أساسية، يسعى فيها الفاعل إلى تحقيق موضوع القيمة، فينتقل من حال إلى حال. إذ يظهر المنظور التلفظي الإتصالي &Ccedil; أو الانفصالي U تبعا لانتقال الفاعل من حالة الانفصال U إلى حالة الاتصال &Ccedil; بالموضوع في حالة النجاح أو العكس. أي انتقال الفاعل من وضع اتصال &Ccedil; إلى وضع انفصال U عن الموضوع في حالة إخفاق . وكلا الحالتين نتيجة مزدوجة متزامنة حتما.


أما المهمة التمجيدية، ففيها يتم الجزاء، بعد تقييم الأفعال، التي تم تحقيقها، حسب الإلتزام، الذي أخذه البطل على نفسه.

المرسل الموضوع المرسل إليه

المهمة التمجيدية

يتم تقييم الأفعال المنجزة

حسب التزام البطل بالعقد 29

المهمة التأهيلية المهمة الأساسية

نقطة احتدام الصراع الحاسم وانتقال موضوع القــيمة من طرف إلى آخر.

جانب الكفاءة

محور الرغبة

محور الصراع

الفاعل

المساعد العامل الذات المعارض
يضغط المرسل على الفاعل لإنجاز فعله، فيسير على محور الرغبة قاطعا محور الصراع، لتنفيذ برنامجه، فيواجه العقبات التي تعترض سبيله ، كما يتلقى المساعدات، التي تعينه على إنجاز المشروع ، فيتم الاتصال بموضوع القيمة في حين يتم الانفصال بين الفاعل الثاني و الموضوع، و هو البرنامج الثاني للنص كما يوضح ذلك المربع السيميائي، الذي حاول غريماس من خلاله تحليل الأشكال المعقدة للدلالة إلى عناصر بسيطة.

ضاد

س1 س2

تناقض

تضمن تناقض تضمن

س 2 س1

ما تحت التضاد

خصص غريماس المربع السيميائي، لتجسيد المعنى الذي ينبني على ثلاثة علاقات منطقية : التضاد بين [س1 وس2] و بين [سَ2 و سَ1] و التناقض بين [س1 و سَ1] و[س2 و سَ2] والتضمن بين [س1 وسَ2] و [س2 وسَ1] حاول كلا من " آن إينو" 30 و "جزيف كورتي" 31 تبسيط نظرية "غريماس" ، و شرح المربع الدلالي ، من خلال كشف تجلياته ، بوساطة مثال بناء "المحلل" و"المحرم" الذي يظهر عندهما على هذا النحو :

تُعد هذه النظرية العاملية التحليلية، من أهم اكتشافات المنهج الإستقرائي، الأنثروبولوجي، الاستنباطي ، الخاضع للحكم المنطقي.

- الفهارس :

1-"جمهورية أفلاطون" ترجمة : حنا خباز، دار القلم، بيروت، ط 2، 1980 ، ص 85 .

2-أرسطو " فن الشعر" ترجمة: إبراهيم حمادة ، مكتبة الأنجلو ، مصرية، 1983، ص 31 .

3-جورج واطسن "الفكر الأدبي المعاصر" ترجمة : محمد مصطفى بدوي، الهيئة المصرية، القاهرة، 1980، ص 101 .

4 - Vladimir Pro ppe - Morphologie du contre - Seuil Paris , 1970, P 28 .

-5 Claud Brémond « La logique du récit » Sémiotique , l’école de PARIS , Hachétte ,réssivesité ,paris,1982,p77.

6-إديث كيرزويل « عصر البنيوية » ترجمة :جابر عصفور، عيون، الدار البيضاء ، ط 2 ، 1986 ، ص 180 .

7-Roland Barthes »Le plaisir du texte » seuil , Paris , 1973 , P98-99 .

8- محمد الناصر العجيمي " في الخطاب السردي "نظرية قريماس، الدار العربية للكتاب، تونس،1991، ص 24-25.

9-المرجع نفسه، ص 26.

10-Saussure-Cours de L’inguistique Générale - Payot , 1964 P 31 .

11- فايز الداية " علم الدلالية العربي"النظرية و التطبيق دراسة تاريخية تأصيلة نقدية،ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر، 1973 ، ص 6.

12-André Martinet « La Linguistique Synchoronique« P.U.F, Paris ,4e ed , 1974 , P 288 .

13- عادل فاخوري " تيارات في السيمياء " دار الطليعة، بيروت، 1990، ص 8 .

14-انظر : سيزا قاسم " مدخل إلى السيميوطيقا " دار إلياس العصرية ، القاهرة ، 1986 ، ص 17-18 .

15-Todorov T . « Poétique de la prose » Seuil , Paris , 1971, P32 .

-R .Barthes « L’analyse Structrale du Récit » , P 9.

16-R.Barthes « Le degré Zéro de L’écriture » P 13 .

17-أرسطو "فن الشعر " ص 97.

18- أنظر حسين الواد" البنية القصصية في رسالة الغفران " الدار العربية للكتاب، تونس، 1975، ص 77 -78.

19- صلاح فضل "نظرية البنائية في النقد الأدبي " دار الآفاق الجديدة ، بيروت، ط3، 1985 ، ص 426.

20-رولان بارت " النقد البنيوي للحكاية " ترجمة : أنطوان أبو زيد ، منشورات عويدات، بيروت،1988، ص 108.

21 -R.Barthes « L’analyse Structurale du Récit « P 16 .

22-محمد الناصر العجمي " المرجع السابق "، ص 8 .

23- جان بياجيه"البنيوية"ترجمة:عارف منيمينة و بشير أوبري ، منشورات عويدات، بيرو، ط 3، 1982، ص 73.

24-نبيلة إبراهيم " البنيوية من أين ...؟و إلى أين …؟ " مجلة فصول، القاهرة ، م 1 ع2 ، يناير ، ص 174.

25- محمد الناصر العجيمي " المرجع السابق " ، ص 17 .

26- سمير المرزوقي "مدخل إلى نظرية القصة " الدار التونسية للنشر، تونس، د.ت. ، ص 117 .

27-A.J Greimas « Sémantique Stcructural » Larousse , Paris , 1966, P249 .

28-سمير المرزوقي " المرجع السابق " ، ص 73 .

29-A.J.Greimas « Eléments pour une théorie de l’interprétation du Récit mythique »in »L’anlyse structurale du récit », P 51 .

30-آن إينو"مراهنات دراسة الدلالات اللغوية "ترجمة:أوديت بتيت و خليل أحمد،دار السؤال،دمشق، 1980، ص106.

31-Joséph courtes « sémiotique marrative et discursive » Hachette supérieur ,Paris, 1997,p59.



________________________________________

بالرغم من كثرة الدراسات الموضوعة حول” السيمياء “ فان الحاجة تظل قائمة الى وجود دراسات علمية جامعة ومركزة في تقديم وضوح كافٍ للسيمياء وخصائصها واتجاهاتها ولعل كتاب” بيارغيرو “ المعروف بـ” السيمياء “ وقد ترجمه” انطوان ابي زيد “ بموجب اتفاق خاص مع المطبوعات الجامعية الفرنسية منشورات عويدات 1984، يمثل خلاصة مركزة للسيمياء وقوعدة علمية مناسبة للقارئ العادي فضلا عن القارئ المتخصص.

ويعرف” بيارغيرو “ السيمياء بـ (العلم الذي يهتم بدراسة انظمة العلامات: اللغات، انظمة الاشارات التعليمات.. الخ وهذا التحديد يجعل اللغة جزءا من السيمياء) ص5 من متن الكتاب.
وبالطبع يعود الفضل في تأسيس فهم جديد للسيمياء الى العالم اللغوي المعروف دي سوسور الذي عرف السيمياء في دروسه عن علم اللغة العام قائلا (انها العلم الذي يدرس حياة العلامات من داخل الحياة الاجتماعية) وهناك شبه اجماع على ان هذا المعنى العام للسيمياء الذي تحدث عنه سوسور يكون قد جعل من السيمياء جزءا من علم النفس العام وبالتالي فان الألسنية نفسها ستكون جزءا من السيمياء وليس العكس.
الا ان اضافة اخرى لا تقل اهمية عن كشف سوسور تعود الى المفكر الاميركي ش.س. بيرس وقد طرح ما لديه عن السيمياء في الفترة الزمنية ذاتها لدروس سوسور ويطلق على السيمياء تسمية (السيموتيك) semiotiawc ويعرفها بالاسلوب التالي (ان المنطق في معناه العام، هو مذهب علامات شبه ضروري وصوري كما حاولت ان اظهره وفي اعطائي للمذهب صفة الضروري والصوري كنت ارى وجوب ملاحظة خصائص هذه العلامات ما امكننا ـ وانطلاقا من ملاحظاتنا الجيدة التي نستشفها عبر معطى لا ارفض ان اسميه التجريد ـ سننتهي الى احكام ضرورية ونسبية ازاء ما يجب ان تكون عليه خصائص العلامات التي يستعين بها الذكاء العلمي).
ومن خلال شروعات كل من سوسور وبيرس تكون السيمياء قد تمكنت من وضع بدايات ضرورية لمسيرتها منذ بداية القرن العشرين وصار ممكنا الحديث عن نظرتين للعلامات العامة من خلال المنظور الاوروبي لمدرسة العلامات والمنظور الانكلو سكسوني المتمثل بطروحات بيرس وتطويرها عبر المناطقة.
الا ان التعميق الاكثر للسيمياء كان بحاجة الى ظهوره من خلال رولان بارت (1964) والذي حاول ان يضع ممارسة تجريبية للعلامات داخل الخطاب الادبي موسعا من ناحية جمالية القدرة اللغوية الحاملة للعلامات واهتمامه الشيق بفن الانتاج العلامي من خلال النصوص والكتابات الادبية بالوقت الذي تكون فيه النظرية العامة للسيمياء على اتفاق بضرورة وجود علم للعلامات فان هناك بعض الاختلافات حول (الميدان) الاساسي الذي ينبغي ان تكون فيه الممارسة السيميائية صحيحة فهناك رأي يقول ان السيمياء تعتمد على حقول الاتصالات التي لا يفترض ان تكون بالضرورة السنية الا ان هناك رأيا صادرا عن (سوسور) يوسع حقل الاهتمام بالعلامات داخل الطقوس والاحتفالات الانسانية كونها حاملة للعلامات ومؤدية لها بشكل انساني، حي، وخلاق.
بينما يجدد” بارت “ بان الفنون والاداب وحقول الكتابة هي الحقول الممتازة التي تسري من خلالها العلامات وتتوافق او تختلف.. وهذه الاراء المختلفة تغني فاعلية حقل” السيمياء “ وتضيف اليه.
الا ان الوظيفة الاساسية للسيمياء يعبر عنها رومان جاكبسون عبر مخططه المعروف الذي يحوي العناصر التالية للحقل السيميائي: نظام الاشارات، المرسل، الوسيط ـ الرسالة ـ الوسيط المتلقي ـ المرجع.
وهذه العناصر تكاد ان تكون القاعدة الاساسية لكل سيميائية محتملة بالوقت الذي تتعدد اوجه الاهتمام والتركيز على عنصر دون آخر، بالطبع قطعت السيمياء اشواطا كثيرة وحاولت ان تجد تعليلا سيميائية لمظاهر كثيرة كـ(الموضة) والاسطورة المعاصرة، والهالة، والصورة والتمثيل، والتبني الاعلامي والاشهارية والتداولية وغيرها.. الى درجة عالية من نشاط البحث والاستقصاء السيميائي مما يعد عصرنا مؤهلا لان يكون عصر السيميائية بلا منازع.. مع كثرة” التجريد “ فيها والتبرير وكذلك الطروحات العرضية او الاعتراضية التي يصار عادة الى جمعها والاصغاء لها فان السيميائية ستبقى واحدة من الحقول المعرفية المهمة التي تساعدنا على قراءة العالم عبر ذلك التوسط الدلالي اوالذي يبدو انه لا ينضب سواء الآن او في المستقبل.


________________________________________

المصطلح الإنجليزي السيميوطيقا (أو الفرنسي السيميولوجي) أفضل ترجمته إلى (علم العلامات) و ليس (السيمياء) التي تحيلنا إلى مجال معرفي مغاير.

و كما يقول "مارتن إيسلن" فإنها تعاني من مشكلتين رئيسيتين الأولى هو التعقيد الشديد الذي تمتلىء به كتابات المنظرين، و الثاني هو غياب التطبيق العملي على أعمال أدبية و فنية بعينها (لاحظ أنه يتحدث عن الكتابات الغربية فما بالك بالعربية)

و لما كنت واحدً ممن يهتمون باستخدام المقاربة السيميولوجية و أعاني مغتاظاً من هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم سدنة السيميولوجيا لا لشيء إلا لترجماتهم المشوهة للأصول الأجنبية فإنني و بكل سعادة أود أن أمدك يا صديقي بالكثير من المواد في لغتها الأصلية)

و لنبدأ بكتاب "دانييل تشاندلر" الرائع -لا يغرنك عنوانه- السيميوطيقا للمبتدئين على الرابط التالي:

semiotics for beginners (http://www.aber.ac.uk/media/Documents/S4B/semiotic.html)

و هناك مقالة بالإنجليزية نشرها "Peter Willows" في العدد الأخير من مجلة Applied Semiotics ، و هي تتناول بالدراسة ثلاثة من النصوص السردية العربية لكل من نجيب محفوظ و غسان كنفاني و عبدالرحمن منيف، يمكنك قراءتها على الرابط التالي:

Gestalt Psychology, Semiotics and the Modern Arabic Novel (http://www.chass.utoronto.ca/french/as-sa/ASSA-No15/article2en.html)

http://up.br2h.com/uploads/0d4bb57637.gif

spisos
01-03-2009, 19:39
سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة


تمهيــــــد:

من أهم المناهج الأدبية واللسانية التي ظهرت في الساحة النقدية العربية الحديثة والمعاصرة المنهج السيميولوجي الذي يدرس النص الأدبي والفني باعتبارهما علامات لغوية وغير لغوية تفكيكا وتركيبا. وقد تعرف المفكرون العرب على هذا المنهج نتيجة الاحتكاك الثقافي مع الغرب ونتيجة الاطلاع على مستجدات الحقل اللساني و تمثل تصورات ما بعد البنيوية وعبر البعثات العلمية المتوجهة إلى جامعات الغرب و نتيجة فعل الترجمة. إذاً، ماهي السيميولوجيا والسيميوطيقا ؟ وما هي مرتكزات منهجية التحليل السيميوطيقي؟ وما هي أهم اتجاهاتها النظرية والتطبيقية؟ وما الفرق بين سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة؟ هذا ما سنعرفه في موضوعنا هذا.

1- مفهوم السميولوجيا وخطواتها المنهجية: السيميولوجيا هو علم العلامات أو الإشارات أو الدول اللغوية أو الرمزية سواء أكانت طبيعية أم اصطناعية، ويعني هذا أن العلامات إما يضعها الإنسان اصطلاحا عن طريق اختراعها واصطناعها والاتفاق مع أخيه الإنسان على دلالاتها ومقاصدها مثل: اللغة الإنسانية ولغة إشارات المرور، أو أن الطبيعة هي التي أفرزتها بشكل عفوي وفطري لادخل للإنسان في ذلك كأصوات الحيوانات وأصوات عناصر الطبيعة والمحاكيات الدالة على التوجع والتعجب والألم والصراخ مثل: آه، آي…..

وإذا كانت اللسانيات تدرس كل ماهو لغوي ولفظي، فإن السيميولوجيا تدرس ما هو لغوي وماهو غير لغوي، أي تتعدى المنطوق إلى ماهو بصري كعلامات المرور ولغة الصم والبكم والشفرة السرية ودراسة الأزياء و طرائق الطبخ. وإذا كان فرديناند دو سوسير F.De.Saussure يرى أن اللسانيات هي جزء من علم الإشارات أو السيميولوجيا ٍSémiologie ، فإن رولان بارت R.Barthes في كتابه" عناصر السيميولوجيا" يقلب الكفة فيرى بان السيميولوجيا هي الجزء واللسانيات هي الكل. ومعنى هذا أن السيميولوجيا في دراستها لمجموعة من الأنظمة غير اللغوية كالأزياء والطبخ والموضة والإشهار تعتمد على عناصر اللسانيات في دراستها وتفكيكها وتركيبها . ومن أهم هذه العناصر اللسانية عند رولان بارت نذكر: الدال والمدلول،واللغة والكلام، والتقرير والإيحاء، والمحور الاستبدالي الدلالي والمحور التركيبي النحوي. وإذا كان الأنگوسكسونيون يعتبرون السيميولوجيا إنتاجا أمريكيا مع شارل ساندرس ﯧيرس Perce في كتابه" كتابات حول العلامة"، فإن الأوربيين يعتبرونها إنتاجا فرنسيا مع فرديناند دوسوسير في كتابه " محاضرات في علم اللسانيات" سنة 1916م. وإذا كانت السيميولوجيا الأمريكية مبنية على المنطق وفلسفة الأشكال الرمزية الأنطولوجية ( الوجودية) والرياضيات، فإن السيميولوجيا الفرنسية مبنية على الدرس اللغوي واللسانيات.

وإذا كان مصطلح السيميولوجيا يرتبط بالفرنسيين وبكل ماهو نظري وبفلسفة الرموز وعلم العلامات والأشكال في صيغتها التصورية العامة ، فإن كلمة السيميوطيقا الأمريكية Sémiotique قد حصرها العلماء في ماهو نصي و تطبيقي و تحليلي. ومن هنا يمكن الحديث عن سيميوطيقا المسرح وسيميوطيقا الشعر وسيميوطيقا السينما. وعندما نريد الحديث عن العلامات علميا أو نظريا أو تصوريا نستخدم كلمة السيميولوجيا Sémiologie.

وتتعدد الاتجاهات السيميولوجية ومدارسها في الحقل الفكري الغربي، إذ يمكن الحديث عن سيميولوجيا بيرس، وسيميولوجيا الدلالة، وسيميولوجيا التواصل، وسيميولوجيا الثقافة مع المدرسة الإيطالية ( أمبرطو إيكو Eco وروسي لاندي Landi)، والمدرسة الروسية" تارتو Tartu" ( أوسبنسكي Uspenski ويوري لوتمان Lotman وتوبوروڤ Toporov وإڤانوڤ Ivanov وبياتيگورسكي Pjtigorski )، ومدرسة باريس السيميوطيقية مع جوزيف كورتيس Cortés وگريماس Greimas وميشيل أريفي M.Arrivé وجان كلود كوكيه Coquet وكلام Calame وفلوش Floche وجينيناسكا Geninasca وجيولتران Gioltrin ولوندوڤسكي Landovski ودولورم Delorme، واتجاه السيميوطيقا المادية التي تجمع بين التحليلين: النفسي والماركسي مع جوليا كريستيڤا J.kréstiva، ومدرسة ليون التي تتمثل في جماعة أنتروڤرن Groupe d’Entroverne، ومدرسة إيكس AIXمع جان مولينو J.molino وجان جاك ناتيي J.Natier التي تهتم بدراسة الأشكال الرمزية على غرار فلسفة إرنست كاسيرر Cassirer . ولكن على الرغم من هذه الاتجاهات العديدة يمكن إرجاعها إلى قطبين سيميولوجيين وهما: سيميولوجيا التواصل وسيميولوجيا الدلالة. إذاً، ماهي منهجية التحليل السيميوطيقي؟

2- خطوات المنهج السيميولوجي: قلنا سابقا إن السيميولوجيا علم الدوال اللغوية وغير اللغوية ، أي تدرس العلامات والإشارات والرموز والأيقونات البصرية. كما تستند السيميولوجيا منهجيا إلى عمليتي التفكيك والتركيب ( تشبه هذه العملية تفكيك أعضاء الدمية وتركيبها) على غرار البنيوية النصية المغلقة. و نعني بهذا أن السيميوطيقي يدرس النص في نظامه الداخلي البنيوي من خلال تفكيك عناصره وتركيبها من جديد عبر دراسة شكل المضمون وإقصاء المؤلف والمرجع والحيثيات السياقية والخارجية والتي لا ننفتح عليها إلا من خلال التناص لمعرفة التداخل النصي وعمليات التفاعل بين النصوص وطبيعة الاشتقاق النصي وتيئير الترسبات الخارجية والمستنسخات الإحالية داخل النص المرصود سيميائيا. وعليه، فالسيميوطيقا هي لعبة التفكيك والتركيب تبحث عن سنن الاختلاف ودلالاته. فعبر التعارض والاختلاف والتناقض والتضاد بين الدوال اللغوية النصية يكتشف المعنى وتستخرج الدلالة. ومن ثم، فالهدف من دراسة النصوص سيميوطيقيا وتطبيقيا هو البحث عن المعنى والدلالة و استخلاص البنية المولدة للنصوص منطقيا ودلاليا. ونحصر منهجية السيميوطيقا في ثلاثة مستويات وهي:

أ- التحليل المحايث: ونقصد به البحث عن الشروط الداخلية المتحكمة في تكوين الدلالة وإقصاء كل ماهو إحالي خارجي كظروف النص والمؤلف وإفرازات الواقع الجدلية. وعليه، فالمعنى يجب أن ينظر إليه على أنه أثر ناتج عن شبكة من العلاقات الرابطة بين العناصر. ب- التحليل البنيوي: يكتسي المعنى وجوده بالاختلاف وفي الاختلاف. ومن ثم، فإن إدراك معنى الأقوال والنصوص يفترض وجود نظام مبني على مجموعة من العلاقات. وهذا بدوره يؤدي بنا إلى تسليم بأن عناصر النص لا دلالة لها إلا عبر شبكة من العلاقات القائمة بينها. ولذا لا يجب الاهتمام إلا بالعناصر التي تبلور نسق الاختلاف والتشاكلات المتآلفة والمختلفة. كما يستوجب التحليل البنيوي الدراسة الوصفية الداخلية للنص ومقاربة شكل المضمون وبناه الهيكلية والمعمارية.

ت- تحليل الخطاب: إذا كانت اللسانيات البنيوية بكل مدارسها واتجاهاتها تهتم بدراسة الجملة انطلاقا من مجموعة من المستويات المنهجية حيث تبدأ بأصغر وحدة وهي الصوت لتنتقل إلى أكبر وحدة لغوية وهي الجملة والعكس صحيح أيضا، فإن السيميوطيقا تتجاوز الجملة إلى تحليل الخطاب. و تسعفنا هذه المستويات المنهجية كثيرا في تحليل النصوص ومقاربتها. ففي مجال السرد يمكن الحديث عن بنيتين : البنية السطحية والبنية العميقة على غرار لسانيات نوام شومسكي Chomsky. فعلى المستوى السطحي يدرس المركب السردي الذي يحدد تعاقب وتسلسل الحالات والتحولات السردية، بينما يحدد المركب الخطابي في النص تسلسل أشكال المعنى وتأثيراتها.

وإذا انتقلنا إلى البنية العميقة فيمكن لنا الحديث عن مستويين منهجيين: المستوى السيميولوجي الذي ينصب على تصنيف قيم المعنى حسب ما يقوم بينهما من العلاقات والتركيز على التشاكلات السيميولوجية، والمستوى الدلالي وهو نظام إجرائي يحدد عملية الانتقال من قيمة إلى أخرى ويبرز القيم الأساسية والتشاكل الدلالي .

ويعد المربع السيميائي Le Carré Sémiotique حسب گريماس المولد المنطقي والدلالي الحقيقي لكل التمظهرات السردية السطحية عبر عمليات ذهنية ومنطقية و دلالية يتحكم فيها التضاد والتناقض والتضمن أو الاستلزام. أما سيميولوجيا الشعر فتحلل النص من خلال مستويات بنيوية تراعي أدبية الجنس الأدبي كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي ، والمستوى التركيبي في شقيه: النحوي والبلاغي، والمستوى التناصي. أما فيما يتعلق بالمسرح فيدرس من خلال التركيز على العلامات المسرحية اللغوية والعلامات غير اللغوية. و بتعبير آخر يدرس المسرح عبر تفكيك العلامات المنطوقة ( الحوار والتواصل اللغوي بصراعه الدرامي وتفاعل الشخصيات والعوامل الدرامية….) والعلامات البصرية ( السينوغرافيا- التواصل- الديكور- الركح- الإنارة- الأزياء- الإكسسوارات- البانتوميم- الكوريغرافيا…).

3- سيميولوجـــيا التواصـــــل : يستند التواصل حسب رومان جاكبسون R.Jakobson إلى ستة عناصر أساسية وهي: المرسل والمرسل إليه والرسالة والقناة والمرجع واللغة. وللتوضيح أكثر نقول: يرسل المرسل رسالة إلى المرسل إليه حيث تتضمن هذه الرسالة موضوعا أو مرجعا معينا، وتكتب هذه الرسالة بلغة يفهمها كل من المرسل والمتلقي. ولكل رسالة قناة حافظة كالظرف بالنسبة للرسالة الورقية، والأسلاك الموصلة بالنسبة للهاتف والكهرباء، والأنابيب بالنسبة للماء، واللغة بالنسبة لمعاني النص الإبداعي… هذا، و تهدف سميولوجيا التواصل عبر علاماتها وأماراتها وإشاراتها إلى الإبلاغ والتأثير على الغير عن وعي أو غير وعي. وبتعبير آخر تستعمل السيميولوجيا مجموعة من الوسائل اللغوية وغير اللغوية لتنبيه الآخر والتأثير عليه عن طريق إرسال رسالة وتبليغها إياه .ومن هنا فالعلامة تتكون من ثلاثة عناصر: الدال والمدلول والوظيفة القصدية . كما أن التواصل نوعان: تواصل إبلاغي لساني لفظي (اللغة) وتواصل إبلاغي غير لساني ( علامات المرور مثلا).

ويمثل هذه السيميولوجيا كل من برييطو Prieto ومونان Mounin وبويسنس Buyssens الذين يعتبرون الدليل مجرد أداة تواصلية تؤدي وظيفة التبليغ وتحمل قصدا تواصليا. وهذا القصد التواصلي حاضر في الأنساق اللغوية وغير اللغوية. كما أن الوظيفة الأولية للغة هي التأثير على المخاطب من خلال ثنائية الأوامر والنواهي، ولكن هذا التأثير قد يكون مقصودا وقد لايكون مقصودا. و يستخدم في ذلك مجموعة من الأمارات والمعينات Indications التي يمكن تقسيمها إلى ثلاث: 1- الأمارات العفوية وهي وقائع ذات قصد مغاير للإشارة تحمل إبلاغا عفويا وطبيعيا مثال : لون السماء الذي يشير بالنسبة لصياد السمك إلى حالة البحر يوم غد. والأمارات العفوية المغلوطة التي تريد أن تخفي الدلالات التواصلية للغة كأن يستعمل متكلم ما لكنة لغوية ينتحل من خلالها شخصية أجنبية ليوهمنا بأنه غريب عن البلد.3- والأمارات القصدية التي تهدف إلى تبليغ إرسالية مثل : علامات المرور، وتسمى هذه الأمارات القصدية أيضا بالعلامات. وكل خطاب لغوي وغير لغوي يتجاوز الدلالة إلى الإبلاغ والقصدية الوظيفية، يمكننا إدراجه ضمن سيميولوجيا التواصل . وكمثال لتبسيط ما سلف ذكره : عندما يستعمل الأستاذ داخل قسمه مجموعة من الإشارات اللفظية وغير اللفظية الموجهة إلى التلميذ ليؤنبه أو يعاتبه على سلوكاته الطائشة فإن الغرض منها هو التواصل والتبليغ.

4- سيميولوجــــيا الدلالــــــة: يعتبر رولان بارت خير من يمثل هذا الاتجاه، لأن البحث السيميولوجي لديه هو دراسة الأنظمة والأنسقة الدالة. فجميع الوقائع والأشكال الرمزية والأنظمة اللغوية تدل. فهناك من يدل باللغة وهناك من يدل بدون اللغة المعهودة، بيد أن لها لغة خاصة. ومادامت الأنساق والوقائع كلها دالة، فلا عيب من تطبيق المقاييس اللسانية على الوقائع غير اللفظية أي الأنظمة السيميوطيقية غير اللسانية لبناء الطرح الدلالي. وقد انتقد بارت في كتابه " عناصر السيميولوجيا" الأطروحة السوسسيرية التي تدعو إلى إدماج اللسانيات في السيميولوجيا مبينا بأن" اللسانيات ليست فرعا ، ولو كان مميزا، من علم الدلائل، بل السيميولوجيا هي التي تشكل فرعا من اللسانيات".

وبالتالي، تجاوز رولان بارت تصور الوظيفيين الذين ربطوا بين العلامات والمقصدية، وأكد وجود أنساق غير لفظية حيث التواصل غير إرادي، ولكن البعد الدلالي موجود بدرجة كبيرة. وتعتبر اللغة الوسيلة الوحيدة التي تجعل هذه الأنساق والأشياء غير اللفظية دالة. حيث "إن كل المجالات المعرفية ذات العمق السوسيولوجي الحقيقي تفرض علينا مواجهة اللغة، ذلك أن " الأشياء" تحمل دلالات. غير أنه ما كان لها أن تكون أنساقا سيميولوجية أو أنساقا دالة لولا تدخل اللغة ولولا امتزاجها باللغة. فهي، إذاً، تكتسب صفة النسق السيميولوجي من اللغة. وهذا مادفع ببارت إلى أن يرى أنه من الصعب جدا تصور إمكان وجود مدلولات نسق صور أو أشياء خارج اللغة، فلا وجود لمعنى إلا لما هو مسمى، وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة".

أما عناصر سيمياء الدلالة لدى بارت فقد حددها في كتابه" عناصر السيميولوجيا" ، وهي مستقاة على شكل ثنائيات من الألسنية البنيوية وهي: اللغة والكلام، والدال والمدلول، والمركب والنظام، والتقرير والإيحاء( الدلالة الذاتية والدلالة الإيحائية). وهكذا حاول رولان بارت التسلح باللسانيات لمقاربة الظواهر السيميولوجية كأنظمة الموضة والأساطير والإشهار… الخ ويعني هذا أن رولان بارت عندما يدرس الموضة مثلا يطبق عليها المقاربة اللسانية تفكيكا وتركيبا من خلال استقراء معاني الموضة ودلالات الأزياء وتعيين وحداتها الدالة ومقصدياتها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية. ونفس الشيء في قراءته للطبخ والصور الفوتوغرافية والإشهار واللوحات البصرية.

ويمكن إدراج المدارس السيميائية النصية التطبيقية التي تقارب الإبداع الأدبي والفني ضمن سيميولوجيا الدلالة، بينما سيميوطيقا الثقافة التي تبحث عن القصدية والوظيفة داخل الظواهر الثقافية والإثنية البشرية يمكن إدراجها ضمن سيميولوجيا التواصل. ولتبسيط سيميولوجيا الدلالة نقول: إن أزياء الموضة وحدات دالة إذ يمكن أثناء دراسة الألوان والأشكال لسانيا أن نبحث عن دلالاتها الاجتماعية والطبقية والنفسية. كما ينبغي البحث أثناء تحليلنا للنصوص الشعرية عن دلالات الرموز والأساطير ومعاني البحور الشعرية الموظفة ودلالات تشغيل معجم التصوف أو الطبيعة أو أي معجم آخر.

خاتمــــة:

يتبين لنا من خلال هذا العرض الوجيز أن السيميولوجيا باعتبارها علما للأنظمة اللغوية وغير اللغوية قسمان: سيميولوجيا تهدف إلى الإبلاغ والتواصل من خلال ربط الدليل بالمدلول والوظيفة القصدية. أما سيميولوجيا الدلالة فتربط الدليل بالمدلول أو المعنى. وبعبارة أخرى إن سيميولوجيا الدلالة ثنائية العناصر( ترتكز العلامة على دليل و مدلول أو دلالة)، بينما سيميولوجيا التواصل ثلاثية العناصر( تنبني العلامة على دليل و مدلول ووظيفة قصدية). وإذا كان السيميوطيقيون النصيون يبحثون عن الدلالة والمعنى داخل النص الأدبي والفني، فإن علماء سيميوطيقا الثقافة يبحثون عن المقصديات والوظائف المباشرة وغير المباشرة.
http://www.saaa-sy.org/gallery/gal_11_mosaic_lrg.jpg

شبيهة القمر
01-03-2009, 19:59
السلام عليكم

بصفتنا طلبة اعلام و اتصال علينا التركيز على اهم قطبين

و هما سيميولوجيا الدلالة و سيميولوجيا التواصل

لاننا ندرس الاتصال و اصلا لو تعذر علينا ترميز الرسالة و فهم دلالتها الاتصال لن يحدث

فالنوعان يخدماننا أكثر في تخصصنا الدراسي




و لكن قبلهما علينا المرور على

النظرية السوسورية " نسبة الى دسيسوسير " لانه أول من جاء بالسيميولوجيا



1 _ السيميولوجيا بالمنظور السوسوري :

قسمها الى الحقول الدلالية + نظرية الدليل اللساني

هنا نشرح الحقول الدلالية فحسب اما نظرية الدليل اللساني متوفرة على هذا الرابط

http://etudiantdz.com/vb/t14244.html







ا- نظرية الحقول الدلالية

بالنسبة لفرديناند ديسوسير في اللغة : لا تفهم الكلمة الا عبر علاقاتها الايجابية و السلبية مع الكلمات الاخرى

ايجابية تعني : بالترادف و التآلف او بالفرنسي synonyme

سلبية يعني : الخلاف بين الكلمات إما بالعكس أو التضاد أو التخالف بالفرنسي l'opposition

و لكي نفهم أكثر علينا التطرق الى الحقوق الخمس و هي


الترادف / التخالف / التعاكس / العلاقة الفوقية / و العلاقة التحتية

الان نفصل بالواحدة :


اولا الترادف :


الترادف: دلالة عدد من الكلمات المختلفة على معنى واحد:

عام، سنة، حول. طريق، درب، سكة، سبيل
صديق، صاحب فرح، سُرّ، انشرح، ابتهج
جميل، وسيم بالغ، راشد
ابتاع، اشترى





ثانيا التخالف :


التخالف مثل (أحمر- أخضر

فالأحمر ليس عكس الاخضر انما معنى دلالة كل منهما مختلف عن الاخر فالاحمر يعني المنع و الاخضر يعني السماح






ثالثا: التعاكس واضح مثل :

العكسية باع –اشترى / غبي- ذكي


رابعا و خامسا العلاقة الفوقية و العلاقة التحتية

اذا فهمنا واحدة منهما نفهم الاخرى:

العلاقة الفوقية :

مثلا كلمة زهرة : تشمل : الفل + الياسمين + النرجس + الزنبق ...الخ

فكل تلك الانواع تندرج تحت كلمة زهرة فهمي فوقية بالنسبة للانواع ، و الانواع تحتية بالنسبة للزهرة

او للفهم أكثر

نقول بوجود علاقة شامل و مشمول بحيث كل ما هو فوقي هو شامل و كل ما هو تحتي مشمول


مثال



لباس آنية حلي معدن طير حيوان لون = شامل

تنورة سكين قرط نحاس حمام أسد أحمر
معطف قدر خاتم فضة غراب فرس أخضر = مشمول




و هكذا نختم الحقول الدلالية الخمس + نظرية الدليل اللساني و مميزاته الاربع



ننتقل الى سيميولوجيا التواصل :

يتبع بإذن الله

spisos
01-03-2009, 20:21
مـقدمـة


الفصل الأول : دي سوسير ودراساته حول السيميولوجيا

المبحث الأول : حياة دي سوسير و مؤلفاته

المبحث الثاني : الخلفية الفلسفية و اللغوية لـ دي سوسير

المبحث الثالث : دراسات دي سوسير و آراؤه الشهيرة


الفصل الثاني : أسس السيميولوجيا الأوربية و أهميتها

المبحث الأول : التصنيف الأكاديمي الفرنسي
المبحث الثاني : المرتكزات الديسوسورية في السيميولوجيا

المبحث الثالث : أهمية السيميولوجيا السوسيرية و تفرعاتها


الخــاتـمة





مـــقـــدمـــة



إن الحديث عن السيميولوجيا كعلم قائم بذاته يذهب بمخيلتنا إلى المدرسة الأوربية للسيميولوجيا ، وعلى وجه الخصوص أبو السيميولوجيا الأوربية فيرديناند دي سوسير هذا العالم الذي قال فيه جورج موني (إن فيرديناند دي سوسير هو الذي حدد في كتابه *محاضرات في اللسانيات العامة* مجال السيميولوجيا بعدها العلم الذي يتولى دراسة الدلائل و الرموز- اللفظية كانت أو غيرها – التي يستعملها الناس بغرض التواصل بين بعضهم و البعض الآخر ) , رغم أنه لم يكن السّباق لهذه الفكرة , إلاّ أنه كان سبّاقا إلى وضع إطار علمي لهذا المفهوم الذي يقتصر دراسته على أنظمة العلامات اللسانية و من هذا المنطلق نطرح الإشكالية الآتية :

من هو مؤسس المدرسة الأوربية للسيميولوجيا و ما هي المرتكزات التي قام عليها هذا التأسيس انطلاقا من الخلفيات مرورا بالتأسيس ووصولاً إلى النتائج العلمية ؟.




الفـــصــل الأول : دي سوسير ودراساته حول السيميولوجيا


المبحث الأول : حياة دي سوسير و مؤلفاته

المبحث الثاني : الخلفية الفلسفية و اللغوية لـ دي سوسير

المبحث الثالث : دراسات دي سوسير و آراؤه الشهيرة





المبحث الأول : حــياة دي سوسير و مؤلــفـــاته

ولد فيرديناند دي سوسير بسويسرا سنة 1857م , كان واحدا من أعظم الباحثين اللسانيين في جميع العصور. إذ أن شخصيته القوية و موهبته اللسانية الأصيلة و نزوعه الفائق إلى جانب البحث النظري و التأثير الذي مارسه على طلابه , كل هذا لم يجعل منه مؤسسا لمدرسة مهمة , بل مؤسسا لعصر بأكمله من الدرس اللساني . لقد كانت أفكاره التي طرحها بطريقة مبينة و مقنعة لأول مرة هي الجذور التي نبتت منها اللسانيات البنيوية الحديثة.


كان دي سوسير أستاذا للسانيات في جنيف و باريس , قام بتدريس اللغات السنسكريتية و الجرمانية و اليونانية و اللّتوانية ولم يبدأ شغف دي سوسير بالأفكار اللسانية العامة إلا فيما بعد عام 1894م. إذ كان لنظريات دوركايم اثر قوي عليه .توفي دي سوسير سنة 1913م. (1)


ولقد كان مقلا فيما نشر , فإذا صرفنا النظر عن أول أعماله و أهمها {مذكرات في النظام البدائي للحركات في اللغات الهندية- الأوربية } حيث نشر 20 مقالا منها.

كما خلف بعض التعليقات و مقالات قصيرة عن مشكلات التأثيل الاشتقاقي و قليلا من المراجعات.

بالإضافة إلى كتابه { دروس في اللسانيات العامة } و الذي اتخذ الدرس اللساني منحى جديد على إثر نشره سنة 1916 م على يد كل من شارل بالي و ألبير سيشهاي , حيث نقل إلى اليابانية سنة 1928م , ثم إلى الألمانية سنة 1931م , وإلى الروسية سنة 1933م و الإسبانية سنة 1945م و إلى الإنجليزية سنة 1959م و البولونية سنة 1961م و الايطالية سنة 1967م . (2)


(1)- ****ولدبسطامي محمد عبد الصمد

(2)- ****ولدبسطامي محمد عبد الصمد







المبحث الثاني : الخلفية الفلسفية لـ دي سوسير


-*- العامل الاجتماعي :

كانت الأفكار التي جاء بها دوركايم مؤسس المدرسة الفرنسية لعم الاجتماع , والذي تتلمذ على يد أستاذه كونت والتي تتمثل في أهمية العامل الاجتماعي بمعنى أن الأفراد في المجتمع يعيشون ضمن إطار الضمير الجمعي أو ما يسمى بالشعور الجمعي أو الجماعي . وهذا إتباعا لما يشتركون فيه من اعتقادات و عواطف , وكل هذه الصفات سابقة لوجود الفرد وباقية بعده ومستقلة عنه كما أنها في الآن نفسه تمارس ضغطا عليه حيث ربط هذا المفكر مأساة الأفراد بالعامل الاجتماعي في كتابه الانتحار سنة 1897م.

هذه الأفكار أثرت في الأوساط الفلسفية و اللغوية ومن بين أعمدة هذه الأخيرة (اللغة) آنذاك أنطوان ميي , الذي ساد في اعتقاده بأن « اللغة حدث اجتماعي مستقل عن كل فرد وليس لأي كان أن يغيرها » . كما دعا إلى استبدالها بمفاهيم أكثر نحوية وموضوعية ,أي أقرب إلى الدراسات العلمية .


-*- مذهب الإنضماميين :

تأسس هذا المذهب على يد كل من جون لوك (1632-1704), ودافيد هيوم(1711-1776) , وطور من طرف ألكسندر بال و هربرت سبنسر وبالأخص الوضعي الإنجليزي جون ستيوارت ميل(1806-1873), ويرى هذا الأخير أن الحياة النفسية تحكمها قوانين الانضمام , والأحاسيس هي بمثابة ذرات (الشعور و الوعي) ولهذا يجب أن تدرس على حدة ولا ينظر إليها أو إلى مجموعها وهو (الشعور) .

حيث أن إحساس واحد يأتي بأحاسيس أخرى والمساس به كذلك مساس بالأحاسيس الأخرى وهذا نظرا لارتباطها بصفة عضوية .وغلب على أصحاب هذا المذهب أن الأشياء ضمن الجماعة أو على حدة نفس الشيء ,رغم النقد الموجه لهم من طرف هنري برغسون كون أنهم اعتبروا النفس تحكمها قوانين ميكانيكية .

ويظل هذا المذهب رغم النقد الموجه له يشكل منطلقا لعديد الدراسات , كما كان منطلقا لنظريات كاملة كالمنعكس الشرطي لــ بافلوف ,و التحليل النفسي لــ فرويد. (1)


(1)- ****ولدبسطامي محمد عبد الصمد


-*- مفهوم الكــــــــل :

نشير في هذا المفهوم إلى الانتباه المهم لكل من أوغست كونت و كارل ماكس و إيميل دوركايم إلى مفهوم الكل , على أنه شيء زائد ومتجاوز لكل واحد من أجزائه .

ما أضافه فيردناند دي سوسير إلى هذا المفهوم هو جانب النظم , والذي يعني : « أن التأليف الذي يستلزم أن تكون لكل جزء في داخل المجموعة صفات خاصة تشاركه فيها يعرض الأجزاء وتغايره بها أجزاء أخرى , بإنصافه بتلك الصفات يكون له مع كل واحد من الأجزاء الأخرى علاقات ونسب ومجموع هذه النسب تسمى (في اصطلاح علماء هذا العصر) الصور أو الصيغة أو النظام وأطلق عليه فيما بعد لفض البنية,… ».

وميي نفسه لم يلتفت إلى هذا الجانب بل الذي لفت نظره هو النظام كمجموعة أجزاء متناسقة لا التناسق في ذلك كعامل له كيان على حدة و بالأحرى تأثير في المجموعة وفي أجزائه .(1)

بمعنى آخر أن ميي لم يعر التناسق أهمية في حد ذاتها ككيان مهم في الجماعة.

مما سبق لنا من أفكار في هذا المبحث أن انطلاقة دي سوسير لم تكن من فراغ أو إبداع بل لها خلفيات مهمة يمثلها علماء علم الاجتماع واللغة وكذلك أن اللسانيات السوسيرية هي وليدة التراث الفكري و الفلسفي و البعد الاجتماعي .(1)



(1)- ****ولدبسطامي محمد عبد الصمد

المبحث الثالث : دراســــات دي سوسيـــــر و آراؤه الشــهـــيــرة



يعتبر العالم الفرنسي دي سوسير من العلماء الذين خدموا اللسانيات التاريخية قبل أن يخدم اللسانيات الوصفية , ومن أهم الدراسات التي قدمها في اللسانيات التاريخية نذكر بعض من هذه الدراسات :


أ‌- دراسة حول النظام البدائي للصوائت في اللغات الهندو أوربية سنة 1878م .


ب‌- حالة الجر المطلق في اللغة السنسكريتية سنة 1881م .


وقد قام هذا البحث لنيل درجة الدكتوراه في جامعة ليبسيغ . وترجع أهمية هذه الدراسات إلى أمرين أساسيين :

*)- اعتماد المنهج البنيوي في البحث .

*)- إتباع مناهج البحث النظري المحض . (1)


بالإضافة إلى هذه الدراسات نذكر أهم الأفكار الشهيرة التي جاء بها العالم فيرديناند دي سوسيروهي:

أولا : إن العلامة اللغوية لا تقرن شيئا باسم و إنما تقرن مفهوما بصورة سمعية , والمقصود بالصورة السمعية ليس الصوت المسموع , أي الجانب المادي ,بل هو الأثر النفسي الذي يتركه الصوت فينا .

أو بعبارة أخرى التصور الذي تنقله لنا حواسنا للصوت . وبالتالي فالنسق بين التصور و الصورة السمعية هو علامة . فالعلامة اللغوية هي وحدة نفسية مزدوجة و العنصران (مفهوم- صورة سمعية) مرتبطان معا ارتباطا وثيقا ويتطلب وجود الواحد منهما وجود الثاني .لقد اعتدنا أن نسمي باسم علامة العلاقة الترابطية بين المفهوم والصورة السمعية , غير أن المصطلح علامة يشير عادة - في الاستعمال الشائع- إلى الصورة السمعية فقط.

لهذا نقترح - و الكلام عند دي سوسير دائما - الاحتفاظ بكلمة علامة للدالة على الكل وتبديل كلمتي : تصور وصورة سمعية بكلمتي : المدلول و الدال .أما الرابط الجامع بين الدال و المدلول فهو اعتباطي , فالعلامة الألسنية اعتباطية ,وذلك تعريفنا العلامة على أنها مجموع ما ينجم عن ترابط الدال بالمدلول . أما المبدأ الثاني فهو أن صفة الدال الخطية : و لكون الدال ذا طبيعة سمعية , فإنه يمتد في الزمن فحسب متمتعا بصفته :

1- إنه يمثل بعدا (اتساعا).

2- يمكن قياسه في بعد واحد هو المنحى الخطي .

ثانيا : اللغة منظومة من العلامات تغبر عن فكرة ما . أما الكلام فهو عمل فردي للإرادة و العقل .

ثالثا : إن الدليل في تعريفه السوسيري – يقول أنور المرتجي – يجب أن يفهم داخل تصور عام ,هو النظام SYSTEME الذي يتضمن مفهوم الكل والعلامة ,حيث لا يمكن فهم وظيفة الأجزاء إلا في علاقتها الاختلافية مع الكل.فالأجزاء داخل النظام ليس لها معنى في حد ذاتها عندما ينظر إليها معزولة .وهو ما عبر عنه دي سوسير بالتعارضية . (2)


(1)-****ولدبسطامي محمد عبد الصمد


(2) ****ولدبسطامي محمد عبد الصمد

الفـــصـــــل الثّـــانـي: أسـس السيميولـوجيـا الأوربية و أهـميتهــا

المبحث الأول : التصنيف الأكــاديـمي الفرنسـي

المبحث الثاني : المرتكزات الديسوسيرية في السيميولوجيا

المبحث الثالث : أهمية السيميولوجيا السوسيرية وما تفرع عنها




المبحث الأول : التصنيف الأكـــاديمي الفرنســي

حسب التصنيف الأكاديمي الذي أقامه بايلون كريستيان و بول فابر يمكن دراسة أنواع الدلائل في شكل ثنائيتين رئيسيتين: القرينة indice والإشارة signe من جهة و الدليل symbole من جهة أخرى .

*(القرينة و الإشارة )* بخلاف الإشارة (الاتصالية) ,فإن القرينة هي كل دليل لا يتضمن أي نية في التبليغ intention de communiquer .


أ)- القرينة : تتجسد القرينة في أربعة مجالات متميزة: اللغة , البلاغة , القانون و السيميولوجيا .

أ-1)- في اللغة العربية :

يراد بقرينة الكلام ما يصاحب الكلام و يدل على المراد به. وهي التي لا تحدد وظيفة و إنما هي مجرد أداة تساهم في إعطاء لفظة (من لفظات الجمل) مدلولا إضافيا. مثال: أدوات التعريف (في الرجل), التنوين (مثل مائدة), التسويف (س, سوف.في: سيسمع, سوف يسمع) و النفي (لا, في: لا يسمع) وكذلك الصفة(مستديرة التابعة لمائدة) ….إلخ.


أ-2)- في البلاغة العربية (المجاز اللغوي) :

القرينة, في حالة الاستعارة هي المانع من إرادة المعنى الحقيقي والتي تساهم في الدلالة على المعنى المجازي. وقد تكون القرينة لفظية أو حالية .

تتجسد القرينة اللفظية في المثالين الآتيين :

*المثال الأول: إني شديد العطش إلى لقائك :شبه الاشتياق بالعطش بجامع التطلع إلى الغاية. وقد حذف المشبه (الاشتياق) و ترك شيئا من لوازمه (أي قرينته) وهو: إلى لقائك, على سبيل الاستعارة التصريحية( التي يذكر فيها المشبه به ).

*المثال الثاني: قال الشاعر: عضنا الدهر بنابه****** ليت ما حل بنا به

شبه الدهر بحيوان مفترس بجامع الإيذاء في الكل. ثم حذف المشبه به (الحيوان) و رمز إليه بشيء من لوازمه و هو فعل عض , على سبيل الاستعارة المكنية (التي لم يذكر فيها المشبه به).


و تكون القرينة حالية في الشطر الأول من هذا البيت للبحتري: هزبر مشى يبغي هزبرا و أغلب *** من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا

تتمثل القرينة (الحالية) هنا في الحال المفهومة من سياق الكلام التي تدل على أن المقصود من كلمة هزبر الأولى ليس المعنى الحقيقي (الأسد الحقيقي الذي تدل عليه كلمة هزبرا الثانية) ولكن المعنى المجازي (أي الممدوح الشجاع) .

و يقوم المجاز (الذي يعتمد, بخلاف الاستعارة, علاقة ضرورية تكون لغير المشابهة) على قرينة (تكون دائما لفظية في حالة المجاز المرسل ) تمنع من إرادة المعنى الأصلي و تساهم في الدلالة على المعنى المجازي .

*مثال للمجاز المرسل : أمطرت السماء نباتا (أي أمطرت السماء الماء الذي به يوجد النبات ).

مثال آخر : قال الله تعالى : « واسأل القرية التي كنا فيها » (أي أهلها), فتعد الأفعال: أمطرت و اسأل قرائن لفظية.(1)



(1) ****ولدبسطامي محمد عبد الصمد






أ-3)- في القانون : القرينة القضائية :هي الدلائل غير المباشرة التي يستخلص بواسطتها القاضي الحقيقة القانونية.


أ-4)- في السيميولوجيا :

حسب لويس بريتو, القرينة هي: « واقعة يمكن إدراكها فورا و تعرفنا على شيء يتعلق بواقعة أخرى غير مذكورة » .

نستنتج من هذا التعريف أن القرينة لا تحمل أي نية في التبليغ .

مثال : السماء الغائمة أو السماء العاصفة اللتان تدلان على احتمال سقوط المطر. مثال أخر: أثر قدم إنسان (أ) بالنسبة لإنسان آخر (ب) .


ب)- الإشـــارة:

يمكن تقسيم الإشارات إلى نوعين رئيسيين: إشارات الدلالة signaux significatifs و إشارات الاتصال communicatifs signaux .


ب-1)- إشارات الدلالة :

على الرغم من أن هذه الإشارات يمكن أن تحمل رسالة و تدل على شيء إلا أن وظيفتها الأساسية لا تكمن في ذلك بل تكمن في الجانب النفعي الذي أنشئت من أجله .

لنأخذ مثلا من الهندسة المعمارية : إن المسجد قد بني بالدرجة الأولى من أجل إقامة الصلاة .إلا أنه غالبا ما تتجسد في هندسته المعمارية البصمات الفنية أو الثقافية أو الحضارية للشخص الذي أشرف على بنائه .

مثال آخر: لنستدل بموضة الملابس: إن التنورة jupe التي فصلت أساسا كي تلبس من قبل امرأة تعد في الوقت ذاته إشارة دلالية: لأن مصمم الموضة يكون قد فصلها وفق زي أو موضة معينة .


ب-2)- إشارات الاتصال :

هي الإشارات التي وضعت أساسا من أجل حمل أو نقل خبر: كإشارات قانون المرور و الدلائل اللسانية.

على خلاف القرينة, تتضمن الإشارة الاتصالية النية في التبليغ : إن السماء العاصفة ليس في نيتها الإعلان عن رداءة الطقس ولكن بفضل هذه القرينة يشرع مسؤول الحماية المدنية على مستوى الشاطئ بمباشرة تعليق العلم الأحمر.

إن هذا العلم هو إشارة اتصالية وضعت بغرض إعطاء تحذير للمصطافين.

نلاحظ بأن هذا العلم هو دليل غير لساني ,ومن ثم فإنه يندرج في مجال السيميولوجيا وليس من اختصاص علم اللسان.

نذكر كذلك من بين الإشارات الاتصالية شعار جهاز التلفزيون على واجهة مصلح أجهزة التلفزيون ومعظم إشارات قانون المرور (كإشارة قف).

توجد بين هذين النوعين من الإشارات حالات وسطية تأتي في مقدمتها الكلمات المحاكية onomatopées التي تقوم على تقليد أصوات طبيعية . مثال: أف, بوم boum, **** crac…إلخ. وهي الكلمات التي لا يمكن التعرف عليها جيدا إلا من خلال دراسات لسانية وسيميولوجية جدية. (1)
http://www.saaa-sy.org/gallery/gal_11_full_lrg.jpg