المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحوث متنوعة



الصفحات : [1] 2 3 4 5 6 7 8 9 10

spisos
14-02-2009, 13:47
http://etudiantdz.net/vb/imgcache/23492.imgcache.gif
بحوث متنوعة
تساعد الطالب على التحضير
معلومات متعددة
http://pic.do7a.com//data/media/28/w6w2005042106263172922419618.gif

spisos
15-02-2009, 14:03
النخبة العسكرية بمصر:

شكل ضباط الجيش الجماعة الاستراتيجية الأولى فى مصر منذ بدأت حركة التحديث على يد محمد على. فقد بدأت هذه الحركة ببناء الجيش، ولقد درج محمد على على منح كبار الضباط إقطاعات من الأرض؛ ومن ثم فقد أصبح الجيش مكوناً فى بناء السلطة وفى بناء المجتمع فى آن واحد. ولقد ذهب إيفرز إلى أن السبق الزمنى للجماعة الاستراتيجية يؤدى إلى أن تحتل هذه الجماعة مكانة أكبر من الجماعة التى يتأخر ظهورها الزمنى(26). ومن هنا يمكن أن نفسر غلبة الجماعة العسكرية الاستراتيجية على جميع الجماعات الأخرى، لظهورها المبكر الذى أدى إلى أن تحصل على أعلى درجة من المكاسب عبر مسيرة المجتمع، وكان مكسبها الأكبر هو صعودها إلى سدة الحكم، واحتلالها مكانة مركزية فى عملية صناعة القرار.
احتلت هذه النخبة مكانة مركزية بعد عام 1952، وظلت هكذا حتى بداية التغيرات الاجتماعية والاقتصادية فى منتصف السبعينات. واستمر تأثيرها بعد ذلك فى أنها أصبحت مصدراً لتوافد أعضاء جدد إلى النخبة المركزية وإلى النخب الوسيطة. ولذلك فإن هذه النخبة تظل هى أكثر النخب تأثيراً برغم توافد نخب جديدة كنخبة رجال الأعمال إلى دائرة الممارسة السياسية. وبالرغم من أن نهاية حكم عبدالناصر قد شهدت تحولاً نحو المدنية، يشهد على ذلك الانتقال إلى الاعتماد على "أهل الخبرة" الأمر الذى سمح بدخول عناصر غير عسكرية إلى دائرة الضوء، نقول إنه بالرغم من ذلك إلا أن ضباط الجيش قد ظلوا قوة موازية لقوة عبدالناصر المدنية(27). فقد كان ضرورياً أن يحافظ النظام بشكل أو بآخر على توازن بين القوى يمثل فيه الضباط مكانة بارزة. ولقد ظهر ذلك جلياً فيما بعد وبعد أن حقق الجيش انتصاراً عسكرياً فى العام 1973. حقيقة أن هذه الحرب قد أكدت مهنية الجيش وحرفيته، ولكنها أكسبته مكانة جديدة، وأصبح أبطال أكتوبر من الضباط يحكمون هنا وهناك فى أماكن مدنية (فى الوزارة وفى مجلس المحافظين وأماكن أخرى). وقد رأينا من قبل كيف أن الوزارات المتعاقبة من عام 1981 حتى 1995 خدم بها 15 وزيراً من بين صفوف الجيش. حقيقة أن أعداد العسكريين تتناقص أمام أعداد التكنوقراط والبيروقراط ولكن تظل المؤسسات العسكرية محتفظة بقوتها التقليدية أمام المؤسسات الأخرى، ويظل الضباط أكثر قوة من أى جماعة أخرى، يتجلى ذلك فى أمور عديدة منها:
ب-1: أن هذه الجماعة هى التى يأتى منها الرئيس، ولذلك فإن مؤسسة الرئاسة تتأسس فى جانب منها على أسس عسكرية وتصبح القوات المسلحة أقرب المؤسسات إلى مؤسسة الرئاسة، حيث يمكن جمع رئيس الجمهورية بين منصب الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
ب-2: ولظروف الأمن القومى فإن القوات المسلحة هى أكثر المؤسسات استقلالاً حيث تتمتع بميزانية منفصلة، وتحاول تحقيق اكتفاء ذاتى فى البناء والمرافق وإنتاج الطعام ومحاولة تحقيق اكتفاء فى إنتاج السلاح؛ بل إنها أصبحت المؤسسة الأكثر كفاءة إلى درجة أنها أصبحت مالكة لزمام الحسم فى إدارة الأزمات خاصة الكوارث(28).
ب-3: وأخيراً فإن هذه المؤسسة بجانب مؤسسة الشرطة تدفع بالكثير من أفرادها إلى الحياة المدنية بعد التقاعد فنجدهم يديرون المؤسسات، ويحتلون مواقع حساسة فى أجهزة الدولة (وكلاء وزارات ورؤساء مجالس مدن وسكرتيرى محافظات) وفى القطاع الخاص (حيث يتحول بعضهم إلى رجال أعمال).


المراجع:

26- انظر عرضاً لنظرية الجماعات الاستراتيجية فى كتاب الدولة فى العالم الثالث السابق الإشارة إليه.
27- أحمد عبدالله، الجيش والديموقراطية فى مصر مقدمة المحرر، فى: أحمد عبدالله (محرر) الجيش والديموقراطية فى مصر، القاهرة: سينا للنشر، ط1، 1990، ص 5-6.
28- عبدالسلام نوير، النخبة السياسية فى مصر، فى: على الصاوى (محرر) النخبة السياسية فى العالم العربى، ص571.

spisos
16-02-2009, 19:44
الإقتراب النسقي:
إنتقل مفهوم النسق من حقول الدراسات الفيزيائية و الطبيعية إلى حقل الدراسات السياسية، و صاحب فكرة النسق burtallanfy الذي نظر إلى هيئات الكائنات على أنها نسق مفتوح يحيا في بيئة يتفاعل معها تاثيرا و تأثرا .فهو نسق مفتوح له فتحتان ، فتحة مدخلات ، و فتحة مخرجات . تم نقل هذه الفكرة "دافيد إستن" إلى حقل الدراسات السياسية ليدرس التفاعلات السياسية في المجتمع على أنها نسق "system" من التفاعلات و كان ذلك عام 1953 في كتابه الشهير "political system" النسق السياسي.

- النسق عند "دافيد إستن" هو التوزيع التحكمي للقيم.
- عند تالكوت بارسونز : النسق هو السعي نحو تحقيق الاهداف ، يقول بارسونز أن هناك نسق كلي global system
نسق جزئي sub system
تعريف النسق:
هو مجموعة من العناصر المتفاعلة فيما بينها تفاعلا وظيفيا و تشكل كلا متميزا يؤدي وظيفة أو مجموعة من الوظائف .و أي تغير في احد العناصر أو الأجزاء يؤدي إلى تغير في النسق.
-----------------------------------
المرجع:
محاضرة لمحمد شلبي .أستاذ بجامعة الجزائر. عام2005

spisos
16-02-2009, 20:29
رد على" الإتجاهات السيكولوجية في دراسة الجمهور":

هذا المقال يدرس الجمهور سيكولوجيا:

مقدمــة :

تعتمد في الغالب العلوم الاجتماعية والإنسانية على الفلسفة من جانب المنظرين لها ولا تخرج في إطارها العام عن واحدة من ثلاث ، الأولى فلسفة خيالية أبعد من استيعاب وفهم وإدراك العامة وهي إلى حد ما لتنبؤ ما قد يحدث مستقبلاً والثانية فلسفة واقعية لما يجري على أرض الواقع دون النظر إلى شمولية المؤثرات في هذا الواقع والثالثة فلسفة لا هذه ولا تلك ولا حاجة لأحد بها لأنها غير منطقية.
وواقع الحال يوحي بأن غالبية المتشبثين بالعناوين دون منهم المضامين والجري وراء المصطلحات والنماذج التي تظهر بين الحين والآخر من قبل منظرين هنا وهناك يكون حالهم حال الغراب والحمامة والإدارة هنا إذا لم تستطيع أخذه النماذج والنظريات والمصطلحات بعين العناية والحذر والتطوير غير المخل لما يتناسب مع واقعنا واحتياجنا في ضوء الأهداف المحددة والإمكانات المتاحة فهي ولا شك إدارة فاشلة.
فعلى سبيل المثال هناك نظرية الهندرة الإدارية نظرية ما يعرف بالعصف الذهني أوجدها الغرب وطبل لها ووظفها أحسن توظيف لكن اليابانيين لم يقفوا عند حد هذه النظريات والمصطلحات فحسب بل أنهم وظفوها وطوعو هذه النماذج وأوجدوا ما يعرف بحلقات الجودة في الإنتاجية ثم سوّقوا على الغرب نماذجهم في قوالب مبهرة حقاً فكانوا أساتذة الإنتاج بعدما كانوا تلاميذه.
والباحث هنا في هذه الجزئية يأمل أن يكون لنتائج هذا البحث وتوصياته حظ عكاشة عند المصطفى حتى لا تضيع الجهود سدا باعتبار إن هذا الجزء هو من دراسة علمية محكمة تعد بداية أساسية للدراسات التقويمية لبرامج العلاقات العامة في المؤسسات الحكومية وهذا البحث جزء منها.
الباحث

الجمهور الاستراتيجي : Strategic Public

"هو الجمهور الذي يمثل فرصةً أو تهديداً للمنظمة في وقت ما" ( ).. وبمعنى آخر قد يكون جمهور للمنظمة أو جمهور خارجي أو المعارضة أو المتشددين أو دولة معينة أو الصحافة المحلية أو الدولية وقد يكون إستراتيجياً الآن وقد يمثل جمهوراً إستراتيجياً فيما بعد، وأن على العلاقات العامة استثمار الجهود والموارد المتاحة وتركيزها من قبل العلاقات العامة في المنظمة على الجماهير الإستراتيجية.( )
تعريف إجرائي : يقصد به جماهير الأجهزة الأمنية الداخلية والخارجية والتي يمكن أن تمنح العلاقات العامة فرصة لتحقيق أهدافها أو تمثل تهديداً مباشراً على برامج العلاقات العامة فتفشلها. وبالتالي فهي إما تعارض سياسة أو خدمات الجهاز بشكل علني أو مستتر ، أو أنها تستطيع دعم وتأييد برامج العلاقات العامة وبالتالي سياسة الأمن. ولكنها لا تفعل ذلك نتيجة لعدم معرفة العلاقات العامة هذا النوع من هذه الجماهير وبالتالي التأثير عليها إما بالإنضمام إلى مسيرة الأجهزة أو المنظمة وسياستها أو تحييد هذا التهديد.
ويمكن ضرب أمثلة لتلك الجماهير بنوعيها فيما يلي :
1 - جماهير تمنح العلاقات العامة فرصة وهي منسوبو الأجهزة الأمنية عندما تمارس معهم العلاقات العامة الدور المفترض فإنها تنمي في هذه الجماهير زيادة الولاء ، وبالتالي ينعكس ذلك على تصرفاتهم مع الجماهير الخارجية فيخلق ذلك نوعاً من الإنضمام إلى التأييد أو الحياد وهذا مثالاً ليس إلا . ويمكن تسميته بالجمهور الدائم أو الثابت لأنه لا يتغير إلا في حالات نادرة مثل الفصل أو التقاعد أو الموت.
2 - جماهير تمثل تهديداً لبرامج العلاقات العامة بشكل أو بآخر وينعكس ذلك على المنظمة من خلال معارضة سياسة أو خدمات المنظمة أو بعض قراراتها أو إشاعة بعض الأفكار المعادية أو المعارضة. ويمكن ضرب أمثلة لمثل هذه الجماهير بالشباب الذي لا يجد له عمل أو تلك الفئة التي تفكر بدون صوت مسموع، أو الخلايا المدسوسة مثلاً.
ومن منطلق المقولة المشهورة (إعرف جمهورك) فإن الباحث يعتقد أنه ليس المهم أن تتحدث بل المهم أن تجد من يستمع إليك. فإذا كانت العلاقات العامة لا تحرص على نوعية الجمهور وأسلوب الرسالة ووسيلة النقل ومكان وزمان إرسالها فإن الدور الذي تقوم به تقليدي لم يعد بالمطلوب في عصر التسارع فوق المعقول . ويمكن تسميته بالجمهور المتغير فالجمهور الاستراتيجي الخارجي اليوم ليس بالضرورة أن يكون هو المستهدف في الغد على سبيل المثال بمعنى لكل مقام مقال ولكل زمن جمهور ،وحسب مقتضى الحال. وهذه الجماهير يمكن تقسيمها إلى فئات أو درجات حسب الأهمية .
وعند الحديث عن الجمهور الاستراتيجي فإن من نافلة القول التحدث عن الاستراتيجية جماهيرية التوجه حيث يرى مينارد أن “الاستراتيجية جماهيرية التوجه يتم تبنيها عندما ترأس وحدة العلاقات العامة إدارة الأزمة. تركز هذه الاستراتيجية الاتصالية على الرغبة في إصلاح العلاقات مع الجماهير المختلفة المتعاملة مع المؤسسة"(1).

كل شيء يتغير سوى الحق عز وجــل

إذاً التغير شيء متكرر ومستمر في مذهب التنمية (الأديولوجية) والتحولات تشكل صدمة على الإنسان كل يوم والمعارف تتفجر في كل الاتجاهات وبكل الوسائل المختلفة.
أخلاقيات المهنة في التقنية ودورها في التغيير .

نموذج القوى الحقليــة
وضرورة مراعاته عند تـنفيذ برامج العلاقات العامة
-------------------------------------------------------------------
قوى المقاومة قوى الدفع
-------------------------------------------------------------------


-------------------------------------------------------------------

(( تقول قف )) ب أ (( تحرك يا أخي ))
-------------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------
ب أ
الصراع بين قف وتحرك


ثلاثة استراتيجيات : للتعامل مع مفهوم هذا النموذج :-
1 - الإذابة "قوى المقاومة" إذابة الثلج بالتسخين.
2 - التغيير .
3 - التجميد.
شــكل رقم ( 1 )

تقنيـات تطويـر التنظيـم
استراتيجيات التغييـــــر
( إدارة الأزمة والطوارئ )

دور العلاقات العامة في إدارة الأزمة من خلال عظمة السمكة أو التنظيم المصفوفي مثال : دور الإدارة العامة في إعداد جنوب أفريقيا لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين (الحرب والسلام) و (الفقر).
هناك بقع عمياء : جوها نسبج (جنوب أفريقيا)
نموذج بديل : إنطلاقة أو عودة إلى الخلف ( ما هو ) تجارب الغير (نماذج معدلة)
مؤشر التنمية : الفجوة كبيرة بين عقول الإبداع ، وعقول الماضي.
القرار إلى أيــن ؟


3 - البرامج الوقائية :
من خلال استعراض أنواع البرامج من حيث الهدف اتضح أن هناك نوعين هما. البرامج الهجومية والدفاعية، ويمكن القول بأن هناك حلقةً ثالثةً مفقودةً وهي البرامج الوقائية. وهذا النوع من البرامج يمكن تسميته بالاستراتيجية الأولى للعلاقات العامة.
فإن أحسنت إدارة العلاقات العامة عند تخطيطها لبرامجها وضعت هذه الاستراتيجية طويلة أو قصيرة المدى بحسب الحاجة ، فإنها بذلك تشكل حاجزاً قوياً أمام البرامج الهجومية فلا تنفذ إلى جماهير العلاقات العامة إذ يوجد تشبع بالمعلوماتية لدى الجماهير المختلفة فلا يكون هناك تأثيرٌ للبرامج الهجومية. وبالتالي فإن الحاجة إلى البرامج الدفاعية قد تتلاشى أمام نجاحات البرامج الوقائية في نظر الباحث.

درجة فهم كلمة جمهور:

تشير النتائج أن هناك نسبة 25% في قطاع الجوازات غير متأكد . وفي قوات الأمن الخاصة 28.6% متوسطة الفهم . وفي جهازي الدفاع المدني وحرس الحدود نسبة 20% أشاروا إلى أن درجات فهمهم لكلمة جمهور كانت بنسبة 20% . ويظهر من ذلك أن هذه الإدارات في حاجة إلى تدريب هؤلاء وتأهيلهم لعمل العلاقات العامة أو استبدالهم إذا كانوا لا يرغبون في عمل العلاقات العامة .

أهـم نـتــائـج الـدراســــة

خلصت الدراسة إلى عددٍ من النتائج المختلفة من قبل عينة الدراسة بفئاتها الثلاث ؛ موظفو العلاقات العامة ، والجماهير الداخلية ، والجماهير الخارجية. حيث يغلب طابع المفهوم التقليدي السائد لدى إدارة العلاقات العامة بالأجهزة الأمنية في جميع ممارسات الأعمال وتنفيذ البرامج على أغلبية الأنشطة والأعمال. ومن أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة من وجهة نظر الباحث ما يلـي :
1 - أوضحت نتائج الدراسة أن استخدام التخطيط متدنٍ حيث لم يشر إلى ذلك سوى 13%. وأن أنواع التخطيط التي تُمارس لا تزيد عن 15% فقط عدا التخطيط الشامل للجهاز. ويؤكد المبحوثون أن هناك فروقاً في فهم موظفي العلاقات العامة حيث أشار إلى ذلك 73% تقريباً .
2 - أظهرت نتائج الدراسة أن العلاقات العامة عند بث رسائلها للجماهير لا تحدد جماهيراً استراتيجيةً لبرامجها ، حيث لم يشر إلى ذلك سوى 5.0% فقط. في حين يرى 97.6% أهمية تحديد هذه الجماهير لبرامج العلاقات العامة .
3 - هناك بعض الفروق ذات دلالة إحصائية في أثرٌ المتغيرات الديموغرافية على متغيرات الدراسة ، وقد كانت في السن والوظيفة والجنس والجنسية إلى حدٍ ما. ولمزيد من الإطلاع .
وإجمالاً فإن النتيجة العامة تشير الى أن برامج العلاقات العامة في الأجهزة الأمنية لا تحقق في الغالب الأهداف المحددة لها .

التوصيــــــــات

ومن خلال استعراض نتائج الدراسة فقد خلص الباحث منها إلى عددٍ من التوصيات يُجمل أهمها فيما يلي :
أولاً : حيث أن عملية الاتصال بالجماهير المختلفة الداخلية والخارجية تتم بطريقةٍ تكاد أن تكون عشوائيةً دون تحديد فئةٍ معينةٍ دون غيرها تخصها برسالةٍ معينةٍ تستطيع هذه الفئة فهم وتفسير محتوى هذه الرسالة ، ليس ذلك فحسب بل أن اختيار الأسلوب والوقت والوسيلة يحقق الهدف بقدرٍ كبير .
وبالتالي فإن الباحث يوصي بأن تقوم العلاقات العامة بتعيين عددٍ من الكفاءات المتخصصة أصحاب القدرات الإبداعية والإمكانات المتميزة في مجال العلاقات العامة تقوم بتحديد الجماهير الاستراتيجية للدفاع المدني حسب دوره وأهدافه . وبذلك يمكن تحقيق عدد من المميزات لإنجاح برامج العلاقات العامة التي تحقق أهدافها وهي :
أ - أن هذه الكفاءة تستطيع أكثر من غيرها توجيه الإمكانات المتاحة قدر الإمكان إلى ما يحقق بعض أو كل أهداف العلاقات العامة.
ب - إن هذه الكفاءة تستطيع أكثر من غيرها تحديد الجمهور الاستراتيجي للمنظمة أو المنشأة أو الجهاز .
ج - إن هذه الكفاءة تستطيع أكثر من غيرها صياغة مضامين الرسائل واختيار الوقت المناسب والوسيلة الأفضل .
د - إن هذه الكفاءة تستطيع أكثر من غيرها تقدير الدراسات والبحوث العلمية وإجراء الاستطلاعات المختلفة للرأي الجماهيري سواءً الداخلي أو الخارجي. على أن يكون لدى هذه الكوادر المؤهل العلمي في التخصص والخبرة الكافية والرغبة في العمل مع وجود فن الإبداع في ممارسة العلاقات العامة عند هذه الفئة .
ثانياً : إيجاد الدراسات التقويمية المستمرة لبرامج العلاقات العامة من أجل تحديد مسار التخطيط لمثل هذه البرامج .
ثالثاً : يوصي الباحث بإيجاد دور معين للمرأة في ممارسة عمل العلاقات العامة في الدفاع المدني، لأن من ضمن جماهير هذه الأجهزة المرأة ذاتها، وهي نصف المجتمع. وقد يكون الاتصال بها من قبل الرجال غير مناسب ، وقد يكون تأثيرها في العملية الاتصالية أكثر من الرجل أحياناً . وقد طالب بهذه التوصية غالبية المبحوثين من فئات الدراسة الثلاث.
رابعاً : إيجاد شعبة في العلاقات العامة مهمتها قياس اتجاهات الرأي العام الخاص بجماهير الأجهزة الأمنية بصفةٍ مستمرةٍ وعرض النتائج على الإدارة العليا.
خامساً : أثبتت الدراسة أن هناك تسمياتٍ مختلفة للعلاقات العامة مثل الشئون العامة ، الإدارة العامة للعلاقات والتوجيه ، الإدارة العامة للشئون الثقافية والإعلامية. وهذه تسميات مختلفة رغم علم تلك الجهات بأنها تسميات لا تخدم المسمى العلمي لهذه الوظيفة التي تستخدم عدداً من الوسائل لتحقيق هدف للعلاقات العامة وإن كان هذا الهدف جزئياً حسب مفهوم العلاقات العامة الحديث . وهنا يوصي الباحث بإجراء تعديلات في المسميات وتوحيدها تحت مسمى (العلاقات العامة) وربطها بأعلى سلطة في الجهاز أو (الوزارة)، على أن تكون هذه الإدارة مرتبطة بالوزير أو نائبه مباشرةً في الوزارة وبمديري القطاعات في الأجهزة التابعة ، يع النشاطات على الأجهزة حسب الجمهور الاستراتيجي للجهاز الواحد ، وذلك لتحقيق الأهداف وتوحيد الجهود وإمكانية إيجاد العناصر الكافية التي تستطيع أن تمارس دور العلاقات العامة الفعلي.
وفي هذه الدراسة قِّدم الباحثُ هيكلاً تنظيمياً مقترحاً يمكن الاستفادة منه إذا رغب المسؤولين .
وفق ركائز دور العلاقات العامة الثلاث ؛ دراسة الأحوال السائدة ، والعمل والإصلاح، والإعلام "الاتصال" حاول الباحث الاستفادة من جميع مصادر دراسته المختلفة بحيث يكون الهيكل التنظيمي الذي اقترحه متوافقاً مع أهداف العلاقات العامة ومتطلبات جماهيرها الداخلية والخارجية . وقد خرج بالتصور النهائي لهذا الهيكل الذي يعده خلاصة فكر الآخرين من الدراسات والبحوث والكتب المتعلقة بهذا المعنى وخبرته في ميدان عمل العلاقات العامة . فكان الهيكل التنظيمي المقترح للأجهزة الأمنية أو أي إدارة علاقات عامة حديثة وفق مفهوم دور العلاقات العامة جهة استشارية لرأس السلطة وفق عملية اتصالية تسير في اتجاهات مختلفة ، هدفها تحقيق أهداف الجهاز أو المنظمة وتحقيق رغبات جماهيرها بما لا يتعارض مع أهدافها الإيجابية. ويرى الباحث أن من أهم ما تقوم به العلاقات العامة في عصر العولمة أن يكون لها مبادئٌ يمكن ذكر بعضها :
أولاً : الاتصال كيف ومتى وأين ولمن .
ثانياً : الثقافة : خلق ثقافة واعية لدى جماهير الجهاز أو المؤسسة الحكومية .
ثالثاً: السياسة : بحيث تمارس العلاقات العامة نوعاً من المسايسة أو التكيف مع حاجة الجماهير وأهدافها .
رابعاً: تقويم وقياس العملية الاتصالية وآثارها والعمل على أساس النتائج.

------------------------------------------------------------
- المراجع العربية :

آل منصور، عبد المجيد سيد. سيكولوجية الاتصال الإعلامي والمسؤولية الاجتماعية، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب ، الرياض ، 1406هـ .
أحمد، جاد أحمد . منهج القرآن في التثبت من الأخبار، دار الدعوة ، الاسكندرية، 1992م.
الأفندي، عبدالله أحمد. تخطيط برامج الإعلام الأمني، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1414هـ .
الأمن والحياة، "دور العلاقات العامة في الأجهزة الأمنية"، الأمن والحياة. ، الرياض، 1409هـ.
أنس، إبراهيم وآخرون. المعجم الوسيط، دار إحياء التراث العربي، القاهرة ، 1993م .
إمام ، إبراهيم. فن العلاقات والإعلام، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1986م.
البابطين، سلطان عبد الرحمن محمد. تقويم نظام آداء العاملين بالأجهزة الأمنية، رسالة ماجستير غير منشورة، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1414هـ .
البادي، حمد محمد. المنهج العلمي للعلاقات العامة في المؤسسات المعاصرة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1981م .
البادي، حمد محمد. مشكلة التدريب العملي في تعليم العلاقات العامة بالجامعات، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، 1411هـ .
باناجه، إيمان عبد العزيز. تقويم آداء المكتبات والمعلومات وكليات المملكة، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1416هـ .
بدر، أحمد . أصول البحث العلمي ومناهجه ، ط6، وكالة المطبوعات عبدالله حربي ، الكويت، 1982م.

spisos
16-02-2009, 21:22
رد على: نماذج التنمية في دول جنوب شرق أسيا:

تجربة الصين … دروس وعبر
مدخل…..

ان التجربة التنموية الصينية تعد من اكبر وانجح التجارب التنموية في العالم وذلك للظروف الصعبة التي واجهت هذه التجربة وفي مقدمتها كبر حجم السكان وقلة الموارد قياساً بالسكان ، لذا فان التعرف على اساسيات هذه التجربة يجعلنا نقف على الدرب السليم عند القيام بالتخطيط لاي عملية تنمية .

الوضع العام في الصين قبل التنمية …

في القرن التاسع عشر كانت الصين امبراطورية تعيش منغلقة على نفسها الى حد كبير وفي هذا القرن كثرت الحروب ، وانشرت الثورة الصناعية بشكل كبير، فبدات حرب الافيون بين الصين وبريطانيا عام (1842) وانتهت بسيطرة بريطانيا على هونك كونك ، ثم بدأ التخلي عن تايوان لليابان عام (1895) ، وحصلت روسيا والمانيا على امتيازات خطوط الحديد فيها ، وكان لهذه الاوضاع ردود فعل عميقة في البلاد وانتشار روح الثورة ضد الحكم القائم الضعيف ، وانتهت بثورة عام (1911) وقيام الجمهورية عام (1921) ، التي انهت الحكم الضعيف في الصين .

وفي العشرينات بدأ هناك جناحين الاول يرى ان النموذج الشيوعي لايناسب الصين واوضاعها العامـة ، والثاني يميل الى النموذج السوفيتي الشيوعي ويرى انه الضمان لتحقيق التغيير الايجابي . وفي عام (1925) اشتد الخلاف داخل الحكم وحسم الامر عام (1927) باخراج الشيوعيين من الحكم واضطرو الى الذهاب الى الريف الذي كان بعيد عن سلطة الدولة وكونوا هناك نفوذ قوي بقيادة قائد الحزب (ماوتسي تونغ) ثم نشبت الحرب الاهلية في نهاية الاربعينيات واستمرت عامين وانتهت الحرب بسيطرة الجيش الاحمر وهو تنظيم للحزب الشيوعي على السلطة عام (1949) .

اجراأت ما قبل التنمية …
كانت الخطوات الاولى للقيام بتنمية شاملة هي القيام بعدة اجراأت منها :

(الغاء الامتيازات الاجنبية – تأمين التجارة الخارجية – تحديد حدود دنيا للاجور ترتبط هذه الحدود باسعار الارز (سلعة الغذاء الرئيسية) – تطبيق نظام البطاقات التموينية لاستهلاك السلع الاساسية مع تحديد اسعارها – فرض نظام تراخيص العمل والاقامة في المدن – تأمين المشروعات الكبيرة ومصادرة الملكيات الكبيرة واملاك بعض الاجانب –ألغاء العملة السابقة – تنظيم الملكيات الزراعية الصغيرة والمتوسطة في شكل جمعيات تعاونية (تشبه هذه المرحلة الى حد كبير الاجراأت التي قامت في الاتحاد السوفيتي بعد الثورة) .

بداية الخطط التنموية … 1-
بدأت الخطة الخمسية الاولى بين (1953-1957) باعطاء وزن كبير للصناعة بمختلف مستويـاتها ، مع التاكيد على الزراعة واعادة تنظيم الجمعيات لضمان تقديمها لفائض اكبر لتمويل عملية التنمية ، أي ان (ماوتسي تونغ) كان يؤكد على الزراعة والصناعة معاً ، كما ان التوازن كان موجوداً بين الاستهلاك والتراكم وتوسيع نظام التعليم والقضاء على الامية . وقد نجحت الخطة نجاح كبير فارتفعت معدلات نمو الصاعة الى (20%) عما كان متوقعاً وارتفعت مستويات الصحة والتعليم بشكل واضح ، ومعدلات نمو الزراعة (41%) مما ضمن تحسناً ملحوظاً في مستوى التغذية ، وارتفع تراكم الدخل القومي الى (24%) ومعدلات الاستثمار المادي الى (71%) .

2- ادت النتائج الايجابية للخطة الخمسية الاولى الى زيادة الثقة بامكان تحقيق انجازات اكبر ، فوضعت الخطة الخمسية الثانية (1958-1962) لتحقيق القفزة العظيمة الى امام ، والهدف هو مضاعفة الانتاج خلال سنة واحدة تحت شعار (بقدر ما يجسر الانسان بقدر ماتنتج الارض) وقد ركزت الخطة على الصناعة الثقيلة وتمويلها من خلال زيادة نسبة التراكم المقرر من الانتاج المحلي ومعنى ذلك زيادة الفائض المطلوب من الزراعة والصناعة الاستخراجية ، ولم تنجح القفزة في دفع الانتاج الصناعي الى المستويات المرجوة في الوقت الذي ضعف فيه دور الصناعات الصغيرة ، فقد شهدت الفترة مابين (1957-1960) النزاع ثم الفراق بين الصين والاتحاد السوفيتي ، وتعاقب ظروف مناخية مدمرة عصفت بالانتاج الزراعي ، وكان الفشل في الصناعة واستمر التنظيم الزراعي وفق الخطة .

3- وضعت الخطة الخمسية الثالثة بين (1963-1967) وسط مشاكل عديدة ، فقد ارهقت المواجهات الخارجية الامكانيات العامة وانخفضت انتاجية الصناعة عما كان مقدراً لها وظهر فتور في حماس العاملين لضعف الحوافز المادية ، وكانت قيادة الصين تشعر ان النظام فيها كان مستهـدف ، فمن حرب في كوريا الى اخرى مع الهند والى ثالثة لمواجهة القوى التي حاولت اعادة السيطرة على الهند الصينية ، وخوفاً من انتكاس الثورة قامت حركة سميت بـ(الثورة الثقافية) عام (1966) وكان هدف (ماو) من اثارة الثورة الثقافية تكتيل قوى الشبيبة بأعتبارها صاحبة المصلحة في التغيير وانها الوحيدة القادرة على دفع الصين الى امام وماجهة الاعداء دون اعتماد على أحد من الخارج ، وقد تبع التوجه الجديد تعديل اسلوب الخطة الثالثة ومدها حتى عام (1970) لكي توائم التغيرات الجديدة ، وكانت مشكلة الثورة الثقافية ليست في المسائـل التي طرحتها ولكن في العنف الذي شملها واتساع نطاق تطبيقها في المدن التي هي المراكز الحساسة للتغير الاجتماعي مهما قيل عن الريف وطاقاته ، وقد واكب الثورة الثقافية تغيير مادي واضح من مضاعفة نصيب الصناعة الثقيلة التي اصبحت قاعدة التطور الصناعي ، وزيادة انتاج الصناعات الخفيفة والمحلية التي مكنت من تغطية نسبة هامة من احتياجات الاقاليم وكانت انتاجيتها مرتفعة الى حد جعلت الصين مكتفية ذاتياً في اغلب السلع الغذائية ويتمتع المواطنون بمستوى تغذية اعلى بكثير عما كانوا يحصلون عليه .

كما كان لها الاثرفي بروز القيم الصينية التقليدية مثل العمل باجتهاد في سبيل المصلحة الذاتية وطغيانها على بعض قيم الحزب الشيوعي ، ومن ثم عادت الاسرة لتكون الوحدة الاهم في الريف الصيني ، وبعدان كان الصيني في الماضي يخدم الشعب اصبح يخدم الاسرة ونفسه .

4- خفت حدة الثورة الثقافية عند وضع الخطة الخمسية الرابعة وفي ظل الانفراج الدولي أزاء الصين وخروجها من عزلتها وانضمامها الى الامم المتحدة ، واستمرت الخطة في سياسة الاعتماد على الذات وزيادة الاستثمار المخصص للصناعة مع استمرار الجهود الاجتماعية للقضاء على الامية وتوسيع فرص التعليم وتحسين المستوى الصحي والمعاشي للمواطنين ، اما الانتاج الزراعي فقد قفز الى ما قيمته (223) مليون دولار في السنة ، أي بمعدل (600%) عما كان عليه عام (1949) ، وقد احتلت الصين بعد هذه الخطة المركز الثالث في العالم بعد روسيا وامريكا من حيث حجم الانتاج الصناعي وتنوعه .

5- اما الخطة الخمسية الخامسة (1976-1980) والتي توفي فيها (ماو) خلال السنة الاولى بدأت سياسة اصلاح جديدة ترى ان العبرة هي في ثبات الخطوات ومواجهة الواقع وليس في القفز فـوقه ، كما وجهت الدعوى الى تحديث الصناعة واعطاء البحث العلمي والتقدم التكنلوجي دوراً اكبر تحت رعاية الدولة واعادة النظر في المشروعات وتقويمها على اساس ادائها وحسن انتاجها وليس على اساس حجم هذا الانتاج بغض النظر عن نوعيته وهي المشكلة التي واجهت الدولة الاشتراكية في المراحل الاولى لعملها . وبعد رحيل (ماو) ضعفت الايدلوجية الاشتراكية وعادت الوطنية الصينية الى البروز ومعها فكرة (انـ الصـين مـركز العـالم) .



ظهور بعض مظاهر التغيير…

أ?- في محاولة لارجاع (شنغهاي) لسابق عهدها كمركز تجاري وصناعي دولي ، اقيمت في الثمانينات (14) شركة امريكية – صينية مشتركة في مجالات (الاجهزة الكهربائية – المعدات النفطية – العطور - …الخ) اضافة الى مجموعة شركات مشتركة مع اليابان وهولندا وألمانيا .

ب?- أنشاء عدد من المشاريع الخاصة ، ففي عام (1984) كان هناك (9,3) مليون مشروع متوزعة بين النقل والبناء وصناعة الاحذية والخدمات . وقد خلف هذا طبقة برجوازية صغيرة في الصين .

ج?- انشاء مناطق حرة في عدة اقاليم على الساحل الصيني الجنوبي الشرقي لجلب رؤوس الاموال الاجنبية .

د- بدأت الصين تستجيب الى كتابات الغرب الرأسمالي حول ضرورة تحديد النسل لايجاد نوع من التوازن بين السكان والموارد ، وقد قررت فرض نوع من العقوبات على من ينجب اكثر من طفل واحد ، مما ادى الى عودة ظاهرة ( وأد البنات) في الريف التي اختفت عند قيام الثورة .



مؤشرات النجاح بالارقام حتى منتصف الثمانينات ….

1- ارتفع الدخل الصناعي بعد الخطة الاولى (128%) عما كان عليه في السابق .

2- يقدر انتاج الصين من مادة الارز بـ أكثر من (38%) من انتاج العالم .

3- ارتفع انتاجها من القمح من (30) مليون طن عام (1970) الى (41) مليون طن عام (1975) واحتلت المرتبة الثالثة في العالم بعد روسيا وامريكا ، وكان نصيب الفرد من القمح (394كغم) .

4- ارتفعت نسبة الادخار الى (40%) وهي اعلى نسبة في العالم ، حتى اعلى من اليابان .

5- ارتفع معدل الدخل القومي للفرد الصيني الى (4,7%) خلال (33) سنة من عام (1952- 1985) على الرغم من زيادة السكان (400) مليون نسمة ، وهو من اعلى المعدلات في العالم .

6- ارتفع معدل العمر من (48) سنة عام (1949) الى قرابة السبعين في نهاية السبعينات وانخفض معدل الوفيات الى حوالي (6) بالالف .



اسباب نجاح التجربة الصينية …

1- التعاون بين الدولة والقاعدة العريضة من الجماهير ، وبخاصة الفلاحين الذين يشكلون الجزء الاعظم من السكان ، كما ان بداية الثورة كانت في الريف الذي انطلق منه الحزب الشيوعي .

2- اصلاح الزراعة وهي القطاع الرئيسي في الصين من خلال القضاء على الاقطاع وتوزيع الاراضي وتكوين الجمعيات الفلاحية ونجاح الاستثمارات الزراعية وقيام بعض الصناعات في الريف وبالتالي لم ينعكس سلباً على العمالة الريفية ( واصبح الفلاح احد اهداف التنمـية ، بعد ان كان ضحية في تجارب دولية اخرى) .

3- نجاح الثورة الثقافية الى حد ما في تطوير ابناء الصين بكافة فئاتهم ونشر القيم الاشتراكيـة .

4- كفاءة الجهاز التخطيطي كان له الدور الفاعل في تعبئة الطاقات والموارد وموازنتها بشكل دقيق بحيث حققت اشباع هذا الكم الهائل من السكان والقيام بالتصدير وتحقيق مكانة متقدمة بين الدول الصناعية .

5- القيم والعوامل الاجتماعية كان لها الاثر البالغ في نجاح خطط التنمية مثل تحديد الاستهـلاك - الادخار - تحديد النسل – احترام العمل وتقديسه – التعاون .

6- الاستفادة من الاخطاء السابقة في الخطط الخمسية وتجنب الاخطاء التي وقعت بها الاشتراكية وتطبيقاتها في روسيا .

7- انخفاض معدل الضرائب الى ادنى مستوى مما ساهم في تخفيف العبىء على المواطنين (الفلاحين بالذات) .

8- الموازنة بين قطاعات التنمية والسير في تطويرها بمسارات متقاربة .

9- استقلالية النظام السياسي في الصين وعدم تبعيته بالرغم من المساعدات الهائلة التي قدمها الاتحاد السوفيتي ، الا انها انتهت بعد فتور العلاقة بينهما عام (1960) .



العبرة من التجربة التنموية الصينية …

ان اهم درس يؤخذ من هذه التجربة الكبيرة هو امكانية قيام التنمية اذا ما توفرت الارادة لذلك واذا ما توفرت القيادة التي تعتمد التخطيط السليم وتحقق التعاون مع الشعب فلن يقف حجم السكان الهائل عائق امام التنمية ، بل العكس فقد تم استغلاله بشكل جيد بحيث قفزت الصين الى مصاف الدول المتقدمة خلال فترة قصيرة ، وفي هذا درس مهم جداً لكل الدول النامية ذات الموارد المحدودة وحجم السكان الكبير في ان يستفادوا من هذه التجربة العظيمة ، مع الاخذ بنظر الاعتبار ضرورة الاستقلال السياسي والغاء التبعية التي كانت العامل الاساسي في نهضة الصين ونهضة أي دولة تحاول القيام بالتنمية الناجحة .

المصادر :

1. احمد السيد النجار ، الدول النامية في خلال الصراع التجاري بين العمالقة ، مجلة المنار ، مؤسسة المنار ، العدد (43) ، 1988 .

2. دولت احمد صادق وآخرون ، جغرافية العالم ، القاهرة ، مكتبة الانجلو المصرية ، الجزء الاول ، 1976 .

3. عبد المنعم الحسني وعادل شكارة ، التخطيط الاجتماعي ، بغداد ، دار الحكمة للطباعة والنشر ، 1992 .

4. غالب محمود عريبات ، تخلف العرب والعالم الثالث ، عمان ، المطبعة الاردنية ، 1989 .

5. ميدال لبلاش ، اصول الجغرافية البشرية ، ترجمة شاكر خصباك ، بغداد ، دار المأمون ، 1987 .

6. نهوض الصين ، مجلة المنتدى ، عمان ، منتدى الفكر العربي ، العدد (133) ، 1996 .

7. وقائع وبحوث ندوة (التنمية المستقلة في الوطن العربي ) ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1987 .

8. يوان شانغ ، الاصلاح البنيوي والتنمية الاقتصادية في الصين ، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية ، اليونسكو ، العدد (120) ، 1989 .

spisos
18-02-2009, 13:26
رد على :قراءة لكتاب العقد الإجتماعي لروسو:

جان جاك روسو العقد الاجتماعي 1712 1778 :

سجل هذا الفيلسوف خطوة بوضع نظريته في كتابه العقد الاجتماعي ، وتصوره لقيام التوافق بين الناس على العيش جماعة انطلاقا من عقد ضمني يربطهم بين بعضهم ويتضمن بنودا توافقوا عليها فأصبحت دستورا لهم . فالنظام الاجتماعي لديه هو حق مقدس وقاعدة وأساس لسائر الحقوق [ دستور ] .
وجدير بالذكر أن جان جاك روسو قد طور نظرية العقد الاجتماعي التي صاغها الفيلسوف الإنجليزي " توماس هوبز" ، الذي ركز على المكنة التي يستطيع أن يتجاوز بها النظام الاجتماعي حالة الفوضى الطبيعية التي يعيشها الإنسان . ولقد رفض " جون لوك " ما عبر عنه هوبز بالظروف التي كان يعيش فيها الإنسان ؛ وهى حالة الحرب الشاملة والانحلال الاجتماعي ؛ لأنه يرى أن الطبيعة الاجتماعية للإنسان تمنع الدولة الطبيعية من أن تعيش منعزلة ، وأن رغبة الإنسان في ترك الدولة تكمن في سعيه إلى زيادة ملكيته الخاصة والاحتفاظ بها في حالة آمنة .وقد اختلف عنهما " روسو" بالقول إن السلطة التي تنتظم حياة الناس لا يمكن أن تأتي من الخارج ، وإن انعدام الأمن والطمأنينة هو ما خلق الحاجة إلى إيجاد نظام المجتمع المدني الذي لا يتكامل إلا بحماية حقوق أعضائه ويكون فيه الإنسان حرا في تحديد مصيره طالما أنه يوجه أفعاله طبقا للقانون الذي اشترك في وضعه ؛ فأصبح مصدر السلطة القوى الاجتماعية التي تعبر عن إرادة أفرادها.

spisos
18-02-2009, 14:21
رد على : مستقبل النظام الإقليمي العربي:

أمة في شِقاق: مستقبل المشروع القومي العربي في ظل التحديات الراهنة

الأوضاع العربية الراهنة تزداد سوءً يوماً بعد يوم, إذ يتفاقم الانشقاق وتضعف القدرات, وتتراجع الطموحات, ويسود شعور بالقلق من الحاضر والخوف من المستقبل، وكل ذلك يثير تساؤلاً أكيداً عن المصير الذي سيؤول إليه "المشروع" القومي العربي ذاته.
المتفحص للبنية العربية الداخلية سواء على المستوى القطري أم القومي يجد أنها لعبت دوراً مهماً في الإبقاء على الوضع الشاذ لحال الأمة العربية. وذلك من خلال إفرازات النظم و قيمها ذات الجوهر القطري, والتي استمدت مشروعيتها التجزيئية من الأسس الاستعمارية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى, والتي جسدتها اتفاقية (سايكس- بيكو)، ونتيجة لتلك التجزئة ظهرت مجموعة أنظمة متباينة في الوطن العربي الواحد. حيث ظهرت نظم جمهورية ونظم ملكية فأخذ بعضها بالنظرية الليبرالية الاقتصادية وأخرى طبقت نظريات اشتراكية، و إلى جانب هذا وذاك، برزت أشكال من الإمارات و المشيخات والتجمعات والاتحادات الإقليمية، كل ذلك كان سبباً في إحداث خلافات (عربية – عربية) سواء شخصية على مستوى الحكام أم جغرافية و التي مازالت آثار بعضها مستمرة حتى الآن.
وجاءت حقبة التسعينيات من القرن الماضي لتشهد تراجعاً واضحاً لدور الدولة في الوطن العربي بدافع عاملين الأول: عامل الكوكبة وهيمنة رأس المال المتعدي للجنسية*على حساب سيادة الدولة في سياساتها التنموية، والثاني: عجز الاقتصاد الرسمي عن استيعاب القطاعات الأوسع في المجتمع. ونتيجة لهذين العاملين و جدت الأجزاء العربية عندما شغلت في العقود الأخيرة بالتنمية أن التنمية القطرية متعذرة, وأنها توصل إلى طريق مسدود, وأن التنمية في البلدان العربية إما أن تكون قومية المنطلق متكاملة البنيان أو لا تكون. ذلك أن التنمية وفقاً للمنطلقات القومية هي الرد العملي و العقلاني الذي يستجيب لمنطق العصر و ضروراته نحو الوحدة و التحديث.
كما أن حرب الخليج الثانية في عام1990م أفرزت مجموعة من التطورات أهمها: اهتزاز ركيزة الأمن القومي العربي القائم على اعتبار أن إسرائيل التهديد الرئيسي لأمن المنطقة العربية, فقد وقع العدوان من طرف عربي ضد طرف عربي آخر. بالإضافة إلى كونها عطلت انعقاد القمم العربية سنوات عديدة حتى جاءت المبادرة اليمنية في عام 2000م بشأن إعادة دورية انعقاد مؤتمر القمة العربية والتي كان لها صدى إيجابي على المستويين الرسمي والشعبي وأحيت جو المصالحة العربية.
أما اليوم فإن العالم العربي يعيش محنة حقيقية تجلياتها متشعبة, ففي فلسطين تحاول إسرائيل فرض الحل الصهيوني للقضية الفلسطينية, وفي العراق تفرض الإدارة الأميركية وصايتها على الشعب العراقي, وفي سورية ولبنان يتزايد التدخل الأجنبي في شؤونهما الداخلية, فضلاً عن قضايا الإرهاب و الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات والتي ظهرت في ظل النظام الأحادي القطبية كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للوطن العربي الواحد. تلك المعطيات في البنية العربية جعلت المشروع القومي العربي أمام تحديات ـ ليست داخلية فقط ـ بل خارجية تهدف إلى تمزيق الوحدة المكانية والقومية العربية. فعلى سبيل المثال، نجد مشروع الشرق الأوسط الكبير يحمل ثلاثة دلائل، الأول: إلغاء الهوية العربية، فهو يضم في جغرافيته توليفة بشرية وجغرافية غير متجانسة تتجاوز حدود الوطن العربي لتغليب الهوية الجغرافية على الهوية القومية. والثاني: تقسيم الرقعة الجغرافية، حيث أنه يفصل وفقاً لحدوده الجغرافية وإن اختلفت بين عرب المشرق وعرب المغرب. والثالث: مشروع غربي- صهيوني، لأن المراد تطبيقه على جزء بعينه من الأرض العربية وبما يتيح للكيان الصهيوني أن يكون دولة مقبولة في البيئة الإقليمية العربية.
إن استمرار الحالة العربية الراهنة يوفر لقوى الهيمنة الدولية إمكانية السيطرة على الموارد والموقع والهيمنة على القرار السياسي والحد من توجه العرب نحو إقرار ما يخدم مصالحهم. كل تلك المعطيات والمتغيرات الدولية والإقليمية تجعلنا أمام حقيقة أن المشروع القومي العربي أصبح حاجة ملحة لمواجهة هذه التحديات وعليه، فإن مستقبل المشروع القومي العربي مرهون بتحقيق أمرين، الأول: القدرة على التجديد، والثاني: القدرة على المقاومة.

القدرة على التجديد
إن المشروع القومي العربي يحتاج إلى بلورة إرادة شعبية عربية تساهم في تحويله وتغييره في اتجاه التكيف الإيجابي مع معطيات وتحولات العالم المعاصر وبما ينسجم مع المصالح العليا للأمة العربية. وهذا يتطلب منا إحداث ثلاثة أمور، الأول: تفعيل الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة باعتبارها الرابطة التنظيمية والقانونية بين الدول العربية, وتظهر أهميتها في كونها تمثل طرفاً أصيلاً من أطراف النظام الإقليمي العربي تتفاعل معه بالتأثير والتأثر. فهي تتأثر به من خلال الالتزام بفكرته القومية وتؤثر فيه طالما أن كل فشل تمنى به يقلل من فعالية العمل العربي المشترك والعكس صحيح.
وبالتالي فإن الظروف المحيطة بالأمة العربية وبالعمل العربي المشترك تفرض بالضرورة أن يتم صياغة العمل العربي المشترك من خلال الانتقال بالجامعة العربية من وضعها الحالي مع كافة أجهزتها ومؤسساتها, و يستفاد من سلبياتها وإيجابياتها على مدى أكثر من نصف قرن إلى كيان عربي جديد يتوافق مع المتغيرات والتطورات الإقليمية والدولية في جميع المجالات, ويحقق الأمن القومي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد حاضر ومستقبل الأمة العربية وتعيق تقدمها وطموحاتها لتحقيق وحدة الأمة. وفي هذا الإطار، قدمت العديد من المبادرات العربية لتفعيل الجامعة العربية أهمها المبادرة اليمنية والتي تتفق في مضمونها مع الكثير مما جاء في المبادرات العربية ولتضع أسساً جديدة تتوافق ومتطلبات واحتياجات الأمة العربية حاضراً ومستقبلاً.
الثاني: العمل على تأسيس مبدأ الديمقراطية بكل جوانبها في إطار المشروع القومي العربي الذي لم يتأسس على مفهوم الديمقراطية بكل جوانبها المعرفية و الفكرية و السياسية والاجتماعية والإقتصادية ومثل غيابها عائقاً أمام استمرار تنفيذه. باعتبار أن الديمقراطية بما تعنيه من إنشاء مؤسسات فعّالة واتساع حجم المشاركة السياسية والمساواة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق تؤدي إلى تعزيز الوحدة العربية وسد الثغرات التي تهددها. فالديمقراطية هي قوام الأمم الحديثة وشرط تقدمها الاقتصادي والاجتماعي والحضاري.
الثالث: الاهتمام بالموقف من الدين الإسلامي وعلاقة العروبة بالإسلام لما له من تأثير في الحياة الاجتماعية العربية وتناول تلك العلاقة بشكل يوضح دور الإسلام في التكوين القومي العربي ويدفع بالاتجاه نحو ردم الفجوة بين قوى المشروع والحركات الدينية وصولاً إلى الحوار و التفاعل معها وإيجاد أرضية مشتركة تعزز فاعلية المشروع القومي العربي.

القدرة على المقاومة
المقاومة فعل إيجابي لأنها رفض لواقع سلبي. فهي تترك أثراً إيجابياً يتمثل في تعميق الوعي بالتناقض الأساسي مع المستعمر الأجنبي, وتنمي الشعور بوحدة التحديات بين أبناء المجتمع الواحد. والمقاومة ذات بعد إسلامي يشدد على الصلة الروحية والإيمانية بين العروبة والإسلام, وبعد وطني يؤكد على وحدة كل قطر, وبعد قومي يؤكد على وحدة المعركة من الشرق إلى الغرب. كما تشكل المقاومة جزءاً مهماً من المشروع القومي العربي, وهي الوجه المضيء في مسيرة النضال العربي عبر فترة طويلة من الزمن ضد قوى الاحتلال وخصوصا الصراع العربي – الإسرائيلي الذي كان قريناً للنظام العربي وارتبط به مساره صعوداً وهبوطاً وتمحور جدول أعماله لفترات طويلة من حوله إذ ينذر أن نجد وثيقة أساسية من وثائق النظام تخلو من تأكيد الالتزام بإقامة الدولة الفلسطينية. أكثر من ذلك فإنه يمكن لنا أن نؤرخ للنظام العربي ونقسم مراحل تطوره تبعاً لدرجة الإجماع أو الانقسام حول سبل تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
إذاً المقاومة خيار شرعي رئيسي للأمة العربية ويجب اعتمادها في مواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي غير أن تبني مفهوم المقاومة من قبل المشروع القومي يتطلب أن يكون محركاً سياسياً وفكرياً وإشاعة ثقافة المقاومة لتوليد فعل المقاومة وخلق الحاضنات السياسية والثقافية والشعبية لها وخصوصا بعد احتلال العراق لماله من انعكاسات و تداعيات خطيرة على أمتنا العربية.
وأخيراً، يمكن القول أن المنطقة العربية تعيش لحظة تاريخية عصيبة يصل فيها مستوى الصراع إلى درجة الصراع على الوجود المخرج منها وفقاً للرؤية السالفة الذكر هو المشروع القومي العربي.

المصادر

1- أحمد ثابت, القومية العربية: الأزمة والتجديد, مجلة المستقبل العربي, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, العدد272, 2001م.
2- رضوان زيادة, النظام السياسي العربي وأزمة التغيير, مجلة شؤون الأوسط, بيروت, مركز الدراسات الإستراتيجية, العدد120, 2005م.
3- علي الدين هلال ونيفين مسعد, النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, 2003م.
4- قيس نوري, الأصول الفكرية للتجزئة وتحديات الواقع: مكانة العقل في الفكر العربي, جامعة بغداد, 1994م.

spisos
18-02-2009, 14:22
رد على : مستقبل النظام الإقليمي العربي:

أمة في شِقاق: مستقبل المشروع القومي العربي في ظل التحديات الراهنة

الأوضاع العربية الراهنة تزداد سوءً يوماً بعد يوم, إذ يتفاقم الانشقاق وتضعف القدرات, وتتراجع الطموحات, ويسود شعور بالقلق من الحاضر والخوف من المستقبل، وكل ذلك يثير تساؤلاً أكيداً عن المصير الذي سيؤول إليه "المشروع" القومي العربي ذاته.
المتفحص للبنية العربية الداخلية سواء على المستوى القطري أم القومي يجد أنها لعبت دوراً مهماً في الإبقاء على الوضع الشاذ لحال الأمة العربية. وذلك من خلال إفرازات النظم و قيمها ذات الجوهر القطري, والتي استمدت مشروعيتها التجزيئية من الأسس الاستعمارية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى, والتي جسدتها اتفاقية (سايكس- بيكو)، ونتيجة لتلك التجزئة ظهرت مجموعة أنظمة متباينة في الوطن العربي الواحد. حيث ظهرت نظم جمهورية ونظم ملكية فأخذ بعضها بالنظرية الليبرالية الاقتصادية وأخرى طبقت نظريات اشتراكية، و إلى جانب هذا وذاك، برزت أشكال من الإمارات و المشيخات والتجمعات والاتحادات الإقليمية، كل ذلك كان سبباً في إحداث خلافات (عربية – عربية) سواء شخصية على مستوى الحكام أم جغرافية و التي مازالت آثار بعضها مستمرة حتى الآن.
وجاءت حقبة التسعينيات من القرن الماضي لتشهد تراجعاً واضحاً لدور الدولة في الوطن العربي بدافع عاملين الأول: عامل الكوكبة وهيمنة رأس المال المتعدي للجنسية*على حساب سيادة الدولة في سياساتها التنموية، والثاني: عجز الاقتصاد الرسمي عن استيعاب القطاعات الأوسع في المجتمع. ونتيجة لهذين العاملين و جدت الأجزاء العربية عندما شغلت في العقود الأخيرة بالتنمية أن التنمية القطرية متعذرة, وأنها توصل إلى طريق مسدود, وأن التنمية في البلدان العربية إما أن تكون قومية المنطلق متكاملة البنيان أو لا تكون. ذلك أن التنمية وفقاً للمنطلقات القومية هي الرد العملي و العقلاني الذي يستجيب لمنطق العصر و ضروراته نحو الوحدة و التحديث.
كما أن حرب الخليج الثانية في عام1990م أفرزت مجموعة من التطورات أهمها: اهتزاز ركيزة الأمن القومي العربي القائم على اعتبار أن إسرائيل التهديد الرئيسي لأمن المنطقة العربية, فقد وقع العدوان من طرف عربي ضد طرف عربي آخر. بالإضافة إلى كونها عطلت انعقاد القمم العربية سنوات عديدة حتى جاءت المبادرة اليمنية في عام 2000م بشأن إعادة دورية انعقاد مؤتمر القمة العربية والتي كان لها صدى إيجابي على المستويين الرسمي والشعبي وأحيت جو المصالحة العربية.
أما اليوم فإن العالم العربي يعيش محنة حقيقية تجلياتها متشعبة, ففي فلسطين تحاول إسرائيل فرض الحل الصهيوني للقضية الفلسطينية, وفي العراق تفرض الإدارة الأميركية وصايتها على الشعب العراقي, وفي سورية ولبنان يتزايد التدخل الأجنبي في شؤونهما الداخلية, فضلاً عن قضايا الإرهاب و الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات والتي ظهرت في ظل النظام الأحادي القطبية كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للوطن العربي الواحد. تلك المعطيات في البنية العربية جعلت المشروع القومي العربي أمام تحديات ـ ليست داخلية فقط ـ بل خارجية تهدف إلى تمزيق الوحدة المكانية والقومية العربية. فعلى سبيل المثال، نجد مشروع الشرق الأوسط الكبير يحمل ثلاثة دلائل، الأول: إلغاء الهوية العربية، فهو يضم في جغرافيته توليفة بشرية وجغرافية غير متجانسة تتجاوز حدود الوطن العربي لتغليب الهوية الجغرافية على الهوية القومية. والثاني: تقسيم الرقعة الجغرافية، حيث أنه يفصل وفقاً لحدوده الجغرافية وإن اختلفت بين عرب المشرق وعرب المغرب. والثالث: مشروع غربي- صهيوني، لأن المراد تطبيقه على جزء بعينه من الأرض العربية وبما يتيح للكيان الصهيوني أن يكون دولة مقبولة في البيئة الإقليمية العربية.
إن استمرار الحالة العربية الراهنة يوفر لقوى الهيمنة الدولية إمكانية السيطرة على الموارد والموقع والهيمنة على القرار السياسي والحد من توجه العرب نحو إقرار ما يخدم مصالحهم. كل تلك المعطيات والمتغيرات الدولية والإقليمية تجعلنا أمام حقيقة أن المشروع القومي العربي أصبح حاجة ملحة لمواجهة هذه التحديات وعليه، فإن مستقبل المشروع القومي العربي مرهون بتحقيق أمرين، الأول: القدرة على التجديد، والثاني: القدرة على المقاومة.

القدرة على التجديد
إن المشروع القومي العربي يحتاج إلى بلورة إرادة شعبية عربية تساهم في تحويله وتغييره في اتجاه التكيف الإيجابي مع معطيات وتحولات العالم المعاصر وبما ينسجم مع المصالح العليا للأمة العربية. وهذا يتطلب منا إحداث ثلاثة أمور، الأول: تفعيل الجامعة العربية ومنظماتها المتخصصة باعتبارها الرابطة التنظيمية والقانونية بين الدول العربية, وتظهر أهميتها في كونها تمثل طرفاً أصيلاً من أطراف النظام الإقليمي العربي تتفاعل معه بالتأثير والتأثر. فهي تتأثر به من خلال الالتزام بفكرته القومية وتؤثر فيه طالما أن كل فشل تمنى به يقلل من فعالية العمل العربي المشترك والعكس صحيح.
وبالتالي فإن الظروف المحيطة بالأمة العربية وبالعمل العربي المشترك تفرض بالضرورة أن يتم صياغة العمل العربي المشترك من خلال الانتقال بالجامعة العربية من وضعها الحالي مع كافة أجهزتها ومؤسساتها, و يستفاد من سلبياتها وإيجابياتها على مدى أكثر من نصف قرن إلى كيان عربي جديد يتوافق مع المتغيرات والتطورات الإقليمية والدولية في جميع المجالات, ويحقق الأمن القومي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد حاضر ومستقبل الأمة العربية وتعيق تقدمها وطموحاتها لتحقيق وحدة الأمة. وفي هذا الإطار، قدمت العديد من المبادرات العربية لتفعيل الجامعة العربية أهمها المبادرة اليمنية والتي تتفق في مضمونها مع الكثير مما جاء في المبادرات العربية ولتضع أسساً جديدة تتوافق ومتطلبات واحتياجات الأمة العربية حاضراً ومستقبلاً.
الثاني: العمل على تأسيس مبدأ الديمقراطية بكل جوانبها في إطار المشروع القومي العربي الذي لم يتأسس على مفهوم الديمقراطية بكل جوانبها المعرفية و الفكرية و السياسية والاجتماعية والإقتصادية ومثل غيابها عائقاً أمام استمرار تنفيذه. باعتبار أن الديمقراطية بما تعنيه من إنشاء مؤسسات فعّالة واتساع حجم المشاركة السياسية والمساواة بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو العرق تؤدي إلى تعزيز الوحدة العربية وسد الثغرات التي تهددها. فالديمقراطية هي قوام الأمم الحديثة وشرط تقدمها الاقتصادي والاجتماعي والحضاري.
الثالث: الاهتمام بالموقف من الدين الإسلامي وعلاقة العروبة بالإسلام لما له من تأثير في الحياة الاجتماعية العربية وتناول تلك العلاقة بشكل يوضح دور الإسلام في التكوين القومي العربي ويدفع بالاتجاه نحو ردم الفجوة بين قوى المشروع والحركات الدينية وصولاً إلى الحوار و التفاعل معها وإيجاد أرضية مشتركة تعزز فاعلية المشروع القومي العربي.

القدرة على المقاومة
المقاومة فعل إيجابي لأنها رفض لواقع سلبي. فهي تترك أثراً إيجابياً يتمثل في تعميق الوعي بالتناقض الأساسي مع المستعمر الأجنبي, وتنمي الشعور بوحدة التحديات بين أبناء المجتمع الواحد. والمقاومة ذات بعد إسلامي يشدد على الصلة الروحية والإيمانية بين العروبة والإسلام, وبعد وطني يؤكد على وحدة كل قطر, وبعد قومي يؤكد على وحدة المعركة من الشرق إلى الغرب. كما تشكل المقاومة جزءاً مهماً من المشروع القومي العربي, وهي الوجه المضيء في مسيرة النضال العربي عبر فترة طويلة من الزمن ضد قوى الاحتلال وخصوصا الصراع العربي – الإسرائيلي الذي كان قريناً للنظام العربي وارتبط به مساره صعوداً وهبوطاً وتمحور جدول أعماله لفترات طويلة من حوله إذ ينذر أن نجد وثيقة أساسية من وثائق النظام تخلو من تأكيد الالتزام بإقامة الدولة الفلسطينية. أكثر من ذلك فإنه يمكن لنا أن نؤرخ للنظام العربي ونقسم مراحل تطوره تبعاً لدرجة الإجماع أو الانقسام حول سبل تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
إذاً المقاومة خيار شرعي رئيسي للأمة العربية ويجب اعتمادها في مواجهة الاحتلال والعدوان الخارجي غير أن تبني مفهوم المقاومة من قبل المشروع القومي يتطلب أن يكون محركاً سياسياً وفكرياً وإشاعة ثقافة المقاومة لتوليد فعل المقاومة وخلق الحاضنات السياسية والثقافية والشعبية لها وخصوصا بعد احتلال العراق لماله من انعكاسات و تداعيات خطيرة على أمتنا العربية.
وأخيراً، يمكن القول أن المنطقة العربية تعيش لحظة تاريخية عصيبة يصل فيها مستوى الصراع إلى درجة الصراع على الوجود المخرج منها وفقاً للرؤية السالفة الذكر هو المشروع القومي العربي.

المصادر

1- أحمد ثابت, القومية العربية: الأزمة والتجديد, مجلة المستقبل العربي, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, العدد272, 2001م.
2- رضوان زيادة, النظام السياسي العربي وأزمة التغيير, مجلة شؤون الأوسط, بيروت, مركز الدراسات الإستراتيجية, العدد120, 2005م.
3- علي الدين هلال ونيفين مسعد, النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربية, 2003م.
4- قيس نوري, الأصول الفكرية للتجزئة وتحديات الواقع: مكانة العقل في الفكر العربي, جامعة بغداد, 1994م.

spisos
26-02-2009, 14:20
رد إلى القلب الوافي:

خصائص الدولة الإسلامية:

أصل كلمة دولة

إن كلمة دولة عندما كانت تذكر في القديم كانت تعني أو تدل على وجود مجتمع فيه طائفة تحكم وأخرى تطيع .

والدولة جاءت أو تشكلت عبر الزمان من خلال وجود مساحة من الأرض هذه الأرض يتوفر بها أسباب العيش ، من ماء وغذاء ومرعى وطقس جيد ، فتقوم هذه الأرض المتوفر بها أسباب العيش بجذب السكان إليها ، والسكان عندما يحضروا إليها يكون عددهم قليل جدا فيتزاوجوا وينجبوا جيلا جديدا وعددا جديدا في هذا الحال ينتقل هذا العدد القليل من أسره قليلة العدد يحكمها الأب إلى عشيرة يوجد بها عدد من الأفراد لابئس به يحكمها شيخ العشيرة ، فتستمر عملية زيادة عدد الأفراد بأشكال مختلفة وينتج عن ذلك قرية ثم تتحول هذه القرية إلى قرى ثم تتحول هذه القرى إلى مدينة ثم إلى مدن ومن ثم ومع زيادة عدد المدن تتشكل الدولة التي يحكمها سلطة معينة وهي عبارة عن عدد من أبناء الشعب .

"والدولة دوما هي مفهوم نظري ، ولذا فانه لا يمكن قيامها بأي صفة ملموسة أو مادية إلا حين تعبر عن نفسها من خلال الحكومة والدولة موجودة فقط لان الشعب يؤمن بأنها موجودة ، وهي كالشركة القانونية ، كيان قانوني".

تعريف الدولة:

الفقيه الفرنسي كاري دي مالبيرج عرف الدولة بأنها"مجموعه من الأفراد تستقر على إقليم معين تحت تنظيم خاص, يعطي جماعه معينه فيه سلطه عليها تتمتع بالأمر والإكراه"
الدكتور بطرس غالي والدكتور خيري عيسى في المدخل في علم السياسة عرفوا الدولة بأنها:"مجموعه من الأفراد يقيمون بصفه دائمة في إقليم معين, تسيطر عليهم هيئه منظمه استقر الناس على تسميتها الحكومة"ويحدد المؤلفان ثلاثة عناصر لابد منه لكيان الدولة هي:مجموعة الأفراد, الإقليم, والحكومة.
رينه جان دولوي, القانون الدولي, قال"سلطة النظام الحكومي تمارسها حكومات قوية على العديد من السكان الموزعين في مناطق واسعة أوصغيرة"لذلك فهو يعتبر أن الدولة تتألف من ثلاثة عناصر: السكان, الإقليم, والحكومة.
أما ديفو يعرف الدولة"مجموعه من الأفراد مستقره في إقليم محدد تخضع لسلطة صاحبة السيادة, مكلفة أن تحقق صالح المجموعة وملتزمة في ذلك مبادئ القانون" وهو بذلك يحدد أربعة أركان لقيام الدولة هي: مجموعة من الأفراد, الإقليم, السلطة, السيادة.
الدكتور نظام بركات والدكتور عثمان الرواف والدكتور محمد الحلوة في مبادئ علم السياسة يعرفونها بأنها"كيان سياسي وقانوني منظم يتمثل في مجموعة من الأفراد الذين يقيمون على أرض محدده ويخضعون لتنظيم سياسي وقانوني واجتماعي معين تفرضه سلة عليا تتمتع بحق استخدام القوة" ويحدد المؤلفون أربعة عناصر مهمة للدولة هي: الشعب (الأمة), الإقليم (الوطن), الحكومة ,والسيادة.

نجد أن معظم كتاب السياسة والقانون يتفقون على أن الأركان الأساسية للدولة هي السيادة ، والحكومة ، والشعب ، والإقليم ،
فالدولة الإسلامية كذلك تقوم على أربعة أركان :
• الحكم بما انزل الله
• الرعية
• الدار
• أولوا الأمر


الركن الأول: الحكم بين بما انزل الله
الحكم بما انزل الله سبحانه وتعالى هو الركن المميز للدولة الإسلامية
فلقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بقوله:
) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق)

ولقد أمر الله سبحانه وتعالى النبيين من قبل بالحكم بما أنزل الله كما في
قوله :
) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا)
وبين تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله هو حكم الجاهلين ، وأن الإعراض عن حكم الله سبحانه وتعالى سبب لحلول عقابه وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين.

كما أنكر الله سبحانه وتعالى على من لم يحكم بما أنزل الله جاء في محكم التنزيل
قوله تعالى : (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون)
وقوله) : ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون)
وقوله) : ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون)

حكم المسلم الذي لا يحكم بما انزل الله:
قال تعالى : ( ومن لم يحكم بما انزل الله فأؤلئك هم الكافرون)
قال أبن العباس رضي الله عنهما في تفسيرها : من جحد ما انزل الله فقد كفر ومن اقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.
وقد فصل الإمام أبن القيم في أحوال الحكم بغير منازل الله تفصيلا محكما فقال:
"والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم"
وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب من نواقص الإسلام :
"من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أكمل من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر"
وذكر الشيخ ابن باز أن هذا الناقض يدخل فيه :"من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام أو أنها مساوية لها أو انه يجوز التحاكم اليها ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل، ويدخل في ذلك ايضا كل من اعتقد انه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة لأنه بذلك يكون قد استباح ماحرمه الله اجماعاً وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة،كالزنا والخمر والربا، والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين".

والمطلوب شرعاً لتحقيق هذا الركن الركين :

1) التزام الدولة عقيدة أهل السنة والجماعة المتلقاة من الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة ، المتميزة بالتوحد الخالص ، بجميع أنواعه من توحيد الربوبية ، وتوحيد الإلوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، ونبذ الشرك بكافة أشكاله وصوره .

2) التزام الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة .

3) تحليل ما أحله الله ورسوله ، وتحريم ما حرمه الله ورسوله ، وإيجاب العقاب المقرر لما حرمه الله ورسوله .

4) تطبيق النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الإسلامية .

5) عدم مخالفة الدولة لنصوص الكتاب والسنة ، وإجماع الأمة ، وقواعد الشريعة، وأصولها العامة.

الركن الثاني: الرعية (الشعب)

من هم الشعب؟
هم مجموعة من الذكور و الإناث يقيمون على أرض الدولة بصفة دائمة. , لا يمكن
أن تقوم دولة من الدول بدون رعية يطبق عليها نظام الدولة.
يتكون الشعب من مجموع كبير من الناس تجمعهم الرغبة في العيش المشترك, وأن كان لايمكن تحديد عدد مناسب أو حد أدنى وحد أقصى لعدد الناس أو أفراد الشعب إلا أن كثرة عدد السكان لاشك تعتبر عاملا هاما في ازدياد قدر الدولة وشأنها, وقد يتطابق تعريف الشعب مع الأمة وقد يختلف عنها كما هو حال الأمة الإسلامية المقسمة إلى دول.
فشعب الدولة يتكون من أمة أو جزء منها أو عدة أمم.
فالشعب مجموعة من الأفراد تقطن أرضا معينة, أما الأمة فهي إلى جانب ذلك تتميز باشتراك افرادها في عنصر أو عدة عناصر كاللغة والدين والأصل أو الرغبة المشتركة في العيش معا.
أما بالنسبة للأمة والدولة فالاختلاف يكمن في أن الأمة هي جماعة من الأفراد تجمعهم روابط موضوعية وذكريات وآمال مشتركه ورغبة في العيش معا, أما الدولة فهي وحدة سياسية قانونية وضعية... إضافة إلى أن الدولة عنصر من عناصر الأمة, وإذا كانت الدولة والأمة تشتركان في عنصر الشعب و الإقليم, فان الدولة تتميز عن الأمة بالحكومة التي تعد ركنا من أركان الدولة. ومن وظائف الدولة إخفاء التناقضات الداخلية بين أعضائها من صراع سياسي وطبقي وإضفاء صفة المشروعية أو الشرعية على السلطة الممارسة أو المفروضة من طرف مجموعة أو فئة أو طبقة على الأغلبية.


ينقسم الشعب إلى قسمين:

(1. مسلمون يقيمون أحكام الإسلام

(2. غير مسلمون أ- مستأمنون ب-أهل ذمة

أ‌- المستأمنون:
لغة: وهو الطالب للأمان الذي هو ضد الخوف
اصطلاحا :هو من دخل الإسلام بأمان طلبه .والأمان هو رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله.

ب-أهل الذمة :
لغة: أهل العقد
في الاصطلاح: المعاهدون من أهل الكتاب ومن جرى مجراهم . والذمي هو المعاهد الذي أعطي عهدا يأمن به على ماله ودينه .
سموا بأهل الذمة؛ لأن العلاقة بينهم و بين الدولة ينظمها عقد ذمة لا يبرمه إلا الإمام.
ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين هما:
• أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل الأحوال .
• التزام أحكام الإسلام, وهو قبول مايحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم.

واجبات أهل الذمة :

1- الالتزام بدفع الجزية.
2- عدم إحداث دور للعبادة في بلاد الإسلام، ولا يجددوا ما خرب منها.
3-عدم إيواء الجواسيس أو الغش للمسلمين .
4-عدم التعرض لأحد من المسلمين بالإيذاء، أو الاستهزاء بالدين.
5- أن لا يمنعوا أحداً من أقربائهم أو ذويهم من الدخول في الإسلام.
6-أن يوقروا المسلمين ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم.
7- أن لا يظهروا شيئاً من عباداتهم أو شعاراتهم كالصلبان و نحوها.
8- أن لا يبيعوا شيئاً محرماً في الإسلام كالخمر و نحوها.

حقوق أهل الذمة :

لهم حقوق مدنية فقط و ليست حقوق دينية التي تكون للمسلمين فقط. و حقوقهم هي :
1- عصمة أموالهم و دمائهم، و جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من قتلهم،
قال الرسول صلى الله علي و سلم (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة و إن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)
2- الانتفاع بالمرافق العامة كالمسلمين.
3- مزاولة بعض الأعمال كالتجارة و نحوها، بشرط عدم الإضرار بالمسلمين.
4-حرية الاعتقاد و إجراء أحكام الأحوال الشخصية فيما بينهم.
5- الدفاع عنهم ضد من قصدهم بأذى.


الركن الثالث:الدار( الإقليـــم)

يستقر الشعب على أرض معينه سواء كانت هذه الأرض ذا مساحة كبيرة أوصغيرة, وقد أصبحت الأرض عنصر من عناصر الدولة تسمى بالإقليم الذي لايشمل اليابسة فقط وإنما إلى جانبها المسطحات المائية التابعة لليابسة والفضاء الذي يعلو الأرض والبحار الخاضعة للدولة وفقا لقواعد السلوك الدولي. وان حق الدولة على إقليمها هو عبارة عن حق عيني نظامي يتحقق مضمونه بممارسة السيادة العامة بما تفرضه من إجراءات رقابه وإدارة للشؤون العامة.

معنى الدار : هي الوطن الذي يعيش عليه الشعب ، وتطبق فيه أنظمة الدولة،ويطلق عليه أيضاً الإقليم ،

وتنقسم الدار عند الفقهاء إلى قسمين هما :
1- دار الكفر
2- دار الإسلام

دار الإسلام : هي كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة.
وتنقسم دار الإسلام عند بعض الفقهاء إلى ثلاثة أقسام هي :
1)الحرم :
ويشمل الحرم على مكة والمدينة فيمنع تنفير صيده وعضد شجره ويختص حرم مكة بأمور منها : لا يدخله من أراد الحج أو العمرة إلا محرما.

2)الحجاز:
سميت بذلك لأنها حاجز بين تهامة ونجد . ومما تختص به لاستوطنها مشرك من ذمي ولا معاهد لقوله الرسول صلى الله عليه وسلم
(اخرجوا المشركين من جزيرة العرب (

3)ما عداهما من بلاد المسلمين
فينقسم كذلك إلى عدة أقسام . وقد ذكر الفقهاء لكل قسم من هذه الأقسام أحكاماً تخصه.



دار الكفر : هي التي تكون أحكام الكفر فيها ظاهرة أو أغلب سكان الدولة كفار
ولها قسمان هما :
1) دار الحرب: عرفها الحنابلة بقولهم): هيا التي يغلب عليه حكم الكفر)
وسميت بذلك لأن الحرب متوقعة وذلك لأنها لا ترتبط مع دار
الإسلام بعهد.

2) دار العهد:هي الدار التي ترتبط مع دار الإسلام بعهود ومواثيق ،
أما مهادنة وإما مصالحة على البقاء في الأرض بعد فتحها ، على أن تكون لهم ويدفعون مقابل ذلك خرجاً.



الركن الرابع: أولو الأمر

لايكفي أن يكون هناك شعب يقيم على مساحة من الأرض لقيام الدولة بل لابد من وجود قوة أو سلطة أو حكومة لفرض السلطة على الشعب في إطار الأرض وان تعمل هذه الحكومة على تنظيم أمور الجماعة وتحقيق مصالحها والدفاع عن سيادتها.

ولقد عرف ولي الأمر في الدولة الإسلامية بعدة ألقاب:
-الخليفة: أول من دعي به هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
-أمير المؤمنين: أول من دعي به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
-الإمام: أول من دعي به هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

قال تعالى:"ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"
* اختلف المفسرون في معنى ”وأولي الأمر منكم“ في الآية على أقوال هي:
- هم الفقهاء والعلماء: قاله ابن عباس وجابر رضي الله عنهما
- هم الأمراء والولاة:قاله أبوهريره رضي الله عنه.
- هما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: قاله عكرمة.
- هم المهاجرون والأنصار: قاله عطاء.
- عامة في كل أولي الأمر والأمراء والعلماء وهذا هو الراجح.


شروط الإمام
أ) شروط متفق عليها
ب) شروط مختلف فيها


أ) الشروط المتفق عليها:
1- الإسلام :
فلا يجوز للكافر أن يكون رئيساً للدولة الإسلامية
قال تعالى :“ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا“

2- التكليف :
يشترط في الإمام أن يكون مكلفاً أي بالغا عاقلا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
”رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ ,وعن الصغير حتى يكبر , وعن المبتلى حتى يعقل“

3-الحرية:
الحرية ضد الرق ,فالعبد لا يصلح أن يكون إماماً للمسلمين , ومن في حكمه كالآبق والمُكاتَب والمُدََّبر

4-الذكورة:
فلا يجوز للمرأة أن تلي الإمارة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
“لن يفلح قومُ ولوّا أمرهم امرأة“.

5- العدالة :
المراد بها : من اجتنب الكبائر, ولم يصر على الصغائر , وغلب صوابه اشتراط العدالة لا يعني أن يكون معصوماً.

6-الكفاءة :
هي القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في أوقاتها ,مع الحزم والحنكة في إدارة شؤون البلاد.




ب) الشروط المختلف فيها :

1- بلوغ مرتبة الاجتهاد: اشتراط الاجتهاد كان متيسراً في العصور المتقدمة للدولة الإسلامية أما بعد ذلك فيصعب تحقيق هذا الشرط لقلة المجتهدين في هذا الزمان,فقد رأى كثير من الفقهاء عدم اشتراطه حتى لا تتعطل الولايات وعلى الإمام أن يستعين بمن هو أعلم منه

2- سلامة الحواس و الأعضاء:
قسم العلماء العيوب في الحواس والأعضاء إلى أقسام ,منها مالا يمنع عقد الإمامة, ومنها يمنع عقد الإمامة , ومنها ما لا يمنع من استدامتها ,ومنها ما يمنع من استدامتها.

3-النسب القرشي :
اختلف أهل العلم قديماً و حديثاً في هذا الشرط منهم من يرى أن الإمام يجب أن يكون قرشياً, ومنهم من لم يشترط ذلك , وجوز أن يكون الإمام من غير قريش



واجبات الأمام:

1. حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة
2. نشر العلم والمعرفة بكل سبيل, فإن تقدم الدولة رهن بما تصل إليه من العلوم النافعة
3. العمل على توفير الحياة الكريمة لأبناء الدولة
4. إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك ,وتحفظ حقوق عباده عن إتلاف واستهلاك.
5. تحصين الثغور بالعدة المانعة , والقوة الدافعة .
6. جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة إليه ومنع الناس من الدخول فيه ,لأن نشر الإسلام من واجبات الدولة الإسلامية .
7. جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً.
8. تقدير العطايا من بيت المال
9. اختيار الأكفاء لوظائف الدولة , وتعيين الأمناء على أموال الأمة



حقوق الأمام:
-الطاعة: تجب طاعة ولي الأمر في غير معصية الله تعالى
-النصرة: حتى يقوم الإمام بواجبه لا بد من نصرة رعيته له,وأن تقصير الإمام بواجباته نحو رعيته ليس مبررا للرعية أن تقصر في حقه.
-النصيحة: قال صلى الله عليه وسلم: ”الدين النصيحة ”قلنا لمن؟ قال :“لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم“ .فالنصيحة تقتضي الإخلاص وصدق المحبة للمنصوح والرغبة في الإصلاح.


الفهرس



1)منتدى أهل السنة والجماعة
http://www.ahlsounna.com/

2)أركان الدولة- كلية الحقوق- جامعة المنصورة
http://www.f-law.net/law/showthread.php?t=8734

3)منتديات قلب اليمن الثقافية
http://www.yeheart.net/vb/t2514

4)النظام السياسي في الإسلام, أ.د.سليمان العيد, د.عادل الشدي....وآخرون, 2008م

spisos
26-02-2009, 14:26
رد إلى فهيمة:
قراءة في تجربة ماليزيا التنموية


التجربة الماليزية جديرة بالتأمل وخصوصاً أنها تتميز بكثير من الدروس التي من الممكن أن تأخذ بها الدول النامية كي تنهض من كبوة التخلف والتبعية. فعلى الرغم من الانفتاح الكبير لماليزيا على الخارج والاندماج في اقتصاديات العولمة، فإنها تحتفظ بهامش كبير من الوطنية الاقتصادية. وخلال نحو عشرين عاماً تبدلت الأمور في ماليزيا من بلد يعتمد بشكل أساسي على تصدير بعض المواد الأولية الزراعية إلى بلد مصدر للسلع الصناعية، في مجالات المعدات والآلات الكهربائية والالكترونيات. فتقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لعام 2001م رصد أهم 30 دولة مصدرة للتقنية العالية، كانت ماليزيا في المرتبة التاسعة متقدمة بذلك عن كل من ايطاليا والسويد والصين. كما كانت تجربتها متميزة في مواجهة أزمة جنوب شرق آسيا الشهيرة التي شهدها العام 1997م، حيث لم تعبأ بتحذيرات الصندوق والبنك الدوليين وأخذت تعالج أزمتها من خلال أجندة وطنية فرضت من خلالها قيوداً صارمة على سياستها النقدية، معطية البنك المركزي صلاحيات واسعة لتنفيذ ما يراه لصالح مواجهة هروب النقد الأجنبي إلى الخارج، واستجلب حصيلة الصادرات بالنقد الأجنبي إلى الداخل وأصبحت عصا التهميش التي يرفعها الصندوق والبنك الدوليين في وجه من يريد أن يخرج عن الدوائر المرسومة بلا فاعلية في مواجهة ماليزيا التي خرجت من كبوتها المالية أكثر قوة خلال عامين فقط، لتواصل مسيرة التنمية بشروطها الوطنية. بينما أندونسيا وتايلاند مثلاً ما زالتا تعانيان أثر الأزمة، من خلال تعاطيهما تعليمات أجندة الصندوق والبنك الدوليين. ونظراً لتفرد التجربة فقد حرصنا على مشاركة المتخصصين الذين تناولوا التجربة بالبحث والدراسة من خلال كتب منشورة وأبحاث علمية شاركوا بها في المؤتمرات العلمية.

العوامل الاقتصادية والسياسية التي ساعدت على نجاح التجربة:

الدكتورة <نعمت مشهور> أستاذة الاقتصاد الإسلامي في كلية التجارة للبنات بجامعة الأزهر ترى أن هناك مجموعة من العوامل ساعدت على نجاح تجربة ماليزيا في التنمية وهي كما يلي:
1. المناخ السياسي لدولة ماليزيا يمثل حالة خاصة بين جيرانها، بل بين الكثير من الدول النامية، حيث يتميز بتهيئة الظروف الملائمة للإسراع بالتنمية الاقتصادية. وذلك أن ماليزيا لم تتعرض لاستيلاء العسكريين على السلطة.
2. يتم اتخاذ القرارات دائماً من خلال المفاوضات المستمرة بين الأحزاب السياسية القائمة على أسس عرقية، ما جعل سياسة ماليزيا توصف بأنها تتميز بأنها ديموقراطية في جميع الأحوال.
3. تنتهج ماليزيا سياسة واضحة ضد التفجيرات النووية، وقد أظهرت ذلك في معارضتها الشديدة لتجارب فرنسا النووية، وحملتها التي أثمرت عن توقيع دول جنوب شرق آسيا العشر المشتركة في <تجمع الأسيان> في العام 1995م على وثيقة إعلان منطقة جنوب شرق آسيا منطقة خالية من السلاح النووي وقد ساعد هذا الأمر على توجيه التمويل المتاح للتنمية بشكل أساسي بدلاً من الإنفاق على التسلح وأسلحة الدمار الشامل.
4. رفض الحكومة الماليزية تخفيض النفقات المخصصة لمشروعات البنية الأساسية، والتي هي سبيل الاقتصاد إلى نمو مستقر في السنوات المقبلة. لذا قد ارتفع ترتيب ماليزيا لتصبح ضمن دول الاقتصاد الخمس الأولى في العالم في مجال قوة الاقتصاد المحلي.
5. انتهجت ماليزيا استراتيجية تعتمد على الذات بدرجة كبيرة من خلال الاعتماد على سكان البلاد الأصليين الذين يمثلون الأغلبية المسلمة للسكان.
6. اهتمام ماليزيا بتحسين المؤشرات الاجتماعية لرأس المال البشري الإسلامي، من خلال تحسين الأحوال المعيشية والتعليمية والصحية للسكان الأصليين، سواء كانوا من أهل البلاد الأصليين أو من المهاجرين إليها من المسلمين الذين ترحب السلطات بتوطينهم.
7. اعتماد ماليزيا بدرجة كبيرة على الموارد الداخلية في توفير رؤوس الأموال اللازمة لتمويل الاستثمارات حيث ارتفاع الادخار المحلي الإجمالي بنسبة 40 % بين سنة 1970م وسنة 1993م، كما زاد الاستثمار المحلي الإجمالي بنسبة 50 % خلال الفترة عينها. ويرى د. محمود عبد الفضيل أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أنه في الوقت الذي تعاني فيه بلدان العالم النامي من مثلث المرض والفقر والجهل، فإن ماليزيا كان لها ثالوث آخر دفع بها إلى التنمية منذ طلع الثمانينيات وهو مثلث النمو والتحديث والتصنيع، باعتبار هذه القضايا الثلاث أوليات اقتصادية وطنية، كما تم التركيز على مفهوم <ماليزيا كشراكة> كما لو كانت شركة أعمال تجمع بين القطاع العام والخاص من ناحية وشراكة تجمع بين الأعراق والفئات الاجتماعية المختلفة التي يتشكل منها المجتمع الماليزي من ناحية أخرى. ويضيف عبد الفضيل أن هناك عوامل أخرى ساعدت على نجاح التجربة التنموية في ماليزيا منها:
• أنها تعاملت مع الاستثمار الأجنبي المباشر بحذر حتى منتصف الثمانينيات، ثم سمحت له بالدخول ولكن ضمن شروط تصب بشكل أساسي في صالح الاقتصاد الوطني منها:
- ألا تنافس السلع التي ينتجها المستثمر الأجنبي الصناعات الوطنية التي تشبع حاجات السوق المحلية.
- أن تصدر الشركة 50 % على الأقل من جملة ما تنتجه.
- الشركات الأجنبية التي يصل رأس مالها المدفوع نحو 2 مليون دولار يسمح لها باستقدام خمسة أجانب فقط لشغل بعض الوظائف في الشركة.
• أيضاً امتلاك ماليزيا لرؤيا مستقبلية للتنمية والنشاط الاقتصادي من خلال خطط خمسية متتابعة ومتكاملة منذ الاستقلال وحتى الآن، بل استعداد ماليزيا المبكر للدخول في القرن الحالي <الواحد والعشرين> من خلال التخطيط لماليزيا 2020م والعمل على تحقيق ما تم التخطيط له.
• وجود درجة عالية من التنوع في البنية الصناعية وتغطيتها لمعظم فروع النشاط الصناعي (الصناعات: الاستهلاكية - الوسيطة -الرأسمالية) وقد كان هذا الأمر كمحصلة لنجاح سياسات التنمية بماليزيا فيمكن اعتباره سبباً ونتيجة في الوقت عينه.
مسيرة التنمية في ماليزيا:
يرصد الدكتور عبد الفضيل تجربة التنمية في ماليزيا من خلال البعد التاريخي ومدى تطور التنمية في هذا البلد فيذكر أنه، بعد أن حصلت ماليزيا على استقلالها في العام 1958م اتجهت استراتيجية التنمية إلى الإحلال محل الواردات في مجال الصناعات الاستهلاكية والتي كانت تسيطر عليها الشركات الأجنبية قبل الاستقلال. إلا أن هذه الاستراتيجية لم تفلح في مجال التنمية المتواصلة نظراً لضيق السوق المحلي وضعف الطلب المحلي. ولم يكن لهذه الاستراتيجية أثر على الطلب على العمالة أو وجود قيمة مضافة عالية. ويبين عبد الفضيل، أن المرحلة الأولى بدأت في عقد السبعينات حيث اتجهت التنمية في ماليزيا للاعتماد على دور كبير للقطاع العام والبدء في التوجه التصديري في عمليات التصنيع• حيث بدأ التركيز على صناعة المكونات الإلكترونية. ولكن هذه الصناعات كانت كثيفة العمالة مما نتج منه تخفيض معدلات البطالة وحدوث تحسن في توزيع الدخول والثروات بين فئات المجتمع الماليزي ولاسيما بين نخبة صينية كانت مسيطرة على مقدرات النشاط الاقتصادي خلال فترات الاحتلال والسكان ذوي الأصل المالايي الذين يشكلون الأغلبية في ماليزيا. أيضاً كان لشركات البترول دور ملموس في دفع السياسات الاقتصادية الجديدة حيث كونت ما يشبه الشركات القابضة للسيطرة على ملكية معظم الشركات التي كانت مملوكة للشركات الإنكليزية والصينية. وقد تحقق لها ذلك مع نهاية عقد السبعينيات. ويوضح عبد الفضيل أن المرحلة الثانية شهدت الخمس سنوات الأولى من عقد الثمانينيات تنفيذ الخطة الماليزية الرابعة والتي ركزت على محورين هما: موجة جديدة من الصناعات التي تقوم بعمليات الإحلال محل الواردات والصناعات الثقيلة في إطار ملكية القطاع العام. بينما الفترة الممتدة من منتصف الثمانينيات وحتى العام 2000م لتشمل المرحلة الثالثة حيث شهدت تنفيذ ثلاث خطط خمسية في ماليزيا. استهدفت تحقيق مجموعة من السياسات لتنشيط عمليات النمو الصناعي وتعميق التوجه التصديري في عمليات التصنيع وأيضاً تحديث البنية الأساسية للاقتصاد الماليزي، وكذلك وجود مزيد من التعاون الاقتصادي الإقليمي في إطار مجموعة بلدان كتلة <الأسيان>، وأخيراً تطوير طبقة من رجال الأعمال الماليزيين من ذوي الأصول المالاوية.

الإسلام وتجربة التنمية في ماليزيا:

تقول الدكتورة <نعمت مشهور> تقوم تجربة التنمية في ماليزيا على أنها تجربة ناجحة وأنها تجربة اتفقت إلى مدى بعيد مع مبادئ وأسس الاقتصاد الإسلامي، وإن لم يتم الإعلان صراحة عن هذا الانتماء. فقد اهتمت ماليزيا بتحقيق التنمية الشاملة لكل من المظاهر الاقتصادية والاجتماعية، مع الموازنة بين الأهداف الكمية والأهداف النوعية، مع الاهتمام بهذه الأخيرة. وتدلل الدكتورة <نعمت مشهور> على ما ذهبت إليه من خلال ما يلي:
• في مجال التنمية المادية عملت ماليزيا على تحقيق العدالة بين المناطق، بحيث لا يتم تنمية منطقة على حساب أخرى، فازدهرت مشروعات البنية الأساسية في كل الولايات، كما اهتمت بتنمية النشاطات الاقتصادية جميعها، فلم يهمل القطاع الزراعي في سبيل تنمية القطاع الصناعي الوليد أو القطاع التجاري الاستراتيجي، وإنما تم إمداده بالتسهيلات والوسائل التي تدعم نموه، وتجعله السند الداخلي لنمو القطاعات الأخرى.
• كما اتفقت التنمية الماليزية مع المبدأ الإسلامي الذي يجعل الإنسان محور النشاط التنموي وأداته، فأكدت تمسكها بالقيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية، مع الاهتمام بتنمية الأغلبية المسلمة لسكان البلاد الأصليين من الملاويين وتشجيعهم على العمل بالقطاعات الإنتاجية الرائدة، فضلاً عن زيادة ملكيتهم لها. كما وفرت لأفراد المجتمع إمكانيات تحصيل العلم في مراحله المختلفة، وتسهيل التمرين والتدريب ورفع مستوى الإنتاجية، وترتيبات الارتفاع بالمستوى الصحي وتوقعات العمر، فنجحت في تحسين مستويات معيشة الأغلبية العظمى من أفراد الشعب كماً ونوعاً، وخصوصاً مع ارتفاع متوسط الدخل الفردي.
• كذلك انتهجت ماليزيا استراتيجية الاعتماد على الذات في الاضطلاع بالعبء التنموي، سواء البشري أو التمويلي، حيث عملت على حشد المدخرات المحلية اللازمة لاستغلال الموارد الإلهية المتاحة.
• أيضاً اهتمت ماليزيا بتجربة تحسين المؤشرات الاجتماعية لرأس المال البشري الإسلامي، سواء كان من أهل البلاد الأصليين أو من المهاجرين إليها من المسلمين الذين ترحب السلطات بتوطينهم، كما أسهم ارتفاع نصيب الملاويين في الملكية المشتركة للثروة في القطاعات الإنتاجية المختلفة، فضلاً عن القطاع المالي والمصرفي، إلى توفير رؤوس الأموال المحلية اللازمة لمختلف أوجه التنمية بصورة متزايدة والتي أسهمت في الإقلال من الديون الخارجية، وما يترتب عليها من زيادة عبء الدين الذي يرهق الموارد اللازمة للتنمية، فضلاً عن العواقب الوخيمة اجتماعياً وسياسياً.
• طبيعة دور الدولة في النشاط الاقتصادي في ماليزيا تتم من خلال القنوات الديموقراطية للشورى المتمثلة في الأحزاب الماليزية المتعددة التي توفر أوسع مشاركة ممكنة للناس في مناقشة جميع القضايا المتعلقة بالمصلحة العامة، ومتابعة السلطة التنفيذية في تطبيقها الجاد لجميع السياسات التي يتم الموافقة عليها.
• التزمت الحكومة الماليزية بالأسلوب الإسلامي السليم في ممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية وتوجيه الموارد، ففي حين عملت على تحويل ملكية مختلف المشروعات الاقتصادية إلى القطاع الخاص، فقد نمت مسؤولية الأفراد وأشركتهم عملياً في تحقيق الأهداف القومية، واحتفظت بسهم خاص في إدارة المؤسسات ذات الأهمية الاجتماعية والاستراتيجية، لعدم التخلي عن دورها في ممارسة الرقابة والإشراف عليها. ومن ناحية أخرى أسهمت الحكومة في التقليل من الآثار السلبية للتحول إلى القطاع الخاص عن طريق منح تأمين ضد البطالة للعاملين في الخدمات التي تم تحويلها إلى القطاع الخاص، مع وعدهم بأجور أعلى في المدى القريب، ولكن يؤخذ على الحكومة تجاهلها للاعتراضات الإسلامية على تحويل الموارد الطبيعية العامة إلى القطاع الخاص بدلاً من إبقائها في إطار الملكية المشتركة للمسلمين تحت مسئولية الدولة ورقابتها. وتؤكد الدكتورة <نعمت مشهور> وجهت نظرها بأن التجربة الماليزية كانت إسلامية من دون وجود لافتة تحدد هذا الانتماء من خلال أن التجربة لفتت أنظار الدارسين الذين تنبأوا بتحول القوة السياسية الإسلامية من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا، حيث يتوقع أن يؤدي الأخذ بالابتكارات التكنولوجية وتحقيق معدلات التنمية العالية، إلى تحويل دولة صغيرة سريعة النمو مثل ماليزيا، إلى أهم وجود إسلامي في العالم على الإطلاق.
التجربة تنقصها الزكاة:

وتشير الدكتورة <نعمت مشهور> إلى أن تبوء ماليزيا لدور بارز في قيادة العالم الإسلامي أمل يمكن أن يصبح حقيقة واقعة إذا ما استكملت الحكومة الماليزية مسئولياتها، فإلى جانب اهتمامها بنشر الدين الإسلامي والدعوة لمختلف أركانه من تشجيع على الذكر وحفظ القرآن الكريم وإقامة المساجد، وإحياء فريضة الصوم في ليالي رمضان، وتكوين مؤسسة الادخار لتيسير أداء فريضة الحج لأكبر عدد من أبناء البلاد، فإن على الدولة أن تهتم بتطبيق فريضة الزكاة، وخصوصاً مع ارتفاع مستويات الدخول الفردية وتزايد الثروات التي تجب فيها الزكاة. ذلك مع حماية الثروات الطبيعية التي وهبها الله تبارك وتعالى لماليزيا، وعدم تعرضها للإبادة والتدمير.
حضور إسلامي ولكن•••!!
الأستاذ <مصطفى الدسوقي> الخبير الاقتصادي بمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر يرى أن تجربة ماليزيا في التنمية لها خصوصية من حيث استفادتها من الظرف التاريخي للصراع العالمي بين الاتحاد السوفيتي ـ قبل سقوطه ـ والولايات المتحدة الأمريكية. حيث ساندت أميركا دول هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية لتكون هذه نموذجاً مغرياً لدول المنطقة التي ركنت إلى الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الاشتراكية. ولكن لابد أن نذكر هنا أن ماليزيا طوعت هذا الاتجاه لتبني نفسها وتوجد اقتصاداً قوياً. حتى مع سيطرة اقتصاديات العولمة وجدنا أن ماليزيا شاركت فيه بقوة، ولكن من منطق المشاركة أخذاً وعطاءً وليس مجرد الحضور كما فعلت كثير من بلدان العالم النامي، وبخاصة البلدان الإسلامية. وبالتالي فإن تكرار نموذج ماليزيا في بلدان العالم الإسلامي لابد أن يأخذ في الاعتبار الظروف التاريخية المصاحبة لهذه البلدان وكذلك وضعها في طبيعة الخريطة السياسية الدولية حالياً. وإن كان يؤخذ على هذه البلدان أنها لم تستفد بشكل مباشر من فترة النظام العالمي ثنائي القطبية.
أما عن تجربة التنمية في ماليزيا ومدى ارتباطها بالإسلام فيذكر <الدسوقي> أن فكر رئيس الوزراء الماليزي قائم على أن النظام الإسلامي لا يوجد به نموذج للتنمية ولكن توجد بالإسلام مجموعة من القيم والأخلاق يستفاد منها في ترشيد النظام الرأسمالي. مثل حث المسلمين على العمل والإتقان والمساواة والعدل والتكافل الاجتماعي. مع الأخذ في الاعتبار أن شخصية رئيس الوزراء الماليزي <مهاتير محمد> من الشخصيات النادرة التي تتمتع بحس سياسي متفرد يتسم بالوطنية والوعي بالأوضاع السياسية العالمية.
ومع ذلك نجد أن ماليزيا تفردت في بعض التطبيقات الإسلامية في المجال الاقتصادي من وجود شركات للتأمين تعمل وفق المنهج الإسلامي ووجود بعض الآليات في سوق المال تعمل وفق المنهج الإسلامي وأيضاً وجود جامعة إسلامية متطورة في ماليزيا تتفاعل مع متطلبات العصر وتخدم قضايا التنمية. كما أن ماليزيا تفردت أيضاً بوجود صندوق الحج القائم على توفير مدخرات الأفراد المشاركين فيه في أعمار مبكرة لكي يؤدي هؤلاء الأفراد الحج عند بلوغهم سناً معينة، ولا شك أن هذه الأموال يتم الاستفادة منها في توظيفها في عمليات التنمية باعتبارها مدخرات إلى حد ما طويلة المدى. ويضيف الدسوقي أن انفصال سنغافورا كان حافزاً على أن يثبت المالاويون ذاتهم وأن يهتموا بالتنمية•
أما عن الملاحظات على تجربة التنمية الماليزية فيرى، الدسوقي، أن هناك نقطتين رئيسيتين تعيبان التجربة الماليزية وهما ارتفاع معدلات الاستيراد كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، والأخرى ارتفاع نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي. مما قد يعرض التجربة لوجود مؤثرات خارجية تجعل الاقتصاد الماليزي يتأثر بها سلباً.
الدروس المستفادة من التجربة الماليزية:
بعد هذا السرد يمكننا أن نخلص إلى مجموعة من الدروس يمكن لبلدان العالم الإسلامي الاستفادة منها وهي:
1. الاهتمام بجوهر الإسلام وتفعيل منظومة القيم التي حض عليها الإسلام في المجال الاقتصادي وغيره ولا داعي لرفع لافتات إسلامية دون وجود مضمون حقيقي لقيم الإسلام.
2. إعمال مبادئ الشورى التي حض عليها الإسلام من خلال نظم ديموقراطية تحترم حقوق الأفراد.
3. في حال وجود عرقيات مختلفة يمكن التوصل إلى اتفاقات تتقاطع فيها دوائر المصالح المختلفة وبذلك يكون التنوع مصدر إنماء لا هدم.
4. الاستفادة من الظروف العالمية السياسية لبناء الاقتصادات الوطنية.
5. الاعتماد على الذات في بناء التجارب التنموية ولن يتحقق هذا إلا في ظل استقرار سياسي واجتماعي.
6. الاستفادة من التكتلات الإقليمية بتقوية الاقتصاديات المشاركة بما يؤدي إلى قوة واستقلال هذه الكيانات في المحيط الدولي.
7. التنمية البشرية ورفع كفاءة رأس المال البشري فالإنسان هو عماد التنمية تقوم به ويجني ثمارها.
8. أهمية تفعيل الأدوات الاقتصادية والمالية الإسلامية في مجال التنمية مثل الزكاة والوقف من خلال وجود مؤسسات تنظم عملها والرقابة على أدائها.
9. أن تتوزع التنمية على جميع مكونات القطر دون القصور على مناطق وإهمال مناطق أخرى، مما يترتب عليه الكثير من المشكلات مثل التكدس السكاني والهجرة إلى المناطق المعنية بالتنمية وتكريس الشعور بالطبقية وسوء توزيع الدخل.
10. اعتبار البعد الزمني من حيث استيعاب التقدم التكنولوجي، وأن المعرفة تراكمية، وأن المشكلات مع الوقت سوف تزول في وجود أداء منضبط بالخطط المرسومة.
11. بخصوص التطبيق لمبادئ وأسس الاقتصاد الإسلامي قد تكون هناك فترات انتقالية لتهيئة المجتمع للتطبيق الكامل ولكن لا يعني ذلك التوقف عن البدء في التطبيق، فمالا يدرك جله لا يترك كله. ويفضل البدء بما تتوافر له الشروط والظروف الملائمة.

بيانات أساسية عن الاقتصاد الماليزي:

• صادرات عالية ومتوسطة التقنية كنسبة من إجمالي صادرات السلع 67.4%.
• معدل الأمية بين البالغين (النسبة المئوية لمن تبلغ أعمارهم 15 سنة أو أكثر) 13 % في العام 1999م.
• ترتيب ماليزيا في دليل التنمية البشرية لعام 2001 م هو <65> (التقرير يشمل <162> دولة من دول العالم).
• عدد السكان في العام 1999م هو 21.8 مليون نسمه.
• المساحة الكلية 329749كم / مربع.
• سكان يستخدمون إمكانيات ملائمة من الصرف الصحي 98% في العام 1999م.
• سكان يستخدمون مصادر مياه محسَّنة النسبة المئوية 95 % في العام 1999م.
• الإنفاق على التعليم كنسبة مئوية من الناتج القومي 4.9 % خلال الفترة 95 ـ 1997م.
• الإنفاق على التعليم كنسبة من مجموع الإنفاق الحكومي 15.4 % خلال الفترة من 95-1997.
• الناتج المحلي الإجمالي في العام 1999م هو 79 مليار دولار.
• نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العام 1999م هو 8209 دولار.
• صادرات السلع والخدمات كنسبة مئوية من الناتج المحلي 122% الإجمالي في العام 1999م.
• واردات السلع والخدمات كنسبة مئوية من الناتج المحلي 97% في العام 1999م.

البيانات الواردة في سياق المقال تم تجميعها بواسطة المحرر من تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأم المتحدة لعام 2001م.

spisos
26-02-2009, 14:32
تابع لفهيمة:
دروس مستفادة من التجربة الماليزية في مكافحة الفقر


مدخل:

إن البلدان العربية وإن كانت قد حققت انجازات إنمائية كبيرة خلال العقود الثلاثة الماضية ، إلا أنها وهي في مطلع ق21تواجه مشاكل اقتصادية واجتماعية متعددة تمس حاضرها ومستقبلها ، ويتصدر الفقر أولى هذه المشاكل حيث يقف عائق في وجه التنمية المنشودة ، إذ يعتبر ظاهرة عالمية ولا يقتصر على دولة دون سواها .
فبينما نجد في بعض الدول نسب الفقر فيها تزداد باستمرار وتقف دولها عاجزة أمام هذه الظاهرة هناك بعض الدول تمكنت من تحقيق منجزات في فترات زمنية قصيرة نسبيا في هدا المجال ، وفي هذا الصدد سوف نتطرق إلى تجربة ماليزيا في مكافحة الفقر حيث تمكنت من أن تسابق الزمن وتحقق قفزة تنموية واقتصادية ونهضة شاملة في اقل من 30سنة، ومن هنا نتساءل: كيف تمكنت ماليزيا أن تجعل تجربتها في مكافحة الفقر تجربة رائدة عالميا؟و ما هي الفلسفة المتبعة في ذالك؟
للإجابة على هذه التساؤلات نتطرق إلى العناصر التالية :
*مفاهيم أساسية حول الفقر .
*النظرة الاقتصادية والنظرة الإسلامية لأسباب الفقر وكيفية مكافحته .
*عرض التجربة الماليزية ( أهم الخصائص والدروس المستفادة منها) .
إن عرض التجربة الماليزية ليس الغرض منه هو الإيحاء بأن تلك التجربة تمثل الحل الأمثل والقابل لتطبيق في أي قطر من أقطار الدول النامية لكن القصد من ذالك هو الاستفادة من تلك التجربة الرائدة .

مفاهيم أساسية حول الفقر :

لا يزال الفقر مشكلة عالمية متعددة الأبعاد فمن بين سكان العالم البالغ عددهم 6مليارات يعيش 2.7مليار نسمة بأقل من دولارين في اليوم ومليار نسمة بأقل من دولار في اليوم، ومن كل 100رضيع يموت 6قبل بلوغ سنة واحدة من العمر ويموت 8قبل بلوغ سن الخامسة (1).
تقدر نسبة السكان اللذين يعشون تحت خط الفقر في البلدان العربية 23%
منها% 19 في بلدان المشرق و9.2%في بلدان المغرب العربي سنة 2000 (2) .
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 800مليون شخص سيعشون من 1دوار في اليوم وأن 1700مليون شخص سيعشون بأقل من 2دولار في اليوم وسوف تتراجع حالات فقر الدولار الواحد في اليوم عالميا من %20 عام2005الى 14 %عام 2015كما ستتغير التركيبة الإقليمية للفقر (3).
المعاني التي يدل عليها الفقر لغة تتلخص في النقص والحاجة فالفقير إلى الشئ لا يكون فقيرا إليه إلاّ إذا كان في حاجة إليه لغيابه تماما أو لوجوده دون الحاجة وقد ميّز بعض الفقهاء قديما بين الفقير الذي لا يملك قوتا، والمسكين الذي يملك قوت يومه فقط .
يعرف ابن منظور الفقر في كتابه لسان العرب :هو الحاجة وفعله هو الافتقار والفقير هو الذي نزعت فقره من ظهره فأنقطع صلبه من شدة فقره أو الفقير المكسور الفقار يضرب مثلا لكل ضعيف (4).
عرف البنك الدولي الدول منخفضة الدخل أي الفقيرة بأنها تلك الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار، وعددها 45 دولة معظمها في أفريقيا،منها 15 دولة يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 300 دولار سنويا ويضيف برنامج الإنماء للأمم المتحدة معايير أخري تعبر مباشرة عن مستوي رفاهية الإنسان ونوعية الحياة هذا الدليل وسع دائرة الفقر بمفهوم نوعية الحياة ليضم داخلها 70دولة من دول العالم أي هناك 45من الفقراء يعيشون في مجتمعات غير منخفضة الدخل (5) .
كما يعرف على انه عدم القدرة على بلوغ الحد الأدنى من الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تمكن الفرد من أن يحيا حياة كريمة .
و بذالك فالفقر يجمع بين معان مختلفة تختلف باختلاف الباحثين فمنها ما هو مادي أو اجتماعي أو ثقافي ، وبذالك فالفقر ظاهرة مركبة تجمع بين إبعادها ما هو موضوعي كالدخل والملكية والوضع الطبقي وما هو ذاتي كأسلوب الحياة ونمط الإنفاق والاستهلاك وأشكال الوعي ولا يوجد تعريف شامل جامع موحد ومتفق عليه .
الكثير من يخلط بين الفقر والتخلف رغم أن هناك فرق بين المفهومين فالفقر يفترض وجود موارد كافية يمكن استغلالها والاستفادة منها، ولكن لا يتم استغلالها حيث أن الدول المتخلفة تخلفها لا يرجع سبب تخلفها إلى محدودية الموارد الإنتاجية كما في الدول الفقيرة بقدر ما يرجع إلى الاستخدام الردئ للموارد الاقتصادية ، أما الدول الفقيرة فهي دول تقل فيها الموارد والإمكانيات المادية وقد تكون راغبة في التقدم إلا أن أوضاعها لا تسمح لها بذالك وعليه فالتخلف ليس مرادفا للفقر إنما هو خلل اقتصادي وحضاري واجتماعي ساعدت على نشوئه عوامل عديدة .
يرى بعض الاقتصاديين أن الدول المتخلفة هي التي يقل فيها متوسط دخل الفرد في السنة عن مقدار معين من الدولارات أو أن الدول النامية لا يتجاوز فيها دخل الفرد في السنة عن 1/4دخل الفرد الأمريكي( 6).
و الفقير في الإسلام هو من لا يملك قوت يوم وليلة لقوله (ص):من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار فقيل: وما حد الغنى يارسول الله ؟قال:شبع يوم وليلة (7).
وبهذا فرق الإسلام بين الفقر والتخلف والغير فقير له حق معلوم في الزكاة وموارد بيت المال ، أما المتخلف عن ركب التقدم فقد لعنه وتوعده إذا سأل وهو قادر على الكسب .
النظرة الاقتصادية والنظرة الإسلامية لأسباب الفقر وكيفية مكافحته:

نتعرض أولا إلي النظرة الاقتصادية لأسباب الفقر ة وسبل مواجهته ثم نتطرق فيما بعد إلى النظرة الإسلامية في نفس المجال .
أولا النظرة الاقتصادية :

إن مشكلة الفقر هي مشكلة اقتصادية تتمثل أساسا في الندرة أي عدم كفاية الموارد للإشباع الحاجات الإنسانية فالأمم الفقيرة هي تلك الأمم التي ليس بإمكانها الحصول على السلع والخدمات ، حيث أن الفقر ينشأ أساسا نتيجة الفجوة القائمة بين الحاجات الإنسانية المتزايدة ومحدودية الموارد الطبيعية ، و في هذا الصدد يرى مالتوس أن السكان يتزايدون بمتتالية هندسية وتتزايد الموارد بمتتالية حسابية وفي النهاية يعجز الإنسان على ملاحقة الموارد الطبيعية وتزداد فجوة الفقر في العالم .
يتفاوت توزيع الموارد الطبيعية على صعيد الكرة الأرضية من بلد إلى آخر، فعلى صعيد بلدٍ معين قد تتصف الموارد الطبيعية بالندرة أو الوفرة، فإذا اتصفت تلك الموارد بالندرة، فهذا يعني أن ذلك البلد يعاني من مشكلة الفقر، وإذا اتصفت -الموارد- بالوفرة، فهذا يعني أن هذا البلد لايعاني من مشكلة فقر•
وبناء عليه فإنه على صعيد بلد ما- إقليمي جغرافي معين - يمكن القول أن سبب مشكلة الفقر تتمثل بندرة الموارد، وأن تلك الموارد لا تفي بحاجات المستهلكين المتزايدة، الأمر الذي يؤدي إلى إيجاد المشكلة الاقتصادية، التي تتمثل في مشكلة الفقر بشكل أساسي.
و لمواجهة مشكلة الفقر أورد الفريدمان ثمانية أسس هي(8) :
- توفير مكان لحياة آمنة
- توفير المعلومات
- الإنظمام إلى المنظمات الاجتماعية
- إقامة شبكة اجتماعية مكثفة مع العالم الخارجي
- توفير وسائل العمل والإنتاج
- توفير الدعم المالي
- طرح مداخل لاستغلال الوقت
ثانيا النظرة الإسلامية:

ينظر الاقتصاد الإسلامي إلى المشكلة من جهة عدم العدالة وسوء توزيع الدخل حيث يلعب الإنسان دور مهم في المشكلة وعليه فالمشكلة في الإنسان نفسه لا في الندرة أو الوفرة، فنجد دولة غنية بالموارد ولكن فيها نسبة مرتفعة من الفقراء ، و بذالك فالنظرة الإسلامية تعترض على فكرة الندرة مصداقا لقوله عز وجل "و آتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمته لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار"سورة إبراهيم( 34)
قال تعالى:"وما من دابَّةٍ في الأرض إلاّ على اللهّ رزقُها" هود (6)
وعليه لا يمكن القول بوجود مشكلة فقر إذ انطلقت من مبدأ أن الأصل في الموارد هو الوفرة وليس الندرة، ذلك لأن الخطاب الوارد في الآيات السابقة هو خطاب عام يتناول جميع الناس، كما أن وفرة الرزق وما يستتبعه من حاجات أخرى هو للبشر جميعاً، بل إن هذه الوفرة في الموارد أو الرزق تغطي حاجات البشر .
والمشكلة لا تتعلّق بوجود الموارد الطبيعية، فهي موجودة في هذه الأرض منذ أن خلقها اللّه سبحانه وتعالى، لكنها تتعلق بمدى قدرة العقل البشري على اكتشافها، لأن اللّه سبحانه وتعالى خلق تلك الأرض، وجعلها مذللة لبني البشر، وخلق الإنسان ليعيش عليها، وزوده بالعقل الذي يستطيع من خلاله اكتشاف تلك الموارد وتسخيرها لصالحه بالشكل الذي يكفي حاجاته.
إلى جانب عوامل أخرى تساهم في إيجاد مشكلة الفقر، تتمثل فيما يلي:
1- اختلاف توزيع الموارد والكثافة السكانية على مستوى الدول والأقاليم، سواء كان ذلك على شكل أراضٍ صالحة للزراعة أو معادن أو مناخ جيد أو أيد عاملة وما إلى ذلك•
2- قصور الإنسان وتقاعسه عن استغلال الموارد، ربّما لأسبابٍ اجتماعيَّة أو سياسيَّة أو ثقافية•
3- مبالغة البشر في حاجاتهم المادّيَّة وعدم وجود رشْدٍ كافٍ في الاستهلاك سواءً على المستوى الفرديّ أو الإقليمي أو الدّوليّ، حيث تستهلك الوحدات الاقتصاديَّة بناءً على قدراتها الشرائية دون النّظر للحاجة الفعليَّة وحاجة الآخرين•
4- البقاء في دائرة الحروب مما يؤدي بدمار أفراد المجتمع وانهياره ككل وتدني مستوى الدخل وانخفاض المهارة.
5- انتشار البطالة، و ظهور وانتشار الأمراض وانخفاض مستوى الرعاية الصحية ونقص وسوء التغذية والتي تؤدي لانتشار الأمراض.
6- ظهور المشكلات الاجتماعية مثل التفكك الأسري الناتج عن عدم قدرة رب الأسرة على تحمل المسؤولية لباقي أفراد الأسرة والتي تؤدي إلى:
- اللجوء إلى نزول الأطفال إلى مجال العمل وترك الدراسة لمساعدة سد احتياجات الأسرة من مأكل وملبس.
- قلة فرص التعليم بالنسبة لأفراد المجتمع ونقص القدرة والضعف الجزئي والكلي عن المشاركة بفاعلية في الحياة الاجتماعية والاستمتاع بثمار التطور الحضاري والتنمية.
وتعتبر الزكاة إحدى أنجع الطرق التي يسلكها الإسلام لمكافحة الفقر والقضاء على البطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتدعيم التضامن والتكافل الاجتماعي ومنع تكدس الثروة في أيدي قلة ومنع احتكارها .
أما عن السياسة الجبائية وسياسة القروض فإن التوزيع العادل لثروات المتوافرة من شأنه أن يخفف من حدة الفقر ولا تعني بالضرورة مجابهة الفقر رفع مستوى الضرائب أما بالنسبة للقروض فإن تحديد معدلات الفائدة يلعب دور مهم في التأثير على الحياة الاقتصادية بحيث يجب أن تكون نسبة الفوائد مخفضة إلى اقل ما يمكن أو جعلها تساوى الصفر ذالك أن الديون أثقلت كاهل الدول النامية (9).
وعلى الرّغم من أنّ الإسلام دعا إلى تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعيَّة، لكنّ تطبيق ذلك المبدأ ليس موجباً لإلغاء الفقر من هذا الوجود، بل هو يوجب تخفيف ويلاته النّفسيَّة والمادّيَّة•وقد يكون الفقر ابتلاءً من اللّه سبحانه وتعالى لاختبار إيمان العبد وصبره، من خلال الجوع ونقص الأموال والثمرات، ولذلك قال تعالى: "ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونَقْصٍ من الأمْوالِ والأنفس والثمرات وبشرّ الصّابرين"البقرة-(155(
ويستنتج مِن كُلِّ ما تقدّم استحالة إزالة مشكلة الفقر بشكل كُلِّيّ، وإنَّ ما يمكن القيام به تجاه تلك المشكلة يتمثل بالتخفيف من آثارها، وربما إخراج بعض من يعانون منها، بل ربمّا تطهير بعض المجتّمعات منها خلال فترة زمنيَّة محدّدة، وذلك كما حصل في عهد الخليفة الرّاشد الخامس عمر بن عبدا لعزيز، حيث شكا إليه عامل الصّدقات في إفريقيا أنّه لا يجدُ فقيراً يعطيه من الصَّدقات، وبيت مال الصّدقات مملوء، فكتب إليه: سّدد الدّيْن عن المدينين، فَسَدّد، ثم شكا إليه: أنّ في بيت مال الصّدقات فَضْلاً، فكتب إليه"اشتر رقاباً وأعتقها"(10).
عرض التجربة الماليزية وأهم الدروس المستفادة منها:

ماليزيا دولة إسلامية تقع في جنوب شرق أسيا وهي عبارة عن شبه جزيرة يسكنها 25 مليون نسمة ربعهم صينيون ، لمعلومات أكثر حول البلد انظر الجدول رقم (1) .
تمكنت الدولة أن تنظم إلى ركب النمور الأسيوية وتطمح اليوم أن تلتحق بركب الدول الصناعية بحلول 2020، وإذا كانت الدولة قد دخلت العولمة من بابها الواسع وإذا كانت العولمة قد ساهمت في عولمة الفقر فكيف نجحت ماليزيا في مكافحة الفقر؟ رغم تعرضها للأزمة المالية الأسيوية1997 والتي كادت أن تعصف بالبلاد. وما هي الفلسفة المتبعة في ذالك؟
نفذت الحكومة في إطار فلسفتها وسياساتها الموجهة للفقر برامج محددة أبرزها:
1-برنامج التنمية للأسر الأشد فقراً: ويقدم فرصاً جديدة للعمل المولد للدخل بالنسبة للفقراء، وزيادة الخدمات الموجهة للمناطق الفقيرة ذات الأولوية بهدف تحسين نوعية الحياة. وقام البرنامج بإنشاء العديد من المساكن للفقراء بتكلفة قليلة وترميم وتأهيل المساكن القائمة وتحسين بنائها وظروف السكن فيها بتوفير خدمات المياه النقية والكهرباء والصرف الصحي وفي بعض الأحيان تقدم مساعدات مباشرة للفقراء .
2- تقليص اختلالات التوازن بين القطاعات ومحاربة كل أشكال التمييز وتقليص الفوارق الاجتماعية حيث تم إنشاء برنامج أمانة أسهم البوميبترا، وهو برنامج تمويلي يقدم قروضاً بدون فوائد للفقراء من السكان الأصليين (البوميبترا) وبفترات سماح تصل إلى أربع سنوات، ويمكن للفقراء أن يستثمروا بعضاً من هذه القروض في شراء أسهم بواسطة المؤسسة نفسها .
3- برنامج أمانة اختيار ماليزيا: وهو برنامج غير حكومي تنفذه مجموعة من المنظمات الأهلية الوطنية من الولايات المختلفة، ويهدف إلى تقليل الفقر المدقع عن طريق زيادة دخول الأسر الأشد فقراً، وتقديم قروض بدون فوائد للفقراء، وتقدم الحكومة من جانبها قروضاً للبرنامج بدون فوائد من أجل تمويل مشروعاته للفقراء في مجال الزراعة ومشروعات الأعمال الصغيرة.
4- منحت الحكومة إعانات مالية للفقراء أفراداً وأسراً، مثل تقديم إعانة شهرية تتراوح بين 130-260 دولارا أمريكيا لمن يعول أسرة وهو معوق أو غير قادر على العمل بسبب الشيخوخة وكذا تنمية النشطات المنتجة خاصة في الجانب الزراعي والصناعات الصغيرة والمتوسطة .
5- تقديم قروض بدون فوائد لشراء مساكن قليلة التكلفة للفقراء في المناطق الحضرية. وأسست الحكومة صندوقاً لدعم الفقراء المتأثرين بأزمة العملات الآسيوية في 1997، تحدد اعتماداته في الموازنة العامة للدولة سنويًّا، إلى جانب اعتمادات مالية أخرى رغم تخفيض الإنفاق الحكومي عقب الأزمة المالية وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وذلك لصالح مشروعات اجتماعية موجهة لتطوير الريف، والأنشطة الزراعية الخاصة بالفقراء.
6- توفير مرافق البنية الأساسية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق النائية الفقيرة، بما في ذلك مرافق النقل والاتصالات السلكية واللاسلكية والمدارس والخدمات الصحية والكهرباء، ونجحت أيضا في توسيع قاعدة الخدمات الأساسية في المناطق السكنية الفقيرة بالحضر في إطار إستراتيجية 2020م.
7- دعم أكثر الأدوية التي يستهلكها الفقراء والأدوية المنقذة للحياة، كما أن إتاحة الفرصة للقطاع الخاص في فتح المراكز الصحية والعيادات الخاصة جعل الدولة تركز على العمل الصحي في الريف والمناطق النائية، وتقدم خدمات أفضل ومجانية في جانب الرعاية الصحية للحوامل والأطفال.
8- القيام بأنشطة يستفيد منها السكان الفقراء مثل إقامة المدارس الدينية التي تتم بالعون الشعبي وتساهم في دعم قاعدة خدمات التعليم وتشجيع التلاميذ الفقراء على البقاء في الدراسة.
وكنتيجة مباشرة لتلك السياسات سجَّل مدى الفقر المدقع انخفاضاً من 3.9% في عام1990 إلى 2.2% في عام 1995، ثم انخفض إلى 1.5% في عام 1999، كما انخفض الفقر في المناطق الريفية من 15.6 % إلى 13.2 % في عامي 1995-1999 على التوالي، بينما في المناطق الحضرية انخفض من 4.1% في عام 1995 إلى3.8% في عام 1999، انظر الجدول رقم (2)، ومن الأرقام الرسمية ذات الدلالة يلاحظ أن 94% من الفقراء في ماليزيا يتاح لأطفالهم التعليم الأساسي مجاناً.
نموذج قرية شنكال(11)
من أبرز القرى التي كافحت الحكومة فيها الفقر.. قرية شنكال ويبلغ تعداد سكان القرية حوالي 2230 نسمة، كما أن 70 % من سكانها فلاحون يشتغلون في مزارع المطاط والبساتين التجارية التي تنتج الخضراوات والفواكه، بينما 10 % يعملون في المرافق الحكومية المختلفة و10% لديهم أعمال عائلية صغيرة و5% يُصنفون ضمن القطاع الخاص، والنسبة الباقية 8% عاطلون عن العمل.
وقامت وزارة التنمية الريفية الماليزية بالتعاون مع مؤسسة مكافحة الفقر في ولاية كلنتان بإقناع سكان القرية والعمل سويا من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية، وتم تشكيل لجنة تنفيذية من أهالي القرية تعهد أفرادها بالعمل على إحداث التغيير المطلوب، وقام معهد التقدم الريفي بمهمة تدريب أعضاء اللجنة على تنفيذ الأعمال والمهام الموكولة إليهم.
وتم شرح أهداف برنامج حركة الرؤية الريفية الذي تعمل من خلاله الوزارة على تقليل الفقر، وأن عملهم يتركز في تقليل عدد الأسر الأشد فقرا، وتقليل معدل البطالة من خلال توفير فرص العمل المنتج، وتطوير حقول الخضراوات والفواكه إلى مزارع تجارية، وزيادة وعي الشباب بأهمية التعليم (التعليم مجانا إلى المرحلة الثانوية)، وفوائد تقنية المعلومات، ومحو أمية استخدام الكمبيوتر.
أهداف البرنامج تتمثل في :
- تغيير الأنشطة الزراعية التقليدية إلى مزارع تجارية حديثة
- تحسين مهارات النساء الإدارية
- تحسين التحصيل الدراسي للأولاد وزيادة معرفتهم بالكمبيوتر وتنمية مهارات التفكير السديد لديهم وتحسين مخاطبتهم باللغة الإنجليزية (لغة التجارة والصناعة في البلاد).
و لتحقيق هذه الأهداف اتُّخذت جملة من الإستراتيجيات العملية لتحقيقها أبرزها:
- تأسيس شبكة عمل مع مؤسسة مكافحة الفقر في الولاية وإنشاء روابط مع الوكالات الحكومية المعنية بالتنمية والتطوير الريفي؛ وهو ما أتاح الفرصة أمام أهالي القرية للتعلم من تجارب الآخرين وتطوير قدراتهم ومهاراتهم إلى جانب تقوية شعورهم بأهمية العمل الجماعي في مواجهة مشكلة الفقر.
- التركيز على التحول إلى الأنشطة الزراعية والتجارية التي تلبي طلب الأسواق المحلية في القرى والمدن المجاورة من خلال إدخال تقنية إنتاجية جديدة وزيادة إنتاجية المشروعات الزراعية والمنشآت التجارية.
- تشجيع الفلاحين على المشاركة في أنشطة اتحاد الفلاحين في المنطقة من أجل حشد الموارد المحلية، وتعبئتها لخدمة سكان المنطقة، وتهيئة إطار تنظيمي وتعاوني بين الفلاحين يهتم بقضاياهم في المنطقة.
- إقامة حلقة عمل لمجموعة الأسر الأشد فقراً (50 أسرة)، يتم فيها مناقشة البرنامج واختيار الأسرة التي تبدي رغبة في الاستفادة من البرنامج وإتباع الخطوات المرسومة لتنفيذه.
الخطوات التنفيذية:

يتم تقسيم الأسر التي توافق على البرنامج إلى مجموعات عمل تنتخب كل مجموعة رئيسا لها، وتخضع لدورة تدريبية يتم فيها شرح طريقة عمل البرنامج والخطة التفصيلية والوسائل العملية وتقسيم الأدوار، وتقوم الحكومة والجهات الراعية للبرنامج (المصانع التي لها استثمارات في ماليزيا) بتوفير التمويل والتقنية الإنتاجية والتسويق، بينما يقوم الفلاح بالعمل على الأرض، وتقدم الهيئة الحكومية لمكافحة الفقر في الولاية الأرض الصالحة للزراعة.
يُذكر أن اللجنة التنفيذية المكونة من الأهالي يتم توزيع أعضائها حسب الحاجات المحلية للسكان بحيث تشمل الأرض والأعمال الزراعية، ورعاية الأسر الأكثر فقرا، والصحة والتعليم والبيئة، وتطوير المجتمع، والشؤون الدينية. هذا إلى جانب مشاركة الوكالات الرسمية والمنظمات الشعبية في عملية التوجيه والمتابعة في إطار شبكة عمل واحدة.
لقد نجحت التجربة وسارعت كثير من الأقاليم الفقيرة الماليزية والمناطق الريفية الأقل نموا في تطبيقها والاحتذاء بها. ولعل العالم الإسلامي يجد في هذه التجربة ما يفيده.
خصائص التجربة الماليزية في مكافحة الفقر :

إن التجربة الماليزية جديرة بالتأمل خاصة وأنها تتميز بكثير من الدروس التي من الممكن أن تأخذ بها الدول النامية كي تنهض من كبوة التخلف والتبعية واهم العوامل التي ساعدت على النجاح نذكر :
-المناخ السياسي للبلاد حيث لعب الاستقرار السياسي دور مهم في دفع عملية التنمية نحو الأمام ذالك أن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة .
- اعتمدت ماليزيا إستراتجية تعتمد على الذات بدرجة كبيرة من خلال الاعتماد على السكان الأصليين إلى جانب اهتمامها بالتنمية البشرية .
- مكافحة الفقر كانت من أولويات السياسة الوطنية .
- استقرار السياسات الاقتصادية والمشاركة الشعبية والإدارة الجيدة أي المشاركة الفعالة من قبل مؤسسات المجتمع المدني والشفافية في الحكم والمساءلة العامة كما أن نظام الحكم قائم على عدالة توزيع الدخل بين أفراد المجتمع واللامركزية في صنع القرار .
-إقامة مشروع مصرف لإقراض الفقراء من أجل توليد دخول جديدة لهم تساعدهم على الخروج من ربقة الفقر، وهو عمل يمكن للأفراد القيام به في شكل مجموعات صغيرة وقد طبقت التجربة في ماليزيا على شكل قروض حسنة، وقد نجح في القضاء على الفقر خاصة في المناطق الريفية، كما كان لتجربة صناديق الزكاة دور في تخفيف حدة الفقر.






الخاتمة :

مما سبق نقول أن تجربة ماليزيا أصبحت تجربة إسلامية رائدة في مكافحة الفقر حيث تمكنت من إثبات عدم صحة الإدعاء القائل أن الإسلام يعيق التقدم وأن المناهج الإسلامية تؤدي إلى الفقر والتخلف ، حيث كانت تلقب الدولة بعاصمة الطين ، لكن التجربة التنموية التي قادتها البلاد فاقت كل التوقعات، ومن خلا عرض تجربتها في مجال مكافحة الفقر نقدم بعض الاقتراحات والتي من شأنها أن يسهم تطبيقها في تقليل حدة الفقر وابرز هذه الاقتراحات تتمثل في :
- ضرورة تدريس مقياس خاص بدراسات اقتصاديات النمور الآسياوية وإجراء المقارنة بين هذه الاقتصاديات المتميزة.
- تبني سياسات يكون من شانها الحد من الفقر .
- تبني المؤسسات الكبرى خاصة، ما يعرف بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية .
- تأسيس نمو اقتصادي قابل لاستمرار وإتباع سياسة توزيعية تقلل من درجة عدم المساواة في توزيع الدخل .
- السعي إلى الاستغلال المكثف للقدرات الذاتية والاعتماد على العمالة المحلية والاستفادة من الموارد المحدودة والطاقات المتاحة إلى أقصى حد ممكن .
- إعطاء أهمية قصوى لتنمية البشرية .
- ضرورة القيام بجهد عربي منسق من اجل معالجة المشكلات المنهجية والفنية المتصلة بتعريف الفقر وطرق قياسه وتوفير البيانات والإحصائيات بالجودة المطلوبة وأن الجهد المطلوب لا بد أن يستند أفضل الخبرات العالمية .
- العزم على مكافحة كل أشكال البيروقراطية ومنح وتسهيل الوصول إلى قروض مصغرة وتدعيم خلق المشاريع المنتجة .
- الاهتمام بشكل اكبر بالتنمية الريفية وتعليم وتأهيل المرأة .
- دعم العمل الجمعوى وتأهيله حيث أصبح يشكل الركن الثالث في الاقتصاد بعد القطاع العام والقطاع الخاص وأصبح عمل الجمعيات مكمل لعمل القطاع الحكومي وان لا يقتصر هذا العمل في المناطق الحضرية بل لابد من أن يتركز بشكل اكبر في الريف .

وإذا كانت الاستفادة من التجارب الرائدة في مجال مكافحة الفقر ضرورة لا بد منها، فإن عرض التجارب الفاشلة ومحاولة معرفة أسباب الفشل كذالك لا يقل أهمية ، وفي الأخير نأمل أن يقدم هذا العرض بعض الاستفادة لكل المهتمين ، و أن مكافحة الفقر لا يقع على عاتق الدولة وحدها بل لا بد أن تكون هناك نية وعزيمة من طرف المجتمع ذاته ولعل جمعيات المجتمع المدني تلعب دور مهم في توعية المجتمع وإبراز أهمية العمل الجمعوي من جهة أخرى نقول لا بد أن تولى الحكومات دور لمثل هذه الجمعيات باعتبارها تعرف مكامن الخلل بشكل جيد وأنها اقرب ما يكون إلى المجتمع .

جـدول رقم (1)

المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الماليزي(1999)
عدد السكان 21 مليون نسمة
العملة المحلية ريجنت
الدولار 3.8 ريجنت
معدل النمو المتوقع(2000) يتراوح ما بين 6.1-8.5%
معدل التضخم أقل من 3%

معدل البطالة 9.2%
قيمة الصادرات 5 مليار دولار (2% من )الصادرات العالمية)
قيمة الواردات 65.5 مليار دولار (1، 1% من الواردات العالمية)
نسبة الزيادة في نمو الصادرات 15%
الفائض في الميزان التجاري 19 مليار دولار
المصدر: http://www.islamtoday.net/hotline/hotline2.cfm


جدول (2):
معدلات الفقر في ماليزيا خلال الفترة 1995-1999م

سنة 1999 سنة1995 المؤشر(%)
الحضر الريف الحضر الريف
3.8 13.2 4.1 15.6 مدى الفقر
0.6 2.4 3.5 0.9 مدى الفقر المدقع
المصدر: http://www.islamonline.net/Arabic/economics/topic.shtml


الهوامش :

1/id_article=815 ؟www.tanmia.ma/article.php3
http://www.annabaa.org/nbahome/nba82/12.htm -2
3/ برنامج الأمم المتحدة ، تقرير التنمية البشرية 2005، التعاون الدولي على مفترق الطرق:المعونة والتجارة والأمن في عالم غير متساو، ص42
4/ www.annabaa.org/index.htm
5/ www.shaamconf.com/lectures/lect_ar_IbrahimSouleiman.pp
6/ محمد زكي الشافعي، التنمية الاقتصادية ، الجزء الأول، دار النهضة العربية ، القاهرة، بدون سنة نشر، ص 19
7/ الإمام ابن حزم، المحلى، الجزء السادس، دار التراث، مصر، بدون سنة نشر ، ص9
8/ http://www.odci.gov/cia/publications/Factbook/geos/sa.htm
9/ عبد الحميد براهيمي ، العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1997 ، ص 168
10/ http://alwaei.com/topics/view/index.php?catid=&issue=
11 / http://www.islamtoday.net/hotline/hotline2.cfm

spisos
26-02-2009, 14:45
رد إلى عبد الهادي:

ليكن في علمك الأخ ان الغستبيان هو الإستقصاء:

الاستقصاء العلمي توجه لاكتساب الثقافة العلمية: مجتمع متعلمين وبيئة آمنة

نتناول في هذه المقالة الاستقصاء العلمي كأحد الجوانب الأساسية لاكتساب الثقافة العلمية. وقد ذكر عزيز العصا في مقالته تعريفان مهمان للثقافة العلمية هما: الثقافة العلمية المدنية، وثقافة المعلومات العلمية. إذ تعرف الثقافة العلمية المدنية بأنها: فهم المفاهيم الأساسية للعلم، مثل: الجزيء، تركيب النظام الشمسي، فهم طبيعة الاستقصاء العلمي، ونمط منتظم من استهلاك المعلومات، مثل: قراءة الكتب العلمية العامة وفهمها (Hobson, 2003). وحسب هوبسون (Hobson, 2004)، هناك قائمة من العقبات التي أعاقت تحقيق الثقافة العلمية لجميع الأمريكان، من بينها الإخفاق في طبيعة الاستقصاء العلمي. كما أنه من خلال مراجعة التعريفات المختلفة للثقافة العلمية، نجد أن معظمها ركز على مخرجات العلم من مفاهيم وقوانين ومبادئ في إطار المدرسة فقط. بينما تم إهمال جوانب عدة من بينها عمليات العلوم والذي يعتبر الاستقصاء العلمي من أهمها (انظر مقالة نادر وهبة الواردة في هذا الملف). هناك تعريفات مختلفة للاستقصاء العلمي. من هذه التعريفات أن "الاستقصاء هو نوع من السلوك الإنساني الذي يظهره الفرد ويصل به إلى المزيد من المعنى في خبرته. والاستقصاء عبارة عن اتجاه العقل وحالته غير المستقرة، وطريقة في التعلم، وعملية بحث. وأخيراً هو أسلوب بحث عن الصدق. ويعرف الاستقصاء بأنه عملية يتم فيها آنياً وصول الفرد إلى تفسير صحيح لموقف محير" (عطا الله، 2002). أما أشمل هذه التعريفات، فهو ما تبناه المركز الاستكشافي للاستقصاء وهو: "الاستقصاء وسيلة للتعايش في العالم" (Explaratorium Institute of inquiry, 1996). وهو تعريف يجعل من الاستقصاء طريقة للحياة، بما في ذلك العمل والتعامل مع الناس. كمعلمي علوم، يعتبر تعلم الطلبة أساس مهنتنا. وعندما ننظر إلى تعلم العلوم نظرة تتجاوز إكساب الطلبة المعرفة العلمية المرتبطة بالمحتوى، بما تشتمل عليه من حقائق ومفاهيم ونظريات وقوانين، إلى إكسابهم الثقافة العلمية المرتبطة بالحياة، من المهم لنا التعرف على كيفية تبني الاستقصاء العلمي كمنهجية لتعلم العلوم داخل غرفة الصف، لنتجاوز ذلك أيضاً إلى أسلوب للحياة كما أفاد التعريف. يرتبط الاستقصاء العلمي بالكثير من المفاهيم التربوية الحديثة. من هذه المفاهيم التعلم النشط، ومجتمع المتعلمين، وبيئة التعلم الآمنة، والمعلم البنائي. كما أن معنى الاستقصاء العلمي يدور حول فكرتين كبيرتين هما: أن الاستقصاء العلمي هو جوهر المشاريع العلمية، والثانية أنه إستراتيجية لتعليم العلوم وتعلمها. تبدأ هذه المقالة بوصف السمات الأساسية للاستقصاء العلمي، تتضمن مثالاً على توظيف الاستقصاء العلمي في عملية التجريب داخل غرفة الصف. ومن ثم تتعرض بشكل رئيسي إلى متطلبين أساسيين لتبني الاستقصاء العلمي، هما: بيئة الصف الآمنة، ومجتمع المتعلمين.
السمات الأساسية للاستقصاء العلمي

طال الجدال العلمي لسنوات عديدة حول أيهما أكثر أهمية في تعليم العلوم، المحتوى أم العمليات؟ فالفريق الذي يتبنى تعليم المحتوى يتبنى طريقة الاستنتاج العلمي. إذ يبدأ التعليم هنا من النظريات الأكثر عموماً إلى المبادئ والقوانين والحقائق العلمية الأكثر خصوصية وارتباطاً بالواقع. وتستخدم فيه طرق المحاضرة والتوجيه المباشر للتلاميذ. أما الاستقراء العلمي، فيبدأ من الخاص إلى العام، ويستخدم فيه التدريس من خلال المختبر والعمل الميداني. ويتراوح الاستقصاء العلمي ما بين الاستكشاف المفتوح والاستكشاف المخبري الموجه، فهو يطور المهارات التقنية ومهارات التحليل المنطقي، ويعنى بكل من المحتوى وعمليات العلوم. ولنتعرف على الاستقصاء العلمي سنتناول أربع سمات أساسية للاستقصاء العلمي هي: ربط المفاهيم الشخصية للطالب بالمفاهيم العلمية، تصميم التجارب، استكشاف الظواهر، بناء المعنى من البيانات والمشاهدات (Mathematics and Education Center, 1999).
ربط مفاهيم الطالب بالمفاهيم العلمية

يتطلب تبني إستراتيجية الاستقصاء العلمي الاعتراف بكون عقل المتعلم ليس وعاء فارغاً ينتظر ملأه بالمعلومات الجديدة. وهذا من أساسيات النظرية البنائية، ونطلق على المعلم الذي يتبنى هذه النظرية المعلم البنائي. فالمعلم البنائي يعترف بوجود خلفية لدى الطالب حول المفاهيم العلمية الجديدة. لذا، يرى أن من أولى مهماته الكشف عن البنية الذهنية للطالب، وعن وجود بعض المفاهيم التي تتعارض مع المفاهيم العلمية الجديدة، ومن ثم مساعدة الطالب على مواجهة هذه المفاهيم ضمن آليتي التمثل والتلاؤم وفق نظرية بياجيه المعرفية (النظرية البنائية). ولمساعدة الطالب على الربط بين مفاهيمه السابقة والمفاهيم العلمية المعترف بها، على المعلم مساعدة الطالب على مناقشة وتفسير فهمه للظواهر العلمية مع الطلبة الآخرين، ومساعدته على تقييم مدى الترابط بين بنيته الذهنية والبنية المعرفية للمادة العلمية، وبناء الفرضيات وعمل ترابطات واضحة (Saul & Reardon, 1996). هناك ثلاث آليات مهمة تساعد الطالب على ربط مفاهيم الطالب بالمفاهيم العلمية هي التساؤل، والمشاهدة، وربط ما قد يبدو لنا لأول وهلة متباعداً. يبدأ الاستقصاء العلمي من موقف محير أو قضية غير مفهومة لا تتوافق مع توقعات المتعلم، أو موضوع ما يثير اهتمامه ويرغب في تكوين معرفة حوله. ويدل حدوث التناقض إلى أن التعلم على وشك الحدوث (Foreman, 1998). ومن هنا تنطلق تساؤلات المتعلم (Exploratorium, 1996). إذ يسعى المتعلم عندها إلى حل التناقض القائم بين معرفته أو فهمه السابق الذي يتناقض مع المعرفة الجديدة. وتثير هذه التساؤلات الدافعية لدى المتعلم للبحث، ويتصرف عندها المتعلم كعالم. كما أن المتعلم يشعر عندها بأنه أكثر امتلاكاً للمعرفة. غير أن المتعلم يحتاج إلى الوقت الكافي لبناء المعرفة بهذه الطريقة. أما المشاهدة، فلا يقصد بها المشاهدة العابرة. وإنما المشاهدة المقصودة التي تجعل المتعلم يطرح تساؤلات تثير اهتمامه، وتدفعه إلى السعي الحثيث لإجابة هذه التساؤلات، ومن ثم بناء معانٍ عميقة. ويتطلب ذلك التفاعل والقيام بإجراءات معينة تساعد الطالب على فحص خصائص هذه الظاهرة. فمثلاً، لوصف ظاهرة تحول الماء إلى جليد يفترض بالطالب ليس ملاحظة درجة حرارة التجمد فحسب، وإنما أيضاً طفو الجليد فوق الماء، ومن ثم محاولة إيجاد تفسير لهذه الظاهرة. ومن أجل بنا معانٍ عميقة للمعرفة العلمية لدى الطالب، علينا أن نساعد الطالب على مكاملة المعرفة. ويستخدم مصطلح التناسق (Consilience) الذي يعني ربط ما قد يبدو لأول وهلة منفصلاً في هذا الإطار. وهو يشير أكثر إلى توحيد المعرفة، ما يعني الترابط بين العلوم البحتة والعلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية، ويغير من طريقة ملاحظتنا وحلنا للإشكالات. وهذا هو جوهر الثقافة العلمية (AAAS, 1993 & Wikipedia Foundation, 2007). من الأمثلة على ترابط المعرفة، الترابط بين التطور في وسائل النقل وسهولة التنقل بين البلدان المختلفة. فهذا يرتبط بسهولة انتقال الأمراض بين البلدان المختلفة. ومن ثم توفر إمكانيات علاج المرض في البلدان التي انتقل إليها، من حيث الإمكانات المادية والتقدم الطبي. وهذا يرتبط أيضاً بالنواحي الأخلاقية من حيث امتناع الأفراد الذين يعانون من أمراض معينة من التنقل، والتزام الدول التي انتقل منها المرض وتوفر لديها العلاج من تقديم أشكال المساعدة كافة لتطويق المرض وتقديم العلاج. فهذا مثال مقتضب على العلاقة ما بين الاقتصاد والتكنولوجيا والصحة والأخلاق.
تصميم التجارب

يتطلب حل الكثير من المشكلات تصميم التجربة العلمية. والتجربة العلمية من الركائز المهمة في التعلم الاستقصائي. غير أن توظيف المختبر في الاستقصاء العلمي يتطلب قيام الطالب بتصميم التجربة، واختيار الطرق والإستراتيجيات لجمع البيانات، وضبط المتغيرات، واختيار المواد المستخدمة في التجربة. ويجمع الباحثون على أن التجريب العلمي يشتمل على معظم عمليات العلم؛ سواء عمليات العلم الأساسية أو عمليات العلم المتكاملة. وتضم عمليات العلم الأساسية: الملاحظة، الاستدلال، التصنيف، التنبؤ، التواصل، استخدام علاقات المكان والزمان، استخدام الأعداد، القياس. أما عمليات العلم المتكاملة فتضم: تحديد المتغيرات وضبطها، صوغ الفرضيات واختيارها، تفسير البيانات، التعريف الإجرائي، التجريب (عطا الله، 2002). ومن المهم في التعلم الاستقصائي إعطاء الطالب الفرصة لاختيار طريقة إجراء التجربة، بما في ذلك التخطيط والتصميم لجمع البيانات الرقمية والكيفية. ويتيح هذا للطالب فرصة التصرف كعالم في اختيار الطرق المناسبة. كما يسنح له الفرصة في توظيف خياله، ومراجعة خبراته السابقة في محاولة للاستفادة منها. ومحاولة الإجابة عن أسئلة كثيرة مثل: كم مرة عليّ تكرار القياس؟ وما هي المتغيرات التي سأعتبرها مستقلة؟ وأيها سأعتبرها تابعة؟ كما يحتاج للإجابة عن أسئلة تتعلق بتقنيات التجربة، مثل: ما هي الأداة المناسبة لإجراء قياس معين؟ (Doran, Lawrenz & Helgeson, 1994). وقد يبدو لأول وهلة أن شح المواد يقف عائقاً أمام قيام الطلبة بالاستقصاء العلمي من خلال التجارب المخبرية. غير أن سعة اطلاع المعلم وخبرته تعينانه على توظيف الاستقصاء العلمي باستخدام موارد أولية. ومن أكثر المهارات أهمية في هذا الإطار تشجيع الطالب على استخدام الإستراتيجيات فوق المعرفية. ونعني بالإستراتيجيات فوق المعرفية مراقبة الطالب لتعلمه ووعيه بخياراته. وبمعنى آخر، مقدرة الطالب على تقييم أدائه، وتفكيره في تفكيره. فمن المهم أن يكون الطالب واعياً لمحددات تجربته، ولسبب اختياره طريقة دون أخرى؟ وأدوات دون أخرى في أداء التجربة. وكذلك سبب اختياره لبعض المتغيرات كمستقلة وأخرى كتابعة، وغير ذلك من متطلبات أداء التجربة. ويتطلب ذلك أيضاً مقدرة الطالب على الربط بين المفاهيم العلمية وعمليات العلوم (Licata, 1999 & Hiebert, 1996). من هنا، نؤكد أن الهدف من التجربة العلمية يتعدى محاولة التوصل إلى القانون إلى التركيز على العمليات والافتراضات والإجراءات التي يقوم بها الطالب في سعيه للتوصل إلى القانون، والتي تصبح في نظر المعلم أهم من القانون نفسه.
مثال على توظيف الاستقصاء العلمي في محاولة التوصل إلى قانون زمن ذبذبة البندول:

في غرفة الصف وأمام الطلبة بندول معلق من السقف في نهايته كتلة برونزية. وعلى اللوح سؤال يقول: ما الذي يؤثر على زمن دورة البندول؟ طرح المعلم سؤالاً: حسناً، ما الأمور التي تحدثنا عنها البارحة؟ راجع الطلبة مقدمة درس البارحة عن طاقة الوضع وطاقة الحركة ومصطلح زمن الدورة. أعاد المعلم العرض لتحديد عدد ذبذبات البندول في الثانية الواحدة. وما أن أعدت برندا ساعة الوقف، حتى سحب المعلم كتلة البندول وتركها تتحرك. صاحت برندا: توقف! فأوقف المعلم الكتلة في منتصف الذبذبة. "حسناً، واجهتنا هذه المشكلة البارحة"، قال المعلم. "ما المشكلة في هذه الطريقة"؟ استنتج الطلبة أن ثانية واحدة غير كافية لقياس زمن الذبذبة الواحدة، فاقترحوا قياس زمن 15 ذبذبة بهدف تحديد زمن الذبذبة الواحدة، وأن يجمعوا كمية كافية من البيانات للحصول على قياسات دقيقة. قبل المعلم هذه الإستراتيجية، ثم عرض مشكلة جديدة للتمهيد للنشاط التالي. "تذكروا، يبدأ العلم بطرح مشكلة"، قال المعلم. "هذه هي المشكلة التي أريد منكم معالجتها خلال الأيام الثلاثة القادمة: ما الذي يؤثر على زمن دورة البندول؟ هل هناك عوامل يمكن أن تؤثر في عدد الدورات في الثانية؟ أم أنها دائماً ثابتة؟ هذا ما ستختبره أنت وزميلك في المختبر". قبل أن ينقسم التلاميذ إلى مجموعات صغيرة، قادهم المعلم في لقاء عصف فكري، فكتب أفكارهم حول ما يمكن أن يؤثر على زمن الذبذبة على اللوح. "الضغط الجوي"، اقترح توني. "حسناً، إذا ما قمنا بإجراء التجربة على كوكب آخر، أو مكان آخر فيه ضغط جوي أعلى، يمكن أن يغير ذلك من زمن الذبذبة"، وافق المعلم، "ولكن هذا متغير من الصعب علينا ضبطه". "طول الخيط"، اقترح دانييل. "حسناً، هذا جيد. هل يجعل الخيط الأقصر زمن الذبذبة أطول أم أقصر؟ هل ترغبون في النقاش حول تأثير طول الخيط قبل أن نكمل". انتظر المعلم بضع دقائق قبل أن يكمل: "هل هناك عوامل أخرى"؟ "وزن الثقل"، قالت ميلندا. "فكرة ممتازة"، قال المعلم. واستطرد "أحببت هذه الفكرة. الوزن، نعم! هل يمكن لوزن ثقيل أن يقلل أم يزيد من زمن الذبذبة؟ كيف يمكننا أن نختبر ذلك"؟ "نجرب أوزاناً مختلفة"، أجاب جريك. "صحيح"! كانت تعابير السرور واضحة على المعلم، لكنه استطرد: "هل هناك فرضيات أخرى حول زمن دورة البندول"؟ "قطر الخيط يمكن أن يؤثر"، قال ماثيو. "الخيط يمكن أن يؤثر. حسناً! فكرة جيدة. ليس لدي خيوط كثيرة مختلفة في السمك، لذا فهذا متغير لا يمكن أن يختبره كل شخص، ولكن إذا ما أردت تجربته، ماثيو، بعد أن تختبر المتغيرات الأخرى، يمكن أن تكون هذه تجربة مناسبة". قال طالب آخر. "الديناميكا الهوائية يمكن أن تحدث فرقاً". "ما الذي تقصده بذلك؟" استطرد المعلم. "يمكن أن تعيق حركة البندول". "حسناً! يفضل فحص هذا العامل أيضاً". "ماذا عن الاحتكاك في أعلى خيط البندول، حيث يثبت خيط البندول بالسقف؟" سألت برندا. "حسناً! الاحتكاك عند نقطة تثبيت خيط البندول بالسلك المثبت بالسقف". تقسم الطلبة إلى مجموعات صغيرة للقيام بتجاربهم. بدأوا حالاً بالبحث في جواريرهم، ورفوفهم، وخزاناتهم عن مواد يمكنهم استخدامها في تنفيذ تجاربهم: خيط، سلك، أوزان من كافة الأنواع. هم معتادون على هذا النمط، فقلما يعد لهم المعلم المواد قبل البدء بالتجربة. بعد جمع المواد، يبحثون في الغرفة عن مكان مناسب وأدوات لتثبيت خيط الزنبرك. وعن كل ما يحتاجونه من أوزان ومقصات لإنجاز التجربة. يتبادل أفراد المجموعة الأدوار في التوقيت وتسجيل البيانات وتثبيت البندول. بعد 25 دقيقة، عاد الطلبة إلى مقاعدهم لتسجيل البيانات التي قاموا بجمعها. كما تبين، اختبر الطلبة متغيرين؛ الوزن، وطول الخيط. "تأملوا بياناتكم، ماذا تعتقدون"؟ سأل المعلم. "أعطوني فرضياتكم". "لا أعتقد أن مقدار الوزن المعلق سيؤثر كثيراً"، قالت ميليندا، وهى تهز حاجبيها. "كيف استنتجت ذلك"؟ سأل المعلم. "لأن نتائج كل محاولة كانت متشابهة". "نعم، أزمان الدورات كانت تقريباً متماثلة، على الرغم من أننا غيرنا الأوزان ثلاث مرات. ربما تكون على حق، ربما الوزن لا يجعل البندول يتحرك أسرع أو أبطأ"، قال المعلم. "ماذا عن طول الخيط"؟ "كلما كان خيط البندول أقصر، قل زمن الدورة"، قال جينيفر. "يبدو ذلك، أليس كذلك؟" قال المعلم. "كلما قصر خيط البندول، يصبح أسرع، ألا يعني ذلك صحة الاستنتاج؟ هذا ليس مؤكداً، لأننا قمنا باختبار واحد على كل متغير. غداً، عندما نكرر التجربة، سنحتاج لاختبار أثر طول كل خيط أربع أو خمس مرات. سنحصل بذلك على بيانات كافية للوصول لقيم صحيحة نستطيع استخدام متوسطاتها لحساب زمن الذبذبة". راجع المعلم نشاط اليوم. "اليوم، طبقنا عمليات العلوم، قمنا بعصف فكري للأفكار عما يمكن أن يؤثر على زمن دورة البندول، قمنا باختبارات بسيطة على كل متغير. جمعنا البيانات وأوجدنا المتوسطات، وتوصلنا إلى بعض الاستنتاجات بالاعتماد على البيانات"، قال المعلم. "على الرغم من أن بياناتنا ليست نهائية، فقد توصلنا إلى بعض الفرضيات القابلة للاختبار. غداً، سوف نعيد اختبار بعض الفرضيات. سوف نختبر كل متغير عدداً من المرات للحصول على بيانات موثوقة". رفعت ترينا أصبعها وسألت: "ماذا إذا قمنا بتعليق الكتلة من خيطين بدلاً من خيط واحد كالأرجوحة"؟ "جيد! لا أحد اقترح هذا المتغير"، قال المعلم. "لماذا لا نجرب ذلك غداً"؟ ابتسمت ترينا وجمعت كتبها عندما قرع الجرس.


ويظهر هذا المثال مركزية الحوار في الاستقصاء العلمي.
استكشاف الظواهر

يتطلب الاستكشاف مراقبة المتعلم للتغييرات الحادثة في خطته أثناء ممارسة الاستقصاء العلمي، والاستخدام الصحيح للأدوات، وأخذ العدد المناسب للقراءات، وتنظيم البيانات، والمشاهدات المقصودة، وتوضيح العلاقة بين المتغيرات لإيجاد أنماط. فالبيانات التي يحصل عليها الطالب تتطلب طرقاً في عرضها والتعامل معها. فقد يختار الطالب عرضها باستخدام الرسم البياني أو الجداول أو المدرجات التكرارية أو غير ذلك بهدف تكوين معنى لهذه البيانات. ويقترح ليساتا (Licata, 1999) أن يتساءل الطالب: ما الذي وجدته؟ ليتأهب لعملية تنظيم البيانات التي جمعها. من المهم للطالب بناء معنى للبيانات التي حصل عليها. ويتطلب بناء المعنى العميق التفكير النقدي ومناقشة الفهم الحادث والتأمل. فقد تكون هناك بدائل لتفسير البيانات، وإيجاد العلاقات، وللمفاهيم العلمية المقبولة. ويتيح التأمل الفرصة للطالب لفحص التغير الحادث في فهمه للمفاهيم العلمية في ضوء ما قام به من جمع وتحليل للبيانات. فقد تدعم البيانات الجديدة المعرفة السابقة أو تناقضها. ومن ثم قد يختار الطالب إعادة التجربة بطرق أو أدوات أخرى، أو فحص طريقة إجرائه للقياسات، أو قراءته للقياسات، أو تحليله للبيانات. وقد يجد بدائل لتفسير النتائج.
بناء المعنى

إضافة إلى بناء المعنى من خلال التأمل والنقاش والتفكير النقدي، فإن تنويع المصادر وتكوين العلاقة بين مشاهدات الطلبة يسهم في تطوير فهم الظواهر العلمية (Saul & Reardon, 1996). ويمكن تلخيص عملية بناء المعنى من خلال التفاعل بين المصادر والمشاهدات والظواهر وتدخل المعلم ومناقشة فهم الطلبة وتفسيراتهم مع بعضهم البعض. وهناك عملية مهمة تسهم أيضاً في بناء المعنى، هي عملية التنبؤ. ونعني بالتنبؤ الاستدلال لما نتوقع حدوثه لمجموعة من المشاهدات والأحداث مستقبلاً. ويفعل التنبؤ مثلاً من خلال استخدام العلاقات البيانية وجداول البيانات لتشجيع الطلبة على استكمال المعلومات الناقصة فيها، وتطوير قدرتهم على استقراء معانٍ جديدة غير متوافرة فيها (عطا الله، 2002). ويتطلب ذلك توظيف التفكير الناقد لفحص حدود استكمال المعلومات وتوابعها. ويستدل الطالب من خلال التنبؤ على مدى صحة تفسيراته. كما أن التنبؤ يشجع الطلبة على استكمال البحث العميق لفهم الظواهر بدلاً من التوقف حال الوصول للمطلوب. كما أسلفنا، يتطلب توظيف المنحى الاستقصائي توفير جو صفي آمن، وتكوين ما يعرف بمجتمع المتعلمين (Exploratorium, 1996). وربما يكون هذان المتطلبان الأساسيان الأقل تناولاً وتركيزاً عند وصف المنحى الاستقصائي على الرغم من أهميتهما. ويكون التركيز عادة على المهارات والعمليات العلمية. لذا، ارتأيت في هذه المقالة التركيز على هذين المتطلبين الضروريين لإنجاح عملية الاستقصاء العلمي.
توفير بيئة صفية آمنة

تعتبر البيئة الصفية الآمنة متطلباً أساسياً لإنجاح عملية الاستقصاء العلمي. ويتجاوز معنى البيئة الآمنة الفضاء المادي، إلى العلاقات ما بين المعلم والطلبة، وما بين الطلبة أنفسهم، إضافة إلى الأعراف والسلوكيات السائدة. فتوفير بيئة آمنة يعني جواً صفياً يتسم بالانفتاح والإيجابية، ويخلو من الخوف. وقد اقترحت جوين دوتي (Doty, 2001) سبعة متطلبات لتحقيق ذلك، هي:
> الأمن، يتحرر الطلبة من العنف الجسدي والتسلط والألم العاطفي الناتج عن التسلط والعنف الجسدي أو التهديد أو التلاعب أو الاستفزاز أو الضغط. > الاختيار، يتبنى الطلبة اختيارات حقيقية في التعلم العاطفي والتعليمي. > الاحترام، يظهر الطلبة احتراماً لمشاعرهم ومشاعر غيرهم. > الذكاء المتعدد، يعي الطلبة نقاط القوة في تفكير الآخرين، وينمون قدراتهم المختلفة ويدعمونها. > الدافعية، يدمج الطلبة بأنشطة يجدونها مثيرة وممتعة. > التعلم ذو المعنى، يزود الطلبة بدروس يجدونها ذات معنى بالنسبة لهم، وذات علاقة بالعالم من حولهم. > الذكاء العاطفي، يقدر الطلبة مشاعرهم ومشاعر الآخرين ويناقشونها ويصادقون عليها.
أما هيننجسن وزملاؤه (Henningsen & Stein, 1997; Huffman, Lawrenz & Minger, 1997; McLeod, 1992; McRobbie & Fraser, 1993)، فقد اقترحوا تحسين ما يلي لخلق بيئة صفية آمنة محفزة لتعلم العلوم والرياضيات:
> علاقة داعمة بين المعلمين والطلبة. > مشاركة الطلبة في وضع أعراف غرفة الصف، وفي اتخاذ القرارات، وفي وضع الأهداف. > توقعات ومسؤوليات واضحة. > فرص للتعاون. > وقت كافٍ للنقاش وإنجاز المهمات. > فرص للعمل على مهام مفتوحة النهاية. > أنشطة ممتعة وذات معنى.
وترتبط غرفة الصف الآمنة بكل من تحصيل التلاميذ، ودافعيتهم للتعلم. فعلى الرغم من عدم وجود علاقة واضحة بين التحصيل وبيئة الصف الآمنة، بسبب ارتباط التحصيل بالعديد من المتغيرات، فإن الكثير من الدراسات بينت وجود أثر واضح لغرفة الصف الآمنة على تحصيل التلاميذ ونموهم الاجتماعي والعاطفي (Fraser, 1994; McRobbie & Fraser, 1993). كما بيّن بيرس (Pierce, 1994) أن بيئة الصف الآمنة ترفع من تحصيل الطلبة متدني التحصيل، ما يعني أن ضعف القدرات ليس هو السبب الوحيد لتدني تحصيل الطلبة. وتعتبر الدافعية الوسيط بين غرفة الصف الآمنة والتحصيل. ونعني هنا بالدافعية؛ الدافعية الداخلية النابعة من الشعور بالفهم والمقدرة على تحقيق الهدف. وهي تلك الناتجة عن انخراط الطلبة بأنشطة تثير اهتمامهم وتدفع بهم إلى مزيد من الرغبة في التعمق في الموضوع. وتعزز غرفة الصف الآمنة من هذه الدافعية، ما يرفع من تحصيل الطلبة. وهذا ما توصلت إليه الأبحاث من ارتباط الدافعية بالتحصيل وبغرفة الصف الآمنة (Cheng, 1994; Uguroglu & Walberg, 1986). وقد يكون من المهم ملاءمة مواصفات غرفة الصف الآمنة مع تصور الطلبة لهذه المواصفات. فتحقيق الملاءمة بالقدر الممكن له أثر على كل من دافعية الطلبة وتحصيلهم (Waxman & Huang, 1996). وأخيراً، فإن أهمية بيئة الصف الآمنة تعززها العلاقة بين التعلم والعاطفة. فبيئة الصف الآمنة يتدنى فيها وجود مثيرات الضغط والخوف. إذ يقف الاضطراب الناشئ عن الخوف والضغط عائقاً أمام عمل الدماغ. ويفرز الدماغ كيميائيات تعيق انتقال المعلومات ويقلل من مستوى الانتباه لدى الطلبة، وكذلك مقدرتهم على تكوين معنى لتعلمهم (Elias et al., 1997). بينما تتسبب العواطف الإيجابية في إفراز النواقل العصبية التي تعزز التعلم والذاكرة (Jensen, 1998). وهناك روابط عصبية قوية ما بين الدماغ العاطفي (الجهاز الحوفي) وفصوص الدماغ الأمامية، حيث موقع الذاكرة العاملة (O'Neil, 1996). وقد أشارت الأبحاث إلى وجود شرطين للحالة المثلى للدماغ لحدوث تعلم ذي معنى:
1. شعور بالأمن ونظام عصبي هادئ، ما يؤثر على المستويات العقلية والعاطفية والجسمية. 2. الدافعية الذاتية الضرورية لامتداد المعرفة إلى مستويات أعمق من المستوى السطحي (Caine & Caine 1994, p: 83-84).
ويصف هذان الباحثان هنا ظاهرة سمياها التنبيه الهادئ، ويتضمن ذلك مزيجاً من التهديد المنخفض والتحدي المرتفع. ففي جو غرفة الصف المناسبة لحدوث هذا النوع من التنبيه، سيشعر الطلبة والمعلمون بالأمن الكافي لاستكشاف طرق التعلم، والبحث عن المعلومات، والتعبير عن الآراء والأفكار، وعرض التعلم بوسائل عادية ووسائل إبداعية. ويبين الشكل أدناه طبيعة العلاقة بين سرعة التعلم ونوعيته، ومستوى الضغط في غرفة الصف.



مجتمع المتعلمين

بدأت فكرة مجتمع المتعلمين من عهد جون ديوي. وعنى ديوي بكلمة مجتمع؛ مجموعة من الأفراد في حالة من الانسجام والتعاون. وعبر عنها بعملية من التعايش والعمل والتعلم المشترك. كما آمن بأن العمليات في المجتمع، والديمقراطية، والتعليم، متداخلة وضرورية لبعضها البعض. فالمجتمع الديمقراطي يتضمن عمليات طرح الأسئلة، والتعلم، والإصغاء لوجهات نظر الآخرين، وتبادل الأفكار وتخيل البدائل. فمن وجهة نظر جوين دوتي "لا يستطيع الشخص المشاركة في الحوار مع الآخرين دون أن يتعلم- ودون أن يكون وجهة نظر أوسع، ودون أن يدرك أشياء لم يكن ليدركها ما لم يشارك في الحوار (Dewey, 1916). نعني بمجتمع المتعلمين حالياً الصف الذي تكون فيه نسبة كلام الطالب أعلى من نسبة كلام المعلم. ويساعد فيه الطلبة بعضهم البعض، ويتشاركون الأفكار ويبنون على تفكير بعضهم البعض، بدلاً من الفردية والتنافس على تحصيل العلامات. ويشارك فيها الطلبة في وضع القوانين والنظم وضمان سيرها. ويختار فيها الطلبة الطرق والإجراءات العلمية. ويتحقق فيها الطلبة بالمشاركة مع المعلم من صحة أو مصداقية الطرق والإجراءات والإجابات، بدلاً من امتلاك المعلم السلطة المطلقة للحكم على صحتها (Stepanek, 2000). هناك ثلاثة نماذج لغرفة الصف التي تساعد على نشوء مجتمع متعلمين، وهي: غرفة الصف الديمقراطية، غرفة الصف الراعية، غرفة الصف البيئية.
غرفة الصف الديمقراطية

تمتاز غرفة الصف الديمقراطية بمشاركة الطلاب في اتخاذ القرار. ويعتبر فيها الطلبة والمعلمون أنفسهم أعضاء في مجتمع من المتعلمين. ويتعاون فيها الطلبة على التخطيط للتعلم، ما يشعرهم بالاهتمام بما يتعلمونه. ويقدر فيها الاختلاف لإثراء التجارب ووجهات النظر. ويتشارك فيها الطلبة والمعلمون في أهداف التعلم. كما يحل فيها التعاون مكان التنافس (Beane & apple, 1995).
غرفة الصف الراعية

أما غرفة الصف الراعية، فتمتاز بوجود العلاقات الدافئة والداعمة بين المعلمين والطلبة وبين الطلبة أنفسهم. ويبني فيها المعلمون تعليمهم على اهتمامات التلاميذ، وعلى التعلم ذي المعنى في الحياة اليومية. كما يكون المنهاج متحدياً، ومهماً، ومبنياً حول فكرة، ومركزاً على الأهداف بعيدة المدى، ويركز فيها المعلمون على الدافعية الداخلية بدلاً من التعزيز الخارجي المبني على الثواب والعقاب. كما يساعد الطلبة في وضع معايير السلوك في غرفة الصف (Lewis, Schaps, & Watson, 1996).
غرفة الصف البيئية

اشتق مصطلح غرفة الصف البيئية من مصطلح النظام البيئي. فهناك البيئة الصحراوية والبيئة المائية وغيرها. وتحيا الكائنات الحية المختلفة في هذه البيئة بطريقة تكاملية، بحيث تعتمد في حياتها على بعضها البعض، ويعتبر وجود أحدها ضرورياً لوجود الآخر. ففي مقاربة غرفة الصف من النظام البيئي، ننظر لعمليتي التعليم والتعلم كعمليات تبادلية ومتكاملة. وكذلك الحال بالنسبة للعلاقات ما بين الطلبة والمعلمين، وما بين الطلبة أنفسهم. كما أن التنوع في النظام البيئي ضروري للحياة، فكذلك هو الحال في غرفة الصف. فالتنوع في الخبرات والثقافات والقدرات يثري غرفة الصف، ويوظف من خلال التعلم التعاوني. ومن هنا تمتاز غرفة الصف البيئية بدور المعلم القائم على ضمان التناغم ما بين التعلم وجو غرفة الصف، وعلى العلاقة التبادلية بين عمليتي التعليم والتعلم، وعلى خلق علاقات مع موضوعات أخرى خارجية كلما أمكن، والتركيز على الاتجاهات والرؤى كعناصر رئيسية في عملية التعلم. كما يعطي فيها المعلمون أهمية لأثر حياة الطلاب خارج غرفة الصف على تعلمهم (Hassard, 1990).


المراجع

< American Association for the Advancement of Science. (1993). Benchmarks for science literacy: Project 2061. New York, NY: Oxford University Press. < Beane, J.A., & Apple, M.W. (1995). The case for democratic schools. In M.W.Apple, & J.A. Beane (Eds.), Democratic schools (1-25). Alexandria, VA: Association of Supervision and Curriculum Development. < Caine, G., &Caine, R. N. (1994). Making connections: Teaching and the human brain. Menlo Park, CA: Addison-Wesley. < Cheng, Y.C.(1994). Classroom environment and students affective performance: An effective profile. Journal of Experimental Education, 62, 221-239. < Dewey, J. (1916). Democracy and education. New York, NY: Macmillan. < Doran, R. L., Lawrenz, F., & Helgeson, S. (1994). Research on assessment in Science. In D. L. Gabel (Ed.), Handbook of Research on Science Teaching and Learning (388-442). New York, NY: MacMillan. < Doty, G. (2001). Fostering emotional intelligence in K-8 students: simple strategies and ready to use ativities. California, Corwin Press. < Elias, M.J., Ziins, J.E., Weissberg, R.P., Frey, K.S., Schwab-Stone, M.T., & Hayens, N.M., Kessler, R., Schwab-Stone, M.E., & Shriver, T.P.(1997). Promoting social and emotional learning Guidelines for educators. Alexandria, VA: Association of Supervision and Curriculum Development. < Exploratorium Institute for Inquiry. (1996). Inquiry descriptions: Inquiry forum 8-9 November 1996. San Francisco, CA. (online) available from:
http://www.exploratorium.edu/ifi/resources/inquirydesc.html (accessed 16 Aug. 2007).
< Foreman, L. C. (1998). What’s the big idea? (NCSM and NCTM 1998 Annual Meetings Washington DC). Portland, OR: Math Learning Center, Portland State University. < Fraser, B.J. (1994). Research on classroom and school climate. In D.L. Gabel (Ed.), Handbook of research on science teaching and learning (493-541). New York, NY: Macmillan. < Henningsen, M., & Stein, M.K. (1997). Mathematical tasks and student cognition: Classroom-based factors that support and inhibit high-level mathematical thinking and reasoning. Journal of Research in Mathematics Education, 28 (5), 524-549. < Hiebert, J., Carpenter, T. P., Fennema, E., Fuson, K., Human, P., Murray, H., Olivier, A.,& Wesarne, D. (1996). Problem solving as a basis for reform in curriculum and instruction: The case of mathematics. Educational Researcher, 25(4), 12-21. < Hobson, A. (2003). Physics literacy, energy and the environment. Physics Education 38(2), 109-114. IOP Publishing Ltd. < Hobson, A. (2004). Review: Science Literacy in 21 Century. Physics in Perspective (Phys. Perspect. 6). < Huffman, D., Lawrenz, F., & Minger, M. (1997). Within –class analysis of ninth –grade science student’s perceptions of the learning environment. Journal of Research on Science Teaching, 34(8), 791-804. < Jarrett, D. (1997). Inquiry Strategies for Science and Mathematics Learning. Portland: Northwest Regional Educational Laboratory. < Jensen, E.,(1998). Teaching with the brain in mind. Alexandria, VA: Association of Supervision and Curriculum Development. < Licata, K.P. (1999). Narrative lab reports: Developing nontraditional lab reporting formats. The Science Teacher, 66(3), 20-22. < Lewis, C.C., Schaps, E., & Watson, M.S. (1996). The caring classroom’s academic edge. Educational Leadership, 54(1), 16-21. < McLeod, D.B. (1992). Research on affect in mathematics education: A reconceptualization . In D.A. Grouws (Ed.), Handbook of research on mathematics teaching and learning (575-596). New York, NY: Macmillan. < McRobbie, C.J., & Fraser, B.J. (1993). Associations between student outcomes and psychosocial science environment. Journal of Educational Research, 87(2), 78-85. < O’Neil, J. (1996). On emotional intelligence: A conversation with David Goleman. Educational Leadership, 54(1), 6-11. < Pierce, C. (1994). Importance of classroom climate for at-risk students. Journal of Educational Research, 88(1), 37-42. < Saul, W. & Reardon, J. (Ed.) (1996). Beyond the science kit. Portsmouth, NH: Heinemann. < Stepanek, J.(2000). Mathematics and Science Classrooms: Building a Community of Learners: It’s Just good for teaching. Mathematics and Science Education Center, Northwest Regional Educational Laboratory. < Uguroglu, M.E., & Walberg, H.J. (1986). Predicting achievement and motivation. Journal of Research and Development in Education, 19, 1-12. < Waxman, H.C., & Huang, S. (1996). Motivation and learning environment differences in inner-city middle school students. Journal of Educational Research, 90(2), 93-102. < Wikipedia, the free encyclopedia (2007). (online) available from:
http://en.wikipedia.org/wiki/Consilence (accessed 16 Aug.2007).
> عطا الله، ميشيل (2002). طرق وأساليب تدريس العلوم، عمان - الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة.

spisos
26-02-2009, 14:52
رد على عزيز زيان:

هاذا ما أمكنني توفيره لك الأخ:

شروط تأثير وسائل الإعلام

رغم الحديث المتكرر عن أثر وسائل الإعلام على الإفراد والمجتمعات, لكن الحق أن الأمر ليس على إطلاقه فالتأثير يرتبط بعدد من العوامل الخارجية والداخلية, فالإنسان – عموماً – ليس كائناً سلبياً يلتقط كل ما يصل إليه ويتشرب كل ما يلقي عليه.

ويمكن إيجاز العوامل التي تتحكم بتأثير وسائل الإعلام كالتالي:

1- المرسل (للرسالة الإعلامية)

ويعبر عن أثرها من خلال العوامل التالية:
‌أ- خبرة ومقدرة المرسل للمادة الإعلامية:
بمعني أنه كلما كان صاحب الرسالة متخصصاً أو خبيراً بالقضية التي يعرضها أو الموضوع الذي يتحدث عنه كلما كان أثر الرسالة أكبر.

‌ب- صدقيه المرسل:
قد يكون صاحب الرسالة خبيراً لكنه معروف بالكذب أو المبالغة أو إن مصدر معلوماته ضعيف, وبالتالي كلما تميز المصدر بالصدق كلما كانت رسالته أحرى بالقبول، وهذا ينطبق – بشكل عام – على الإذاعة البريطانية (العربية) حيث القبول الواسع لأخبارها وتقاريرها.

‌ج- تفرد واحتكار صاحب الرسالة الإعلامية:
حينما تغيب الحرية الإعلامية تتفرد جهات معينة بوسائل الإعلام وتتملك حق توجيه الرسالة الإعلامية التي تراها فأن الأمر يكون مستفحلاً.
فمثلاً توجيه رسالة إعلامية ضمن مقالات في الصحف عن التقاليد المكبلة للمرأة ، وأخبار عن تطور النساء في بعض البلدان, وتمثيلية في التلفاز تتهكم بالتقاليد (الإسلامية) ، وحوار في الإذاعة مع امرأة متحررة ... وهكذا فتتحقق الرسالة الإعلامية المقصودة وبقوة على أفراد المجتمع.

2- الرسالة الإعلامية (نفسها) (مضمون الرسالة)

‌أ- طريقة عرض الرسالة: (الجانب الفني)
بالنسبة للإعلام المرئي فإن المؤثرات المرئية والسمعية والخدع السينمائية وفنون الكمبيوتر جعلت المشاهد (يسحر) بما يراه ويستسلم له وينقاد, فما بالك إذا تدخل في الأسلوب خبراء علم النفس وعلماء الاجتماع وخلطوا الخيال بالحقيقة فأصبح الرائي مذهولاً بما يراه, لا يكاد يرفض شياً مما يقدم له من شدة الإتقان والحبكة.

‌ب- طريقة صياغة الرسالة الإعلامية:
إضافة للمؤثرات السمعية والبصرية فإن أسلوب صياغة المادة المقدمة سواء في صيغة تقرير إخباري (لمجازر اليهود) وفيلم سينمائي (لإذلال اليهود) وقص حب لفتاة يهودية تتعرض للإيذاء والاغتصاب من النازيين وتمثيلية فكاهية مليئة بالمواقف المضحكة (لاستغلال الأوربيين لليهود وإذلالهم لهم مثلاً)، لخرج المشاهد بانطباع قوي ويجعله مؤمناً بالرسالة الإعلامية المصاغة في قالب فني راق يخاطب العقل والعاطفة (يتعاطف مع اليهود وقضاياهم).
وليس بالضرورة أن تكون الصياغة صريحة, بل أن الأغلب والأعم الصياغة الإيحائية بطريقة غير مباشرة تقنع المستقبل ولا تتصادم بمقرراته السابقة لديه.

‌ج- تكرار عرض الرسالة الإعلامية:
تكرار عرض رسالة معينة في وسائل الإعلام تثير عنصر الانتباه لديه ثم تتحول – مع التكرار – إلى معلومة يتفاعل معها لاحقاً سلباً أو إيجاباً.
والتكرار يكون – في الأغلب الأعم – بطرق مختلفة وبضامين متغايرة أحياناً بوسائل مختلفة كلها تؤدي نفس الغرض لذلك فقد أثبتت الدراسات أن تعرض الأطفال مثلاً لسيل من قصص الجريمة والعنف يؤصل السلوك العدواني لديهم وقد يحوله فيما بعد إلى واقع تطبيقي.

من خلال هذا التكرار نجحت وسائل الإعلام (الغربية) وحتى العربية في زعزعة الكثير من قيم المجتمعات العربية خصوصاً في قضايا الأسرة, أثمرت قيماً جديدة مبناها الواقع الغربي وقيمه ومعتقداته, فتعدد الزوجات سلوك مرفوض وشهوانية مرفوضة, والطلاق قضية إفساد للأسرة, والحب - قبل الزواج - أمر طبيعي بل حتمي لينتج زواجاً ناجحاً وهكذا تم الأمر من خلال المسلسلات (المصرية) والأفلام التي تدندن على هذا الوتر بطرق متعددة وأساليب متغيرة لتؤكد هذه المفاهيم وترسخها في مجتمعاتنا العربية.


‌د- ارتباط مضمون الرسالة بقضايا عامة للجماهير:
عندما يكون لدى أحد المجتمعات قضايا عامة هي حديث الناس فإن لاهتمام الرسالة الإعلامية بها ومتابعتها تفصيلاً يلقى اهتماماً كبيراً من الناس, وهذا يتأكد عند النوازل والحوادث الكبيرة (أزمة الخليج مثلاً) فلو ركزت وسائل الإعلام على قضايا أخرى أقل أهمية أو بعيدة عن اهتمام الناس ولو كانت هامة بذاتها في وقت السلم – مثل قضية فلسطين – فإنها لن تجد تجاوباً من الجماهير وسينصرفون عنها.

3- المستقبل للرسالة وبيئته:

‌أ- نوع الجمهور (المستقبل للرسالة الإعلامية):
لاشك أن مستوى تأثير الرسالة الإعلامية يتفاوت بين الناس بحسب طبيعتهم, والملاحظ أن الأطفال أكثر فئة من الناس تأثراً بوسائل الإعلام يليهم المراهقون فالنساء (عموماً) ثم الرجال.
ولذلك لا بد من الانتباه لنوع الجمهور عند تقديم موضوعات عن البيئة والنظافة لمجتمع فقير لا يجد ما يكفيه من الطعام أو أن تقدم مواد إعلانية مناسبة للنساء فقط في ذروة استقبال الرجال للرسالة الإعلامية.

‌ب- مستوى الفرد الاجتماعي:
موقع الفرد في المجتمع (الغني أو الفقير, التعليم والأمية, المسؤول والموظف, التاجر والعامل ...) كلها تؤثر في مدى تقبل الفرد للمادة الإعلامية .. فالفقير مثلاً لا يأبه للحديث عن الاقتصاد العالمي أو العلاقات الدولية ،والتاجر لا يأبه للرسالة الإعلامية عن أسعار السلع وتقلبها, والغنى يعجبه المسلسل التلفزيوني عن الأسرة الثرية.

فالفرد يتقصى ويحاكي بشكل واقعي أدوار يراها من نفسه ومن مركزه الاجتماعي وموقعة السياسي حيث تكون وسائل الإعلام – بالنسبة له – مؤسسات اجتماعية تحدد له الدور الذي ينبغي أن يقوم به.

وغالباً ما يكون التأثير لوسائل الإعلام على الأفراد - في هذا الجانب - في القيم ونظم الحياة التي يعيشوها حيث تقدم لهم نظماً أخرى مغايرة لكنها محببة وجميلة وبأسلوب غير مباشر يدعو لتمثلها في مجتمعاتهم.

‌ج- مستوى الفرد الثقافي وخلفيته الاجتماعية:
إن تقبل الفرد للرسالة وفهمه لها لا يقتصر فقط على مستواه الاجتماعي بل يتجاوز ذلك إلى ثقافته التي نشأ عليها والتربية التي تلقاها في صغره والتوجيه الاجتماعي له من بيئته مما يتسبب في وجود قاعدة لدى الفرد تسمح له بقبول الرسالة الإعلامية أو رفضها.

مثلاً شاب نشأ في بيت متحرر, في مجتمع محافظ سافر إلى الخارج كثيراً واختلط بأناس مختلفي التوجهات, هذا الشاب بهذه الخلفية قد يتقبل الكثير من الرسائل الإعلامية (المنحرفة) المتعلقة بقضية المرأة مثلاً ، فالسفور ليس بمشكلة ومخالطة النساء الرجال طبيعي، فمرجعيته في هذه الأمور ثقافته الخاصة والبيئة التي نشأ بها.

أيضاً شخصية الإنسان الخاصة تساهم في قبول أو رفض الرسالة الإعلامية فمثلاً رجل هادئ مسالم قد يرفض مشاهد العنف والمطاردات ويراها خطرا على أبنائه.

كذلك للأهواء الشخصية وقناعات الفرد دور في هذا الأمر ليس له علاقة بخلفيته الثقافية ولا بشخصيته الذاتية, فقد يقبل شخص إعلانات السجائر رغم علمه بأضرارها نظراً لأنه يدخن بذاته.

‌د- معتقدات الجمهور
يتقبل الناس عادة الرسائل الإعلامية الموجهة لهم والقريبة من معتقداتهم ومنسجمة مع ما يؤمنون به, ويضعف تأثير الرسائل الإعلامية البعيدة عن واقع ومعتقدات الناس, وتكون – عادة – مرفوضة إذا كانت تصادم بشكل مباشر مع ما هم عليه.

لذلك يلجأ القائمون على الإعلام إلى أسلوب التدرج في إنهاك المعتقدات والأصول لدى مجتمع معين.
فيبدأ الأمر بمهاجمة المعتقدات رويدا رويدا من المعتقدات الأهم فتهدمها حتى تصل - في النهاية - إلى أصول وقواعد المجتمع فتدمرها, كما يصنع السوس في النخلة فعامل التدرج وعامل الزمن كفيل بقلب القيم وإحلال قيم ومعتقدات محلها خصوصاً أن الأمر يقدم بمضامين جذابة وبوسائل محببة ومن خلال مضمون راق فنياً, وهذا الأسلوب يتفق تماماً مع نظرية الأولويات.



‌ه- واقع المجتمع:
يؤثر واقع المجتمع سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً لجدوى قبول الرسالة الإعلامية الموجهة له, فالرسالة الإعلامية عن الحرية السياسية وحرية التعبير و(الديمقراطية) يكون لها قبول واسع في المجتمعات التي تعاني استبداداً سياسياً, فمستوى قبول الرسالة لمجتمع ما يرتبط بشكل كبير بمدي الحرمان الذي يعانيه المجتمع من هذه القضية خصوصاً إذا اقترن ذلك بتقديم نماذج (من مجتمعات أخري) لا تعاني هذا الحرمان بل تحصل على هذا الأمر وبشكل ممتع ومقبول.

‌و- وجود أصحاب الرأي ودورهم في المجتمع:
تؤثر وسائل الإعلام (بناء على نظرية التأثير على مرحلتين) في الناس بشكل واسع عندما يساهم هؤلاء الأفراد المبرزون والمقبولون في مجتمعهم في قضايا مجتمعهم ويدلون فيها بأقوالهم ويساهمون – أحياناً – بأفعالهم وهذا الأمر فطنت له شركات الإعلان بشكل خاص فاستقدمت المشهورون في المجتمع (الرياضيون أو الفنانون) واستفادت منهم في ترويج سلع تجارية معينة.
كذلك تساهم بعض القنوات الإخبارية (CNN) مثلاً في استضافة أشخاص ذو رأي ومكانة وتجعلهم يعلقون على أحداث معينة أو يعقبون على واقعة ، مما يكون له أكبر الأثر في قبول الجماهير لهذا الرأي (هذا ما حدث من قبول الناس لقدوم القوات الأمريكية في الخليج لمقارعة صدام ...)

spisos
26-02-2009, 15:09
إلى الأخ فؤاد:

الديمقراطية
من اليونان الى ديمقراطية الانترنت




بسم الله الرحمن الرحيم



المقدمة

لاشك ان عصرنا في كل عشر سنوات تطلق عليه صفة تسمه بسمة معينة فهو عصر الكهرباء وعصر النفط وعصر الذرة وعصر القلق وعصر الحروب العالمية وعصر غزو الفضاء وصولا الى عصر الجينوم البشري والهندسة الوراثية والاستنساخ وعصر العولمة واخيرا عصر الانترنت ، وكل يوم نجد اكتشافا خارقا يدعونا لان ندعو عصرنا به، واليوم فإن عصرنا لايمكن ان نهمل اهم صفة سياسية واجتماعية للنظام العالمي الجديد فيه الا وهي صفة الديمقراطية خاصة وان هناك من الباحثين من يعدّ النظام السياسي للديمقراطية الليبرالية هو نهاية التاريخ مثل فوكوياما وآخر يتحدث عن ان صراع حضارة الديمقراطية الغربية مع نظام الاسلام السياسي سيكون حتما صراعا تنتصر فيه الحضارة الغربية بنظامها الليبرالي الديمقراطي .
ان النظام الديكتاتوري الشمولي اخذ يغادر العالم خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتوزع دوله الى ما نشاهده اليوم ، وخلال عقد التسعينات من القرن العشرين تحولت اكثر من خمسين دولة في العالم الى النظام الديمقراطي وتشمل دولا من مختلف القارات كاوربا الشرقية وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بل ان الاتحاد السوفيتي نفسه لم يكتف بالتحول عن الشيوعية فقط، بل اخذ يمارس الديمقراطية في شكلها الجديد سواء على المستوى الاقتصادي او الاجتماعي مع وجود حزب شيوعي له اكثرية برلمانية معروفة .
ان الدعوة الى الديمقراطية بدأت تأخذ وجها آخر لم يكن لها من قبل؛ ألا وهو الفرض من الخارج على النظم الديكتاتورية وتغييرها بالقوة استنادا الى معطيات دولية معينة منها الدفاع عن حقوق الانسان واتفاقيات الامم المتحدة الخاصة بها ومنها محاربة الارهاب الدولي ومبررات واسباب بعضها حقيقي وبعضها مفتعل لأغراض أخرى غير المعلنة، ولكن شعار الديمقراطية هو المرفوع عليها أي على تلك السياسة، وبغض النظر عن المصداقيات فلا يمكن انكار حقيقة ان الديمقراطية شعار مرفوع ويطالب به كل من اراد ان ينظم الى بعض الاتفاقيات الدولية او الاتحادات كما هو الحاصل مثلا مع تركيا في محاولتها الانضمام الى الاتحاد الاوربي .
ان المجتمع الدولي وهو يتحول الى العالم الجديد الذي تتحكم فيه معطيات العولمة بكل معانيها اصبح يضع شروطا لقبول الدول في النادي الخاص به الذي يجب ان يشمل كل من يسكن على هذه الارض، ولذا فيجب على الدول ان تتكيف مع مواثيق ومعاهدات واتفاقيات الامم المتحدة والا فانها ستطرد من المجتمع الدولي وتعدّ غير شرعية وستحارب بمختلف الطرق الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية اذا ما حاولت مثلا ان تمتلك اسلحة دمار شامل او تصنع اسلحة ممنوعة في اتفاقيات الدول الكبرى او ما شابه ذلك.
لقد غزت أمريكا أفغانستان باسم محاربة الإرهاب ولاتهامها بإيواء منظمة القاعدة التي المتهمة باحداث 11سبتمبر –وها هي اليوم تغزو العراق محررة ثم تعلن عن احتلالها له لفرض نظام ديمقراطي ينسجم مع معطيات العصر وتقول انها ستبني عراقا جديدا يعدّ نموذجا لدول المنطقة كلها التي وضعت لها سياسة للتغيير على مراحل لكي تؤهلها ديمقراطيا للعصر الجديد ولكي تقضي على مكامن الارهاب الدولي التي تتهمها بها، فإيران على الخارطة الجديدة وسوريا على الخارطة وكل دول المنطقة، كما انها من جهة اخرى تحاول ان تدجن كوريا الشمالية من خلال نزع سلاحها النووي الذي يخيفها.
ان مجموعة معطيات اخذت مجالها في الفكر السياسي اليوم جعلت من العراق الساحة التي تريد امريكا ان تروجها كنموذج للديمقراطية في المنطقة فهل تراها ستنجح في ذلك بعد اقدامها ونجاحها في الخطوة الاولى الا وهي اسقاط النظام السابق الذي اتهمته بامتلاك وتصنيع اسلحة الدمار الشامل بل واستعماله لهذا السلاح حتى على ابناء شعبه…؟
ان العراق لم يمارس الديمقراطية في تاريخه السياسي الا لمدة قصيرة في ظل الحكم الملكي وكانت هذه التجربة عليها مؤاخذات كثيرة أفقدتها المعنى الديمقراطي الحقيقي، كما ان العراق لم يتحول الى الديمقراطية عبر تغيير ثوري او انقلاب داخلي على النظام السابق بل هو يتحول تحت إشراف قوة احتلال أمريكية مما يطرح تساؤلات حقيقية عن إمكانية الديمقراطية في ظل الاحتلال وإمكانيات ممارسة الحرية في ظل السلطة المقيدة وقد يستشهد لوجهة النظر الامريكية لمثل هذه الحالة بما فعلته باليابان بعد احتلالها وما فعلت بكوريا الجنوبية وحتى بألمانيا على انه على الرغم من التشابه الشكلي في الممارستين في الذهنية السياسية الأمريكية الا ان هناك ميزات واختلافات وخصوصيات للعراق شعبا وجغرافية وثروة يختلف بها عن هذه النماذج مع ملاحظة طابع العصر اليوم عنه في منتصف القرن الماضي .
ان شعب العراق شعب مسلم حيث يذكر ببعض الإحصاءات ان 97% منه على دين واحد والإسلام اليوم متهم بالإرهاب ومساحة المسلمين في العالم الذين يتعاطفون مع هذا الشعب مساحة كبيرة وموقع العراق الجغرافي في وسط حيوي جدا في السياسة الدولية فحوله دول مختلفة منها تناصب العداء لأمريكا ومنها متهمة بالإرهاب كما ان منها ما هو متعامل معها وعضو في بعض منتدياتها العسكرية وللدول الغربية الأخرى مصالح عديدة في العراق وما حوله مما قد يخلق وضعا متوترا فيه، وكذلك فان في العراق ثروة يسيل لها لعاب الدول الكبرى هي النفط والذي هو ليس ثروة اقتصادية فقط وانما أداة سيطرة وقوة تحكم أيضا واذا أضفنا الى هذا خصوصية العقلية السياسية في العراق التي تتميز بالخضوع لفترة طويلة لتثقيف أحادى الاتجاه وصلب التحيز حتى أصبحت عقلية مغلقة على آرائها التي تعتقد بها كما ان طبيعة الشخصية العراقية قد استلبت نفسيا وفكريا وثقافيا عبر أيديولوجيا دامغة للآخر وغير معترفة به مما يشكل صعوبة استثنائية على الممارسة الديمقراطية المرنة التي تقوم أساسا على الاعتراف بحق الاختلاف..
ان كل ما تقدم يجعل الممارسة الديمقراطية في العراق على المستوى الشعبي اقرب الى المستحيل منه الى الممكن فكيف ستكون الديمقراطية العراقية امام تحدي العلمانية لشعب مسلم؟ وكيف ستكون الديمقراطية الفدرالية عبر قوميتين واثنيات اخرى قامت بينهما حروب؟ مما يطرح مسألة خطورة التقسيم وهو ما تعارضه حتى الدول المجاورة لخوفها من انسحاب الموقف على شعبها كما ان هذه الفدرالية قد تقود الى قيام دولة شيعية في الجنوب لأكثرية هذه الطائفة فيها وهو من المستحيلات امريكيا رغم انف الديمقراطية ومبادئها، ترى فما هي مقومات الديمقراطية عراقيا اذا لم تكن علمانية ولا فدرالية؟ واي معنى لرأي الشعب في نظامه الذي سيدلي برأيه فيه عبر الدستور الجديد؟ وهل ستوافق القومية الكردية على التراجع عن المضمون الفدرالي الذي تعلنه في كل وسائلها الرسمية والإعلامية؟ وكيف ستتصرف اذا كان الاستفتاء فرضا جاء لغير صالح الفدرالية وهو رأي ديمقراطي لا ينازع؟
من كل ما تقدم نجد ان الديمقراطية كمفهوم وممارسة، كنظرية وتطبيق تحتاج إلى ابتكار صيغ جديدة تناسب الواقع العراقي الجديد ويجب على هذه الديمقراطية ان تناسب الجسد العراقي وهو ما رأيناه في كثير من شعوب دول العالم الثالث التي انطلقت الى الديمقراطية بخصوصياتها القومية والشعبية وحتى الفولكلورية حيث وظفت حتى المجتمعات القبائلية والعشائرية بهياكلها التنظيمية فجعلتها ضمن ديمقراطيتها كخصوصية وطنية لها وهو ما لم يعترض عليه حتى امريكيا فهناك تجارب يمكن الاستفادة منها في هذا المجال فما دامت الديمقراطية منهجا مفتوحا على المستجدات – وهذا سبب نجاحها تاريخيا – فانها تستوعب الإنسانية جمعاء على ان تكون بلا وصاية خارجية ولا احتلال أجنبي طويل الأمد فهل ترى سينجح العراق في تجربته هذه ام لا؟
ان هذا الكتيب يطرح احدث المعلومات عن الديمقراطية في عصر العولمة والإنترنت وما يسمى النتوقراطية او ديمقراطية الإنترنت ويتحدث عن تحديات الديمقراطية ليس في العالم الثالث فقط وانما في امريكا واوربا ايضا ويصف محاولات شحن الديمقراطية الامريكية بقوة دفع عن طريق احياء مؤسسات المجتمع المدني التي أخذت تتآكل وتفرغ من معناها بعد طول ممارسة كما ان البحث عن المعنى للحياة خارج المفهوم الديني ما زال يؤثر سلبا في المجتمع الأمريكي مما جعل بعض علماء الاجتماع يطالب بعودة جديدة الى القيم الدينية لخلق إسناد أخلاقي للمجتمع في القرن الحادي والعشرين، أما فوكوياما الذي ما زال يعتقد بصدق نظريته في نهاية التاريخ فقد ظهرت انتقادات للديمقراطية الليبرالية التي يؤمن بها وضعتها امام احتمال تجاوزها الى ديمقراطية الانترنت والتي هي الديمقراطية المباشرة لكل الشعب كذلك ظهرت تحديات امام الديمقراطية الاوربية جعلها تختار التركيز على الجانب الاقتصادي للديمقراطية حتى وصفت بالاشتراكية الديمقراطية كما هو الحال في فرنسا والمانيا وبريطانيا مما عزز فكرة الطريق الثالث للديمقراطية وهو بين الليبرالية والاشتراكية، وسيتبع هذا الكتيب كتيب آخر عن اشكالية العلاقة بين الاسلام والديمقراطية ثم يتبعه آخر عن العراق الديمقراطي اسلاميا وليبراليا وعسى ان تكون هذه الكتيبات مساعدة للقاريء العراقي خصوصا لكي يفهم حقيقة الديمقراطية نظريا قبل ان يمارسها تطبيقيا .
واخيرا فان مصادر هذه الدراسات الثلاث كان الانترنت في اكثر من 90% منه وخاصة عروض الكتب الجديدة الصادرة في العالم الغربي خاصة والمترجمة الى اللغة العربية والتي لم يحتفل بها السوق العراقي بعد وقد كانت طريقة العرض ذات طابع وصفي لا نقدي ولا تحليلي من باب اننا نعرض لما كتب كما هو سوى رأي المؤلفين والكتّاب انفسهم في ما يطرحونه من انتقادات.


شيء عن المصطلح والتعريف

لا شك أن كلمة الديمقراطية من اكثر الكلمات غموضا وشيوعا في التداول الثقافي والشعبي وكما قال عالم السياسة بيرنارد كريك (إن كلمة الديمقراطية هي اكثر الكلمات اضطرابا وغموضا فهي مصطلح قد يعني شيئا بالنسبة لكل شخص بحيث تكون هناك خطورة بأن تصبح الديمقراطية كلمة بدون معنى) وإذا كانت الديمقراطية لغة تعني حكم الشعب نفسه بنفسه وكانت هذه الكلمة قد ظهرت في العصر اليوناني لوصف نظام سياسي واستمرت اكثر من قرنين من الزمان ثم اختفت إلا أنها عادت وظهرت مع الثورة الفرنسية عام 1789ميلادية إلا أن مفهومها عبر هذه السنوات العديدة قد دخلت عليه إضافات تتناسب وتطور المجتمعات التي تطبقها مما ادخل الغموض والتنوع اللانهائي على معناها حتى نرى الدكتور سمير أمين يقول عنها ( ليس مفهوم الديمقراطية مفهوما علميا يمكن بالتالي تعريفه تعريفا وحيدا دقيقا لا يقبل المناقشة والشك، بل كلمة الديمقراطية هي مجرد تعبير لغوي مائع يتغير بتغير المتحدث والظروف ورغم ذلك فالإنسان – أي إنسان- يحس تماما إذا كان المجتمع المعين الذي يعيش فيه (ديمقراطيا) حسب رأيه أم غير ديمقراطي، وينطبق ذلك على الفلاح الأمي كما ينطبق على المثقف المتغرب ولكن مفهوم الفلاح لماهية الديمقراطية أو عدمها قد يختلف عن مفهوم المثقف – أزمة المجتمع العربي ص135)
لقد وصل الخلاف إلى الاختلاف حتى على الكلمة والمعنى في النقاشات التي تدور في العقل الأوربي ذاته حتى ادخلها الكاتب روبرت هـ ثاولس في باب التفكير الأعوج حيث قال (إن النزاع اللفظي قد يكون حول كلمة –الديمقراطية- في حين أن النزاع الحقيقي يكون حول الديمقراطية، أي حول نظم الحكم التي هي مدلول كلمة – الديمقراطية، وإذا كنا نظن أننا نتناقش عن الديمقراطية في حين أن موضع الخلاف في الحقيقة هو على كلمة الديمقراطية فإننا نكون في ذلك قد خلطنا في الأمر وحسبنا خطأ النزاع اللفظي بأنه نزاع واقعي – ص90 التفكير المستقيم والتفكير الأعوج).
وهكذا نرى أن الديمقراطية كما يقول علي المؤمن في بحث له عبر الإنترنت مفهوم- فضفاض ساهم في إثرائه عبر عقود طويلة من الزمن كثير من المفكرين السياسيين كل حسب نظرته لهذا المفهوم فجاء إطارا كبيرا يجمع في داخله العديد من التيارات الفكرية التي تتفق على بعض الخطوط العامة وتختلف في معظم التفاصيل بيد أن الديمقراطية تبلورت بمرور الزمن في الديمقراطيات الحديثة المطبقة –بشكل أو بآخر- في الغرب وعرفت بالديمقراطية التقليدية الغربية- .
لقد كان جان جاك روسو قد تحدث عن أن الديمقراطية مستحيل تطبيقها بدقة وقال إنها لم توجد ولن توجد أبدا بعد أن وصفها بالمثالية وانه لو كان هناك شعب من الآلهة لحكم نفسه بطريقة ديمقراطية لان هذا النوع من الحكم –كما يقول- بلغ حد الكمال لا يصلح للبشر ويقول ( إذا أخذنا عبارة الديمقراطية بكل معناها الدقيق نجد أن الديمقراطية لم توجد أبدا ولن توجد أبدا فمما يخالف النظام الطبيعي أن يحكم العدد الأكبر وان يكون العدد الأصغر هو المحكوم ولا يمكن أن نتصور بقاء الشعب مجتمعا على الدوام للنظر في الشؤون العامة ونستطيع أن نرى بسهولة انه لا يمكن إقامة لجان من اجل ذلك دون تغيير في شكل الإدارة ) أي أن الديمقراطية المباشرة كانت مستحيلة التصور حتى في عقل جان جاك روسو وهكذا تحولت الديمقراطية إلى ديمقراطية غير مباشرة عبر الأسلوب التمثيلي والبرلماني .
لاشك أن الديمقراطية كما يقول أحد الكتاب (عملية متعددة الأوجه ذات أبعاد متشابكة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية جوهرها توسيع دائرة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات والرقابة الفاعلة على تنفيذها وذلك على جميع المستويات وفي مختلف الميادين لكنها لن تتجسد حقوقيا ومؤسسيا إلا حين تجد فيها أوسع قطاعات الشعب مصلحتها فتطالب بها وتعمل على تحقيقها وصيانتها لذلك يكون من الوهم الاعتقاد بان الحريات والديمقراطية تأتي هبة من الحاكم أو تفرض فرضا من خارج المجتمع – ص6 الثقافة الجديدة ع303-2001), .
واليوم ونتيجة لكثرة المستجدات على الممارسة الديمقراطية عموما وفي العالم الثالث خصوصا وتركيزا لهذا المفهوم على خصائص معينة لتحديده وجدنا مكتب البيت الأبيض عام 1993يحدد خمس مبادئ أساسية يمكن من خلالها الحكم على الديمقراطية في أي مجتمع ، هذه الخصائص هي حرية الانتخابات ونزاهتها، حقوق المعارضين السياسيين في العمل بحرية كاملة، وضع قيود على السلطات التعسفية للدولة وبخاصة أعمال القبض والاحتجاز والتعذيب ضمن أشياء أخرى، وحقوق المواطنين في التنظيم في اقليات في العمل او حول اهتمامات اخرى وقضاء مستقل للرقابة على سلطة الدولة، واكد المكتب على انه فيما يتجاوز هذه النقاط فان هناك مجالا كبيرا لاختلاف التطبيقات الديمقراطية...
وعلى الرغم من أننا في الوطن العربي نكاد لا نجد حزبا يساريا أو محافظا أو قوميا أو اشتراكيا وحتى ماركسيا إلا ويستخدم في أهدافه لفظ الديمقراطية كشعار إلا أننا بالمقابل لا نكاد نجد نظاما واحدا يطبق مفاهيم الديمقراطية الحقيقية في مجتمعه وهذا ما ادخل كثيرا من التشوهات على مفهوم الديمقراطية ذلك الشعار الفضفاض غير المحدد حتى وصل القول إلى أن الديمقراطية غير صالحة لهذه البلدان لاسباب عديدة لعل أولها عدم فهم حقيقة الديمقراطية وآخرها عدم الإيمان بها حقيقة لأنها كما تقول بعض الأحزاب الدينية بضاعة غربية استعمارية فهي كفر على وفق قناعاتهم؛ فهل الديمقراطية حقا لا تصلح للمجتمعات الدينية وكيف تعاملت مع المسيحية التي كانت تحكم البلاد قبل وجودها وكيف تفهمت المسيحية الديمقراطية وتعاملت معها ؟
الديمقراطية والمسيحية:

حينما افتقد الغرب المفاهيم الميتافيزيقية الغيبية للدين نتيجة تعلقه بالعلوم الطبيعية وما توصلت إليه من حقائق علمية، وفي نفس الوقت مارس السلوك الديمقراطي حتى أصبحت حياته عبر السنين الماضية مطبوعة بالطابع الديمقراطي هذا، لم يكن يفتقد لمعالجة آلامه النفسية إلا البعد الديني الروحي العميق الذي كانت المسيحية قد استوعبت فيه كل آلام البشر ومعاناتهم، ولما كانت المسيحية قد تحولت بفعل الديمقراطية إلى أخلاقيات سلوكية فقط متناسية الجانب الروحي الغيبي حيث اصبح الطلاق واقعا بين الكنيسة والسياسة فقد أصبحت النفسية الغربية بحاجة إلى سلم جديد للقيم يكون مرجعا لتقويم السلوك الأخلاقي الديمقراطي في ضوئها، من هنا طرحت مفردات المواطنة والسلوك الحضاري للتعبير عن هذه المرجعية بما تعنيه من مضامين ديمقراطية تجعل الحقوق الفردية في حدودها المعينة، وهكذا وجدنا أن السلوك الحضاري بهذه المعاني يسمح للأخلاق الحميدة التي يعبر عنها بالمجاملة بحيث يمكن قيام تعاون بين أشخاص ذوي نزعات مختلفة ومتعادية على الأغلب فالمجاملة ضمن المفهوم الديمقراطي هي سلوك حضاري يسمح بعمل المتخاصمين في هيئات تشريعية تمارس سياسة مصلحة خاصة من دون حصول خلافات [تقاطعات سلبية] فالمجاملة تسمح هنا بتحقيق الأغراض الخاصة لبعض الأشخاص من دون أن يكون هناك اتفاق بين الجميع وبالرغم من عدم توافقهم يظل الأفراد المتنافسون على علاقات ودية بعضهم ببعض أي أن السلوك الحضاري وفق المنهج الديمقراطي يتكون قبل كل شيء من الأخلاق الحميدة حيث تقول القاعدة الأولى فيه : كل عمل تقوم به في الرفقة يجب أن يكون في نفس الاحترام لأولئك الآخرين وكان جورج واشنطن يؤكد على مفهوم الضمير وهو يثقف المجتمع الأمريكي على الديمقراطية حيث كان يقول ( اعمل على أن تبقي في صدرك تلك الشرارة الصغيرة من النار السماوية التي تدعى الضمير) كما كان يؤكد على أن يكون السلوك الحضاري (نوعا من الشرف أو الاهتمام بالشرف، والشرف من دون مبادئ سيكون عارا أما الشرف الحقيقي فيكمن في القيام بالأعمال العادلة النبيلة حبا بها لذاتها وليس من اجل أي مكافآت عرضية غير ذات قيمة –ص84-السلوك الحضاري والمواطنة).
لقد امتدت الممارسة الديمقراطية إلى مساحة كبيرة من العالم كما امتدت إلى مساحة كبيرة من الفكر حتى تحولت إلى أشبه ما يكون بديانة للعالم الغربي الذي حلت له الديمقراطية في عصر النهضة والتنوير مشكلة الطائفية المسيحية من بروتستانتية وكالفنية وكاثوليكية وغيرها، لقد وصف القرن العشرون من قبل كثير من الفلاسفة بانه قرن القلق بسبب غياب الروح الدينية التي تشفي النفوس وتملأ الروح بالمعاني الميتافيزيقية الغيبية حتى قال عنها بريتون يصفها في كتابه تشكيل العقل الحديث ( أن المعتقدات الجديدة يعوزها الثراء والعمق في إدراك حقيقة البشر الموجودان في الديانات القديمة ومن ثم نراها عاجزة عن حل مشكلة الإنسان حين تحدق به الشدائد فلا تمنحه السلوى والعزاء مثل الديانات القديمة حيث أن البشرية حتى في الغرب لم تقو على تبني النظرة المأساوية من دون عون عقيدة ذاتية غيبية، ولهذا يتعين على الديمقراطية أن تهتدي بصورة ما إلى سبيل لشفاء النفس إذا لم يكن لزاما عليها أن تعود إلى المسيحية وهذا ما يريده الكثيرون اليوم –ص387 تشكيل العقل الحديث).
وتظهر الروح المسيحية الدينية كحقيقة حينما نرجع إلى تأكيد العلماء أن ثمة شيئا لا يتغير أبدا ليس شيئا من التاريخ ولكنه لا يزال بعضا منا ولكن يبدو واضحا أننا معشر البشر نتشبث باليقين فأولئك الذين أضاعوا اليقين المسيحي حاولوا على الفور البحث عن يقين علمي أو يقين تاريخي أو أي يقين يكتشفونه في أي مكان، ونحن-كما يقول العلماء- نتشبث بالعلم الكامل الشامل الذي يحيط بكل شيء كصنو لليقين، ننشد قوة عليمة تحيط بكل شيء علما إن لم يكن الله ويؤكد البعض أيضا أن أهل الديمقراطية التشاؤمية إذا ارتابوا في النزعة النسبية الكاملة والمطلقة فيما يتعلق بالقيم فسوف يكون عسيرا اشد العسر إقامة مثل هذه الديمقراطية في عصرنا ، ويصلون إلى القول إذا كان لابد من دين جديد فان التاريخ الغربي كله يوحي بان هذا الدين لن يأتي على يد المفكرين بل عن طريق مصدر آخر أكثر تواضعا وانه سيكون ولو إلى حين على الأقل أمرا شديد العسر على نفوس المفكرين الرسميين ، ويصل العلماء إلى القول ( إن الديمقراطية المثالية أي ديمقراطية مؤمنة (بالمعنى السامي للعقيدة الدينية) قد تكون أمرا ممكنا على الرغم من أن ديمقراطية كهذه قد يكون عسيرا عليها أن تلائم إرثها الدنيوي والعلمي مع العقيدة الأخروية -ص387 ن م).
إن المفاهيم التي طرحت السلوك الحضاري للديمقراطية قد حاولت هضم المفاهيم المسيحية وتوظيفها لحسابها من دون البعد الغيبي والروحي لها وانما لضبط السلوك الإنساني المطلوب للديمقراطية، ونقطة الانطلاق في المفهوم الديمقراطي للسلوك الحضاري هذا يذهب إلى التبرير التالي (السلوك الحضاري المبني على فصل الكنيسة عن الدولة يعني بأن الوحي لا يطبق بالقوة ليبطل احتجاجات العقل البشري، كما يعني أن لا يجبر العقل على إصدار أحكام على ادعاءات الوحي، وهكذا تؤكد حدود الحكمة البشرية عدالة الحكومة المحدودة والمواطنة وسلوكها الحضاري –ص87 السلوك الحضاري والمواطنة).
إن المفهوم العلماني للديمقراطية والفصل بين الكنيسة والدولة في رأي الديمقراطيين ( لا يجب أن يعني فصل الأخلاق عن السياسة أو القيم عن الوقائع، بل يجب أن يعني انه يوحد الأخلاق المدينية والتعليم الأخلاقي للدين من خلال كلمة الضمير) بل ان المفهوم الديمقراطي للسلوك الحضاري يذهب إلى ان هناك حق اسمه حق الضمير حيث انه (لا يمكنه –حق الضمير- ان يأمر بأي أمر مناقض للقانون الطبيعي فحق الضمير نفسه هو أحد حقوق الإنسان الطبيعية ولابد ان يمارس على نحو يتناسق مع باقي الحقوق) لقد كان جورج واشنطن يذهب إلى ان الدين والأخلاق ليسا مجرد وسائل للازدهار السياسي فقط انهما العمودان العظيمان للسعادة البشرية والسعادة شرط او نشاط تستدعيهما الأخلاق والدين ومن دونهما لن يكون الإنسان سعيدا سعادة حقة مع انه يسلم بان تأثير التعليم المهذب على العقول بنية معينة قد يسمح للأخلاق وحدها في ان تكون كافية في حالات قليلة جدا، ويؤكد الدارسون ان السلوك الحضاري اصبح هو النقطة التي جرى عندها استمالة التقاليد الكلاسيكية المسيحية في السياسة الغربية والتي ظلت في حالة توتر لمدة طويلة حيث تم اللقاء في النهاية التقاء اعتمد على إجراء تعديلات أساسية على كل منهما والذي ظل اقل بكثير من الاتحاد التركيبي وبكلمات أخرى يمثل السلوك الحضاري التحويل الليبرالي المميز والمحبة المسيحية على حد سواء ووريثها الوحيد المتفق عليه.
ويعتقد الديمقراطيون اليوم ان السلوك الحضاري يظهر تغييرا هائلا عظيما في أمور السياسة والدين معا بحيث انه من الصعب الآن إدراك ما قبل العصرية لأي منهما فمسيحي معاصر هو بالضبط ذلك الذي يقبل صحة السلوك الحضاري كترجمة لمتطلبات المحبة وهو بكلمات أخرى يوافق على ان المحبة تتطلب ان تحجم عن القسر في أمور العقيدة وان كل قسر كهذا هو تصرف غير مسيحي بكل ما في الكلمة من معنى .لقد كان اكتشاف السلوك الحضاري أو التسامح كما اسموه هو الوسيلة للتوفيق بين متطلبات الاستقرار المدني ووجود الفرق المسيحية المتنافسة فقد هدف مكتشفوا هذا السلوك الى فك قبضة المسيحية السياسية من دون توجيه أية إساءة قاتلة للمسيحيين المعتدلين او القابلين للإقناع ،لذلك قدموا السلوك الحضاري لا على انه رفض بل على انه تحويل للمسيحية وحملوه على انه التفسير الصحيح للكتاب المقدس الذي استغلق فهمه على الطوائف المتعصبة ولهذا السبب اخذ السلوك الحضاري الكلاسي شكل تعليق على الكتاب المقدس –ص 108 ن.م-.
لقد تحول جوهر المحبة المسيحية الحقيقي إلى التسامح الليبرالي بين الطوائف المسيحية وحتى في وجود الطوائف غير المسيحية طالما كانت هذه الطوائف نفسها متسامحة ،وبالنتيجة فان ممارسة التسامح نفسه –رفض مفهوم السياسة المسيحية –ضمن وجود الإيمان المسيحي .
لقد كان السلوك الحضاري الفضيلة الجديدة أيضا وهو الذي كان عليه ان يأخذ وعلى مدى واسع مكان المواطنة في مجتمع ما بعد المسيحية الجديد فالمواطنة في المعنى القوي الكلاسي ماتت منذ زمن طويل ، وقد عبر عن هذا المعنى بالقول (ان علينا في المجتمع الديمقراطي ان نكون متسامحين وان الناس في المجتمع الديمقراطي لهم حقوق طبيعية وان من بين هذه الحقوق حرية العبادة وحرية الكلام وحرية النشر والصحافة وحرية الاجتماع ، وعلى المؤسسات ان تعمل والى آخر مدى لكي تكفل عمليات كل ما تمجده وتسعى إلى تأمينه وليس هذا كل شيء فان ركيزة الديمقراطية وجوهرها ان علينا جميعا ان نتسامح حقا وفعلا مع أولئك الذين يختلفون معنا بشأن القضايا العميقة المتعلقة بمصير الإنسان –ص22 تشكيل العقل الحديث).
الديمقراطية والعولمة

في بحث نشره عبر الإنترنت بعنوان –كيف نتفاعل مع العولمة –يقول الدكتور محمد حسن رسمي عميد كلية الحاسبات والمعلومات في جامعة القاهرة ( لو أدرك فاقد معنى ومغزى العولمة ما تحمله العولمة لمات هربا وفزعا من ويلاتها ، إنها فيضان النيل في وقت غدره لمن هو غير مستعد له …وخيره لمن بنى السدود واستعد لملاقاته بالعقل والعلم والإخلاص والإصرار على تحقيق الذات ) علما انه كان قد بدأ مقاله بوصف العولمة بأنها ( طوفان كاسح لمن يقف في طريقها رافضا ان يتفهم فكرها وفلسفتها وآلياتها ، اذا كان يملك سدا منيعا يهزم ويلاتها ويسخر لنفسه ، ونظام العولمة في حد ذاته يدعم الأقوياء ويطحن الضعفاء ويضحك الأصحاب ويبكي الضعفاء بل يمكن صانعها من التحكم والسيطرة وامتلاك مقررات ومستقبل المتفرجين المذهولين الصامتين المنتظرين لمعجزات السماء ) .
أما تأثير العولمة على الديمقراطية فيقول عنه بان من سمات العولمة ونظامها انه ( يتسم بتحرير الحرية والديمقراطية من قيودهما سواء كان الحديث عن السياسة او الاجتماع او المعلومات او الاقتصاد او التعليم ،انهما اصبحا مطلبا أساسيا لكل شعوب العالم المتطلع للتقدم ) وفي إطار كيفية التفاعل مع هذه العولمة في الإطار الديمقراطي للمجتمع يطالب الدكتور محمد حسن بتعميم فكر الانتماء والولاء للامة ويعده أمرا لازما ومعرفة تاريخ وجذور الأمة أمر ضروري والإيمان بالعطاء والتضحية من اجل قيمة العمل أمر واضح حتميا وكل هذه المفاهيم لن تحدث الا لو شعر واقتنع الفرد انه جزء من الكل وله حق ودور مثله مثل من يقود المركب ، إن ذلك هو جوهر الديمقراطية شمس هذا العالم الجديد .
وزيادة في إيضاح معنى العولمة وخطورتها نعرض لبحث آخر أعده مركز الائتلاف للبحوث والدراسات بعنوان ( العولمة تجلياتها الثقافية والنفسية ومؤشرات التعامل معها عربيا) نشر على الإنترنت جاء فيه ان أول من تبنى مفهوم العولمة في أمريكا هو بريجنسكي الذي كان مستشارا للرئيس الأمريكي في 1977-1980الذي أراد من العولمة ان تطرح النموذج الأمريكي للحداثة والقيم الأمريكية للحرية وحقوق الإنسان أي ان طرح العولمة كان لخلق توجهات( لتجانس سياسي واقامة الديمقراطية وتجانس اجتماعي وحرية التنقل وتأمين حقوق الإنسان وتجانس ثقافي أي المعلومة لمن يريدها ، وهي تجانسات سترتكز في بعض جوانبها على فن الإقناع (نفسيا) بالوسائل والأدوات المتاحة وبينها استخدام القوة ( الردع النفسي ) عند الضرورة بهدف فرض قناعات بديلة لعموم المجتمعات البشرية التي باتت قريبة من بعضها بحكم وسائل الاتصال عالية الجودة كما حصل للعراق عام 1991 ويوغسلافيا عام 1999)
ويستشهد البحث بنص من كتاب ديناميكية العولمة للمؤلف –جيمس روزنار-الذي يتحدث عن تأثير العولمة قائلا ( وتأسيسا على ذلك كان للمجال الثقافي ذو الصلة بالجوانب النفسية للعولمة أسبقية تزامنت مع بعض مجالاتها الاقتصادية وتداخلت مع أخرى او تقدمت عليها –السياسية والاجتماعية-بقصد التهيئة لتقبلها جميعا وفي ضوئها تم تكييف الثقافة وهي المنتج الاجتماعي سلعة مثل السلع المادية تتداول في سوق يسودها الأقوى ثقافيا وبوسائل إيصال للمستهلكين ميسورة –القنوات الفضائية والإلكترونيات والحواسيب والإنترنت وغيرها بقصد نقل الأفكار والمبادئ ونشر المعلومات لمستوى الشيوع بين جميع الناس ومن ثم صياغة ثقافة عالمية لها قيمها ومعاييرها لزيادة معدلات التشابه او التجانس بين الجماعات والمجتمعات والمؤسسات في محصلة تبرز في إطارها وعلى مستوى النفسي إمكانية تشكيل وعي وإدراك ومفاهيم وقناعات عالمية الطابع )
ومن هنا نرى ان وسائل العولمة وادواتها لم تترك المجال واسعا للاختيار بين الرفض والقبول كما كان سائدا في زمن الأيديولوجيات او عصر ما قبل العولمة لان الآراء والتوجهات وأساليب الحياة يمكن إيصالها إلى الجميع في كل الظروف والأوقات ودونما اية تحديدات ، وبمعنى آخر بالإمكان إبقائها ماثلة في وعي المستهدفين بصورة شبه مستمرة .
لقد أصبحت العلاقة بين العولمة والديمقراطية مسألة أكيدة بل مسالة مسلم بها عند جميع الباحثين والعلماء ولعل من اكثر الذين ركزوا على طابع المجتمع في القرن الحادي والعشرين في ظل العولمة هما المؤلفان –جون ميكلويت و ادريان وودريج- في كتابهما (تحدي العولمة ووعدها الخفي) وسنعرض لبعض أفكارهما فيه من خلال ما جاء على صفحة عروض الكتب على الإنترنت .
يؤكد العالمان على ان العولمة المتسارعة بعد نهاية الحرب الباردة قد تقود العالم إلى الازدهار او الدمار ويؤكدان ان العالم اليوم أمام منعطف تاريخي سوف تحدد فيه العولمة في السنوات القليلة القادمة مسار البشرية في القرن الحادي والعشرين إما الدمار وإما الازدهار ،
وفيما يخص الديمقراطية والعولمة يقولان بان العولمة تساعد على انتشار الديمقراطية في العالم وان ثمة تلازما بين الاثنتين سيما ان الظاهرتين اكتسبتا زخما متزامنا في العقد الأخير وبعد نهاية الحرب الباردة لأن العولمة اليوم حطمت –استبداد المكان-أي أتاحت المجال للناس لمزيد من التنقل والتواصل وتجاوز الحدود التي حشرتهم لعشرات السنين وأجبرتهم على نمط واحد من المعيشة وطريقة واحدة للاستثمار وفي مكان واحد وحدت آفاق قراءاتهم ورؤيتهم للعالم ،وأبعد من ذلك فان العولمة –كما يقول المؤلفان-وفرت للناس إمكانية إعادة تشكيل هوياتهم بشكل مستقل عن الآخر وهي الهويات التقليدية التي توارثوها عن أجدادهم ، على ان العولمة حدت من خيارات البشر اقتصاديا وسياسيا وثقافيا فالنموذج المعولم هي الليبرالية والديمقراطية الغربية والثقافة الغربية وهي النموذج السائد الآن والمروج له في الدول والمجتمعات .
على ان العولمة الإعلامية هي التي لها تأثير كبير مباشر جدا لان فيها تأثير إيجابي في الانفتاح السياسي وتعزيز التحول البطيء نحو الديمقراطية في الدول الدكتاتورية والمقصود هنا بالعولمة الإعلامية هو الانفتاح المذهل على المعلومات وكسر الاحتكار الرسمي لها إم عن طريق البث التلفزيوني العابر للحدود او شبكة الإنترنت التي اخذ تنتشر بسرعة .
ان العالم اليوم يسعى إلى توسيع مفهوم الديمقراطية وتأصيله بما يتفق ومطالب عصر المعلومات ووسائله وأخذت رايات الديمقراطية تتسع لتشمل أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأوربا الشرقية كل ذلك يعكس حقيقة التفاعل بين المعلوماتية والديمقراطية هو تفاعل حقيقي حيث ان وفرة المعلومات تسهل ممارسة الديمقراطية على كافة الأصعدة وتروج لها على مستوى الكرة الأرضية .ويعبر دكتور نبيل علي عن العلاقة بين المعلوماتية والديمقراطية بقوله (من ابرز ملامح العلاقة المعلوماتية –السياسية هو ما يتعلق بالديمقراطية مفهوما وممارسة حيث يزعم الكثيرون ان الإنترنت ستفضي إلى إعادة النظر في مفهوم الديمقراطية من أساسه لقد وفرت الإنترنت ساحة جديدة للرأي العام تسمح بظهور أشكال جديدة للممارسات الديمقراطية سواء في عمليات اتخاذ القرارات او متابعة ما ينجم عنها من نتائج إيجابية او سلبية وعلى مستوى السياسة العالمية فمن المتوقع ان تناصر القوى السياسية الكبرى مؤسساتها الاقتصادية بممارسة ضغوط هائلة على منافسيها على مستوى المحافل الدولية –87 الثقافة العربية وعصر المعلومات)
ويؤكد الباحث على القول ( هل لنا ان نتفاءل مع من يزعمون ان الإنترنت سوف تسقط الحلقات الوسيطة ومواطنيهم محققة بذلك نوعا جديدا من الديمقراطية المباشرة التي يشارك فيها الجميع في عملية اتخاذ القرار من دون حاجة الى تمثيل نيابي يوكل اليه هذه المهمة ؟ أم هل لنا ان نقلق اشد القلق مع من يرى في ديمقراطية الإنترنت هذه ضربا من الفوضى سيؤدي الى مزيد من تدخل الحكومة من اجل السيطرة على جماهيرنا خاصة ان الإنترنت توفر الوسائل العملية الفعالة لاحكام هذه السيطرة حيث تسجل للمواطنين مواقعهم وافعالهم لتكشف –بالتالي- عن أهوائهم السياسية والفكرية مما يجعلهم اكثر عرضة لهذه الرقابة الإلكترونية التي لا تغفو لها عين –ن م ).
من جهة أخرى نرى ان هناك استلابا لاختيار الإنسان عبر إغراقه بسيل جارف من المعلومات عبر وسائل الاتصال الحديثة وشبكة الإنترنت وكل ما يدعى بالعولمة الإعلامية حتى انه لا يستطيع ان يفرز ما يجب ان يختاره لمصلحته وما يوهمه به، هذه الحقيقة جعلت الرئيس الإيراني خاتمي يتحدث في كتابه عن الإسلام والعالم عن اثر قنوات الإعلام بحقوق الشعب وسلامة ممارستها فيكتب قائلا –نقلا عن الإنترنت-(لقد باتت هجمات المعلوماتية تسلب الإنسان إمكانية الاختيار الواعي فهو يقف اليوم مثل كائن متأثر سلبي عاجز حيال موجات المعلوماتية وأعاصيرها التي تلتف حوله من كل حدب وصوب، ان الحصول على مقدرة الاختيار الواعي في ظروف كهذه يتطلب إعدادا وسرعة في استلاب الهوية لا في مجتمعاتنا وحسب بل في العالم بأسره) ويؤكد خاتمي ان هذه المسألة ليست على مستوى محلي فقط بل في العالم الغربي أيضا (ان عولمة المعلوماتية تسبب قي قلق البلدان الغربية أيضا ولذلك نلمح في الساحة الدولية مساعي للحصول على حقوق في الفضاء الخارجي وفيما يتصل بأمواج الإرسال والبث والاتصالات في سبيل الدفاع عن حقوق الأشخاص والشعوب أمام هجمات المعلوماتية التي تركب موجة التكنولوجيا اهتماما بأزمة الهوية لدى الشعوب ) وهو يؤكد أيضا انه ( لا يريد طبعا بالتمسك بالهوية ان تعمد الأمم الى إغلاق حدودها في وجه الآخرين وتضع حدا لصلتها بالعالم بل ينبغي للمرء ان يتمكن من الاقتباس من الآخرين وهو ما لا يتحقق بشكل صحيح الا بعد ان يمتلك المرء وعيا بهويته ) .
ان خطورة المعلوماتية الإعلامية على الديمقراطية تظهر اكثر حينما نعلم ان السبب يعود (( نتيجة لتخلخل في الحدود التي تميز بين المعلوماتية وموجات الدعاية والإعلانات ، فالعديد من قنوات الإعلام التي تمتلك قدرة كبيرة على الهيمنة تتجاوز الجو الحقيقي للمعلوماتية وتأخذ بنحو مباشر او غير مباشر بالترويج لما يحقق مصالحها ) وهكذا نرى ان ( الدعاية الخفية من خلال مهارات في التكتيك وصناعة الخبر والجانب المعلوماتي تسلب المرء فرصة الموقف الواعي فيقع دونما وعي تحت تأثير أفكار يتلقاها بوصفها أخبارا ومعلومات ، وبالطبع فان من يمتلك تقنيات متقدمة في الإعلام والتكنولوجيا سيهيمن على الرأي العام أكثر من الآخرين ، ان من يحمل فكرة او يعتنق تصوراً ما سيعمل ولا شك على ترويجها ، قصارى ما هنالك ان امتزاج المعلوماتية بأنشطة الدعاية واختلاطها جعلا الإنسانية في مواجهة تعقيدات جادة ولا بد من فرز تلك الحدود والتمييز بين المعلوماتية والنشاط الدعائي)
وخلاصة القول هنا ان ممارسة الديمقراطية ستتأثر سلباً وفي محاولات الترويج الدعائي على حساب صدق المعلوماتية :.
على ان من احدث النظريات في إطار المعلوماتية والديمقراطية ومستقبل العالم هي النظرية التي طرحها الكاتبان السويديان الكساندر بيرد المحاضر الجامعي والخبير في مجال الاتصالات الصوتية بواسطة الإنترنت وجان سودير الكاتب والمنتج والمذيع التلفزيوني حيث يتحدثان عما يسمى النتوقراطية منطلقين من رفض نظرية ان الإنترنت سيعزز موقف الرأسمالية والديمقراطية عبر إشاعة المزيد من الحرية للتجارة والاقتصاد والأفراد عموماً في مختلف نواحي الحياة ومن رفض نظرية ان بالإمكان السيطرة على الإنترنت من قبل الدول وانه سيتحول لأداة كبت وسيطرة طارحين بدل هاتين النظريتين نظريتهما الجديدة عن النتوقراطية في كتابهما بالعنوان ذاته– النتوقراطية : نخبة القوة الجديدة وحياة ما بعد الرأسمالية . وكلمة النتوقراطية هي نحت لغوي من قبل المؤلفين حيث يعني الجزء الأول من الكلمة نت أي الشبكة والثاني قراطية ليخرج مصطلح جديد يعبر في رأيهما عن حقبة جديدة في تاريخ الإنسانية تأتي فوق حطام الرأسمالية والديمقراطية ، ويربطان كلمة النتوقراطية بعبارة عصر المعلوماتية الذي يأخذونه منطلقا لنظريتهم المستقبلية للعالم . وبمقدار ما يخص موضوعنا في علاقة الديمقراطية بالمعلوماتية وعولمتها عبر العولمة الاقتصادية للمعلومات نرى انهما يركزان على القول من ان المعلومة ومن يسيطر عليها يمتلك قوة هائلة وان الاقتصاد يعتمد على بيع المعلومة وأصبحت تكنولوجيا المعلومات هي التسلية والإعلام والسلعة الجديدة وباتت شيئاً فشيئاً تحل محل كثير من مؤسسات المجتمع الرأسمالي السياسية والتعليمية وبات الحديث عن حرية التجارة وانتقال رؤوس الأموال لا معنى له مع تزايد التجارة الإلكترونية الواقعة تحت سيطرة النخب المتحكمة بشبكات الاتصال والمعلومات . ويرى الكاتبان ان أهم مزايا اقتصاد المعلومة أنه لا يقوم على بيع المعلومة او حتى تحويلها لمورد دخل مالي بل ان النتوقراطية – كما يقولان – ستمتاز بنوع من الاستثمار او الاستهلاك غير الاستغلالي بمعنى ان النتوقراط قد يقررون الاستفادة من معلومة خاصة لمصلحتهم ومصلحة شبكتهم او حتى متعتهم الشخصية حصرياً وتبادلها في إطار نخبة ضيقة من النتوقراط في شبكتهم الخاصة دون ان يبيعوها او يستثمروها على نحو يدر ربحاً مالياً كما هي القاعدة في الرأسمالية ، اما انعكاس هذا الاقتصاد النتوقراطي على النظام الديمقراطي فيتحدث المؤلفان بالقول بأن هناك عدة عوامل تقود النظام الديمقراطي وسيطرة البرجوازية الاقتصادية الى نهايتهما ، فمن جهة يلعب انتشار وشبكات الاتصال الراهنة لصالح جماعات المصالح او ما يسمى المجتمع المدني ، وهذه الجماعات في الواقع تلعب دوراً يفقد الديمقراطية معناها الشائع بصفتها حكم الأغلبية ، فبفضل القوة والتنظيم – كما يقول المؤلفان – الذي تستطيع جماعة صغيرة منظمة ان تمتلكها عبر وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات الحديثة مما يمكنها ان تدفع بمصالحها الى الأمام وتجبر السياسيين على تبني وجهات نظرهم وتقييمها للبرلمانات بغض النظر عن مواقف قطاعات اجتماعية أخرى مما يجعل الحكم حكم أقليات وجماعات مصالح لا حكم الأغلبية ، ولعل من نتائج هذا الوضع انه بينما تنتعش هذه الجماعات المنظمة يتراجع اهتمام الجماهير بالمشاركة في الانتخابات العامة ، فتتناقص هذه المشاركة تدريجياً في علامة على فقدان الاهتمام بالنظام برمته . كما ان الإعلام الجماهيري الرأسمالي قد يسهم في إضعاف النظام الديمقراطي ، فالسياسة والسياسيون يوشكون على التحول الى نوع من التسلية ، فأخبارهم الشخصية وفضائحهم باتت مادة الإعلام المثيرة التي تشبع نهم القارئ لا تفاصيل القوانين والتشريعات وهذا أعطى جماعات المصالح – لا سيما ان تعاملت مع الإعلام على نحو معين –الفرصة لبلورة مشاريعها الخاصة التي تلبي مصالحها وتمررها عبر السياسيين الذي اصبح يقيس تصرفاته بصداها الإعلامي المتوقع ويتوصل المؤلفان إلى القول انه اذا كانت الديمقراطية تقوم في جوهرها على تباين الآراء والدخول في عملية حوار للوصول الى رأي من تلك الآراء ، فان الإنترنت اصبح يسمح بإعادة التجمع بين أصحاب الرأي الواحد داخل الدولة وخارجها وتسيير أمورهم بأنفسهم دون الحاجة للالتقاء بأصحاب الرأي الآخر ، وهذا يتبعه تساقط العديد من أساطير الدولة القومية من مثل احترام شرعية الدولة والقيادة والموت لأجلها ولأجل سيادتها ، كما حلت شبكات إتصالية محل الروابط القائمة على النسب والعائلة والألقاب ، بل ان الإعلام الجماهيري ذاته يتشظى الآن وبدل الشبكات التلفزيونية والراديو الخاص بكل شعب أصبحت تتراجع امام شبكات تبيع برامجها بالاشتراك وتقدم ما تريده شرائح معينة من المستهلكين كل حسب اهتمامه ودون الالتزام بحدود الدول مما يلغي تلك الأطر الإعلامية القومية وكل هذا يعني تراجع قدرات مؤسسات الدولة لصالح شبكات الاتصال والمسيطرين عليها ، وإذا كانت الشركات المتعددة الجنسية السابقة ترفع عادة أعلام دولها وتحتاج لرعايتها والتحالف معها حيث كانت رأ س حربة دولها لاستعمار دول أخرى فان الشبكات لا تحتاج ذلك وتجاوزت حاجتها للدولة وبات من مصلحتها الظهور بمظهر عالمي –غير وطني-غير محلي.
ان مجتمع النتوقراطية هذا وفي هذا السياق ستكون المعلومة فيه هي عنصر القوة والحراك الاجتماعي داخل الهرم وستكون المعلومة الأهم تلك التي لا تباع بل يستفاد منها فهم سيستثمرون معلوماتهم مباشرة وما سيبيعونه المعرفة الناتجة عنها ، أما المعلومة التي تباع ويشتريها الرأسماليون فهي غالبا ما تكون مستعملة تم الانتهاء من استثمارها .ان المعلوماتية –كما يقول المؤلفان-او مجتمع النتوقراطية ستكون زلزالا تاريخيا لا يقل حدة عن قدوم الرأسمالية في أعقاب الإقطاع ويصلان إلى الاستنتاج بان هناك حقبة عالمية جديدة ستقوم تكنولوجيا المعلومات فيها بتغيير طرق ومبادئ التفكير وسلوك البشر وسنكون أمام اقتصاد وسياسة واسرة وتعليم وحتى أفراد من أنواع مختلفة كليا عما عرفه التاريخ ،ومن جانب أيدلوجي فإذا كانت الفلسفة الشمولية قد غطت مساحة كبيرة من تاريخ الفكر الإنساني منذ سقراط وآدم سمث فان فلسفة الحركية ستغطي المساحة عبر مجتمع النتوقراطية هذا .

ديمقراطية الغد طموحات نظرية وتحديات واقعية

أولا : مستقبل الديمقراطية الليبرالية – نهاية التأريخ

قبل عشر سنوات كان الكاتب الأمريكي من اصل يوناني فرنسيس فوكوياما قد تحدث عن نهاية التأريخ بالنسبة للأنظمة السياسية ما دامت قد وصلت إلى مرحلة الديمقراطية الليبرالية – وقد خضعت هذه النظرية الى انتقادات كبيرة خلال هذه العشر سنوات ولكن المؤلف بقي على إصراره بان نهاية التاريخ هي الديمقراطية الليبرالية فالشيوعية قد سقطت وستسقط الأنظمة الدكتاتورية الأخرى ،
واليوم يعود فوكومايا ليكتب مقالا بعنوان ( عشر سنوات بعد نهاية التأريخ ) ليؤكد الحقائق السابقة ويرد على نقاده ومما قاله في هذا المجال .( طوال السنوات العشر الماضية لم يحدث أي شيء على صعيد السياسة العالمية او الاقتصاد الكوكبي يتحدى الاستنتاج الذي توصلت إليه ، وهو ان الديمقراطية الليبرالية والنظام الاقتصادي المتوجه نحو السوق هما الخياران الحقيقيان والوحيدان المتاحان للمجتمعات المعاصرة ) . ويؤكد انه خلال هذه السنوات العشر لم يحدث ما يجعله يتراجع عن رأيه ويقول بان ( البراهين التي طرحتها لإثبات ان التاريخ أحادى الاتجاه وتقدمي ، وانه يصل لمنتهاه مع الدولة الحديثة الليبرالية ما زالت سابقة سارية ونافذة ، واحد فقط من بين مئات النقاد الذي علقوا على نهاية التأريخ حدد نقطة ضعف حقيقية في الفرضية : لا يمكن ان يصل التأريخ لنهايته ما لم تنته العلوم الطبيعية ، ونحن الآن على حافة تطور مذهل في العلوم الحيوية ، سيؤدي في جوهره الى تغيير صورة الجنس البشري في ذاته ) ويرد على جميع منتقديه أنهم كانوا ينتقدونه بمحاولات لغوية ودلالية سمجة وأنهم لم يستوعبوا انه إنما استخدم التأريخ بمعناه الهيجلي الماركسي أي النشوء التطوري للمؤسسات السياسية والاقتصادية والبشرية ، وانه في ضوء ذلك فثمة قاعدتان أساسيتان لتحريك التأريخ : التكنولوجيا واستمرار الاكتشافات العلمية مما يمهد الطريق للتحديث الاقتصادي والكفاح من أجل الحصول على الاعتراف من قبل مختلف القوى الموجودة في المجتمع مما يؤدي في النهاية الى نسق سياسي يعترف بحقوق الإنسان الأساسية ، وعلى عكس الرأي الماركسي – يقول فوكوياما –افترضت ان عملية التطور التاريخي تلك قد وصلت لذروتها في الديمقراطية واقتصاد السوق والواقع انه من الصعب ان نتخيل وجود نقطة لم يتم نقد ( نهاية التأريخ ) من خلالها .
ويشير إلى التحديات التي تعرضت لها هذه النظرية وطرح البدائل عنها في السياسة الدولية مثل الحكم الديني الإسلامي والتسلطية الآسيوية .
وهو يؤكد في رده هذا على أنه لم يقل قط ان كل الدول ستصير إلى ديمقراطية في المدى القريب وان كل ما افترضته هو ان ثمة منطقاً تطورياً يخضع له التاريخ الإنساني وأنه سيؤدي الى وصول الدول الأكثر نمواً إلى السوق كاقتصاد والديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي ومن ثم فلا ينبغي الاعتداد بواقعة وجود دول فرادى خارج هذا النسق مثل صربيا وايران .
ويؤكد فوكوياما من جديد على أنه ليس ثمة أي أزمة للرأسمالية الكوكبية لان العولمة أتت لتبقى وذلك لسببين
1- لا وجود لنموذج تنموي كبديل حقيقي يقدم وعوداً بنتائج افضل من نموذج العولمة وحتى بعد أزمة 1997- 1998 وحتى المنافس الرئيسي للعولمة وهو النموذج الآسيوي للتنمية أصيب بنكسة قوية مع أزمة الاقتصاد الأسيوي التي أثبتت خواء السلطة الآسيوية الرخوة والتي حاولت ان تقيم شرعيتها على أساس الأداء الاقتصادي مما أدى الى تعرضها للخطر مع الهزات الاقتصادية .
2- يتعلق السبب الثاني الذي جعل من المستبعد تغيير دفة عجلات الزمان فيما يخص العولمة بالتكنولوجيا ، فالعولمة الحالية قد ترسخت بسبب ثورة الاتصالات التي أدت إلى انتشار الهاتف والفاكس والراديو والتلفزيون والإنترنت إلى كل بقاع الأرض وأدت هذه التغييرات إلى تمكين الأفراد وتقويتهم وكذلك نشرت الديمقراطية على مستويات عدة فلم يعد بوسع أي دولة اليوم ان تفصم نفسها عن وسائل الإعلام العالمية او تبتعد عن مصادر المعلومات الخارجية .
وهكذا يدعم فوكوياما نظريته في نهاية التأريخ عند الديمقراطية الليبرالية مؤكداً على أن ( نقطة ضعف نظرية نهاية التاريخ تكمن في أنه لا نهاية للعلم ، العلم الذي يحرك التاريخ ويدفع العملية التاريخية الى أمام ونحن على أعتاب انفجار تكنولوجي جديد في علوم الحياة والتكنولوجية الحيوية . وينهي قوله ( مع حلول نهاية القرن العشرين ظهرت لنا حدود الهندسة الاجتماعية ، وتبنى هذا النظام على بدهية الطبيعة واله الطبيعة )
إذن فمقاليد المستقبل كما يقول فوكوياما لا تكون إلا في إطار الديمقراطية الليبرالية وهذه نظرية في فلسفة التأريخ يثقف عليها العالم فما الذي يقوله العالم بأحداثه الحقيقية اليوم وكيف يرسم مستقبله عبر هذا ..؟ يتعرض الكاتب الأمريكي فريد زكريا في كتاب جديد له صدر هذا العام (2003) عن هذا الموضوع بشكل تفصيلي معتبراً ان الليبرالية هي سمة المستقبل وان كان هناك عدة دول تفصل بين الديمقراطية والليبرالية وخاصة دول العالم الثالث .يطرح زكريا في كتابه السؤال التالي (1) ( هل يمكن ان نصالح بين الديمقراطية والليبرالية أي الحرية ؟ ويؤشر حقيقة ان المجتمعات الغربية هي مجتمعات ديمقراطية ليبرالية أما المجتمعات الأخرى كالمجتمع الروسي او الفنزويلي او الفلسطيني فهنا توجد ديمقراطية وانتخابات حرة ولكن لا توجد حرية فبوتين الرئيس الروسي هو حاكم مستبد في الواقع وهو ما ينطبق على رؤساء آخرين . ويؤكد زكريا أنه توجد اليوم في العالم 119 حكومة ديمقراطية أي نسبة 62% من حكومات العالم كله وقد سقطت الأنظمة الفاشية والشيوعية وأصبحت الملكية عتيقة بالية أما الأنظمة الأصولية المتعصبة فهي محصورة ببعض الدول فقط . بل ان الأنظمة الدكتاتورية نفسها أخذت تجري انتخابات صورية ليقال عنها انها ديمقراطية ، أي ان طابع العصر اليوم هو عصر ديمقراطي رغم الاختلافات وهو يؤكد ان الثورة المعلوماتية ونمو الطبقة الوسطى وسقوط الأنظمة المضادة كل هذا ساعد على انتشار الديمقراطية ، كما ان انتصار أمريكا على الاتحاد السوفيتي روج النموذج الديمقراطي لان الناس تقلد الغالب لا المغلوب 0ويقول ( لا يمكن ان ننسى دور المعلوماتية ووسائل الاتصال الحديثة في نشر الديمقراطية فالإنترنت والهاتف النقال كل ذلك أصبح يصل الناس ببعضهم البعض بكل سهولة وهذا ما يساعد على انتشار الأفكار من أقصى الأرض إلى أقصاها ويساعد بالتالي على انتشار الأفكار من أقصى الأرض إلى أقصاها ويساعد بالتالي على انتشار العقلية الديمقراطية ) على ان من سلبيات الديمقراطية إنها قد تستخدم للعنف حيث ان العنف اصبح ديمقراطياً فبإمكان أي مجموعة بشرية قادرة على ممارسة العنف او القيام بالتفجيرات دون اللجوء إلى جهاز الدولة ، وهو يعتبر ان هذا ليس سلبياً لان استخدام الديمقراطية ممكن في الإيجاب والسلب معاً .
ويطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً هو عن علاقة الديمقراطية بالحرية ولماذا لا توجد علاقة أتوماتيكية بينهما على عكس ما نتوهم ؟ ويجيب بان الانتخابات الحرة قد تؤدي إلى انتخاب أحزاب عنصرية كما حصل في دول يوغسلافيا السابقة ، فهل يترك العنصريون يحكمون ؟ ويشير إلى انتخابات الجزائر وفوز جبهة الإنقاذ ويصفها بالأصولية فهل نتركهم يحكمون الجزائر ؟ وهناك عدة ممارسات انتخابية في كل من غانا والبيرو وفنزويلا جاءت إلى الحكم بشخصيات استبدادية وولدت ما ندعوه الديمقراطية غير الليبرالية ، ويستنتج انه لا يجب ان نربط بشكل أتوماتيكي بين الليبرالية والديمقراطية الا بالنسبة لشعوب الغرب الأوربي والأمريكي ، لان النظام فيها لا يتميز فقط بالانتخابات الحرة وانما يتميز أيضا بوجود حكم القانون والفصل بين السلطات وحماية الحريات الأساسية وتوفيرها للمواطنين كحرية التعبير والتنقل والاجتماع وتشكيل الروابط وحرية الملكية والحرية الدينية .الخ ولذلك يمكن ان يدعى هذا النظام بالنظام الليبرالي الدستوري ولكن لا توجد علاقة اجبارية بينه وبين الديمقراطية حيث لم يرتبط الاثنان معاً دائماً حتى في الغرب نفسه على الرغم من تطوره وتقدمه ويضرب مثلاً على ذلك بفوز هتلر بالانتخاب ولكنه قضى على الحريات بعد وصوله للسلطة وقمعها فهو يعتقد ان الانتخابات قد تكون وسيلة للديكتاتورية لا للحرية ، ويقول انه لو حصلت انتخابات حرة في العالم العربي لربما جاءت الى السلطة بأنظمة أصولية غير متسامحة ، ويستنتج ان الانتخابات قد لا تؤدي الى أنظمة حرة . وبعد ان يؤكد على النظام الغربي لأوربا وأمريكا بأنه ديمقراطي ليبرالي للعمق التاريخي الذي مارسه الشعب الأوربي والأمريكي على السواء في هذا المجال ويؤكد على انه بعد عام 1945 نجحت الحكومات الغربية في إقامة أنظمة دستورية او ليبرالية وديمقراطية في آن معاً وان هذا لم يتحقق في أي بلد في العالم غيرها عدا اليابان ، ولان أنظمة الغرب هذه ليبرالية وديمقراطية منذ خمسين عاماً فإننا لم نعد قادرين على الفصل بينهما ، فلم نستطع ان نتخيل وجود ديمقراطية غير ليبرالية او نظام استبدادي ليبرالي ولكن ذلك قد وجد في الماضي وان دول أوربا نفسها كانت تعيش في ظل أنظمة استبدادية ليبرالية في بدايات القرن العشرين او في احسن الأحوال نصف ديمقراطية او شبه ديمقراطية ، فبريطانيا وهي أعرق ديمقراطية في العالم كان حق التصويت محصوراً ب 2% فقط من عدد السكان عام 1830 وفي عام 1940 أصبحت معظم دول أوربا الغربية ديمقراطية بالكامل واصبح يحق لجميع المواطنين البالغين ان يمارسوا التصويت ثم أخذت هذه الدول تتبنى العديد من جوانب الحكم الدستوري الليبرالي كحكم القانون وحقوق الملكية الخاصة وفصل السلطات الثلاث عن بعضها ، ثم فصل الكنيسة عن الدولة وتأسيس النظام العلماني والقضاء على التعصب الديني ومحاكم التفتيش وحق التعبير والكتابة والنشر وحق عقد المؤتمرات والاجتماعات .ويتعرض الدكتور زكريا إلى العالم العربي والإسلامي حيث انه يقول بأن إحدى الهيئات الدولية قامت بإحصاء عام 2002 فوجدت ان 75% من بلدان العالم هي حرة كلياً أو جزئياً في حين لا تتجاوز هذه النسبة في العالم العربي اكثر من 28% ، ويستنتج ان هناك أزمة عميقة في العالم العربي والإسلامي فحتى دول القارة السوداء في إفريقيا تبدو اكثر تطوراً من الدول العربية من حيث ممارسة الديمقراطية والانتخابات الحرة وتداول السلطة ، فالسنغال مثلاً أصبحت تمارس اللعبة الديمقراطية بالكامل ويمكن القول إنها دولة حق وقانون على عكس الدول العربية والإسلامية ويعتقد المؤلف انه رغم وجود أنظمة أصولية متشددة إلا ان هذه مرحلة عابرة ( ففي النهاية سوف تسير المجتمعات العربية نحو الديمقراطية والحرية مثلها في ذلك مثل بقية شعوب الأرض ) .


تحديات الديمقراطية الليبرالية

إذا كان فوكوياما وفريد زكريا وهنتجتون وغيرهما يبشرون بان المستقبل لابد ان يكون للديمقراطية الليبرالية مهما كانت التحديات ويعتمدون وخاصة فوكوياما على منطق التاريخي الجدلي – الهيجلي –الماركسي لتقييد حركة التاريخ وحصره باتجاه هذه الديمقراطية الليبرالية وكأن هناك جبرية علمية لا ينفك عنها إلا ان الواقع سواء على مستوى النقد المستقبلي النظري او الممارسة العملية والذي يرفض هذه الأفكار جملة وتفصيلاً هو مسألة أصبحت معروفة وإذا كان هؤلاء الكتاب إنما يضعون أمامهم الديمقراطية الليبرالية في أمريكا خاصة ويسحبون أقوالهم على المجتمعات الأوربية لمسألة فرعية إلا ان كثيرا من الكتاب الأوربيين يرفضون ذلك ويضعون جداول عدة للإصلاحات المطلوبة لهذه الديمقراطية الليبرالية في مجتمعاتهم ويتحدثون صراحة عن ان هناك تحديات كبيرة أمام هذه الديمقراطية الليبرالية حتى انهم يتحدثون عن طريق ثالث بين هذه الديمقراطية الليبرالية وبين الاشتراكية وسنحاول ان نعرض بعض هذه الآراء لكي لا يفهم – وخاصة في العالم الثالث ، ان الديمقراطية الليبرالية هي فقط المستقبل الافضل للإنسان الذي يريد حياة كريمة في هذا العالم .
1- تفكك أمريكا : في عام 2002 صدر كتاب - بعد الإمبراطورية – محاولة تفكك النظام الأمريكي للكاتب الفرنسي أمانويل طود وهو الذي اصدر كتابه التنبؤي عن توقع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1976 وهو ما تحقق فعلاً ، ويتوقع الكاتب هنا ان النظام الأمريكي بما يحمله من تناقضات مع لغة العصر قد تحول إلى زرع الفوضى الدولية وانه بعد ان كان العالم في حاجة له خلال نصف القرن الماضي باعتباره ضامناً للحرية السياسية والنظام الاقتصادي وكان العالم بحاجة إليها أصبحت اليوم بحاجة للعالم ويرى المؤلف على مقولة فوكومايا إنها ستقود إلى عدم حاجة العالم إلى أمريكا ويضيف بان اطروحات فوكوياما القائلة بان الديمقراطية لا تدخل في حروب بينهما فهذا يعني انه حين تعمم الديمقراطية في العالم فان أمريكا كقوة عسكرية تصبح عديمة الجدوى بالنسبة للعالم مما يحتم عليها ان تكون ديمقراطية بين ديمقراطيات أخرى بينما كانت في السابق تقدم نفسها على أنها حامي الديمقراطية والحرية ضد النازية والشيوعية ، ولن يكون بكل الأحوال بوسع أمريكا الاستغناء عن القطبين الصناعيين والماليين أوربا واليابان ويضيف الكاتب ان مجرد تأكيد أمريكا على ضرورتها للعالم فهذا يعني ان مسألة جدواها مطروحة ويرى انه ( يجب القبول بان الهيمنة الأمريكية بين 1950 –1990 كانت مفيدة لان هذا سيساعدنا على فهم تحول أمريكا من الجدوى إلى عدم الجدوى بالنسبة للعالم ، ويلاحظ ان القوة الاقتصادية الأمريكية بدأت تتقهقر في السبعينات مع ظهور عجز بنيوي في الاقتصاد الأمريكي ، ويرى ان تسارعاً في عملية تبعية أمريكا نتج عن انهيار الشيوعية فبين عام 1990 –2000 قفز العجز التجاري الأمريكي من 100 إلى 450 مليار دولار وعليه فأمريكا بأمس الحاجة لتدفق روؤس الأموال الأجنبية ، ويلاحظ ان أمريكا في بداية الألفية الثالثة لم تعد قادرة على العيش من إنتاجها لوحده ، ويصل المؤلف الى الاستنتاج ( ففي الوقت الذي يوشك فيه العالم – الذي هو اكثر استقراراً تربوياً سكانياً وديمقراطيا – ان يكتشف ان بإمكانه الاستغناء عن أمريكا ، تدرك هذه الأخيرة انه ليس بوسعها الاستغناء عن العالم ، ومن المؤكد انه سيتعين على أمريكا ان تناضل بعد الان سياسيا وعسكرياً للحفاظ على هيمنة ضرورية لمستواها المعيشي ويضيف المؤلف ( ان قلب علاقة التبعية الاقتصادية هذه هو العامل الثاني الذي إذا أضيف إلى العامل الأول – أي تعدد الديمقراطيات – سمح بشرح غرابة الوضع المالي إلى السلوك العجيب للولايات المتحدة وارتباك الكوكب ، كيف يمكن تسيير قوة عظمى تابعة اقتصادياً ولكن عديمة الجدوى سياسياً ؟
ان المؤلف يعتقد أن أمريكا لم تعد الأمة الكبرى كما كانت في السابق وان نظامها الديمقراطي في ازمة ولذا فهي تحاول ان تحافظ وتبرر هيمنتها وشرعيتها باستهدافها بلداناً قليلة الأهمية اقتصادياً وعسكرياً مثل العراق وكوريا الشمالية ، ويستنتج بان التوازن العالمي في تحول ويرى ان النمو المستمر للبلدان غير الغربية وتزايد عدد الدول الديمقراطية يساهمان في هشاشة السيطرة الأمريكية وان عودة أمريكا إلى مصاف ( قوة كبيرة من بين قوى أخرى يبدو لا رجعة فيه ) وعلى المستوى الاقتصادي حيث يرى المؤلف تبعية أمريكا للعالم الخارجي ويورد أرقاما توضح العجز الأمريكي في الميزانية ، حيث يبدو ان الفائض التجاري التكنولوجي – سلع التكنولوجيا المتقدمة – تراجع من 35 مليار عام 1990 إلى 5 مليار دولار عام 2001 ، أما أرقام الناتج القومي فقد ضخمت بسبب المخالفات كما ظهر من فضيحة انرون حيث تبخر 100 مليار دولار وهو ما يساوي 1% من الناتج القومي الأمريكي.
ويخلص الكاتب إلى ان أمريكا تنهك ما تبقى طاقتها في مكافحة الإرهاب كبديل للكفاح من اجل الحفاظ على هيمنة لم تعد موجودة وان استمرت أمريكا في تعنتها لإظهار قوتها الخارقة للعالم فإنها في النهاية تظهر عجزها للعالم ) .

2-الفساد في الديمقراطية :

ولكي لا يظن أحد ان النظام الديمقراطي هو النظام الذي لا عيب فيه ولا فساد نجد ان منتقدي هذا النظام من أهله يركزون على إمكانية التلاعب بالعملية الديمقراطية مما يخرجها عن هدفها النبيل ، فهي نظام يمكن ان يخترق
في هذا الإطار صدر كتاب جديد للمؤلفة سوزان عام 2003 بعنوان الفساد والحكم تتعرض فيه لهذا الجانب حيث تقول المؤلفة ( تستطيع الديمقراطية تقييد النساء إذا قدمت للناس سجلا للاحتجاج وأعطت الموظفين حوافز للأمانة ومع ذلك فان الديمقراطية ليست دواء لجميع العلل والمشكلات ويجب عدم الذهاب إلى ابعد من العلاقات البسيطة من اجل تقييم أشكال الديمقراطية ) .وترى المؤلفة ان هناك ثلاثة أبعاد مركزية لحدوث الفساد السياسي حيث تؤثر هذه الأبعاد على مدى رغبة السياسيين في تقبل الرشوة وتمويل الحملات الانتخابية غير القانونية وعلى مدى تحمل الناخبين لمسألة دفع الرشوة وعلى رغبة الفئات الغنية بالدفع أما البعد الأول فهو توفر امتيازات ضيقة التركيز لتوزيعها من قبل السياسيين والبعد الثاني هو مقدرة الفئات الغنية على الحصول على مثل هذه المكاسب بطريقة قانونية والبعد الثالث هو الاستقرار المؤقت للتحالفات السياسية .ويظهر عدم الاستقرار من التنافس على غنائم المناصب ، وقد يظهر أيضا من الحكومات التي تدير مجتمعات غير متجانسة عقائديا ويمكن لعدم الاستقرار ان يدفع السياسيين والمصالح الغنية إلى الحصول على ما أمكن من المكاسب الخاصة على المدى القصير كما يمكن للإصلاحات أن تركز على أي من هذه الابعاد او عليها جميعاً وترى المؤلفة ان الانتخابات لا تعتبر علاجاً ثابتاً للفساد بل على العكس من ذلك فان بعض النظم الانتخابية تعتبر عرضة لنفوذ المصالح الشخصية اكثر من غيرها وعندما تسيطر محل السلطة فئات ضيقة المصالح فان بعضها قد يستخدم طرقاً قانونية والبعض الآخر يتبع طرق الفساد . ان اختيار بعض هذه التكتيكات يتأثر بطبيعة النظام السياسي والانتخابات التنافسية في جميع الديمقراطيات تساعد على الحد من الفساد السياسي بسبب وجود حوافز لكشف فساد المنتخبين لدى مرشحي المعارضة ، ومع ذلك فالحاجة إلى تمويل الحملات السياسية تدخل حوافز جديدة لمصلحة من المصالح الخاصة غير موجودة في الأنظمة الاوتوقراطية وهذه الحوافز قد تكون عالية حين تقوم الحملات الانتخابية بتخصيص مكآفأت للناخبين ، بمعنى ان يقوم السياسيون برشوة الناخبين ، ويمكن للتبرعات غير القانونية التي تدعم الحملات السياسية إضافة الى رشوة السياسيين ان تؤدي الى إحداث اختلال في الأنظمة الديمقراطية حتى لو قدمت الرشاوى المقدسة من قبل الأفراد الأغنياء والشركاء فائدة للجان الحملات والأحزاب والسياسيين والناخبين وليس لحسابات بنوك السياسيين فان التأثير التخريبي للدفعات السرية غير القانونية يمكن ان يكون كبيراً فمثل هذه الدفعات تقدم في الغالب للحصول على امتيازات قانونية وتنظيمية ولكن فعاليتها تعتمد على تنظيم الطرق التنفيذية والقانونية ،وتركز الشركات الفاسدة والأفراد الفاسدون على الحصول على امتيازات خاصة للشركات والأفراد ولا تكفي الانتخابات لإيقاف مثل هذه الدفعات ، وتبقى هناك ضرورة لوجود إشراف حكومي من اجل المحافظة على مساءلة الحكومة ، فالحكومات الديمقراطية يجب ان تضع سياسات واضحة للحد من حوافز الفساد .
3- سلبيات في المجتمع المدني :

اذا كان الحصن الحصين للديمقراطية الليبرالية هو المجتمع المدني الذي يستطيع ان يضغط على الحكومات اذا ما خالفت سياسات ومبادئ الدستور او المصلحة الخاصة بنقابة او مهنة او سياسة اقتصادية او صناعية وغيرها ، وهو فعلاً يقوم بهذا العمل في المجتمع الديمقراطي الليبرالي إلا ان هذا المجتمع نفسه في إطار الديمقراطية الليبرالية وخاصة الأمريكية بدأ يشكو من الخلل على كافة المستويات مما يجعل الممارسة الديمقراطية الليبرالية قد فقدت حارسها الأمين فكيف حصل ذلك في مجتمع القرن الحادي والعشرين ؟
لقد صدر كتاب – بناء مجتمع من المواطنين – المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين عام 2003 والذي شارك فيه العديد من علماء الاجتماع لمراجعة واقع المجتمع المدني واختلالاته ، لقد وضعه المؤلفون الأمريكيون للتنظير لنهضة ثقافية ومدنية في أمريكا ولاستعادة الأفكار الأساسية للتجربة الأمريكية ليجاوبوا على الأسئلة المطروحة وهي :
ما هي الأسس القائمة للإعداد لاصلاح المؤسسات العامة والمجتمع المدني التي أضعفت بشدة ؟
وكيف يمكن تقوية المبادئ الفلسفية الأمريكية من دون دفع الأيدلوجيات التي تتنافس على السلطة؟
وكيف يمكن إحياء ثقافة مع مؤسساتها وما تؤمن به دون إحياء الدولانية والديماغوجية؟
ويبدأ العالم –دافيد بلاكنهورن-في الحديث عن الركود الاجتماعي والثقافي الأمريكي وعواقبه الخطيرة على مستقبل أمريكا حيث يرى ان هناك (تراجع في الشعور بالالتزامات المدنية وانخفاض في الثقة بالمؤسسات الاجتماعية وتدني في اهتمام الناس ببعضها في المجتمع مع زيادة في تشكيلة الأمراض الشخصية مثل الصحة العقلية وانتحار المراهقين وزيادة معدل الحمل بين المراهقات والعنف وتراجع معدلات نتائج الامتحانات ) ، هذا على الرغم من ان الولايات المتحدة في المركز العالمي الأول اقتصادا وعسكرة وغنى .
على ان الخطر الأكبر على الحياة الإنسانية في أمريكا بدا في رأي المفكر المستقبلي –ريتشارد ايكسلي-بفقدان قيم منظمة للحياة مما أدى الى التفكك الاجتماعي والى (الفشل في إعطاء معنى وانتماء وهدف لحياتنا وعدم وجود إطار عمل لقيمنا وتجربتنا من معنى أوسع لحياتنا فقد دخلانا في حقبة يتزايد فيها انشغالنا بذاتنا انشغالا مرضيا)
ان السياسة لم تعد تؤثر بالأمريكيين فلا دولة الرفاه ولا انبعاث الرأسمالية مكننا من حل مشاكل المجتمع الملحة العميقة بل ان كل واحدة منهما قد ساهمت في إفساد المجتمع المدني ومؤسساته ، فحين ضعفت العلاقات بين مكونات المجتمع الوسيطة كالأسر والكنائس والمجتمعات المحلية والجمعيات التطوعية وبقي الأفراد اكثر عزلة وقابلية للانهيار داخل دولة تزداد سيطرتها اتساعا. ان فقدان العقائدية والقيم قاد إلى تشظي المجتمع وضعف المجتمع المدني ومؤسساته ، ان التضامنية في المجتمع الأمريكي مفقودة على الرغم من انه مجتمع حقق غايات سامية على المستوى المادي والحقوق ،ولكن هذه لا تستطيع ان توجد مجتمعا متضامنا ،لقد كان المؤسسون الأوائل لأمريكا قد اعتبروا ان المجتمع المدني سيمنع استغلال السلطة ما دام هناك حكم ذاتي قائم على الصفات الشخصية والمعرفة والالتزام بالمشاركة الديمقراطية ،ان صفة المواطنة تعني المشاركة وليس التفويض القائم على الانتخاب في المجالس التشريعية ، فلا يجوز لأي مواطن ان يطمح في ان يكون اكثر من مواطن ولا يفرض على أي شخص ان يكون اقل من ذلك حيث انتشر هناك مفهوم المواطن باعتباره زبونا الذي ينتخب مقابل خدمات معينة يتنافس المرشحون في تقديمها ومستوى ملاءمتها لرغبة الزبون ان المجتمع المدني الذي يتكون من شبكة العمل التطوعي والجمعيات غير الرسمية التي يديرها الأفراد في شؤون حياتهم لابد له من مجموعة من القيم والفضائل والتجمعات الصغيرة ليتحرك خلالها وهذا كان موجودا في صفة قيادية لابراهام لنكولن مثلا وهو في البيت الأبيض والواقع اليوم ليس هناك نموذج مثله ،وهذا ما يفرض الآن وجود سلوك أخلاقي ومدني للبناء لان المجتمع المدني لا يتعلق بالسياسة ولا علاقة له بالآلة الديمقراطية والدولة وانظمتها الإدارية ولكنه نظام بشري اكثر واكثر ثراء من الدولة ، فالمؤسسات التي يتكون منها المجتمع المدني تزدهر في غياب التدخلات السياسية في حين تتداعى عندما تحتل الدولة مكانها .
ويؤكد المؤلفون على نتيجة ومحصلة تقول ( جعل تصاعد الديون والحقوق التي لا حدود لها وتراجع النظام التعليمي وعدم فعالية النظام القضائي معظم الأمريكيين يتهمون الحكومة بانها متدنية الكفاءة ، وثمة إدراك بان الحوار السياسي متصلا بتجارب الحياة الحقيقية واهتمام المواطنين وان المواطنين مبعدون عن أي دور مهم في تشكيل الحكومة التي يطلب منهم تمويلها وينحصر دورهم في الانصياع للقرارات الرئيسية وليس التأثير فيها ، كما ان تلاعب مجموعات المصالح واللوبي ومحترفي السياسة بالعملية الانتخابية جعلها تبدو بعيدة بالنسبة للأفراد العاديين .وهنا يطرح السؤال : ما الذي يحدث للديمقراطية حين ينظر الى مؤسساتها على أنها تفتقر إلى المصداقية او المشروعية ؟ ان اكثر المشاكل الاجتماعية إثارة للنقاش مثل الولادات غير الشرعية والجريمة والأسر التي غاب عنها الأب والعنف تقع خارج جدول الأعمال السياسية ويصعب على اليمين واليسار حلها واكثر ما يمكن للسياسة فعله هو معالجة المشاكل الصعبة التي لا يمكن لاحد معالجتها سوى الحكومة والاعتراف صراحة بما لا تستطيع السياسة فعله .
لاشك ان السياسة قد نظر إليها الأقدمون على أنها (وسيلة لزيادة قدرة الإنسان على تحسين نفسه وممارسة حكم الذات والعمل على رفعة الإنسان من خلال المشاركة الأوسع في الدولة ولكن السمة الرئيسة للسياسات الحديثة هي انشغالها البيروقراطي الغريب بمجرد إدارة الحكم وتعديل القوانين الضريبية واحكام التشريعات الجنائية كانت إدارة الدولة تعني شيئا اكثر من مجرد تعزيز مصالح الأفراد داخل نطاق الحكومة ،وكانت إلى حد بعيد حرفة روحانية حسب تعبير الكاتب الصحفي –جورج ارويل-وهي بذلك تهتم بالأحوال الروحية والعقلية للإنسان وعاداته في الجد والعمل واعتداله وشجاعته وحيويته وقدرته على إعطاء الأحكام الديمقراطية الصحيحة وهي الصفات التي كان يعتقد أنها أساس الحكم الجمهوري ، على ان من اخطر الاستنتاجات والتي تناقض الديمقراطية هو ما عرضته الكاتبة –كولين شيهان-حينما وصفت كيف تقوض الأحزاب المشاركة المدنية ، وان النظام السياسي الذي يتخلى عن إمكانية قيام الأفراد بحكم أنفسهم سينحط سواء اعترف بذلك ام لم يعترف إلى حكم سلطوي .
ويحدد أحد علماء الاجتماع الأمريكان خريطة تدمير الحياة المدنية في أمريكا واضعاف المؤسسات الحيوية التي تحافظ على المجتمع البشري مثل الزواج والأسرة والدين ويقول بأنه اذا أريد إصلاح المجتمع المدني فلابد من تقوية الخلايا الصغيرة في المجتمع والتي توفر معنى للوجود البشري مثل قضايا الأسرة والزواج والدين ، وهنا نجد حقيقة دور الدين في حياة الأمريكيين حيث يؤكد المؤلفون على ان الأمريكيين متدينون ولكن الطريقة التي يؤثر فيها الدين على الحياة تنازعها طرفان علماني وديني مما اضر ذلك بأهمية الدين السياسية وقد سبق ان قال الرئيس كلنتون : إننا شعب مؤمن وان الدين يساعد على إعطاء شعبنا صفات لا يمكن للديمقراطية ان تعيش بدونها ، ويخطئ العلمانيون –كما يقول الكاتب- واتباع الحركات الدينية حين يحاولان السيطرة على المجتمع من خلال الدولة ، فالدولة متفرعة عن المجتمع ويجب ان تكون خادمة له وليست سيدة ،ويطرح الكاتب –وليم بوكس-حلا لدور الدين قائما على إعادة اكتشاف مبدأ المساعدة وهو المذهب القائل بان تتخذ القرارات على أدنى مستوى ممكن او من الجهة الأقرب الى الجهة المتأثرة بتلك القرارات .
لقد تسبب قيام الدولة الأمريكية بعلمنة الحياة وتهميش العقيدة الدينية في خلق حالة من عدم الانسجام في أمريكا ، كما ساهمت الأنشطة الدينية بعدم الانسجام من خلال الحركات الدينية فرض السلطة الدينية على الحكومة والشعب ، يقول –توكافيل-ان للدين تأثيرا على الناس في أمريكا اكبر من تأثيره في أي بلد آخر فيوجه عادات المجتمع المحلي وينظم الحياة المحلية وينظم الدولة ايضا ويقول أيضا : انه لا يمكن للكنيسة ان تقاسم الدولة سلطتها الزمنية دون ان تكون عرضة لعداوتها .
وهكذا يرى الكتاب ان الحل هو العودة إلى الدين في تحقيق المجتمع الصالح بوسائل طوعية وليس من خلال حركات سياسية تبحث عن حلول تشريعية لمسائل روحية وأخلاقية واحياء الثقافة وليس مجرد تصحيح سياسات الدولة وضرورة فهم ان الثقافة تؤثر على وجهة السياسة اكثر مما تتشكل بها.
4-الطريق الثالث بين الاشتراكية والديمقراطية:

لاشك أن بلوغ الحد الأقصى في الطرح الاشتراكي أدى إلى ما أدى إليه من سلبيات حتى ضياع النموذج الكبير للاشتراكية الماركسية في الاتحاد السوفيتي ، كما ان بلوغ الحد الأقصى في الديمقراطية الليبرالية قاد إلى العديد من السلبيات على الواقع التطبيقي حتى في الولايات المتحدة الأمريكية ، من هنا كان إعادة طرح نموذج جديد دعي الطريق الثالث علما ان هذا النموذج كان مطروحا منذ عام 1936 وكان يوصف بأنه(أسلوب يوائم بين رأسمالية السوق الحر والمفهوم الكلاسيكي عن الأمن والتضامن الاجتماعي ) ويقول عنه أحد الكتاب بأن له جاذبية تنبع من كونه لا يتبنى السقف الأعلى او الحد الأقصى لكل نظرية أي انه جسر بين الأيدلوجيات ، وقد صدر كتاب جديد عن هذا الطريق عام 2001 للكاتبة غادة موسى بعنوان –الطريق الثالث …تحولات الليبرالية أم أمل الاشتراكية-استعرضت فيه إيجابيات وسلبيات هذا الطريق ومما جاء في كتابها :انه على الرغم من ان الاشتراكية الثورية لم تحظ بأي قبول داخل الولايات المتحدة فان القيم والمثل الاشتراكية –خاصة قيمة العدل الاجتماعي-تغلغلت بشكل قوي في توجهات الديمقراطيين الليبراليين واليساريين على حد سواء ، كما لا يخفي على معظم المفكرين حقيقة إصابة المجتمعات الأوربية والمجتمع الأمريكي بخسائر من جراء تطبيق الأفكار الليبرالية المحضة ، وبغض النظر عن النتائج المؤسفة من جراء تطبيق القيم الاشتراكية في ظل المركزية الشيوعية فإنها تظل لها جاذبيتها في وجدان الأغلبية المستضعفة ، وترجع الكاتبة أسباب طرح مفهوم الطريق الثالث مجددا اليوم إلى عدة عوامل وظروف دولية ومحلية أبرزها ما يلي :
1- سقوط القطبية الثنائية بتهاوي الاتحاد السوفيتي وسيادة الولايات المتحدة على مسرح الأحداث العالمي متجاوزة الأطراف الأخرى ليس فقط الدول النامية ولكن بعض الدول الأوربية كذلك .
2- الوعي بخطورة سياسات الجات على الدول النامية والدول الصناعية خاصة الآسيوية ، وسعي بعض الدول الأوربية لتفادي كارثة دولية تتمثل في صراع قد ينشب بين الشمال الغني والجنوب الفقير وذلك بمحاولة إيجاد حوار بين دول العالم الثالث والدول المتقدمة لعلاج المشاكل التي تواجه الجميع في عالم واحد وهو ما جسدته الأحداث الأخيرة في سياتل عام 2000وغيرها .
3- ظاهرة الدمج بين الشركات العملاقة والوحدات الكبيرة على حساب الأسواق المحلية والشعور بالحاجة إلى دولة قوية ومجتمع قوي في آن واحد ، أي صيغة جديدة لعلاقة شراكة وليس تنافس بين الدولة وقوى المجتمع .
4- انحسار دور دول عدم الانحياز وتضاؤل الفكرة ذاتها وانكماش مجموعة ال 77 بحيث اقتصرت مؤخرا على خمسة عشر دولة تمثل ثلاث قارات –آسيا- إفريقيا -أمريكا اللاتينية-واخفقت تلك الدول في عرض مطالبها في مفاوضات الجات ، كما ان بعض الدول النامية كان الغبن عليها كبيرا ، إذ لم تجد من يمثلها التمثيل الذي يحقق مطالبها في مواجهة الدول المتقدمة لذلك فقد تولدت لدى هذه الدول الحاجة لتبني مبدأ يتجاوز سلبيات التخطيط المركزي ومساوئ الرأسمالية وأثرهما على الطبقات الفقيرة تحديدا .
بعد ذلك تتعرض الكاتبة إلى مظاهر صعود الطريق الثالث حتى في الحركات الاشتراكية الديمقراطية في أوربا وكذلك في أدبيات وخطابات الأحزاب المسيحية الديمقراطية اليمينية سواء في ألمانيا –الأحزاب المسيحية –او في إيطاليا في الفاتيكان وتعزي ذلك الصعود إلى وجود اهتمام لدى هذه الأحزاب الدينية للتقليل من حدة آثار الرأسمالية الشرسة ، كذلك نجد أيضا ان معظم أحزاب يمين الوسط قد تبنت تصورا للرفاهية الحديثة في مقابل مصالحة الأحزاب السياسية الأخرى مع الرأسمالية والسوق الحر ،وتقول الكاتبة ( يجد المتأمل للساحة الأوربية ان معظم الأحزاب السياسية التي تسيطر على مقاليد الحكم حاليا هي أحزاب يسارية ترفع شعار الاشتراكية الديمقراطية وضرورة التغير المستمر بشكل سلمي بدءا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا مرورا بالحزب الاشتراكي في فرنسا ثم حزب العمال في إنجلترا –العمال الجديد كما يقول بلير-وهي يسارية جديدة تتخلى عن الدوجماتية وتطور رؤاها بما يتفق مع الطريق الثالث وتقدم اطروحات هامة في مجال المرأة ومجال البيئة ،ومع قوة المجتمع المدني في هذه الدول واتساع هامش الحريات وحرية الصحافة أوصل الناخبون غير الموالين لأي أيدلوجية هذه الأحزاب التي يطلق عليها –الوسط الجديد- والتي تعتنق الفكر الاشتراكي الديمقراطي الى مقاعد البرلمان بأغلبية لافتة ، فبالنسبة لرجل الشارع فان هذا الطريق هو الذي يطبق –حسب تعبير المستشار الخاص لشرودر – مبدأ المساواة في البداية والمساواة في النهاية ، أي المساواة في الفرص وفي الدخل حتى وان كان ذلك حلما يسعى الجميع إلى تحقيقه ).
ان مفهوم الطريق الثالث هذا يطلق عليه –اقتصاد بلا أيدلوجية-لأنه يسعى لتحقيق غايات أساسية منها :
1- وضع اقتصاد بعض الدول على المسار الصحيح من حيث تغليب الصالح الاقتصادي الوطني بعيدا عن الارتباط بأيدلوجية بعينها ،أي تحرير الاقتصاد من الأيدلوجيا وهو ما رآه المعارضون تحريرا في ظل السيادة الرأسمالية الشرسة بما يعني الوقوع الحتمي في براثنها.
2- تمكين بعض الدول الآخذة في النمو من الفرص التي يتيحها هذا الأسلوب كأسلوب بديل في ظل الأحادية الموجودة والرأسمالية الطاغية .
3- اتباع نهج اقتصادي واجتماعي يمكن من مواجهة المثيرات السلبية للاحا دية السياسية والاقتصادية للحصول على حد أدنى من المكاسب الديمقراطية في الواقع الاستبدادي .
4- تعظيم درجة تخصيص الموارد وخاصة الناجمة عن الخصخصة لصالح البعد الاجتماعي من جهة وأيضا تعظيم زيادة قاعدة التملك للطبقات العاملة ومحدودة الدخل في الوحدات التي تتم خصخصتها –وهو ما يثور الخلاف بشأن إمكانية تحققه في ظل سياسات التكليف الهيكلي التي يديرها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي - .
5- تبني المبادئ التي تنادي بان دور الدولة يجب ان يوجه أساسا لخدمة الأهداف الاجتماعية جنبا إلى جنب مع الأهداف الاقتصادية أي وضع الدول أمام مسؤولياته في الرفاهية الواجبة تجاه مواطنيها .ان تقويم مرحلة التقدم في هذا الجانب جعل الكاتبة تضع الدول الأوربية في المقام الأول وعلى رأسها الدول الاسكندنافية وألمانيا وإنجلترا وفرنسا التي تحاول إيجاد الحلول اللازمة للتقدم على هذا الطريق وفيما يراه بعض المراقبين محاولة من الأنظمة الرأسمالية لتطوير نفسها وسد فجوات التطبيق وثغراته والطريق الثالث عند هذه الدول يعد مقياسا يتم به قياس مدى نجاحها في المواءمة بين متطلبات الاقتصاد والحد من تنافس ومبادرة وحريات فردية ومتطلبات الرفاهة الاجتماعية من خدمات وتعليم وصحة وتأمين اجتماعي واعانة المسنين والمتبطلين .
أما سبب هذا فيعود إلى ان هذه الدول وجدت نفسها في مأزق حقيقي ، فهي مازالت عاجزة عن الحفاظ على معدل إنتاج ملائم ،وفي الوقت نفسه خلق فرص عمل جديدة وأيضا تدبير نفقات تمويل الخدمات الاجتماعية خاصة للذين لا يشاركون في سوق العمل مما شكل عبءا كبيرا على كاهلها ، وتبرز هذه الأزمة في دول مثل فرنسا وألمانيا أخذا بالاعتبار هبوط الميزان الديموغرافي لصالح من هم فوق 65 سنة والمهاجرين الذين لا يجدون فرصة عمل مناسبة ويدخلون في البطالة .
لاشك ان هذا المفهوم جديد على الساحة وبالتالي فالاختلاف قائم حول طريقة الوصول إليه فهو بحاجة إلى مهلة زمنية حتى يتم تفصيله وحتى يمكن تطبيق مبادئه بشكل براجماتي لخدمة مصالح الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل ليس فقط في دول العالم المتقدم بل أيضا في دول العالم النامي فالوسط الجديد يحتاج الى دولة ولكن أي شكل من أشكال الدولة؟
هناك من يراها الدولة التي تتبنى النهج الاشتراكي الديمقراطي وتؤمن بالمنافسة العالمية لان المعلومات في مجال التكنولوجيا كما أنها تؤمن بالابتكار وتحد من سطوة جهازها البيروقراطي وتلجأ إلى حلول مبتكرة فإنها تستلهم من قوى المجتمع المختلفة للتوفيق بين الحاجات المتصارعة ،ولا يمكن القول ان هذه الأمنيات سوف تتحقق بمعزل عن مشاركة قوى المجتمع المدني والأحزاب السياسية فالأحزاب السياسية يجب في المرحة القادمة ان تعكس مصالح الطبقة الوسطى وان تتبين برامج براجماتية وتطور قدرات بحيث تجتذب الأجيال الشابة ، كما ان على الدولة القيام بوضع سياسات عملية تطرح حلولا جديدة مثل تحرير سياسة العمل لتسمح بالعمل الجزئي او الموسمي أو العمل المنزلي ومشاركة صاحب العمل في أعباء الضمانات الاجتماعية وان تزيد من مسئوليتها في مجال إعادة التدريب والتعليم ولكن على الجانب الآخر يرى بعض الاقتصاديين ان الحل الأمثل للخروج من هذه الأزمة يتمثل في رفع يد الدولة عن الاقتصاد حتى تتمكن من تمويل نفقاتها الاجتماعية بعبارة أخرى ان تقوم الدولة باتخاذ بعض الإجراءات الليبرالية الجديدة للخروج من هذه الأزمة وتتمثل هذه الإجراءات في الآتي :
تحرير المشروعات الخاصة من أية قيود تفرضها الحكومات بغض النظر عن الآثار الاجتماعية التي ستنجم عن ذلك –مزيد من الانفتاح على التجارة والاستثمار العالميين –حرية كاملة لحركة رأس المال والسلع والخدمات –تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية ولا تشمل تلك الخدمات فقط خدمات الصحة والتعليم بل تمتد إلى أدوار الدولة الأساسية في الحفاظ على الأمن وتعبيد الطرق والإمداد بالمياه وهي الأدوار التي ظلت تلازم الدولة حتى في ظل سيادة مفهوم العولمة –إلغاء مفهوم الخدمة العامة او الخدمة الاجتماعية واحلال محله مفهوم المسؤولية الفردية وذلك من خلال الضغوط على الطبقات الدنيا لتبحث عن حلولها لمشاكلها التعليمية والصحية وتأمين نفسها بعيدا عن موارد الدولة.
يتضح مما سبق ان هذه الليبرالية الجديدة وان كان أنصارها يدعون انها على المدى الطويل تخدم فكرة تطبيق الطريق الثالث او الاشتراكية الديمقراطية في تدبيرها التمويل اللازم لنفقات الدولة الاجتماعية فإنها تعبر عن ضغط من المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي ،هذه الليبرالية الجديدة ظهرت آثارها واضحة في الضغط الذي مورس على دول مثل شيلي والمكسيك من اجل خفض أجور العمال بمعدلات تتراوح بين 40-5% في الوقت الذي زادت فيه تكلفة المعيشة بمعدل 80% ونتج عن ذلك إفلاس اكثر من عشرين ألف مشروع صغير ومتوسط ، بل حتى في الولايات المتحدة تضغط الشركات متعددة الجنسيات مستهدفة الحد من الإنفاق على برامج الرفاهية الاجتماعية والهجوم على حقوق العمال ويخشى الشعب الأمريكي ان يكون العقد الاجتماعي للجمهوريين في الألفية الثالثة هو ليبرالية محضة ،فالليبراليون الجدد يبذلون مجهودا كبيرا للحد من برامج الحماية الاجتماعية للأطفال وللمسنين والمتبطلين أي المعاناة إلى ما لا نهاية .
أما قصة الطريق الثالث مع الدول النامية فتشرحه الكاتبة بقولها بان هذه الدول تعيش مأزقا منذ نصف قرن يظهر بعدم قدرتها على استلهام نموذج سياسي اقتصادي يلائم ظروفها وطبيعتها مع ثبوت فشلها في تبني سياسات اشتراكية ماركسية وليبرالية ديمقراطية لغياب العوامل والمكونات اللازمة لترسيخ أي من هاتين النظريتين ،
لقد بدأت الدول النامية خطواتها الأولى نحو الانفتاح على السوق العالمية وتحرير اقتصادها وخصخصة مشاريعها خاصة عقب انهيار النظام الاشتراكي وفقدانها الحماس للأفكار والقيم الاشتراكية ، وفي الوقت الذي تحاول فيه ان تلعب دورا في الاقتصاد العالمي وان تشارك في فعالياته نجدها تحاول جاهدة الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي وتوفير الخدمات الاجتماعية في حدودها الدنيا ،أي الحفاظ على دولة الرفاهة مع عدم التخلف عن الركب العالمي ، فمن الناحية النظرية يبدو هذا الطريق الثالث مجديا لهذه الدول محققا لآمالها وطموحاتها دون الالتزام بالانحياز لأي فكر او أيدلوجية ما .أما من الناحية البراجماتية –النفعية- فان هذه الفكرة قد يصعب تحقيقها دون مشاركة مؤسسات المجتمع المدني وتفعيل اكبر لدور الأحزاب السياسية واحياء الطبقة الوسطى بحيث تعبر الأحزاب عن احتياجاتها وفكرها دون الضغط على موازنة الدولة او جرها للعب الدور الرئيس المركزي والحاكم في الاقتصاد الوطني مرة أخرى ،وفي الوقت ذاته دون دفعها الى مزيد من الاقتراض بحيث تصبح مثقلة بالديون ومطالبة بسداد فوائدها المرتفعة عن طريق الاستقطاع مرة أخرى من نفقات دولة الرفاهة .فكيف هي صورة تحديات الديمقراطية في هذه الدول المتنوعة المختلفة والتي بدأت تتجاوز كل السياقات الديمقراطية في الغرب إلى تكيفات وابتكارات تناسب مجتمعاتها ودرجة تطورها وطابعها العشائري والعرقي والاثني والديني …الخ .
ثانيا-مستقبل الديمقراطية في العالم الثالث :

اذا كانت الديمقراطية في الغرب المتقدم قد توصلت إلى بحث المستقبل لها على ضوء معطيات العولمة والمعلوماتية ووسائل الاتصال الحديثة حتى أطلق مصطلح النتوقراطية على المفهوم الذي قد ينبع واقعه من علاقة المعلوماتية ووسائل الاتصال الذي قمته في الإنترنت ومن ثم وجدت تأزمات جديدة على المستوى التنظيري لهذه الديمقراطية وخاصة في علاقتها بالليبرالية والمجتمع المدني ، إلا ان الواقع في العالم الثالث الذي بدأ يتحول الى الديمقراطية في التسعينات عكس تحديات كبرى أمام الديمقراطية في المجال الميداني ،.
لقد كان المؤتمر الدولي لأساتذة أكاديمية سلام العالم المنعقد في لندن عام 1989قد حدد بعض تحديات الديمقراطية الليبرالية في ظروفها الجديدة فأشار إلى ان ( الديمقراطية الليبرالية تنمو نموا بطيئا معتمدة على قبولها لأفكار وعواطف وعادات معينة وعلى وجود ممارسات اقتصادية وسياسية يتطلب تأسيسها الكثير من الوقت وربما قرون وكذلك وجود ظروف خارجية مناسبة حتى تكون بعيدة عن الانحلال والانهيار –السلوك الحضاري والمواطنة ص 9) بل كان نفس المؤتمر قد تحسس إشكاليات الممارسة الديمقراطية اذا لم تكن في الإطار الليبرالي وخاصة في مجال احتمال استبداد الأغلبية فأكد على انه ( على الرغم من ان معنى الديمقراطية هو حكم الشعب أي انه لا يجب ان يكون هناك طغيان واستبداد ولكن الواقع والتاريخ يؤكد وجود طغيان أغلبية على أقلية ، فلا يكفي اذن القول بالديمقراطية للتخلص من الطغيان وانما يجب ان تتمتع هذه الديمقراطية بالمحافظة على حقوق معينة للأفراد ومن هنا كانت ضرورة الليبرالية للديمقراطية حيث تجعل هذه الليبرالية مجالا خاصا لا تتدخل فيه السلطة الحاكمة مهما كان حجم الأغلبية خلفها –ن م ص10)
وهكذا وجدنا التأكيد في الديمقراطية الليبرالية على ضرورة حماية المجال الخاص فوق كل شيء أي ان الرأي العام فيها لا يسمح لأي إيمان او ارتباط سواء كان دينيا او أيدلوجية او قبلية او عرقية ان تكون له الأسبقية على حماية الحقوق الفردية ، فالحقوق الفردية هنا تتقدم على الأغلبية المقدسة وقد تكون هذه الحقوق الفردية هجومية على نحو سافر على اغلب أعضاء المجتمع .
وهكذا كان تقييد الديمقراطية الليبرالية الغربية الحكومة على رغم أغلبيتها الديمقراطية ، وهذا ما وجدناه محددا في حال قولها ( يحمي المجتمع الديمقراطي الليبرالي الأفراد والاقليات من سلطة الأغلبية الحاكمة التي قد تكون طاغية حينما تغلب الديمقراطية على الليبرالية ، من هنا فان على سلطات الأغلبية ان تكون محدودة في مجتمع ديمقراطي ليبرالي ، فهناك بعض الأمور التي لا يمكن ان يسمح للأغلبية ان تفعلها ن م ص 59).
وهكذا وجدنا الديمقراطية الليبرالية تعترف بان سلطة الحكومة هي اعظم تهديد على نحو غير محتمل دائما وبالفعل غالبا على حقوق الفرد ، وسر تأمين حقوق الأفراد يكون بحرمان الحكومة من سلطة التدخل في العالم الخاص ، وتؤكد ان بعض الأمور ليست من عمل الحكومة ويجب ان تجبر الحكومة على ان تبقى أيديها مرفوعة عنها ، والأمور التي هي من عمل الحكومة هي في العالم العام والأمور الباقية هي من العالم الخاص عالم الحرية الشخصية ،بل ان الديمقراطية الليبرالية اعتبرت المبدأ الأول لمجتمعاتها هو تأكيد وجود حقوق شخص بشري كصفة أساسية ، وتسلسل التفكير المنطقي ينطلق من نقطة البداية تلك ، فحماية الحقوق تتطلب وجود مجتمع حكومة لكن ولأن الحكومة غير مقيدة تفرض تهديدا لتأمين الحقوق فلا بد ان تقتصر سلطات الحكومة على ما هو ضروري لحماية الحقوق على الأقل على ما يهدد الحقوق ص50)
وتصل المفاهيم الديمقراطية الليبرالية هذه الى حد القول ( ان عدد الدول الديمقراطية جدا والليبرالية جدا قليل جدا ،فأكثرها ليبرالية هي التي يتمسك بها بالمواطنة التي تمارس على نطاق واسع ،أي ان فيها دستور مكتوب او غير مكتوب يحدد المجال الذي لا يمكن للحكومة ان تتجاوزه دون ان تنتهك المجال الفردي ، وهذا ما يفترض وجود مؤسسات وقوانين ومحاكم وشرطة قادرة على اكتشاف متى تكون الحقوق قد انتهكت وتضع حدا لانتهاكها .
إذن فالخوف من الاستبداد والطغيان للحكومة او للأغلبية خوف حقيقي عالجته الديمقراطية بالليبرالية من خلال مزيد من التحصن في القوانين المحافظة على الحقوق الفردية للمواطن ، كما ان بعض ممارسات الفدرالية واللامركزية وتفويض السلطة إلى المجتمعات الأصغر خفف من غلواء الديمقراطية وحدها .والخطر الثاني الذي نبهت عليه الديمقراطية الليبرالية هو ما تطرحه الديمقراطية من بعد اقتصادي معين لكي تحافظ على الكرامة المعنوية للإنسان من خلال تحديد مستوى الدخل الفردي الأقل الذي يجب ان يقف عند تحقيق الحاجات الاقتصادية الأساسية للفرد ويعبر عن هذه الحالة بالقول ( ان المجتمع الليبرالي الديمقراطي هو مجتمع وعي ذاتي جماعي شامل ، وهذا الوعي الذاتي الجماعي يحدد حدوداً للكرامة الإنسانية بحيث يكون الحد الأدنى من الدخل مثلاً مرتفعاً إلى حد يسمح لقطاعات هذا الدخل ان تتمتع بالكرامة المعنوية ، وبعد هذا الدخل المحترم للكرامة المعنوية يسمح بتفاوت الدخول وفروقاتها جميعاً )
ان الحرية الديمقراطية ليست كافية للمجتمع اذا لم تستطع ان تحقق معها إنجازا اقتصادياً ملموساً ، وقد كانت الديمقراطية في منتصف القرن العشرين تؤكد على هذا المبدأ ( إننا لو طبقنا الديمقراطية وحقوق الإنسان وغير ذلك على خير وجه وأتمه فسوف يفضي هذا كله من خلال التفاعل الحر بين الطموحات الإنسانية إلى شيء أشبه بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية ، فلن يكون ثمة ثري شديد الثراء او فقير شديد الفقر ، بل تباين سوى في الجزاء داخل إطار مجتمع المساواة بالمعنى الواسع ) .
إذن فالهدف الاقتصادي سواء بمفهوم المساواة أو الحقوق او الدخل المحافظ على الكرامة المعنوية كانت من طموحات الديمقراطية الغربية ومن تحدياتها أيضا .
كذلك نجد ان بعض المجتمعات تختلف اختلافاً كبيراً في أديانها وثقافاتها وأيدلوجياتها وغيرها من الأمور تقدم على ممارسة النظام الديمقراطي مما يفرض عليها تكيفاً معيناً وإضافات وابتكارات تتناسب وهذه المجتمعات التي تخرج من النظام الدكتاتوري الفردي او الطبقي لتدخل عالم الديمقراطية الجديد ،
وهكذا حصلت تحديات كبيرة على مستوى التحويل الديمقراطي في دول العالم الثالث منذ تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم وهي تطرح تازمات الديمقراطية في مجال التطبيق والحاجة إلى ممارسات وإضافات وابتكارات ديمقراطية تأخذ بالاعتبار واقع هذه الدول واختلافاتها وتنوعها لتكون حقاً ديمقراطية سليمة تبتعد عن كل الأخطار التي سبق ان تعرضت لها هذه الديمقراطية سواء في جانبها النظري والأيدلوجي او في جانبها العملي الواقعي كما ذكرنا ، فكيف هي صورة هذه الديمقراطية اليوم بعد مرور اكثر من عشر سنوات على هذه التجربة ؟
في عام 1997 صدر كتاب بعنوان الديمقراطية التحديات والابتكارات في التسعينات ) للمؤلف روبن رايت تحدث به عن واقع الممارسة الديمقراطية في العالم وما تجابهه من صعوبات وما تطرحه من ابتكارات سنعرض لأهم ما جاء فيه لنعطي صورة الديمقراطية في العالم الثالث خاصة والتكيفات التي طرأت على ممارستها ونظريتها .
ففي الجانب الاقتصادي للممارسة الديمقراطية ظهرت علامات الضياع والإحباط على نطاق واسع في أمريكا اللاتينية حيث اظهر استطلاع للرأي عام 1996 ان 27% فقط من السكان في سبع عشرة مدينة كانوا سعداء بالطريقة التي عملت بها الديمقراطية منذ عام 1990 حينما أصبحت القارة كلها ديمقراطية لأول مرة ، أما اوجه القصور التي شخصت وتعرضت للنقد فهي القصور الاقتصادي وسوء الإدارة والفساد ، ونتيجة لذلك اظهر الاستطلاع ان الناخبين صار لديهم إيمان اكبر بالقوات المسلحة التي كانت تمثل الأرض الخصبة لنمو الدكتاتورية اكثر من إيمانهم بمثليهم الذين قاموا بانتخابهم ، كما ان ثقتهم بالصحافة اكثر من ثقتهم بالقضاة او رجال الشرطة .
وفي روسيا التي تحولت إلى الديمقراطية التي أدت إلى ميلاد المشروعات الخاصة والبورصة بدأت المدن الكبرى تعاني من مشكلات جديدة بداية من تسول الأطفال إلى قيام جامعي القمامة بالبحث عن غذائهم في أكوام المخلفات ، حيث أدى هبوط الإنتاج الصناعي بنسبة 60% وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 40 % إلى ان يكون المجتمع الروسي ككل اشد فقراً في السنوات الخمس الأولى لانهيار الشيوعية عما كان عليه النظام الشيوعي في العقد الماضي.
وفي جنوب أفريقيا أدى تطبيق الديمقراطية إلى ظهور الغضب لان حكومة الأغلبية الجديدة لم تكن قادرة على الوفاء بالطلبات المتزايدة على الوظائف والإسكان والتعليم وبعض الأساسيات الأخرى ، فقد بنت الحكومة عددا من الوحدات السكنية اقل مما بنته حكومة الأقلية البيضاء وخلقت وظائف لربع عدد السكان السود فقط الذين انضموا لسوق العمل منذ الانتخابات الديمقراطية الأولى في سنة 1994 .
وفي دولة بنين بغرب أفريقيا والتي كانت من الدول الرائدة في التحول إلى الديمقراطية سنة 1991 رفض الناخبون الرئيس المؤيد للديمقراطية لصالح زعيم شيوعي سابق حكم البلاد عشرين سنة كانت من اكثر السنين عدم استقرار في القارة الإفريقية وهكذا يلاحظ ان العلاقة بين الحالة الاقتصادية ومصير الديمقراطية تتجلى على عدة مستويات وواحدة من هذه المستويات هي الطبقة الوسطى حيث لوحظ ان الطبقة الوسطى في عديد من هذه الدول حتى الغنية منها تتجه إلى الانكماش او لا تنمو بالسرعة الكافية لاستقرار نظام سياسي جديد ، ولو القينا نظرة على بعض الدول من المعسكر الاشتراكي المتحولة إلى الديمقراطية بحماسة لوجدنا ان بولندا مثلاً كان معدل النمو الاقتصادي فيها عام 1996 هو 6 % وفي عام 1995 كان 7% وهو أعلى معدل في أوربا طبقاً لبيانات البنك الدولي ومع ذلك فان الإصلاحات أدت الى تخفيض وليس ازدهار مستوى معيشة معظم المواطنين فأصبحت بولندا عام 1993 تنتخب ديمقراطياً أغلبية شيوعية ثم قيادة شيوعية سنة 1995 ، ولعل من أسباب ذلك ان النمو كان فيها غير متوازن فحوالي ثلث سكان بولندا يعيشون في مزارع بعضها ملكيات صغيرة وبعضها ملكيات جماعية سابقة وهي لم تعد قادرة على منافسة المزارع عالية الميكنة في أمريكا وكندا والتي تبيع الحبوب عبر الأطلنطي إلى جيران بولندا الأوربيين كما ان كثيراً من المدن الصناعية التي تعتمد على صناعة واحدة أصبحت إما مهددة بالإغلاق واما بالتقادم ومن ثم فهي تواجه مشكلات ارتفاع معدلات البطالة .
وحتى على مستوى الدول الغنية مثل فنزويلا التي أنتجت عام 1996 ما قيمته ثلاثون بليون دولار من النفط لعدد سكان يبلغ 23 مليون نسمة فقط فان سوء الإدارة الاقتصادية والقصور السياسي قاد إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخول وانتشار عدم الأمان الوظيفي وبشكل عام انخفض مستوى المعيشة إلى الثلث على الأقل منذ عام 1992 ففي المتوسط ارتفعت مشتريات الأسرة من 28 % من إجمالي إنفاقها سنة 1980 لأكثر من 70% في منتصف التسعينات .
لقد كان اكثر انكماش الطبقة الوسطى واضحاً بشكل كبير في التسعينات ، ففي استطلاع للرأي سنة 1996 وجد ان 75% من الناخبين في دول أمريكا اللاتينية – الأكثر ديمقراطية – والأقدم من أي دولة من دول أوربا الشرقية وأفريقيا وآسيا – فيما عدا دولتين في آسيا – عبروا عن خيبة أملهم في الديمقراطية ، وفي بحث اجري بواسطة المعهد الجمهوري الدولي سنة 1996 ظهر ان 93% من سكان فنزويلا شعروا بأن الديمقراطية لم تحقق إلا القليل او لم تحقق شيئاً على الإطلاق في مجال التوزيع العادل للثروة والعدالة ، وفي سنة 1996 قامت الحكومة على مضض بالتراجع عن موقفها وعما قامت به من قبل لإنشاء اقتصاد السوق ، كما قامت بإجراءات مالية لتنشيط النمو ولذلك لوقف التدهور الاقتصادي ، ولكن التأثيرات على المدى القصير كانت مؤلمة جداً فأسعار السلع الأساسية التي كانت مدعومة ارتفعت بشكل كبير والضرائب الجديدة ارتفعت بنسبة 16 % كما وصل معدل التضخم لسنة 1996 إلى 100 %
لقد انعكس الفشل الاقتصادي للديمقراطيات في أمريكا اللاتينية في منتصف التسعينات وعبر عن نفسه عبر الاحتجاجات والقلاقل في كل من الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور وانتشرت جيوب الفقر في بيونس آيرس وحتى في جنوب إفريقيا . وفي العديد من هذه الديمقراطيات أدت سياسة الخصخصة الى ازدياد كبير في معدلات البطالة كما أدى تقليص حجم الحكومة الى الإطاحة بشبكات الأمان لملايين إضافية من السكان .
لقد كان من مظاهر القصور في مواجهة التحديات للديمقراطية هي اجتماع الحريات الجديدة مع الفقر المتزايد مما خلق ظروفاً أدت الى تحول الحريات إلى حالة من الفوضى ابتداء من انتشار الجرائم الصغيرة إلى ظهور المافيا المنظمة وهو ما يؤدي بالنهاية إلى الإطاحة بالقانون والنظام حيث يشعر هؤلاء انهم مستبعدون .وفي هذا المستوى اصبح الفساد هو المشكلة الأكثر انتشاراً حيث ان كم ونوعية الانحرافات الأخلاقية السياسية قادا إلى ظهور عدد من السوابق الجديدة في كثير من الديمقراطيات الناشئة فوصل الفساد الى مستوى القمة ، كما اصبح الفساد عاملاً أساسيا في إنهاء حكم كثير من الرؤساء ورؤساء الوزارات المنتخبين ديمقراطياً كما حصل في باكستان لبناظير بوتو وفي البرازيل للرئيس فرناندو كولوردوميلو الذي فاز سنة 1990 ، وقد أدت تكلفة الفساد وملحقاته الى إبطاء التحول الديمقراطي بل والتراجع عما حدث من تقدم سياسي فالعملية الانتخابية من بوجوتا حتى موسكو تم إفسادها عن طريق الجريمة المنظمة فشراء الأصوات اصبح ظاهرة عامة بداية من كينيا حتى الهند ولان الديمقراطيات الجديدة تندمج بسرعة في القرية الكونية أسرع من الدول غير الديمقراطية فان الديمقراطيين الجدد يمكن ان يكونوا أسرع تعرضاً للفساد في المراحل الانتقالية وفي بحث أجرته مؤسسة الحرية سنة 1996 وجد ان 21 من بين اكبر 31 دولة من كبار منتجي المخدرات ومهربيها هي دول ديمقراطية جديدة ، وفي مجال غسيل الأموال فان 29 بين اكبر 33 دولة تمارس هذه العملية أصبحت من الدول الديمقراطية كما ان من بينها 18 دولة من الديمقراطيين الجدد .
ومن اشد الأخطار التي تواجه الديمقراطيات الجديدة على المدى الطويل هو الشعور بالإعياء او العجز الذي يؤدي إلى انعزال الجمهور عن الحياة العامة ، وفي بعض الأحيان يكون الانعزال مرتبطاً بحدث مباشر يؤدي إلى تشكك الجماهير في قدرة الديمقراطية على الوفاء بوعودها بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة ، ففي باكستان لم يشارك اكثر من 26 % فقط من الناخبين وهو رقم منخفض قياساً إلى انتخاب رؤساء سابقين وفي مكان آخر كان الانسحاب من الحياة العامة رد فعل تراكمياً ففي الدورة الثانية للانتخابات الليتوانية سنة 1996 وجد ان 40% فقط من الناخبين ذهبوا الى الانتخابات لكي يفاضلوا بين حزبين عجز كل منهما عن تحسين مستوى معيشة المواطنين .
وفي فنزويلا أظهر استطلاع للرأي سنة 1996 ان واحداً على الأقل بين كل أربعة مواطنين يقولون ان التصويت بلا فائدة وان من بين 77% -88% قالوا ان ثقتهم قليلة او منعدمة في الكونغرس والسلطة القضائية والأحزاب السياسية والحكام والعمد وبهذا اصبح التصويت في خطر كبير باعتباره مظهراً دائما للديمقراطية في فنزويلا .
ان جميع ما تقدم أخذا بنظر الاعتبار ان الرأي التقليدي حول الديمقراطية اقر بان العملية لن تكون سهلة ، ولكن الأمم المتحدة حذرت في تقريرها الإنمائي سنة 1996 من انه لا يسمح بالتفاؤل في هذا المجال ويحذر التقرير ان القرن القادم قد يتصف بالعديد من الصفات الكئيبة مثل نمو بلا رحمة ونمو أبكم ونمو بلا جذور ونمو بلا مستقبل كما يوضح خطر انهيار بعض الديمقراطيات الجديدة الهشة هو خطر حقيقي بالفعل ….
على ان جميع هذه الأمور لم تجعل الديمقراطية تقفل أبوابها بل بدأت تطرح ممارسات جديدة منها تفويض السلطة ومنها تطور الديمقراطية نتيجة اختلاطها بالثقافات غير الغربية .أما تفويض السلطة وهو نقل السلطة من العاصمة والصفوة التقليدية إلى تجمعات اصغر تعتبر اهم صفة لديمقراطيات أمريكا اللاتينية ووسط أوربا وأفريقيا واسيا ففي بوليفيا تعتبر هذه التجربة أكثرها راديكالة حيث أنشأت بوليفيا نظاما جديدا للمشاركة الجماهيرية والذي بمقتضاه يتم نقل السلطة والموارد التي تركزت لمدة طويلة في ثلاث مراكز حضرية إلى 311 مجلساً وقد أدى هذا النظام إلى الإسراع بشكل كبير في تحقيق الديمقراطية ، فالقرى والمدن الآن لم تعد تلجا إلى السلطات الإقليمية او القومية لإنجاز كل شيء بداية من الكهرباء وحتى مقاعد التلاميذ في المدارس والهدف من ذلك هو تمكين المجتمعات المحلية من توفير الخدمات وحل المشكلات تبعاً للاحتياجات والأولويات المحلية وذلك كإجراء وقائي لمنع سوء استغلال السلطات على المستوى المركزي .
وفي إفريقيا أقامت الحكومة الديمقراطية الأولى في مالي بالتحول إلى اللامركزية كوسيلة لجذب السكان إلى الحياة العامة فقد قامت مالي بتحويل السيطرة على الوظائف الإدارية والمالية السياسية بما فيها التعليم والصحة والتنمية إلى اكثر من خمسمائة من المجتمعات المحلية المدنية والريفية حيث تقوم كل منطقة بتحديد قيمة الضرائب وتوزيع إيراداتها ، ولتشجيع التعبير عن الاحتياجات المحلية والحد من الفساد فان كل منطقة من هذه المناطق تتفاوض مباشرة مع الجهات الأجنبية المانحة للمساعدات .
ان تفويض السلطة يساعد أيضا على سد الطريق أمام محاولات الانتقال للديكتاتورية عن طريق انتشار السلطة وابعادها عن متناول الجيوش ومراكز القوى وهي مشكلة تصادفها الدول المجاورة لمالي ، حيث انتكس التقدم الديمقراطي في النيجر وجامبيا بسبب التدخل العسكري حيث تقدم الجيش النيجري لتزييف أول انتخابات ديمقراطية للدولة النفطية الغنية ، كما تمكن الدكتاتوريين السابقون من الفوز في الانتخابات الديمقراطية في كل من بنين وبوركينا فاسو وغيرها 0
من ناحية أخرى فان تفويض السلطة المحلية يوفر آلية لتخفيف التباينات العرقية والطائفية ، فأثيوبيا تتباهى بأنها واحدة من اكثر التجارب الراديكالية لتفويض السلطة في إفريقيا في محاولة منها لمنع الحركات الانفصالية حيث ان التباينات بين 80 جماعة عرقية في أثيوبيا والتي تستخدم 12 لغة رئيسية وثلاث أبجديات ، أدت إلى حدوث مجموعة كبيرة من النزاعات خلال فترة الحكم الملكي والشيوعي – انفصلت إرتريا عن أثيوبيا عام 1993 – وكجزء من التحول الديمقراطي في أثيوبيا والذي ما زال في المهد ، قامت أثيوبيا بوضع دستور جديد وزعت من خلاله السكان البالغ عددهم 55 مليون شخص على تسع ولايات على أسس عرقية ، ومنحتهم صلاحية الحكم الذاتي وأعطتهم حتى حق الانفصال .ان تفويض السلطة ينطوي على المشاركة في حل المشكلات والمشاركة في السلطة فهو يشرك عددا كبيرا من الفاعلين في تحمل الأعباء وكذلك في الاهتمام بالحصول على نتائج جيدة ، كما ان إشراك الرجال والنساء حتى في المناطق البعيدة جدا في مسؤوليات السلطة يحول دون ظهور المشاكل المرتبطة بالتنافس والصراع على الموارد ويخفف من احتمالات حدوثها
ولعل آخر التحديات التي يبحثها الكتاب هو إدماج الديمقراطية في الثقافات غير الغربية من بوليفيا إلى بوتسوانا وما وراء ذلك حيث مزجت بوليفيا بين الديمقراطية الغربية والعادات والتقاليد المحلية حيث يسمح برنامج المشاركة الجماهيرية للمجتمعات الريفية بانتخاب ممثلين محليين كما كان يحدث منذ قرون من خلال النظم القائمة على العشائرية ،وفي بوتسوانا التي تعتبر اكثر الدول الأفريقية استقرارا تم مزج الديمقراطية بالتقاليد القبلية البتسوانية وتمت مواءمة مؤسسات الدولة بما يتفق والهياكل القبلية ،كما يعتبر البرلمان امتدادا للمجلس القروي التقليدي وتعتبر قدرة الديمقراطية على التكيف مع خصائص البيئات الجديدة اختبارا حقيقيا لقدرتها على الاستدامة والاستمرار ،وللتأكيد على الحاجة إلى المرونة في التطبيق الديمقراطي حدد مكتب البيت الأبيض بالديمقراطية سنة 1993 خمسة مبادئ أساسية يمكن من خلالها الحكم على الديمقراطية وهي : حرية ونزاهة الانتخابات ، حقوق المعارضين السياسيين في العمل بحرية كاملة ، وضع قيود على السلطات التعسفية للدولة وبخاصة أعمال القبض والاحتجاز والتعذيب ضمن أشياء أخرى ، وحقوق المواطنين في التنظيم في اقليات في العمل او حول اهتمامات أخرى ، وقضاء مستقل للرقابة على سلطة الدولة ، وأكد المكتب انه فيما يتجاوز هذه النقاط فان هناك مجالا كبيرا لاختلاف التطبيقات الديمقراطية .
وهكذا ينتهي المؤلف في كتابه إلى خاتمة يقول فيها (ان مستقبل الديمقراطية وقدرتها على التغلب على التحديات المتزايدة يتحدد جزئيا عن طريق قدرتها على كل من تفويض السلطة لأطراف أخرى غير الصفوة التقليدية ، وتحقيق مزيد من التطور خارج الإطار التقليدي للمجتمعات الغربية ،وبعدما شكلت الديمقراطية بالفعل مصدر الهام لأهم التغيرات السياسية في القرن العشرين فان الديمقراطية تعد بمزيد من الاستحداثات المستقبلية في القرن الحادي والعشرين ، والتي في بعض الأحيان تكون في اتجاهات غير مألوفة ومع ذلك فان التطور الديمقراطي وتفويض السلطة للمحليات ليس من المحتمل ان يتمكن من مواجهة تحديات الديمقراطية بشكل كامل خاصة التحديات المرتبطة بالتوقعات الاقتصادية في الديمقراطيات الجديدة ولمنع النكسات على الديمقراطيات القديمة ان تكون اكثر تفهما للأعباء الاجتماعية ، وان تكون كريمة في تقويم المعرفة والمصادر التي يحتاجون إليها لتخفيف آلام عملية التحول وفي النهاية فان الديمقراطية قد تكون من اكثر الأيدلوجيات التي يعرفها العالم صلابة ،ولكنها مع ذلك معرضة بشكل كبير للانتكاس بسبب ما تحمله من وعود كثيرة بالرخاء .أما بالنسبة لتطبيق الديمقراطية في المجتمعات الدينية مثل الدول الإسلامية فقد طرح المؤلف مفردات لبعض المفكرين عن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية







بعض المصادر
1-ازمة المجتمع العربي- د سمير امين
2التفكير المستقسم والتفكير الاعوج روبرت هـ ثاولس
3- السلوك الحضاري والمواطنة
4- تشكيل العقل الحديث
5- الثقافة العربية وعصر المعلومات
6- مجلة الثقافة الجديدة
7- بعد الامبراطورية –امانويل طود
8- بناء مجتمع من المواطنين –جمع من علماء الاجتماع
9- الطريق الثالث –غادة موسى
10- الديمقراطية –التحديات والابتكارات في التسعينات
11- النتوقراطية-الكساندر بيرد –وجان سودير
12- تحدي العولمة ووعدها الخفي-جون ميكلويث وادريان وودريج
13- الفساد والحكم -سوزان
14- مستقبل الحرية-الديمقراطية غير الليبرالية-فريد زكريا
15- مجموعة مقالات عبر الانترنت

spisos
26-02-2009, 15:31
رد إلى rblaw

المؤسسات المالية الدولية:

تقديم:


مع نهاية الحرب العالمية الثانية بدأ التفكير في خلق مؤسسات اقتصادية دولية ، بهدف ضبط الاقتصاد العالمي والسهر على استقرار النظام النقدي الدولي. (SMI)وكذا تمويل العجز الذي يعرفه ميزان الأداءات لبعض الدول، وأيضا قصد إعادة بناء الاقتصادات التي دمرتها الحرب بواسطة قروض لتمويل مشاريع التنمية.
وهكذا تم خلق صندوق النقد الدولي (FMI)والبنك العالمي(BM) في يوليوز من عام 1944، على اثر اتفاق بروتن وودز(Bretton Woods ) ، الذي احتضنت مفاوضاته الولايات المتحدة الأمريكية وحضرته 44 دولة في إطار الندوة النقدية والمالية الدولية للأمم المتحدة.
موازاة مع ذلك انصب التفكير على تأسيس منظمة دولية للتجارة (OIC).لكن، وأمام رفض الكونغريس الأمريكي، اجتمعت 23 دولة بهافانا عام 1947 وأعطت ميلاد الاتفاق العام للتعريفة الجمركية والتجارة، المعروف بالغات (GATT).
وفي ابريل 1994، على اثر اتفاق مراكش، تم خلق المنظمة العالمية للتجارة (OMC) التي ستدخل حيز التطبيق مع بداية عام 1995 من أجل ضبط التجارة العالمية، إدارة الاتفاقات التجارية وحل النزاعات التجارية القائمة ما بين الدول الأطراف. لكن الدور غير المعلن للمنظمة العالمية للتجارة يتجلى في تحرير جميع قطاعات الأنشطة الاقتصادية.

أولا: هيكلة وطريقة اشتغال المؤسسات المالية الدولية

تتجلى المهام الأساسية لصندوق النقد الدولي في إدارة نظام النقدي وكذا منح التمويل للدول الأعضاء التي تعرف عجزا مؤقتا في ميزان الأداءات. وأما البنك العالمي فقد كلفه اتفاق بروتن وودز بمهمة إضافية تتجلى في إعادة بناء الاقتصادات ما بعد الحرب، بواسطة قروض خاصة بتمويل مشاريع التنمية. هذه الأموال الممنوحة خصت في البداية فقط الدول الأوروبية.
قراران أمريكيان سيغيران جذريا هذه الأدوار:

أولا، مخطط مارشال لعام 1948 الذي سيحل محل البنك العالمي من أجل إعادة بناء أوروبا ليترك لهذا الأخير العالم الثالث كمجال لتدخله.
ثانيا، قرار الرئيس نيكسون لعام 1971 بوضع حد لتحويل الدولار إلى ذهب، ليقتصر بذلك دور صندوق النقد الدولي على مهمته الثانية المتمثلة في منح قروض العجز التجاري. وبعد اندلاع أزمة الديون سنة 1980 سيعود الصندوق للعب دور تدبير المديونية بواسطة برامج التقويم الهيكلي. وعلى اثر الأزمات المالية منذ 1990 سيتحول صندوق النقد الدولي إلى " شبكة الإنقاذ " المستثمرين والمؤسسات المالية للدول المتقدمة، على حساب شعوب الدول الضعيفة التي سيجبرها على سداد ما بذمتها من ديون.

1 – صندوق النقد الدولي:

تم خلق صندوق النقد الدولي للسهر على استقرار النظام المالي الدولي. وهو يشغل أزيد من 2700 شخص ويضم 184 دولة أعضاء. وتتعدى ميزانية تسييره 600 مليون دولار.
أ – أجهزة صندوق النقد الدولي :

- مجلس الحكام : اعلى هيئة بصندوق النقد الدولي . يجتمع مرة واحدة في السنة وهو مكلف باتخاذ القرارات ذات الاهمية كقبول انخراط دول جديدة ، إعداد الميزانية ... وهذا المجلس مشكل من ممثلي الدول الاعضاء (وزراء المالية او مديري الابناك المركزية ).
- المجلس الاداري : مكلف بالمهام التي يفوضها له صندوق النقد الدولي . هذا المجلس يتكون من 24 عضوا ، من بينهم 8 لهم امتياز تعيين "متصرف" ممثلا لهم (الولايات المتحدة – اليابان – المانيا – فرنسا – المملكة المتحدة – العربية السعودية – الصين – روسيا ) في حين يتم تعيين 16 عضو المتبقين عن طريق "مجموعات الدول " (يوجد المغرب في المجموعة العربية التي تضم 7 بلدان ).
ويجتمع المجلس الاداري ثلاث مرات في الاسبوع ، وهو الذي ينتخب المدير العام لصندوق النقد الدولي لمدة 5 سنوات .
- اللجنة النقدية والمالية الدولية CMFI : تضم الـ 24 ممثلا للدول المشكلة للمجلس الإداري . وتجتمع مرتين في السنة (الدورة الربيعية والدورة الخريفية) . ويتجلى دورها في إعطاء نصائح وتوجيهات لصندوق النقد الدولي فيما يخص النظام النقدي الدولي .
ب – الوحدة النقدية:

يتوفر صندوق النقد الدولي، منذ 1969، على وحدة نقدية خاصة به تنظم أنشطته المالية مع الدول الأعضاء، وتسمى ب " حقوق السحب الخاصة" (DTS). فهي إذن بمثابة عملة خاصة بالصندوق يتم تقييمها يوميا انطلاقا من عدد من العملات القوية: الدولار، الين، الأورو، الليرة الإسترلينية...
ج – حصة المساهمة: Quote-part

كل عضو مطالبة بدفع حصة مساهمتها في رأسمال صندوق النقد الدولي. غير أن هذه الحصة ليست حرة أو تلقائية، وإنما يتم احتسابها بحسب الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لأي بلد. يتم دفعها بنسبة 25 % من حقوق السحب الخاصة أو أية عملة صعبة تتشكل منها، ونسبة ال 75 % المتبقية من العملة المحلية للبلد العضو.

د – اتخاذ القرارات : حق التصويت

تتخذ القرارات صندوق النقد الدولي عن طريق التصويت. وحصة المساهمة هي التي تحدد نسبة الحق في التصويت لكل بلد. فهي تساوي 250 صوت زائد صوت واحد لكل 100 ألف من حقوق السحب الخاصة. بتعبير آخر أنها تناسب: "دولار واحد = صوت واحد". أي لكل بلد الحق في التصويت بقدر مساهمته في رأسمال الصندوق وعلى هذا الأساس تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية نسبة 17.08 % من حق التصويت ، متبوعة باليابان ( 6.13 %) وألمانيا (5.99 %)، فرنسا (4.95 %) ... وأخيرا مجموعة الدول الإفريقية التي تضم 24 دولة من إفريقيا السوداء، وتمثل أزيد من 140 ملون نسمة، لا تمتلك إلا نسبة 1.41 % من حق التصويت!
وقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية، التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية، أن تمرر في مفاوضات بروتن وودز قرارا ذا أهمية يقضي بفرض أغلبية 85 % لجميع القرارات المهمة التي تهم مستقبل النقد الدولي، كالزيادة في حقوق السحب الخاصة أو إلغائها، رفع أو خفض عدد الحكام المنتخبين في إطار المجلس الإداري، تغيير حصة المساهمة... والولايات المتحدة الأمريكية، إذ تتوفر لوحدها على أزيد من 15 % من حق التصويت فإن بإمكانها إيقاف أية محاولة لإجراء أي تغيير بصندوق النقد الدولي.

2 – البنك العالمي:

يضم البنك العالمي بدوره 184 دولة أعضاء. هيكلته مشابهة لصندوق النقد الدولي، ولكن طريقة اشتغاله تختلف نسبيا. وتجدر الإشارة إلى أنه يجب التمييز بين البنك العالمي ومجموعة البنك العالمي. هذه الأخيرة التي تضم خمسة منظمات:
o البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية(BIRD) : تم خلقه لمساعدة أوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية. غير أن دوره تطور تدريجيا مع مرور الوقت بحيث أصبح يمول التنمية بدول العالم الثالث.
o الشركة المالية الدولية (SFI) التي ظهرت عام 1956 لتمول القطاع الخاص بالدول النامية.
o الجمعية الدولية للتنمية(AID) تقوم منذ 1960 بتقديم قروض للدول الأكثر فقرا.
o المركز الدولي لفض النزاعات المتعلقة بالاستثمارات (CIRDI) ظهر سنة 1966 لتدبير نزاعات المصالح.
o الوكالة المتعددة الجنسية لضمان الاستثمارات، تم خلقها سنة 1988 لتأهيل وتشجيع الاستثمار بالدول النامية.
وأما فيما يخص مصطلح البنك العالمي، فإنه يضم كل من البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية(BIRD) والجمعية الدولية للتنمية (AID) ، ويشغل البنك العالمي ما يناهز 10 آلاف شخص بواشنطن، وحوالي 3 آلاف عامل بمائة (100) مكتب له عبر أرجاء العالم.

‌أ. أجهزة البنك العالمي:

- مجلس الحكام: يجتمع مرة واحدة في السنة (الخريف)، ويحدد التوجهات الكبرى.
- المجلس الإداري: يتكون من 24 عضوا حسب نفس القواعد لدى صندوق النقد الدولي. وهو مكلف بالتسيير اليومي للبنك العالمي، وينتخب مديرا عاما للبنك لمدة 5 سنوات . منصب مخصص لمرشح من أمريكا الشمالية، على عكس صندوق النقد الدولي الذي ينتخب مديرا من أوربا. وهي قاعدة ضمنية غير ديمقراطية.

‌ب. طريقة التصويت للبنك العالمي:

توزيع الحق في التصويت ما بين الدول الأعضاء مشابه لما هو قائم بصندوق النقد الدولي، إذ يرتكز على مبدأ "دولار واحد = صوت واحد" وقاعدة أغلبية 85 % سارية المفعول أيضا بالبنك العالمي. فالولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بسلطة الحسم في أي تغيير محتمل، بحيث تملك نسبة الحق في التصويت تصل إلى أزيد من 16 % ، متبوعة باليابان (حوالي 8%)، ثم مجموعة بلجيكا ( 10 دول ) بحوالي 5 % ، فألمانيا (4.5 % ) وفرنسا (4.3 %)، في حين تتوفر مجموعة الجزائر (7 دول) على نسبة 3.35 % من حق التصويت. وأخيرا مجموعة الدول الإفريقية (24 دولة) بنسبة 2 % فقط من حق التصويت.

‌ج. طريقة اشتغال البنك العالمي:

تختلف طريقة اشتغال البنك العالمي عن صندوق النقد الدولي. فإذا كان صندوق النقد الدولي يعتمد في تقديم القروض على موارده التي يعود مصدرها لمساهمات الدول الأعضاء في راسماله، فإن البنك العالمي يحصل على الإمدادات المالية الضرورية لتقديم القروض من الأسواق المالية. فهو يحصل على الأموال من الدول الغنية بنسب فائدة مشجعة، ويمنح قروضا للدول المحتاجة بنسب مرتفعة نسبيا لمدة تتراوح ما بين 15 و 20 سنة.
3 – سياسات المؤسسات المالية الدولية إزاء المرافق العمومية:

تغيرت مهام المؤسسات المالية الدولية بشكل جذري وأصبحت متشابهة، فمنذ 1980 نهجت المؤسسات استراتيجية تهدف إلى التقليص من دور الدولة إلى أدنى حد، عن طريق خوصصة المؤسسات العمومية، وإزالة كل تدخل للحكومات في الاقتصاد.
من أجل تدبير أزمة الديون يتدخل صندوق النقد الدولي بواسطة "قروض الإنقاذ"، ولكن أيضا بفرض شروطه عبر برامج التقويم الهيكلي. وأما البنك العالمي فيلعب دور "المستشار" للدول الخاضعة ل "العلاج الطبي" لصندوق النقد الدولي حول الطريقة المثلى لخفض العجز في الميزانية، تعبئة الادخار الداخلي، تحفيز المستثمرين الأجانب وتشجيع الاستثمارات الخارجية، تحرير الصرف والأثمنة، خوصصة المقاولات العمومية، إلخ. وبالإضافة إلى ذلك فإن البنك العالمي يساهم في برامج التقويم الهيكلي عبر تقديم قروض بشروط قاسية للدول الأعضاء.
وهكذا أصبحت المؤسسات الماليتان في موقع قوة ولا تتوانيان لحظة في فرض شروطهما على الدول في إطار برامج التقويم الهيكلي، والضغط عليها لتطبيق إجراءات من قبيل تحرير اقتصادياتها، وبخاصة التخلي عن مراقبة حركة رؤوس الأموال وإلغاء مراقبة الصرف، خوصصة المقاولات العمومية، وما إلى ذلك مما أدى إلى تراجع الدولة عن القطاعات الإنتاجية التنافسية. فحسب منطق صندوق النقد الدولي "لا مكان للدولة أينما يمكن تحقيق ربح" وعليها أن تنسحب من جميع القطاعات المدرة للربح (الماء، الكهرباء، النقل، تكنولوجيا الإعلام والاتصال، الصحة، التعليم...) وتقتصر على القمع وضبط الاستقرار (الأمن، العدالة).
إن مسألة الخوصصة ينظر إليها من داخل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بمنظور إيديولوجي: تسريع الخوصصة، الأمر الذي أدى في الكثير من الحالات إلى خوصصة بعض الخدمات حتى قبل وضع الإطار القانوني لضمان المنافسة الحرة والنزيهة.
وعموما تتم الخوصصة، التي غالبا ما يستفيد منها المستثمرون الأجانب، بواسطة مراسيم بدون موافقة البرلمان ودون حد أدنى استشارة للمنظمات والحركات الاجتماعية والمواطنين.

ثانيا: هيكلة وطريقة اشتغال المنظمة العالمية للتجارة

أمام تعذر تأسيس منظمة دولية للتجارة، إلى جانب مؤسستي بروتن وودز الماليتين، بسبب رفض الكونغريس الأمريكي، اجتمعت 23 دولة بهافانا عام 1947 وأسست ما يعرف بالكاط ، أي الاتفاق العام حول التعريفة الجمركية والتجارة. General Agreement of tarifs and traid - GATT
وكان الكاط عبارة عن اتفاقيات تجارية تمر عبر دورات، بدأت من جونيف عام 1947 وانتهت بدورة الأوروغواي سنة 1994 بمراكش بالمغرب ، إعلانا بميلاد المنظمة العالمية للتجارة (OMC) ، والتي ستدخل حيز التطبيق الفعلي ابتداء من فاتح يناير 1995 .
وتختلف المنظمة العالمية للتجارة عن الكاط ، إضافة إلى اعتبارها مؤسسة بآلياتها وهياكلها، في حين ظل الكاط عبارة عن اتفاقيات، بكونها ستشمل إضافة إلى تجارة السلع ، الفلاحة والخدمات. كما تتميز المنظمة بكونها تتوفر على جهاز لفض النزاعات : ORD (Organe de règlement des différends). يتجلى دوره في الحسم في النزاعات ما بين الدول الأطراف.

1 – هيكلة وطريقة اشتغال المنظمة العالمية للتجارة :

أسست المنظمة العالمية للتجارة أولا للقيام بمهام معينة، مرتكزة على ثلاثة مبادئ أساسية:
أ- المهـــام :
– إدارة وتنفيذ الاتفاقيات التجارية المتعددة الأطراف.
– فض النزاعات التجارية .
– مراقبة السياسات التجارية الوطنية والتعاون مع المؤسسات الدولية من أجل وضع السياسات الاقتصادية العالمية.
– فحص السياسات التجارية.
– تأطير المفاوضات التجارية.
ب- المبـــادئ :
- التجارة بدون تمييز.
- الولوج المتوقع والتصاعدي للأسواق.
- المنافسة الشريفة وتشجيع التنمية والإصلاحات الاقتصادية.
ج- أجهزة المنظمة :
* المؤتمر الوزاري : هو أعلى هيئة تقريرية للمنظمة العالمية للتجارة ، ويجتمع على الأقل مرة كل سنتين ، بمشاركة جميع الدول الأطراف التي تمثل بوزراء خارجيتها .
* المجلس العام : يضم ثلاثة أجهزة : - مجلس السلع .
- مجلس التجارة والخدمات
- مجلس حقوق الملكية الفكرية في علاقاتها بالتجارة .
بالإضافة إلى الكاط ، تشمل المنظمة العالمية للتجارة ما يناهز 12 اتفاقا ، أهمها :
- الاتفاق العام حول تجارة الخدمات (AGCS )
- الاتفاق الخاص بحقوق الملكية الفكرية في علاقتها مع التجارة (ADPIC)
- الاتفاق المتعلق بالاستثمارات في علاقتها مع التجارة (Trims)
د) – اتخـــاذ القرارات :
تتخذ القرارات من داخل المنظمة العالمية للتجارة بالإجماع، أو بالتصويت بحسب صوت لكل بلد عضو. لكن لم يحدث أبدا أن استعمل التصويت بالأغلبية لاتخاذ القرارات، بحيث يتم الضغط على الدول الأعضاء لتحقيق إجماع حول القضايا المطروحة.

2 – دور المنظمة العالمية للتجارة في تدمير الخدمات العمومية:

إن أخطر اتفاق للمنظمة العالمية للتجارة هو الاتفاق العام حول تجارة الخدمات (AGCS)، الذي يشكل تهديدا مطلقا للمواطنين. ذلك أن الهدف الأساسي من هذا الاتفاق يتمثل في خوصصة جميع الخدمات العمومية وبوثيرة سريعة.
يشمل هذا الاتفاق مجموع الأنشطة الإنسانية ، أي جميع الخدمات الموجودة أو القابلة للوجود، والتي يمكن تقسيمها إلى اثني عشرة قطاعا وحوالي مائة وستون (160) قطاعا صغيرا تابعا لها، من صحة، تعليم، ماء، كهرباء، تكنولوجيا الاتصال، النقل، البيئة، السياحة، الثقافة، الطاقة، الرياضة، المالية، السكن...
إن الاتفاق العام لتجارة الخدمات يهدد كل القطاعات العمومية، باستثناء تلك التي تقدم في إطار ممارسة السلطة الحكومية بدون أن تنبني على قاعدة تجارية ولا أن تخضع للمنافسة. بتعبير آخر أن الاتفاق العام لتجارة الخدمات يخص المرافق العمومية المؤدى عنها من قبل المرتفقين (الطاقة، النقل، الماء، البريد...) أو أيضا تلك الخاضعة لمنافسة القطاع الخاص (المصحات ، المؤسسات التعليمية...). وبهذا المنطق فإن كل شيء خاضع للتسليع ما عدا الأمن (الشرطة، الجيش...)، العدالة، البنك المركزي والحالة المدنية.
بعض قواعد الاتفاق العام لتجارة الخدمات تطبق على جميع الخدمات ، وبعضها يتوقف تطبيقها على حدود التزامات الدولة من داخل المنظمة العالمية للتجارة، لفتحها أمام المنافسة الأجنبية. لكن الدول النامية تظل خاضعة لضغط الدول المتقدمة التي تفرض عليها تحرير جميع قطاعاتها. وهو ما حدث في قمة الدوحة بقطر عام 2001، حين تمكن الاتحاد الأوروبي من فرض ما يعرف ب "لوائح الطلب" و "لوائح العرض". فبات بإمكان كل دولة عضو أن تقدم لأي بلد آخر لائحة الخدمات التي تود أن يخضعها هذا البلد أو ذاك للتحرير التجاري. وفي نفس الوقت تعرض هي لائحة الخدمات التي تلتزم بإخضاعها للتحرير التجاري أي ـ بتعبير أدق ـ للخوصصة. وسيصبح هذا الإجراء إجباريا منذ القمة الأخيرة للمنظمة العالمية للتجارة بهونكونغ.
وخلاصة القول أن صندوق النقد الدولي، البنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة / الاتفاق العام لتجارة الخدمات تسعى جاهدة إلى إزالة كل العراقيل أمام التجارة العالمية وتحرير الأسواق، بما فيها إعادة النظر في القوانين الداخلية للبلدان الأعضاء التي " تعيق المنافسة الدولية ". وبالتالي فإن هذه المؤسسات الاقتصادية العالمية تهدف إلى تدمير الخدمات العمومية أينما وجدت ووضع حد لإمكانية خلقها حيث لا توجد .

spisos
26-02-2009, 20:41
)Sampling( سحب العينات

عند جمع البيانات عن بعض مفردات المجتمع باستخدام 
أدوات جمع ا بيانات مثل المقابلة أ و الستبيان أوتحليل
المضمون..ألخ، تكون هناك حاجة ماسة إلي اختيار عينة
ممثلة للمجتمع، حيث يصعب علي أ ي باحث مهما كانت
قدرته، أ ن يقوم بدراسة جميع مفردات المجتمع خاصة إذا
كان كبير نسبياًً.
ويقصد بالعينة، اختيار جزء من مجموعة كلية أو مجتمع كلي 
بحيث يمثل هذا الجزء المجموعة أو المجتمع

أنواع العينات
بصفة عا ة، يمكن القول أ ن هناك مجموعتان رئيسيتان من
العينات،هما: العينات الإحتمالية، والعينات غير الإحتمالية.
)Probability Samples( العينات الحتمالية 
وفي هذه النوعية من العينات تكون كل مفردة من مفردات المجتمع
الصلي لها فرصة الظهور في العينة المختارة،
) Non-Probability Samples( العينات غير الحتمالية 
ليست كل مفردة من مفردات المجتمع لها نفس فرصة الظهور في
العينة المختارة، والمشكلة الحقيقية التي نلجأ فيها لهذا النوع للعينات،
هي عدم وجود إطار العينة.

جدول يوضح أنواع العينات-4
العينة متعددة المراحل 8- العينة الحصصية
-3 العينة الطبقية 7- العينة العنقودية
-2 العينة المنتظمة 6- العينة التحكمية
-1 العينة العشوائية البسيطة 5- العينة المتاحة
العينات الحتمالية العينات غير الحتمالية

Simple Random( -1 العينة العشوائية البسيطة)Sample
يعتمد اختيار هذه العينة علي إعطاء فرصة متساوية لكل مفردة من
مفردات المجتمع الكلي لكي تظهر في العينة، ويشترط في هذه العينة
وجود قائمة كاملة بمفردات المجتمع الصلي، وعند سحب عينة
عشوائية بسيطة من مجتمع صغير، فإنه يكتب كل رقم خاص بوحدة
المجتمع علي ورقة مستقلة، وتطوي الوراق وتخلط معاًً ثم يتم سحب
العدد المطلوب منها للعينة، ولكن في حالة كثرة عدد مفردات المجتمع
يستخدم ما يلي:
)Tables of Random Numbers( -1 جداول الرقام العشوائية
)Random Generator( -2 برنامج كمبيوتر
:For more, you can visit this site
www.randomizer.org/form.html

Systematic( -2 العينة المنتظمة)Sample
يتم اختيار وحدات العينة في هذا النوع بصورة منتظمة مثل سحب
وحدات العينة المطلوبة علي فترات متساوية في إطار المجتمع، فمثل
عند اختيار عينة حجمها 10 % من المجتمع،يجب اختيار واحد من
1( من هذا المجتمع حيث يتم سحب رقم ما بطريقة / عشرة) 10
عشوائية من واحد إلي عشرة، وليكن الرقم 5 مثل، فتكون مفردات
35 ...ألخ. -25-15- العينة هي كالتالي: 5
أمثلة:
-1 اختار عينة منتظمة حجمها 5% من المجتمع الصلي.
-2 اختار عينة منتظمة حجمها 25 % من المجتمع الصلي.


) Stratified Sample( -3 العينة الطبقية
في هذه الحال ة يت م تقس يم المجتم ع إل ي طبقات أو مجموعات
متجانس ة، عمري ة أ و مهنية...أل خ، ول ب د أن تكون الطبقات
التي يقسم إليها المجتمع متجانسة، وقد يتم سحب العينة من
المجتمع كل مجتمع فرعي باحدي الطرق التية:
إذا سحب من كل مجتمع فرعي عينة عشوائية بسيطة، تسمي 
العينة الناتجة من المجتمع ”العينة الطبقية العشوائية“.
إذا سحب من كل مجتمع فرعي، عينة منتظمة تسمي العينة 
الناتجة من المجتمع ”العينة الطبقية المنتظمة“.


Multi-Stage( -4 العينة متعددة المراحل) Sample
لإختيار عينة متعددة المراحل يقسم المجتمع إلي وحدات أولية، ويتم
سحب عينة منها تسمي ”المرحلة الولي للعينة“، ثم تقسم كل وحدة من
وحدات المرحلة الولي المختارة إلي وحدات أصغر منها، ويؤخذ منها
عينة أخري تسمي ”المرحلة الثانية من العينة“، ثم تقسم كل وحدة من
وحدات المرحل ة الثاني ة إل ي وحدات أص غر منه ا، تؤخ ذ منه ا عينة
تسمي ”المرحلة الثالثة من العينة“...ألخ.حتي نصل إلي عينة مختارة
ممثلة للمجتمع.
مثال:
عينة متعددة المراحل ممثلة لطلبة المدارس الثانوية في مصر.

) Quota -Sample( -5 العينة الحصصية

الحصائية، ويتم الختيار في هذا النوع من العينات علي
أساس تقسيم المجتمع إلي طبقات طبقا لبعض معلمات
المجتمع الصلي، ثم نختار عدد من الوحدات يتناسب من
حجم هذه الطبقة في المجتمع، وبذلك نحصل علي عينة تمثل
فيها الطبقات المختلفة بنفس أهميتها في المجتمع.
وتسمي إيضا هذه العينة باسم ”العينة الطبقية غير العشوائية“.

Purposive or Judgment( -6 العينة العمدية أو التحكمية)Sample
في العينة العمدية أو التحكمية يختار الباحث مفردات العينة بصورة
متعمدة، بحيث تتوافر فيها شروط معينة، أ ي أ ن العينة تتكون طبقا
لحاجات محددة للباحث.
ويلحظ إيضا أنه لابد أن يراعي الباحث أن تكون عينته العمدية ممثلة
للمجتمع، بمعني أنه عليه أ ن يراعي نسب تواجد كل فئة من فئات
المجتمع في عينته.
وتستخدم هذه العينة بكثرة في الدراسات التي تهتم بجماعات أو
فئات معينة، مثلًً :
- دراسة عن دور المثقف العضوي في المجتمع.
- دراسة عن الجنود المريكيين الجرحي في العراق

Snowball or Network( -7 العينة العنقودية أو الشبكية)Sample
وهي عبارة عن نوع خاص من العينة التحكمية أو العمدية. 
بحيث يتم أختيار عدد محدود من أفراد تتوافر لديهم 
الخصائص التي يحتاج إليها الباحث في دراسته.
ويستخدم هؤلاء الأفراد لإنضمام آخرين، بمعني أن يطلب من 
كل فرد أن يقوم بتحديد واختيار الآخرين.
وبذلك تصبح العينة المختارة أقرب إلي الشكل العنقودي.

) Convenience Sample( -8 العينة المتاحة

هنا يتعامل الباحث بشكل عرضي مع مجموعة من أفراد المجتمع للإجابة علي 
استمارة استبيان مثلًًا.
ويستمر في ذلك مع مجموعات أخري من هؤلء الفراد إلي أن يحصل علي عدد 
الجابات المطلوبة والمناسبة والتي أتيحت عرضاًً لغراض البحث.
فتسمي هذه العينة عينة متاحة أو عينة عرضية لن أفراداها جاءوا دون ترتيب 
مسبق.
ولتقليل نسبة الخطأ العشوائي في هذا النوع من العينات، يمكن مقارنة خصائص 
هذه العينة بأخري أختيرت بصورة عشوائية من قبل، وحاول أن تنوع قدر
المكان في ايام ومواقع وتوقيتات اختيار العينة من أجل أن تعكس بهذا التنوع
جزء من الإختلف الموجود في المجتمع الصلي، وان يتم مقارنة خصائص
المعروفة عن المجتمع. )Parameters( العينة المختارة ببعض المعلمات


شكل يوضح الترتيب التفضيلي لنواع العينات
العينة العشوائية
البسيطة
العينة المتاحة العينة التحكمية العينة متعددة
المراحل العينة المنتظمة
العينة العنقودية العينة الحصصية العينة الطبقية
تزداد درجة التفضيل
العينات غير الحتمالية العينات الحتمالية

spisos
26-02-2009, 21:04
إلى akuntalbi:

نشأة صندوق النقد الدولي

تبلورت فكرة صندوق النقد الدولي في يوليو 1944 أثناء مؤتمر للأمم المتحدة عقد في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية عندما اتفق ممثلو خمس وأربعين حكومة على إطار للتعاون الاقتصادي يستهدف تجنب تكرار كارثة السياسات الاقتصادية الفاشلة التي أسهمت في حدوث الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن العشرين.
فخلال هذا العقد، ومع ضعف النشاط الاقتصادي في البلدان الصناعية الكبرى، حاولت البلدان المختلفة الدفاع عن اقتصاداتها بزيادة القيود المفروضة على الواردات، ولكن هذا الإجراء لم يؤد إلا إلى تفاقم دائرة الانخفاض التي يتعاقب فيها هبوط التجارة العالمية والناتج وتوظيف العمالة. ومن أجل المحافظة على الاحتياطيات المتناقصة من الذهب والعملات الأجنبية لجأت بعض البلدان إلى تقييد حرية مواطنيها في الشراء من الخارج، وقامت بلدان أخرى بتخفيض أسعار عملاتها، بينما فرض البعض الآخر قيوداً معقدة على حرية حيازة المواطنين للعملات الأجنبية. على أن هذه الحلول أدت إلى نتائج عكسية، ولم يتمكن أي بلد من المحافظة على ميزته التنافسية لفترة طويلة. وقد أدت سياسات "إفقار الجار" هذه إلى تدمير الاقتصاد الدولي، فتناقصت التجارة العالمية تناقصاً حاداً وكذلك توظيف العمالة ومستويات المعيشة في بلدان كثيرة.
و منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مر الاقتصاد العالمي والنظام النقدي بتغيرات أخرى كبيرة، وهي تغيرات أبرزت أهمية الأغراض التي يخدمها صندوق النقد الدولي وأثبتت ضرورتها، وإن كانت قد تطلبت من الصندوق أيضاً أن يتكيف مع المستجدات ويشرع في جهود الإصلاح. كذلك فإن التقدم السريع في مجال التكنولوجيا والاتصالات قد أسهم بدوره في زيادة التكامل الدولي بين الأسواق وتوثيق الروابط بين الاقتصادات الوطنية. ومن ثم فإن الأزمات المالية التي تنفجر في عالم اليوم غالباً ما تنتشر بين البلدان بسرعة أكبر من ذي قبل.
وفي عالم اليوم الذي يزداد تكاملاً وتكافلاً يوماً بعد يوم، يعتمد تحسن الأحوال في أي بلد أكثر من أي وقت مضى على الأداء الاقتصادي في البلدان الأخرى ووجود بيئة اقتصادية عالمية مفتوحة ومستقرة. وبالمثل فإن السياسات المالية والاقتصادية التي تنتهجها فرادى البلدان تؤثر على مدى نجاح أو فشل سير النظام التجاري ونظام المدفوعات العالميين.ومن هنا تتطلب العولمة توثيق التعاون الدولي، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة مسؤوليات المؤسسات الدولية القائمة على تنظيم هذا التعاون، بما فيها صندوق النقد الدولي.
وقد ازدادت أهمية الأهداف التي يتوخاها صندوق النقد الدولي لسبب بسيط آخر، ألا وهو اتساع نطاق عضويته. ذلك أن عدد البلدان الأعضاء قد تجاوز أربعة أمثال عدد البلدان التي شاركت في إنشائه، وعددها 45 بلداً (184 دولة حاليا)، مما يرجع بشكل خاص إلى حصول كثير من البلدان النامية على استقلالها ثم انهيار الكتلة السوفييتية مؤخراً.
والحق أن اتساع عضوية صندوق النقد الدولي، إلى جانب التغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي، قد تطلبت من الصندوق أن يتكيف مع المستجدات بسبل مختلفة حتى يتسنى له الاستمرار في خدمة أهدافه على نحو فعال.
وفي نفس الوقت الذي أنشئ فيه صندوق النقد الدولي، أنشئ البنك الدولي للإنشاء والتعمير المعروف باسم البنك الدولي بغية تشجيع التنمية الاقتصادية طويلة الأجل من خلال سبل شتى تتضمن تمويل مشاريع البنية التحتية، مثل بناء الطرق وتحسين إمدادات المياه.
وتجدر الإشارة إلى تكامل عمل صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي – التي تضم المؤسسة الدولية للتمويل (IFC) والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA). فبينما يركز صندوق النقد الدولي في المقام الأول على أداء الاقتصاد الكلي وسياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي، ينصب اهتمام البنك الدولي على القضايا الأطول أجلاً المتعلقة بالتنمية وتخفيف حدة الفقر. وتضم أنشطة البنك الدولي تقديم القروض إلى البلدان النامية وبلدان التحول الاقتصادي لتمويل مشاريع البنية التحتية وإصلاح قطاعات بعينها في الاقتصاد والإصلاحات الهيكلية الأوسع نطاقاً. أما صندوق النقد الدولي فلا يقدم التمويل لقطاعات أو مشاريع بعينها، وإنما لغرض تقديم دعم عام لميزان المدفوعات والاحتياطيات الدولية في البلد المعني في الوقت الذي يقوم فيه ذلك البلد باتخاذ إجراءات على صعيد السياسات لمواجهة ما يمر به من مصاعب.
وعند إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك المركزي، كان هناك تفكير في إنشاء منظمة تعمل على تشجبع تحرير التجارة العالمية. ولكن إنشاء منظمة التجارة العالمية لم يتحقق إلا في عام 1995، وكانت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (غات) هي الأساس الذي تستند إليه معالجة قضايا التجارة حتى ذلك الحين.

يختص صندوق النقد الدولي باداء سياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي ويركز الصندوق أساساً على السياسات الاقتصادية الكلية للبلدان - أي السياسات المتعلقة بميزان الحكومة، وإدارة النقد والائتمان وسعر الصرف - وسياسات القطاع المالي بما في ذلك تنظيم البنوك والمؤسسات المالية الأخرى والرقابة عليها. وإضافة إلى ذلك يوجه صندوق النقد الدولي اهتماماً كافياً للسياسات الهيكلية التي تؤثر على أداء الاقتصاد الكلي - بما في ذلك سياسات سوق العمل التي تؤثر على سلوك التوظيف والأجور. ويقدم الصندوق المشورة لكل بلد عضو حول كيفية تحسين سياسته في هذه المجالات، بما يتيح مزيداً من الفاعلية في السعي لبلوغ أهداف مثل ارتفاع معدل توظيف العمالة، وانخفاض التضخم، وتحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستمرار - أي النمو الذي يمكن أن يستمر بغير أن يؤدي إلى مصاعب كالتضخم ومشكلات ميزان المدفوعات.
يهدف صندوق النقد الدولي إلي :

1. التوسع المتوازن في التجارة العالمية،
2. تحقيق استقرار أسعار الصرف،
3. تجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات،
4. إجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات
ولتحقيق هذه الأهداف، يقوم الصندوق بالوظائف و الأدوار التالية:
• مراقبة التطورات والسياسات الاقتصادية والمالية في البلدان الأعضاء وعلى المستوى العالمي، وتقديم المشورة بشأن السياسات المتبعة بالدول الأعضاء.
• إقراض البلدان الأعضاء التي تمر بمشكلات في موازين مدفوعاتها، ليس فقط لإمدادها بالتمويل المؤقت وإنما أيضاً لدعم سياسات التصحيح والإصلاح الرامية إلى حل مشكلاتها الأساسية.
• تقديم المساعدة الفنية والتدريب في مجالات خبرة الصندوق إلى حكومات البلدان الأعضاء وبنوكها المركزية.
• توفير منتدى دولي لمناقشة السياسات الاقتصادية الوطنية في سياق عالمي وإنما أيضاً لمناقشة القضايا المهمة لاستقرار النظام النقدي المالي الدولي. وتضم هذه القضايا اختيار البلدان لنظم أسعار الصرف، وتجنب تدفقات رؤوس الأموال الدولية المخلة بالاستقرار، ووضع معايير وقواعد معترف بها دولياً للسياسات والمؤسسات
.

إدارة الصندوق والهيكل التنظيمي:

مجلس المحافظين، الذي يضم ممثلين لكل البلدان الأعضاء، هو صاحب السلطة العليا في إدارة صندوق النقد الدولي، وهو يجتمع في العادة مرة واحدة سنوياً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويقوم كل بلد عضو بتعيين محافظ – عادة ما يكون هو وزير المالية أو محافظ البنك المركزي في ذلك البلد – ومحافظ مناوب. ويبت مجلس المحافظين في قضايا السياسات الكبرى، ولكنه فوض المجلس التنفيذي في اتخاذ القرارات المتعلقة بأعمال الصندوق اليومية.
ويجري النظر في قضايا السياسات الأساسية المتعلقة بالنظام النقدي الدولي مرتين سنوياً في إطار لجنة من المحافظين يطلق عليها اسم اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، (وهي التي كانت تعرف باسم اللجنة المؤقتة حتى سبتمبر 1999). أما لجنة التنمية ، وهي لجنة مشتركة بين مجلس محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهي تقدم المشورة إلى المحافظين وترفع إليهم تقاريرها حول سياسات التنمية والمسائل الأخرى التي تهم البلدان النامية.
ويتألف المجلس التنفيذي من 24 مديراً، ويرأسه المدير العام للصندوق؛ ويجتمع المجلس التنفيذي عادة ثلاث مرات في الأسبوع في جلسات يستغرق كل منها يوماً كاملاً، ويمكن عقد اجتماعات إضافية إذا لزم الأمر، وذلك في مقر الصندوق في واشنطن العاصمة. وتخصص مقاعد مستقلة في المجلس التنفيذي للبلدان المساهمة الخمسة الكبرى – وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة – إلى جانب الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية. أما المديرون الستة عشر الآخرون فتتولى انتخابهم مجموعات من البلدان تعرف باسم الدوائر الانتخابية (constituencies) لفترات مدتها عامين
ويضطلع المجلس التنفيذي باختيار المدير العام، الذي يتولى رئاسة المجلس إلى جانب قيادته لخبراء وموظفي الصندوق وتسييره لأعماله بتوجيه من المجلس التنفيذي. ويعين المدير العام لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، ويساعده في عمله نائب أول ونائبان آخران.
والعاملون في صندوق النقد الدولي موظفون مدنيون دوليون مسؤولون أمام الصندوق، وليس أمام سلطاتهم الوطنية. ويعمل بالصندوق حوالي 2800 موظف ينتمون إلى 133 بلداً. ويشكل الاقتصاديون ثلثي الموظفين الفنيين في الصندوق تقريباً. ويضم الصندوق 22 إدارة ومكتباً يرأسها مديرون مسؤولون أمام المدير العام. ومعظم موظفي الصندوق يعملون في واشنطن العاصمة، وإن كان هناك حوالي ثمانون ممثلاً مقيماً للصندوق في البلدان الأعضاء للمساعدة في تقديم المشورة بشأن السياسة الاقتصادية. وللصندوق مكاتب في باريس وطوكيو للاتصال بالمؤسسات الدولية والإقليمية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني، كما أن له مكاتب في نيويورك وجنيف هدفها الأساسي الاتصال بالهيئات الأخرى في منظومة الأمم المتحدة.

موارد الصندوق:

المصدر الرئيسي لموارد صندوق النقد الدولي هو اشتراكات الحصص (أو رأس المال) التي تسددها البلدان عند الانضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص. وتدفع البلدان 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة أو بإحدى العملات الرئيسية، مثل دولار الولايات المتحدة أو الين الياباني. ويمكن للصندوق أن يطلب إتاحة المبلغ المتبقي، الذي يدفعه البلد العضو بعملته الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة. وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته وحجم التمويل المتاح له من الصندوق ونصيبه من مخصصات حقوق السحب الخاصة.
والهدف من الحصص عموماً هو أن تكون بمثابة مرآة لحجم البلد العضو النسبي في الاقتصاد العالمي؛ فكلما ازداد حجم اقتصاد العضو من حيث الناتج وازداد اتساع تجارته وتنوعها، ازدادت بالمثل حصته في الصندوق. والولايات المتحدة الأمريكية، أكبر اقتصاد في العالم، تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص. أما سيشيل، أصغر اقتصاد في العالم، فتسهم بحصة مقدارها 0.004%. وقد بدأ تنفيذ ما خلصت إليه مراجعة الحصص (الحادية عشرة) في يناير 1999، فازدادت الحصص في صندوق النقد الدولي (لأول مرة منذ عام 1990) بمقدار 45% تقريباً لتبلغ 212 بليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 290 بليون دولار أمريكي).
ويجوز للصندوق الاقتراض، عند الضرورة، من أجل تكميل الموارد المتاحة من حصصه. ولدى الصندوق مجموعتان من اتفاقات الاقتراض الدائمة لاستخدامها عند الحاجة لمواجهة أي تهديد للنظام النقدي الدولي:
• الاتفاقات العامة للاقتراض (GAB) التي تم إنشاؤها في عام 1962 ويشارك فيها أحد عشر مشتركاً (حكومات مجموعة البلدان الصناعية العشرة وسويسرا أو بنوكها المركزية)؛


و حقوق السحب الخاصة (SDR)، هي أصل احتياطي دولي أنشأه الصندوق في عام 1969 (بموجب التعديل الأول لاتفاقية تأسيسه) نتيجة لقلق البلدان الأعضاء من احتمال عدم كفاية المخزون المتوفر آنذاك والنمو المتوقع في الاحتياطيات الدولية لدعم التوسع في التجارة العالمية. وكانت أهم الأصول الاحتياطية في ذلك الحين هي الذهب ودولار الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يشأ الأعضاء أن تعتمد الاحتياطيات العالمية على إنتاج الذهب بما ينطوي عليه من تقلبات كامنة، وعلى العجز المتواصل في ميزان مدفوعات الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي كان مطلوباً لتحقيق نمو مستمر في الاحتياطيات بالدولار الأمريكي. وتم استحداث حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي تكميلي يمكن لصندوق النقد الدولي "تخصيصه" للبلدان الأعضاء بصفة دورية حين تنشأ الحاجة. كما يمكن له إلغاؤه إذا ما اقتضت الضرورة.
وحقوق السحب الخاصة – التي تعرف أحياناً باسم "الذهب الورقي" رغم تجردها من الوجود المادي – يتم تخصيصها للبلدان الأعضاء (في صورة قيود دفترية) كنسبة مئوية من حصصها. وقد خصص الصندوق حتى الآن 21.4 بليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 29 بليون دولار أمريكي) للبلدان الأعضاء، وكان آخر تخصيص هو الذي تم في عام 1981 عندما تم تخصيص 4.1 بليون وحدة حقوق سحب خاصة لعدد 141 بلداً كانت هي أعضاء الصندوق في ذلك الحين. ومنذ عام 1981، لم ير الأعضاء حاجة لإجراء تخصيص عام آخر لحقوق السحب الخاصة، وهو ما يرجع في جانب منه إلى نمو أسواق رأس المال الدولية. ولكن في سبتمبر 1997، مع ازدياد عدد البلدان الأعضاء في الصندوق – التي تضمنت بلداناً لم تكن قد تلقت أي تخصيص بعد – اقترح مجلس المحافظين إدخال تعديل رابع على اتفاقية تأسيس الصندوق. وعند الموافقة على هذا التعديل بالأغلبية المطلوبة من أصوات الحكومات الأعضاء، فسوف يصرح الصندوق بإجراء تخصيص خاص لمرة واحدة "لتحقيق المساواة" بمقدار 21.4 بليون وحدة حقوق سحب خاصة، على أن يتم توزيعها على نحو يرفع نسبة مخصصات كل الأعضاء من حقوق السحب الخاصة التراكمية إلى حصصها لتصل إلى مستوى معياري مشترك.


يساعد صندوق النقد الدولي أعضاءه عن طريق ما يلي:

• استعراض التطورات المالية والاقتصادية الوطنية والعالمية ومتابعتها، وتقديم المشورة للأعضاء بشأن سياساتهم الاقتصادية.
• إقراض الأعضاء بالعملات الصعبة لدعم سياساتهم الخاصة بالتعديل والإصلاح التي تستهدف تصحيح مشكلات ميزان المدفوعات وتشجيع النمو القابل للاستمرار.
• تقديم مجموعة كبيرة ومتنوعة من أشكال المساعدة الفنية وتوفير التدريب للعاملين في الحكومات والبنوك المركزية، وذلك في مجالات اختصاص الصندوق وخبراته.
أولا: تقديم المشورة بشأن السياسات والإشراف العالمي

تدعو اتفاقية تأسيس صندوق النقد الدولي إلى قيام الصندوق بالإشراف على النظام النقدي الدولي، بما في ذلك ممارسة "الرقابة" الدقيقة – أي الإشراف – على سياسات أسعار الصرف في بلدانه الأعضاء. وطبقاً للاتفاقية، يتعهد كل بلد عضو بالتعاون مع الصندوق في جهوده الرامية إلى ضمان وجود ترتيبات صرف منظمة وتشجيع وجود نظام مستقر لأسعار الصرف.
وعلى نحو أكثر تحديداً، توافق البلدان الأعضاء على توجيه سياساتها نحو أهداف النمو الاقتصادي المنظم مع مستوى معقول من استقرار الأسعار، بالإضافة إلى إرساء أوضاع مالية واقتصادية أساسية منظمة، وتجنب التلاعب في أسعار الصرف لتحقيق ميزة تنافسية غير عادلة. وبالإضافة إلى ذلك، يتعهد كل بلد عضو بأن يقدم للصندوق المعلومات اللازمة لممارسة دوره الرقابي على نحو فعال. وقد اتفق الأعضاء على أن رقابة الصندوق لسياسات أسعار الصرف في كل بلد عضو ينبغي أن تتم في إطار تحليل شامل للحالة الاقتصادية العامة واستراتيجية السياسات الاقتصادية في البلد المعني.
ومن شأن المتابعة المنتظمة للاقتصادات حسبما تقتضي رقابة الصندوق، وما يرتبط بذلك من تقديم المشورة بشأن السياسات، أن تساعد في التنبيه إلى الأخطار قبل تحققها وتمكين البلدان الأعضاء من التصرف في الوقت المناسب لتجنب أية متاعب.
ويمارس الصندوق دوره الإشرافي بطرق ثلاث:
الرقابة القطرية ، وهي تتخذ شكل مشاورات شاملة منتظمة (تعقد على أساس مستوى في العادة) مع فرادى البلدان الأعضاء حول سياساتها الاقتصادية و يقوم فريق من خبراء الصندوق بزيارة البلد المعني لجمع البيانات الاقتصادية والمالية وعقد مناقشات مع المسؤولين في الحكومة والبنك المركزي حول السياسات الاقتصادية للبلد المعني في سياق آخر التطورات. ويقوم الفريق باستعراض سياسات البلد الاقتصادية الكلية (الخاصة بالمالية العامة والشؤون النقدية وأسعار الصرف)، وتقييم مدى سلامة النظام المالي، وتفحص قضايا السياسات الصناعية والاجتماعية وتلك الخاصة بالعمالة وسلامة الحكم والإدارة والبيئة وغيرها مما يمكن أن يؤثر على سياسات وأداء الاقتصاد الكلي. ويقدم الفريق بعد ذلك تقريراً إلى المجلس التنفيذي عما خلص إليه من نتائج، بعد الحصول على موافقة الإدارة، ويقوم المجلس بمناقشة التحليل الوارد في التقرير ثم تحال آراؤه إلى حكومة البلد المعني في شكل ملخص يصدره رئيس المجلس. وبهذه الطريقة تكتسب آراء المجتمع الدولي والدروس المستخلصة من التجربة الدولية وزناً مؤثراً على سياسات البلد المعني.
ويكمل الصندوق مشاوراته المعتادة سنوياً مع البلدان الأعضاء بزيارات إضافية يقوم بها الخبراء إلى هذه البلدان كلما دعت الحاجة، كما يعقد المجلس التنفيذي العديد من الاجتماعات غير الرسمية لاستعراض التطورات المالية والاقتصادية في بلدان أعضاء ومناطق مختارة.
الرقابة العالمية، وهي تستتبع قيام المجلس التنفيذي للصندوق باستعراض الاتجاهات والتطورات الاقتصادية العالمية. وتستند أهم الاستعراضات من هذا النوع إلى تقارير "آفاق الاقتصاد العالمي" التي يعدها خبراء الصندوق، وهي تتم في العادة مرتين سنوياً قبل الاجتماعات نصف السنوية للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية. وتنشر التقارير بالكامل قبل اجتماعات هذه اللجنة، إلى جانب ملخصات رئيس المجلس التنفيذي لمناقشات المجلس. ومن العناصر الأخرى في عملية الرقابة العالمية التي يقوم بها الصندوق المناقشات السنوية المعتادة التي يعقدها المجلس حول التطورات والآفاق المستقبلية وقضايا السياسات في أسواق رأس المال الدولية، وهي موضوعات يتم نشر تقارير خبراء الصندوق بشأنها أيضاً. كذلك يعقد المجلس التنفيذي مناقشات غير رسمية أكثر تواتراً حول ما يجري في العالم من تطورات اقتصادية ومستجدات في الأسواق.
الرقابة الإقليمية، وبموجبها يدرس صندوق النقد الدولي السياسات المتبعة طبقاً لاتفاقيات إقليمية. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، مناقشات المجلس التنفيذي للتطورات في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا والجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا والاتحاد النقدي لدول شرق الكاريبي.
كذلك تشارك إدارة الصندوق وموظفوه في مناقشات الرقابة المتعلقة بمجموعات مثل مجموعة السبعة (أي مجموعة البلدان الصناعية الرئيسية السبعة) ومجلس التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ (APEC).

ثانيا: الإقراض لمساعدة البلدان المتعثرة

يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً بالعملات الأجنبية للبلدان التي تواجه مشكلات في ميزان المدفوعات. ومن شأن هذه القروض أن تخفف من صعوبة التصحيح الذي يتعين على البلد المعني إجراؤه للتوفيق بين إنفاقه ودخله بغية معالجة المشكلات التي يواجهها على صعيد ميزان المدفوعات. كذلك تستهدف هذه القروض دعم السياسات، بما في ذلك الإصلاحات الهيكلية، التي يمكن أن تحسن مركز ميزان المدفوعات وآفاق النمو على أساس دائم.
ويمكن لأي بلد عضو أن يلجأ إلى صندوق النقد الدولي للحصول على التمويل اللازم لأغراض ميزان المدفوعات، أي إذا احتاج إلى قرض رسمي ليتمكن من سداد مدفوعاته الخارجية والحفاظ على مستوى مناسب من الاحتياطات بغير أن يتخذ تدابير ضاغطة علي الوطني أو الدولي.
ما هي البرامج المدعمة بموارد صندوق النقد الدولي؟
عندما يتوجه أحد البلدان إلى صندوق النقد الدولي طالباً التمويل، فهو إما أن يكون في أزمة اقتصادية فعلية أو على وشك الوقوع فيها؛ فعملته تكون هدفاً للمضاربة في أسواق الصرف الأجنبي واحتياطياته مستنفدة ونشاطه الاقتصادي راكداً أو آخذاً في الهبوط وحالات الإفلاس فيه آخذة في الزيادة. ولاستعادة سلامة مركز المدفوعات الخارجية في هذا البلد واسترداد الظروف المواتية لتحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار فيه، ينبغي الجمع بشكل ما بين عملية التصحيح الاقتصادي والتمويل الرسمي و/أو الخاص.
ويقدم الصندوق المشورة إلى سلطات البلد المعني فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية التي ينتظر أن تعالج المشكلات القائمة بأقصى درجة من الفعالية. ولكي يقدم الصندوق التمويل المطلوب، لابد أن يتوصل إلى اتفاق مع السلطات حول برنامج للسياسات يستهدف تحقيق أهداف كمية محددة فيما يتصل بسلامة المركز الخارجي، والاستقرار المالي والنقدي، والنمو القابل للاستمرار. ويتم توضيح تفاصيل هذا البرنامج في "خطاب نوايا" توجهه الحكومة إلى مدير عام الصندوق.
أدوات الإقراض في صندوق النقد الدولي وتطورها
يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً بموجب مجموعة متنوعة من السياسات أو "التسهيلات" التي تبلورت بمرور السنين لمواجهة احتياجات البلدان الأعضاء. وتختلف المدة وشروط السداد والإقراض في كل من هذه التسهيلات حسب أنواع المشكلات التي تواجه ميزان المدفوعات والظروف التي يتعامل معها التسهيل المعني
ويقدم الصندوق معظم التمويل إلى البلدان الأعضاء من خلال ثلاثة أنواع مختلفة من سياسات الإقراض:
اتفاقات الاستعداد الائتماني وهي تشكل لب سياسات الإقراض في الصندوق. وقد استخدمت لأول مرة في عام 1952، وهدفها الأساسي هو معالجة مشكلات ميزان المدفوعات قصيرة الأجل.
أما الاتفاقات الممددة متوسطة الأجل، التي تعقد بموجب تسهيل الصندوق الممدد، فهي لخدمة البلدان التي تمر بمصاعب في ميزان المدفوعات تتعلق بمشكلات هيكلية، وهي مشكلات قد يستغرق تصحيحها فترة أطول مما يحدث بالنسبة لجوانب الضعف في الاقتصاد الكلي. وتضم السياسات الهيكلية المرتبطة بالاتفاقات الممددة الإصلاحات التي تستهدف تحسين طريقة عمل الاقتصاد، مثل الإصلاحات الضريبية وإصلاحات القطاع المالي، وخصخصة المؤسسات العامة، وإجراءات تعزيز المرونة في أسواق العمل.
ويقدم الصندوق منذ أواخر السبعينات قروضاً ميسرة لمساعدة أفقر بلدانه الأعضاء في تأمين سلامة مراكزها الخارجية، وتحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار، وتحسين مستويات المعيشة. وقد التسهيل الميسر الحالي، وهو تسهيل النمو والحد من الفقر (PRGF) محل التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي (ESAF) في نوفمبر 1999، حتى يصبح الحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي الهدفين الأساسيين لبرامج السياسات في البلدان المعنية.
وفي أواخر التسعينات، استحدث الصندوق تسهيلات تستهدف مساعدة البلدان في مواجهة الفقدان المفاجئ لثقة الأسواق، ومنع "عدوى" الأزمات – أي امتداد الأزمات المالية إلى البلدان ذات السياسات الاقتصادية السليمة

تسهيلات إقراض مختارة لدى صندوق النقد الدولي

اتفاقات الاستعداد الائتماني (Stand-By Arrangements): وتمثل هذه الاتفاقات جوهر سياسات الإقراض في الصندوق. ويعتبر اتفاق الاستعداد الائتماني بمثابة تأكيد للبلد العضو بأنه يستطيع السحب من موارد الصندوق إلى حد معين، على مدى فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً في العادة، لمعالجة ما يواجهه من مشكلات قصيرة الأجل في ميزان المدفوعات.
تسهيل الصندوق الممدد (Extended Fund Facility): يعتبر الدعم الذي يقدمه الصندوق للبلدان الأعضاء طبقاً لتسهيل الصندوق الممدد بمثابة تأكيد للبلد العضو بأنه يستطيع السحب من موارد الصندوق إلى حد معين، على مدى فترة تتراوح بين ثلاثة إلى أربع سنوات في العادة، لمساعدته في معالجة المشكلات الاقتصادية الهيكلية التي تتسبب في إيجاد مواطن ضعف خطيرة في ميزان مدفوعاته.
تسهيل النمو والحد من الفقر (Poverty Reduction and Growth Facility): (الذي حل محل التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي في نوفمبر 1999). هو تسهيل بسعر فائدة منخفض هدفه مساعدة أفقر البلدان الأعضاء التي تواجه مشكلات مطولة في ميزان المدفوعات اما التكاليف التي يتحملها المقترض فهي تكاليف مدعمة بالموارد المتحققة من المبيعات الماضية للذهب المملوك للصندوق، إلى جانب القروض والمنح التي يقدمها البلدان الأعضاء إلى الصندوق خصيصاً لهذا الغرض.
تسهيل الاحتياطي التكميلي (Supplemental Reserve Facility): هو تسهيل يوفر تمويلاً إضافياً قصير الأجل للبلدان الأعضاء التي تعاني صعوبة استثنائية في ميزان المدفوعات نتيجة لفقدان ثقة السوق بشكل مفاجئ ومثير للاضطراب تتمثل مظاهره في تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج. ويتضمن سعر الفائدة على القروض بموجب تسهيل الاحتياطي التكميلي رسماً إضافياً يضاف إلى سعر الفائدة العادي على قروض الصندوق.
خطوط الائتمان الطارئ (Contingent Credit Lines): هي خطوط دفاع وقائية تمكن البلدان الأعضاء القائمة بتطبيق سياسات اقتصادية قوية من الحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي على أساس قصير الأجل عندما تواجه بفقدان ثقة الأسواق على نحو مفاجئ ومثير للاضطراب بسبب امتداد عدوى المصاعب الآتية من بلدان أخرى.
مساعدات الطوارئ (Emergency Assistance): استحدثت مساعدات الطوارئ في عام 1962 لمساعدة البلدان في مواجهة مشكلات ميزان المدفوعات الناشئة عن الكوارث الطبيعية المفاجئة التي لا يمكن التنبؤ بها. وقد تم التوسع في هذا النوع من المساعدة في عام 1995 لتغطية مواقف معينة تكون البلدان الأعضاء قد خرجت فيها لتوها من صراعات مسلحة أفضت إلى ضعف مفاجئ في قدراتها الإدارية والمؤسسية
أهم سمات الإقراض المقدم من الصندوق

• صندوق النقد الدولي ليس وكالة للمعونة أو بنكاً للتنمية، فهو يقدم القروض لمساعدة بلدانه الأعضاء على معالجة مشكلات ميزان المدفوعات واستعادة النمو الاقتصادي القابل للاستمرار. ويتم إيداع النقد الأجنبي المقدم، الذي تتعين حدوده القصوى حسب حصة البلد العضو في الصندوق، لدى البنك المركزي في البلد المعني لدعم احتياطياته الدولية وبالتالي إعطاء دعم عام لميزان المدفوعات. وعلى عكس القروض التي تقدمها وكالات التنمية، فإن أموال صندوق النقد الدولي لا تقدم لتمويل مشاريع أو أنشطة بعينها.
• قروض الصندوق مشروطة بالسياسات، قروض الصندوق مشروطة بالسياسات، بمعنى أن البلد المقترض لابد أن يعتمد سياسات تعمل على تصحيح مشكلة ميزان المدفوعات. وتساعد الشرطية المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي على ضمان عدم استخدام البلد المعني لقروض الصندوق لمجرد تأجيل الاختبارات الصعبة وإنشاء مزيد من الديون، والتأكد من قدرته على تعزيز اقتصاده وسداد المبلغ المقترض. ولابد أن يتفق البلد المقترض وصندوق النقد الدولي على إجراءات السياسة الاقتصادية اللازمة. كذلك فإن الصندوق يقوم بصرف القروض على مراحل ترتبط بتنفيذه لالتزاماته المقررة على صعيد السياسات. وخلال الفترة 2000-2001، عمل الصندوق على ترشيد هذه الشرطية - بجعلها أكثر تركيزاً على سياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي وأقل تدخلاً فيما تختاره البلدان من سياسات، مما يزيد من شعور البلد بملكية برامج السياسات ويزيد من درجة فعاليتها.
• قروض الصندوق مؤقتة؛ فحسب تسهيل الإقراض المستخدم، يمكن أن تصرف القروض على فترات قد تقصر لتصل إلى ستة شهور أو تطول لتصل إلى أربع سنوات. وتتراوح فترة السداد بين 3.25 إلى 5 سنوات للقروض قصيرة الأجل (بموجب اتفاقات الاستعداد الائتماني) أو 4.5 إلى 10 سنوات للتمويل متوسط الأجل (بموجب الاتفاقات الممددة) . ولكن المجلس التنفيذي وافق في نوفمبر 2000 على استحداث آلية توقع السداد المبكر( Early Repayment Expectation ) – أي في فترة تتراوح بين 2.25 إلى 4 سنوات لاتفاقات الاستعداد الائتماني و 4.5 إلى 7 سنوات للاتفاقات الممددة. أما فترة سداد القروض المقدمة إلى البلدان ذات الدخل المنخفض بموجب تسهيل الإقراض الميسر المعروف باسم تسهيل النمو والحد من الفقر (PRGF) فهي 10 سنوات، مع فترة سماح طولها خمس سنوات ونصف لسداد أصل القرض.

• يتوقع الصندوق من المقترضين إعطاء أولوية لسداد قروضه. فالبلد المقترض يجب أن يسدد قرض الصندوق في الموعد المحدد، حتى تتوفر الأموال لإقراض بلدان أخرى تحتاج إلى التمويل لأغراض ميزان المدفوعات. ويطبق الصندوق إجراءات رادعة لمنع تراكم المتأخرات أو عدم سداد المدفوعات أو رسوم الفائدة. ولكن الأهم من ذلك كله هو الوزن الذي يعطيه المجتمع الدولي لوضع صندوق النقد الدولي كدائن ممتاز؛ فهو يضمن أن يكون الصندوق من أوائل المقرضين الذين تسدد قروضهم، رغم أنه في العادة هو آخر مقرض يقدم على تقديم الأموال إلى البلدان بعد أن تصبح قدرة البلد المعني على الوفاء بالتزاماته موضع شك واضح.

المساعدة الفنية والتدريب

لعل ما اشتهر به صندوق النقد الدولي هو تقديم المشورة بشأن السياسات إلى البلدان الأعضاء ومنحها قروضاً مربوطة بالسياسات في أوقات الأزمات الاقتصادية. على أن الصندوق يتيح للبلدان الأعضاء الاستفادة أيضاً من خبراته الفنية على أساس منتظم من خلال توفير المساعدة الفنية والتدريب في مجموعة كبيرة من المجالات، مثل أنشطة البنوك المركزية، والسياسات النقدية وسياسات أسعار الصرف، والسياسات والإدارة الضريبية، والإحصاءات الرسمية. والهدف من وراء ذلك هو العمل على تعزيز قدرة الأعضاء على تصميم السياسات الاقتصادية وتنفيذها، وهو ما يتم بسبل متعددة تتضمن تعزيز المهارات في المؤسسات المسؤولة، مثل وزارات المالية والبنوك المركزية. وتعد المساعدة الفنية عنصراً مكملاً لما يقدمه الصندوق إلى البلدان الأعضاء من مساعدات مالية ومشورة بشأن السياسات، وهي تمثل حوالي 20% من التكاليف الإدارية للصندوق.
ويقدم الصندوق المساعدة الفنية والتدريب في أربعة مجالات أساسية هي:
• دعم القطاعات المالية والنقدية عن طريق تقديم المشورة بشأن تنظيم الجهاز المصرفي والرقابة عليه وإعادة هيكلته، وإدارة النقد الأجنبي والعمليات ذات الصلة، ونظم المقاصة وتسوية المدفوعات، بالإضافة إلى هياكل البنوك المركزية وتطويرها؛
• مساندة الجهود الرامية إلى وضع سياسات مالية عامة قوية وضمان حسن إدارتها عن طريق تقديم المشورة بشأن السياسات والإدارة الضريبية والجمركية، ووضع الميزانية، وإدارة الإنفاق، وتصميم شبكات الأمان الاجتماعي، وإدارة الدين الداخلي والخارجي؛
• إعداد البيانات الإحصائية وإدارتها ونشرها وتحسين نوعيتها؛
• صياغة التشريعات الاقتصادية والمالية ومراجعتها.
وينظم الصندوق دورات تدريبية للمسؤولين في الحكومات والبنوك المركزية في البلدان الأعضاء، وذلك في مقره بواشنطن العاصمة وفي مراكز التدريب الإقليمية في أبيدجان وبرازيليا وسنغافورة وفيينا. ويقدم الصندوق المساعدة الفنية ميدانياً أيضاً من خلال زيارات خبرائه إلى البلدان الأعضاء التي تكملها زيارات الاستشاريين والخبراء المكلفين من خارج الصندوق. وتتقلى برامج المساعدة الفنية والتدريب التي يقدمها الصندوق تمويلا تكميليا من بلدان مثل اليابان وسويسرا، وهيئات دولية مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي.
تقوية النظام المالي والنقدي الدولي
أدت العولمة إلى ظهور تحديات جديدة أمام صندوق النقد الدولي. ولعل أهم التحديات وأكثرها صعوبة هما كيفية تقوية النظام المالي العالمي – بحيث يصبح أقل عرضة للأزمات المالية وأكثر قدرة على التصدي لها إذا وقعت – وكيفية دعم جهود مكافحة الفقر في البلدان منخفضة الدخل
ولقد حققت العولمة فوائد كبرى لبلدان كثيرة وأناس كثيرين في جميع أنحاء العالم، والحق أن الاندماج في الاقتصاد العالمي يمثل عنصراً جوهرياً في أية استراتيجية لتمكين البلدان المختلفة من التوصل إلى مستويات معيشية أعلى، ولكن العولمة، من خلال ما تحققه من زيادة في حجم تدفقات رؤوس الأموال الدولية وسرعة حركتها، قد أدت أيضاً إلى زيادة مخاطر الأزمات المالية. وفي الوقت ذاته، نشأت مخاطرة أخرى، وهي أن البلدان منخفضة الدخل، التي لم تستفد استفادة كبيرة بعد من العولمة، ستزداد تخلفاً عن الركب في الوقت الذي ترتفع فيه مستويات المعيشة في البلدان الأخرى.
بناء نظام مالي عالمي أقوى
كانت الأزمات المالية في الأسواق الصاعدة في منتصف وأواخر التسعينات تذكرة بالمخاطر المرتبطة بالعولمة – حتى بالنسبة للاقتصادات التي حققت استفادة هائلة من ورائها والتي تدار إدارة جيدة من جوانب متعددة. فالاقتصادات التي تضررت من الأزمة الآسيوية في الفترة 1997-1998 على وجه الخصوص كانت قد حققت طوال عدة عقود مكاسب ضخمة من التجارة الدولية التي تزداد تكاملا يوما بعد يوم. ولقد كشفت الأزمات عن وجود جوانب ضعف في سياسات البلدان التي أصابتها الأزمة، بل وعن ثغرات في النظام المالي الدولي نفسه، مما أبرز الحقيقتين التاليتين:
• إن المستثمرين قد يتراجعون على نحو سريع وجماعي إذا ما لمسوا وجود نقائص في السياسات الاقتصادية المحلية. ومتى فقد المستثمرون – المحليون أو الأجانب – ثقتهم في الاقتصاد، يمكن أن تنضب تدفقات رؤوس الأموال الداخلة وأن يؤدي خروج تدفقات صافية كبيرة على التعجيل بوقوع أزمة مالية.
• إن الأزمة المالية التي تقع في بلد أو منطقة ما يمكن أن تمتد بسرعة لتنتشر في اقتصادات أخرى.
ومن أجل الحد من مخاطر وقوع الأزمات المالية في المستقبل ودعم إمكانية الحل السريع لما يقع منها، يعمل صندوق النقد الدولي على تقوية النظام النقدي المالي الدولي بالتعاون مع حكومات البلدان الأعضاء والمنظمات الدولية الأخرى والهيئات التنظيمية والقطاع الخاص.

spisos
26-02-2009, 21:04
إلى akuntalbi:

نشأة صندوق النقد الدولي

تبلورت فكرة صندوق النقد الدولي في يوليو 1944 أثناء مؤتمر للأمم المتحدة عقد في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية عندما اتفق ممثلو خمس وأربعين حكومة على إطار للتعاون الاقتصادي يستهدف تجنب تكرار كارثة السياسات الاقتصادية الفاشلة التي أسهمت في حدوث الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن العشرين.
فخلال هذا العقد، ومع ضعف النشاط الاقتصادي في البلدان الصناعية الكبرى، حاولت البلدان المختلفة الدفاع عن اقتصاداتها بزيادة القيود المفروضة على الواردات، ولكن هذا الإجراء لم يؤد إلا إلى تفاقم دائرة الانخفاض التي يتعاقب فيها هبوط التجارة العالمية والناتج وتوظيف العمالة. ومن أجل المحافظة على الاحتياطيات المتناقصة من الذهب والعملات الأجنبية لجأت بعض البلدان إلى تقييد حرية مواطنيها في الشراء من الخارج، وقامت بلدان أخرى بتخفيض أسعار عملاتها، بينما فرض البعض الآخر قيوداً معقدة على حرية حيازة المواطنين للعملات الأجنبية. على أن هذه الحلول أدت إلى نتائج عكسية، ولم يتمكن أي بلد من المحافظة على ميزته التنافسية لفترة طويلة. وقد أدت سياسات "إفقار الجار" هذه إلى تدمير الاقتصاد الدولي، فتناقصت التجارة العالمية تناقصاً حاداً وكذلك توظيف العمالة ومستويات المعيشة في بلدان كثيرة.
و منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية مر الاقتصاد العالمي والنظام النقدي بتغيرات أخرى كبيرة، وهي تغيرات أبرزت أهمية الأغراض التي يخدمها صندوق النقد الدولي وأثبتت ضرورتها، وإن كانت قد تطلبت من الصندوق أيضاً أن يتكيف مع المستجدات ويشرع في جهود الإصلاح. كذلك فإن التقدم السريع في مجال التكنولوجيا والاتصالات قد أسهم بدوره في زيادة التكامل الدولي بين الأسواق وتوثيق الروابط بين الاقتصادات الوطنية. ومن ثم فإن الأزمات المالية التي تنفجر في عالم اليوم غالباً ما تنتشر بين البلدان بسرعة أكبر من ذي قبل.
وفي عالم اليوم الذي يزداد تكاملاً وتكافلاً يوماً بعد يوم، يعتمد تحسن الأحوال في أي بلد أكثر من أي وقت مضى على الأداء الاقتصادي في البلدان الأخرى ووجود بيئة اقتصادية عالمية مفتوحة ومستقرة. وبالمثل فإن السياسات المالية والاقتصادية التي تنتهجها فرادى البلدان تؤثر على مدى نجاح أو فشل سير النظام التجاري ونظام المدفوعات العالميين.ومن هنا تتطلب العولمة توثيق التعاون الدولي، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة مسؤوليات المؤسسات الدولية القائمة على تنظيم هذا التعاون، بما فيها صندوق النقد الدولي.
وقد ازدادت أهمية الأهداف التي يتوخاها صندوق النقد الدولي لسبب بسيط آخر، ألا وهو اتساع نطاق عضويته. ذلك أن عدد البلدان الأعضاء قد تجاوز أربعة أمثال عدد البلدان التي شاركت في إنشائه، وعددها 45 بلداً (184 دولة حاليا)، مما يرجع بشكل خاص إلى حصول كثير من البلدان النامية على استقلالها ثم انهيار الكتلة السوفييتية مؤخراً.
والحق أن اتساع عضوية صندوق النقد الدولي، إلى جانب التغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي، قد تطلبت من الصندوق أن يتكيف مع المستجدات بسبل مختلفة حتى يتسنى له الاستمرار في خدمة أهدافه على نحو فعال.
وفي نفس الوقت الذي أنشئ فيه صندوق النقد الدولي، أنشئ البنك الدولي للإنشاء والتعمير المعروف باسم البنك الدولي بغية تشجيع التنمية الاقتصادية طويلة الأجل من خلال سبل شتى تتضمن تمويل مشاريع البنية التحتية، مثل بناء الطرق وتحسين إمدادات المياه.
وتجدر الإشارة إلى تكامل عمل صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي – التي تضم المؤسسة الدولية للتمويل (IFC) والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA). فبينما يركز صندوق النقد الدولي في المقام الأول على أداء الاقتصاد الكلي وسياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي، ينصب اهتمام البنك الدولي على القضايا الأطول أجلاً المتعلقة بالتنمية وتخفيف حدة الفقر. وتضم أنشطة البنك الدولي تقديم القروض إلى البلدان النامية وبلدان التحول الاقتصادي لتمويل مشاريع البنية التحتية وإصلاح قطاعات بعينها في الاقتصاد والإصلاحات الهيكلية الأوسع نطاقاً. أما صندوق النقد الدولي فلا يقدم التمويل لقطاعات أو مشاريع بعينها، وإنما لغرض تقديم دعم عام لميزان المدفوعات والاحتياطيات الدولية في البلد المعني في الوقت الذي يقوم فيه ذلك البلد باتخاذ إجراءات على صعيد السياسات لمواجهة ما يمر به من مصاعب.
وعند إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك المركزي، كان هناك تفكير في إنشاء منظمة تعمل على تشجبع تحرير التجارة العالمية. ولكن إنشاء منظمة التجارة العالمية لم يتحقق إلا في عام 1995، وكانت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (غات) هي الأساس الذي تستند إليه معالجة قضايا التجارة حتى ذلك الحين.

يختص صندوق النقد الدولي باداء سياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي ويركز الصندوق أساساً على السياسات الاقتصادية الكلية للبلدان - أي السياسات المتعلقة بميزان الحكومة، وإدارة النقد والائتمان وسعر الصرف - وسياسات القطاع المالي بما في ذلك تنظيم البنوك والمؤسسات المالية الأخرى والرقابة عليها. وإضافة إلى ذلك يوجه صندوق النقد الدولي اهتماماً كافياً للسياسات الهيكلية التي تؤثر على أداء الاقتصاد الكلي - بما في ذلك سياسات سوق العمل التي تؤثر على سلوك التوظيف والأجور. ويقدم الصندوق المشورة لكل بلد عضو حول كيفية تحسين سياسته في هذه المجالات، بما يتيح مزيداً من الفاعلية في السعي لبلوغ أهداف مثل ارتفاع معدل توظيف العمالة، وانخفاض التضخم، وتحقيق النمو الاقتصادي القابل للاستمرار - أي النمو الذي يمكن أن يستمر بغير أن يؤدي إلى مصاعب كالتضخم ومشكلات ميزان المدفوعات.
يهدف صندوق النقد الدولي إلي :

1. التوسع المتوازن في التجارة العالمية،
2. تحقيق استقرار أسعار الصرف،
3. تجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات،
4. إجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات
ولتحقيق هذه الأهداف، يقوم الصندوق بالوظائف و الأدوار التالية:
• مراقبة التطورات والسياسات الاقتصادية والمالية في البلدان الأعضاء وعلى المستوى العالمي، وتقديم المشورة بشأن السياسات المتبعة بالدول الأعضاء.
• إقراض البلدان الأعضاء التي تمر بمشكلات في موازين مدفوعاتها، ليس فقط لإمدادها بالتمويل المؤقت وإنما أيضاً لدعم سياسات التصحيح والإصلاح الرامية إلى حل مشكلاتها الأساسية.
• تقديم المساعدة الفنية والتدريب في مجالات خبرة الصندوق إلى حكومات البلدان الأعضاء وبنوكها المركزية.
• توفير منتدى دولي لمناقشة السياسات الاقتصادية الوطنية في سياق عالمي وإنما أيضاً لمناقشة القضايا المهمة لاستقرار النظام النقدي المالي الدولي. وتضم هذه القضايا اختيار البلدان لنظم أسعار الصرف، وتجنب تدفقات رؤوس الأموال الدولية المخلة بالاستقرار، ووضع معايير وقواعد معترف بها دولياً للسياسات والمؤسسات
.

إدارة الصندوق والهيكل التنظيمي:

مجلس المحافظين، الذي يضم ممثلين لكل البلدان الأعضاء، هو صاحب السلطة العليا في إدارة صندوق النقد الدولي، وهو يجتمع في العادة مرة واحدة سنوياً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويقوم كل بلد عضو بتعيين محافظ – عادة ما يكون هو وزير المالية أو محافظ البنك المركزي في ذلك البلد – ومحافظ مناوب. ويبت مجلس المحافظين في قضايا السياسات الكبرى، ولكنه فوض المجلس التنفيذي في اتخاذ القرارات المتعلقة بأعمال الصندوق اليومية.
ويجري النظر في قضايا السياسات الأساسية المتعلقة بالنظام النقدي الدولي مرتين سنوياً في إطار لجنة من المحافظين يطلق عليها اسم اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، (وهي التي كانت تعرف باسم اللجنة المؤقتة حتى سبتمبر 1999). أما لجنة التنمية ، وهي لجنة مشتركة بين مجلس محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهي تقدم المشورة إلى المحافظين وترفع إليهم تقاريرها حول سياسات التنمية والمسائل الأخرى التي تهم البلدان النامية.
ويتألف المجلس التنفيذي من 24 مديراً، ويرأسه المدير العام للصندوق؛ ويجتمع المجلس التنفيذي عادة ثلاث مرات في الأسبوع في جلسات يستغرق كل منها يوماً كاملاً، ويمكن عقد اجتماعات إضافية إذا لزم الأمر، وذلك في مقر الصندوق في واشنطن العاصمة. وتخصص مقاعد مستقلة في المجلس التنفيذي للبلدان المساهمة الخمسة الكبرى – وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة – إلى جانب الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية. أما المديرون الستة عشر الآخرون فتتولى انتخابهم مجموعات من البلدان تعرف باسم الدوائر الانتخابية (constituencies) لفترات مدتها عامين
ويضطلع المجلس التنفيذي باختيار المدير العام، الذي يتولى رئاسة المجلس إلى جانب قيادته لخبراء وموظفي الصندوق وتسييره لأعماله بتوجيه من المجلس التنفيذي. ويعين المدير العام لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، ويساعده في عمله نائب أول ونائبان آخران.
والعاملون في صندوق النقد الدولي موظفون مدنيون دوليون مسؤولون أمام الصندوق، وليس أمام سلطاتهم الوطنية. ويعمل بالصندوق حوالي 2800 موظف ينتمون إلى 133 بلداً. ويشكل الاقتصاديون ثلثي الموظفين الفنيين في الصندوق تقريباً. ويضم الصندوق 22 إدارة ومكتباً يرأسها مديرون مسؤولون أمام المدير العام. ومعظم موظفي الصندوق يعملون في واشنطن العاصمة، وإن كان هناك حوالي ثمانون ممثلاً مقيماً للصندوق في البلدان الأعضاء للمساعدة في تقديم المشورة بشأن السياسة الاقتصادية. وللصندوق مكاتب في باريس وطوكيو للاتصال بالمؤسسات الدولية والإقليمية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني، كما أن له مكاتب في نيويورك وجنيف هدفها الأساسي الاتصال بالهيئات الأخرى في منظومة الأمم المتحدة.

موارد الصندوق:

المصدر الرئيسي لموارد صندوق النقد الدولي هو اشتراكات الحصص (أو رأس المال) التي تسددها البلدان عند الانضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص. وتدفع البلدان 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة أو بإحدى العملات الرئيسية، مثل دولار الولايات المتحدة أو الين الياباني. ويمكن للصندوق أن يطلب إتاحة المبلغ المتبقي، الذي يدفعه البلد العضو بعملته الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة. وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته وحجم التمويل المتاح له من الصندوق ونصيبه من مخصصات حقوق السحب الخاصة.
والهدف من الحصص عموماً هو أن تكون بمثابة مرآة لحجم البلد العضو النسبي في الاقتصاد العالمي؛ فكلما ازداد حجم اقتصاد العضو من حيث الناتج وازداد اتساع تجارته وتنوعها، ازدادت بالمثل حصته في الصندوق. والولايات المتحدة الأمريكية، أكبر اقتصاد في العالم، تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص. أما سيشيل، أصغر اقتصاد في العالم، فتسهم بحصة مقدارها 0.004%. وقد بدأ تنفيذ ما خلصت إليه مراجعة الحصص (الحادية عشرة) في يناير 1999، فازدادت الحصص في صندوق النقد الدولي (لأول مرة منذ عام 1990) بمقدار 45% تقريباً لتبلغ 212 بليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 290 بليون دولار أمريكي).
ويجوز للصندوق الاقتراض، عند الضرورة، من أجل تكميل الموارد المتاحة من حصصه. ولدى الصندوق مجموعتان من اتفاقات الاقتراض الدائمة لاستخدامها عند الحاجة لمواجهة أي تهديد للنظام النقدي الدولي:
• الاتفاقات العامة للاقتراض (GAB) التي تم إنشاؤها في عام 1962 ويشارك فيها أحد عشر مشتركاً (حكومات مجموعة البلدان الصناعية العشرة وسويسرا أو بنوكها المركزية)؛


و حقوق السحب الخاصة (SDR)، هي أصل احتياطي دولي أنشأه الصندوق في عام 1969 (بموجب التعديل الأول لاتفاقية تأسيسه) نتيجة لقلق البلدان الأعضاء من احتمال عدم كفاية المخزون المتوفر آنذاك والنمو المتوقع في الاحتياطيات الدولية لدعم التوسع في التجارة العالمية. وكانت أهم الأصول الاحتياطية في ذلك الحين هي الذهب ودولار الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يشأ الأعضاء أن تعتمد الاحتياطيات العالمية على إنتاج الذهب بما ينطوي عليه من تقلبات كامنة، وعلى العجز المتواصل في ميزان مدفوعات الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي كان مطلوباً لتحقيق نمو مستمر في الاحتياطيات بالدولار الأمريكي. وتم استحداث حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي تكميلي يمكن لصندوق النقد الدولي "تخصيصه" للبلدان الأعضاء بصفة دورية حين تنشأ الحاجة. كما يمكن له إلغاؤه إذا ما اقتضت الضرورة.
وحقوق السحب الخاصة – التي تعرف أحياناً باسم "الذهب الورقي" رغم تجردها من الوجود المادي – يتم تخصيصها للبلدان الأعضاء (في صورة قيود دفترية) كنسبة مئوية من حصصها. وقد خصص الصندوق حتى الآن 21.4 بليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 29 بليون دولار أمريكي) للبلدان الأعضاء، وكان آخر تخصيص هو الذي تم في عام 1981 عندما تم تخصيص 4.1 بليون وحدة حقوق سحب خاصة لعدد 141 بلداً كانت هي أعضاء الصندوق في ذلك الحين. ومنذ عام 1981، لم ير الأعضاء حاجة لإجراء تخصيص عام آخر لحقوق السحب الخاصة، وهو ما يرجع في جانب منه إلى نمو أسواق رأس المال الدولية. ولكن في سبتمبر 1997، مع ازدياد عدد البلدان الأعضاء في الصندوق – التي تضمنت بلداناً لم تكن قد تلقت أي تخصيص بعد – اقترح مجلس المحافظين إدخال تعديل رابع على اتفاقية تأسيس الصندوق. وعند الموافقة على هذا التعديل بالأغلبية المطلوبة من أصوات الحكومات الأعضاء، فسوف يصرح الصندوق بإجراء تخصيص خاص لمرة واحدة "لتحقيق المساواة" بمقدار 21.4 بليون وحدة حقوق سحب خاصة، على أن يتم توزيعها على نحو يرفع نسبة مخصصات كل الأعضاء من حقوق السحب الخاصة التراكمية إلى حصصها لتصل إلى مستوى معياري مشترك.


يساعد صندوق النقد الدولي أعضاءه عن طريق ما يلي:

• استعراض التطورات المالية والاقتصادية الوطنية والعالمية ومتابعتها، وتقديم المشورة للأعضاء بشأن سياساتهم الاقتصادية.
• إقراض الأعضاء بالعملات الصعبة لدعم سياساتهم الخاصة بالتعديل والإصلاح التي تستهدف تصحيح مشكلات ميزان المدفوعات وتشجيع النمو القابل للاستمرار.
• تقديم مجموعة كبيرة ومتنوعة من أشكال المساعدة الفنية وتوفير التدريب للعاملين في الحكومات والبنوك المركزية، وذلك في مجالات اختصاص الصندوق وخبراته.
أولا: تقديم المشورة بشأن السياسات والإشراف العالمي

تدعو اتفاقية تأسيس صندوق النقد الدولي إلى قيام الصندوق بالإشراف على النظام النقدي الدولي، بما في ذلك ممارسة "الرقابة" الدقيقة – أي الإشراف – على سياسات أسعار الصرف في بلدانه الأعضاء. وطبقاً للاتفاقية، يتعهد كل بلد عضو بالتعاون مع الصندوق في جهوده الرامية إلى ضمان وجود ترتيبات صرف منظمة وتشجيع وجود نظام مستقر لأسعار الصرف.
وعلى نحو أكثر تحديداً، توافق البلدان الأعضاء على توجيه سياساتها نحو أهداف النمو الاقتصادي المنظم مع مستوى معقول من استقرار الأسعار، بالإضافة إلى إرساء أوضاع مالية واقتصادية أساسية منظمة، وتجنب التلاعب في أسعار الصرف لتحقيق ميزة تنافسية غير عادلة. وبالإضافة إلى ذلك، يتعهد كل بلد عضو بأن يقدم للصندوق المعلومات اللازمة لممارسة دوره الرقابي على نحو فعال. وقد اتفق الأعضاء على أن رقابة الصندوق لسياسات أسعار الصرف في كل بلد عضو ينبغي أن تتم في إطار تحليل شامل للحالة الاقتصادية العامة واستراتيجية السياسات الاقتصادية في البلد المعني.
ومن شأن المتابعة المنتظمة للاقتصادات حسبما تقتضي رقابة الصندوق، وما يرتبط بذلك من تقديم المشورة بشأن السياسات، أن تساعد في التنبيه إلى الأخطار قبل تحققها وتمكين البلدان الأعضاء من التصرف في الوقت المناسب لتجنب أية متاعب.
ويمارس الصندوق دوره الإشرافي بطرق ثلاث:
الرقابة القطرية ، وهي تتخذ شكل مشاورات شاملة منتظمة (تعقد على أساس مستوى في العادة) مع فرادى البلدان الأعضاء حول سياساتها الاقتصادية و يقوم فريق من خبراء الصندوق بزيارة البلد المعني لجمع البيانات الاقتصادية والمالية وعقد مناقشات مع المسؤولين في الحكومة والبنك المركزي حول السياسات الاقتصادية للبلد المعني في سياق آخر التطورات. ويقوم الفريق باستعراض سياسات البلد الاقتصادية الكلية (الخاصة بالمالية العامة والشؤون النقدية وأسعار الصرف)، وتقييم مدى سلامة النظام المالي، وتفحص قضايا السياسات الصناعية والاجتماعية وتلك الخاصة بالعمالة وسلامة الحكم والإدارة والبيئة وغيرها مما يمكن أن يؤثر على سياسات وأداء الاقتصاد الكلي. ويقدم الفريق بعد ذلك تقريراً إلى المجلس التنفيذي عما خلص إليه من نتائج، بعد الحصول على موافقة الإدارة، ويقوم المجلس بمناقشة التحليل الوارد في التقرير ثم تحال آراؤه إلى حكومة البلد المعني في شكل ملخص يصدره رئيس المجلس. وبهذه الطريقة تكتسب آراء المجتمع الدولي والدروس المستخلصة من التجربة الدولية وزناً مؤثراً على سياسات البلد المعني.
ويكمل الصندوق مشاوراته المعتادة سنوياً مع البلدان الأعضاء بزيارات إضافية يقوم بها الخبراء إلى هذه البلدان كلما دعت الحاجة، كما يعقد المجلس التنفيذي العديد من الاجتماعات غير الرسمية لاستعراض التطورات المالية والاقتصادية في بلدان أعضاء ومناطق مختارة.
الرقابة العالمية، وهي تستتبع قيام المجلس التنفيذي للصندوق باستعراض الاتجاهات والتطورات الاقتصادية العالمية. وتستند أهم الاستعراضات من هذا النوع إلى تقارير "آفاق الاقتصاد العالمي" التي يعدها خبراء الصندوق، وهي تتم في العادة مرتين سنوياً قبل الاجتماعات نصف السنوية للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية. وتنشر التقارير بالكامل قبل اجتماعات هذه اللجنة، إلى جانب ملخصات رئيس المجلس التنفيذي لمناقشات المجلس. ومن العناصر الأخرى في عملية الرقابة العالمية التي يقوم بها الصندوق المناقشات السنوية المعتادة التي يعقدها المجلس حول التطورات والآفاق المستقبلية وقضايا السياسات في أسواق رأس المال الدولية، وهي موضوعات يتم نشر تقارير خبراء الصندوق بشأنها أيضاً. كذلك يعقد المجلس التنفيذي مناقشات غير رسمية أكثر تواتراً حول ما يجري في العالم من تطورات اقتصادية ومستجدات في الأسواق.
الرقابة الإقليمية، وبموجبها يدرس صندوق النقد الدولي السياسات المتبعة طبقاً لاتفاقيات إقليمية. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، مناقشات المجلس التنفيذي للتطورات في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا والجماعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا والاتحاد النقدي لدول شرق الكاريبي.
كذلك تشارك إدارة الصندوق وموظفوه في مناقشات الرقابة المتعلقة بمجموعات مثل مجموعة السبعة (أي مجموعة البلدان الصناعية الرئيسية السبعة) ومجلس التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ (APEC).

ثانيا: الإقراض لمساعدة البلدان المتعثرة

يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً بالعملات الأجنبية للبلدان التي تواجه مشكلات في ميزان المدفوعات. ومن شأن هذه القروض أن تخفف من صعوبة التصحيح الذي يتعين على البلد المعني إجراؤه للتوفيق بين إنفاقه ودخله بغية معالجة المشكلات التي يواجهها على صعيد ميزان المدفوعات. كذلك تستهدف هذه القروض دعم السياسات، بما في ذلك الإصلاحات الهيكلية، التي يمكن أن تحسن مركز ميزان المدفوعات وآفاق النمو على أساس دائم.
ويمكن لأي بلد عضو أن يلجأ إلى صندوق النقد الدولي للحصول على التمويل اللازم لأغراض ميزان المدفوعات، أي إذا احتاج إلى قرض رسمي ليتمكن من سداد مدفوعاته الخارجية والحفاظ على مستوى مناسب من الاحتياطات بغير أن يتخذ تدابير ضاغطة علي الوطني أو الدولي.
ما هي البرامج المدعمة بموارد صندوق النقد الدولي؟
عندما يتوجه أحد البلدان إلى صندوق النقد الدولي طالباً التمويل، فهو إما أن يكون في أزمة اقتصادية فعلية أو على وشك الوقوع فيها؛ فعملته تكون هدفاً للمضاربة في أسواق الصرف الأجنبي واحتياطياته مستنفدة ونشاطه الاقتصادي راكداً أو آخذاً في الهبوط وحالات الإفلاس فيه آخذة في الزيادة. ولاستعادة سلامة مركز المدفوعات الخارجية في هذا البلد واسترداد الظروف المواتية لتحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار فيه، ينبغي الجمع بشكل ما بين عملية التصحيح الاقتصادي والتمويل الرسمي و/أو الخاص.
ويقدم الصندوق المشورة إلى سلطات البلد المعني فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية التي ينتظر أن تعالج المشكلات القائمة بأقصى درجة من الفعالية. ولكي يقدم الصندوق التمويل المطلوب، لابد أن يتوصل إلى اتفاق مع السلطات حول برنامج للسياسات يستهدف تحقيق أهداف كمية محددة فيما يتصل بسلامة المركز الخارجي، والاستقرار المالي والنقدي، والنمو القابل للاستمرار. ويتم توضيح تفاصيل هذا البرنامج في "خطاب نوايا" توجهه الحكومة إلى مدير عام الصندوق.
أدوات الإقراض في صندوق النقد الدولي وتطورها
يقدم صندوق النقد الدولي قروضاً بموجب مجموعة متنوعة من السياسات أو "التسهيلات" التي تبلورت بمرور السنين لمواجهة احتياجات البلدان الأعضاء. وتختلف المدة وشروط السداد والإقراض في كل من هذه التسهيلات حسب أنواع المشكلات التي تواجه ميزان المدفوعات والظروف التي يتعامل معها التسهيل المعني
ويقدم الصندوق معظم التمويل إلى البلدان الأعضاء من خلال ثلاثة أنواع مختلفة من سياسات الإقراض:
اتفاقات الاستعداد الائتماني وهي تشكل لب سياسات الإقراض في الصندوق. وقد استخدمت لأول مرة في عام 1952، وهدفها الأساسي هو معالجة مشكلات ميزان المدفوعات قصيرة الأجل.
أما الاتفاقات الممددة متوسطة الأجل، التي تعقد بموجب تسهيل الصندوق الممدد، فهي لخدمة البلدان التي تمر بمصاعب في ميزان المدفوعات تتعلق بمشكلات هيكلية، وهي مشكلات قد يستغرق تصحيحها فترة أطول مما يحدث بالنسبة لجوانب الضعف في الاقتصاد الكلي. وتضم السياسات الهيكلية المرتبطة بالاتفاقات الممددة الإصلاحات التي تستهدف تحسين طريقة عمل الاقتصاد، مثل الإصلاحات الضريبية وإصلاحات القطاع المالي، وخصخصة المؤسسات العامة، وإجراءات تعزيز المرونة في أسواق العمل.
ويقدم الصندوق منذ أواخر السبعينات قروضاً ميسرة لمساعدة أفقر بلدانه الأعضاء في تأمين سلامة مراكزها الخارجية، وتحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار، وتحسين مستويات المعيشة. وقد التسهيل الميسر الحالي، وهو تسهيل النمو والحد من الفقر (PRGF) محل التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي (ESAF) في نوفمبر 1999، حتى يصبح الحد من الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي الهدفين الأساسيين لبرامج السياسات في البلدان المعنية.
وفي أواخر التسعينات، استحدث الصندوق تسهيلات تستهدف مساعدة البلدان في مواجهة الفقدان المفاجئ لثقة الأسواق، ومنع "عدوى" الأزمات – أي امتداد الأزمات المالية إلى البلدان ذات السياسات الاقتصادية السليمة

تسهيلات إقراض مختارة لدى صندوق النقد الدولي

اتفاقات الاستعداد الائتماني (Stand-By Arrangements): وتمثل هذه الاتفاقات جوهر سياسات الإقراض في الصندوق. ويعتبر اتفاق الاستعداد الائتماني بمثابة تأكيد للبلد العضو بأنه يستطيع السحب من موارد الصندوق إلى حد معين، على مدى فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً في العادة، لمعالجة ما يواجهه من مشكلات قصيرة الأجل في ميزان المدفوعات.
تسهيل الصندوق الممدد (Extended Fund Facility): يعتبر الدعم الذي يقدمه الصندوق للبلدان الأعضاء طبقاً لتسهيل الصندوق الممدد بمثابة تأكيد للبلد العضو بأنه يستطيع السحب من موارد الصندوق إلى حد معين، على مدى فترة تتراوح بين ثلاثة إلى أربع سنوات في العادة، لمساعدته في معالجة المشكلات الاقتصادية الهيكلية التي تتسبب في إيجاد مواطن ضعف خطيرة في ميزان مدفوعاته.
تسهيل النمو والحد من الفقر (Poverty Reduction and Growth Facility): (الذي حل محل التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي في نوفمبر 1999). هو تسهيل بسعر فائدة منخفض هدفه مساعدة أفقر البلدان الأعضاء التي تواجه مشكلات مطولة في ميزان المدفوعات اما التكاليف التي يتحملها المقترض فهي تكاليف مدعمة بالموارد المتحققة من المبيعات الماضية للذهب المملوك للصندوق، إلى جانب القروض والمنح التي يقدمها البلدان الأعضاء إلى الصندوق خصيصاً لهذا الغرض.
تسهيل الاحتياطي التكميلي (Supplemental Reserve Facility): هو تسهيل يوفر تمويلاً إضافياً قصير الأجل للبلدان الأعضاء التي تعاني صعوبة استثنائية في ميزان المدفوعات نتيجة لفقدان ثقة السوق بشكل مفاجئ ومثير للاضطراب تتمثل مظاهره في تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج. ويتضمن سعر الفائدة على القروض بموجب تسهيل الاحتياطي التكميلي رسماً إضافياً يضاف إلى سعر الفائدة العادي على قروض الصندوق.
خطوط الائتمان الطارئ (Contingent Credit Lines): هي خطوط دفاع وقائية تمكن البلدان الأعضاء القائمة بتطبيق سياسات اقتصادية قوية من الحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي على أساس قصير الأجل عندما تواجه بفقدان ثقة الأسواق على نحو مفاجئ ومثير للاضطراب بسبب امتداد عدوى المصاعب الآتية من بلدان أخرى.
مساعدات الطوارئ (Emergency Assistance): استحدثت مساعدات الطوارئ في عام 1962 لمساعدة البلدان في مواجهة مشكلات ميزان المدفوعات الناشئة عن الكوارث الطبيعية المفاجئة التي لا يمكن التنبؤ بها. وقد تم التوسع في هذا النوع من المساعدة في عام 1995 لتغطية مواقف معينة تكون البلدان الأعضاء قد خرجت فيها لتوها من صراعات مسلحة أفضت إلى ضعف مفاجئ في قدراتها الإدارية والمؤسسية
أهم سمات الإقراض المقدم من الصندوق

• صندوق النقد الدولي ليس وكالة للمعونة أو بنكاً للتنمية، فهو يقدم القروض لمساعدة بلدانه الأعضاء على معالجة مشكلات ميزان المدفوعات واستعادة النمو الاقتصادي القابل للاستمرار. ويتم إيداع النقد الأجنبي المقدم، الذي تتعين حدوده القصوى حسب حصة البلد العضو في الصندوق، لدى البنك المركزي في البلد المعني لدعم احتياطياته الدولية وبالتالي إعطاء دعم عام لميزان المدفوعات. وعلى عكس القروض التي تقدمها وكالات التنمية، فإن أموال صندوق النقد الدولي لا تقدم لتمويل مشاريع أو أنشطة بعينها.
• قروض الصندوق مشروطة بالسياسات، قروض الصندوق مشروطة بالسياسات، بمعنى أن البلد المقترض لابد أن يعتمد سياسات تعمل على تصحيح مشكلة ميزان المدفوعات. وتساعد الشرطية المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي على ضمان عدم استخدام البلد المعني لقروض الصندوق لمجرد تأجيل الاختبارات الصعبة وإنشاء مزيد من الديون، والتأكد من قدرته على تعزيز اقتصاده وسداد المبلغ المقترض. ولابد أن يتفق البلد المقترض وصندوق النقد الدولي على إجراءات السياسة الاقتصادية اللازمة. كذلك فإن الصندوق يقوم بصرف القروض على مراحل ترتبط بتنفيذه لالتزاماته المقررة على صعيد السياسات. وخلال الفترة 2000-2001، عمل الصندوق على ترشيد هذه الشرطية - بجعلها أكثر تركيزاً على سياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي وأقل تدخلاً فيما تختاره البلدان من سياسات، مما يزيد من شعور البلد بملكية برامج السياسات ويزيد من درجة فعاليتها.
• قروض الصندوق مؤقتة؛ فحسب تسهيل الإقراض المستخدم، يمكن أن تصرف القروض على فترات قد تقصر لتصل إلى ستة شهور أو تطول لتصل إلى أربع سنوات. وتتراوح فترة السداد بين 3.25 إلى 5 سنوات للقروض قصيرة الأجل (بموجب اتفاقات الاستعداد الائتماني) أو 4.5 إلى 10 سنوات للتمويل متوسط الأجل (بموجب الاتفاقات الممددة) . ولكن المجلس التنفيذي وافق في نوفمبر 2000 على استحداث آلية توقع السداد المبكر( Early Repayment Expectation ) – أي في فترة تتراوح بين 2.25 إلى 4 سنوات لاتفاقات الاستعداد الائتماني و 4.5 إلى 7 سنوات للاتفاقات الممددة. أما فترة سداد القروض المقدمة إلى البلدان ذات الدخل المنخفض بموجب تسهيل الإقراض الميسر المعروف باسم تسهيل النمو والحد من الفقر (PRGF) فهي 10 سنوات، مع فترة سماح طولها خمس سنوات ونصف لسداد أصل القرض.

• يتوقع الصندوق من المقترضين إعطاء أولوية لسداد قروضه. فالبلد المقترض يجب أن يسدد قرض الصندوق في الموعد المحدد، حتى تتوفر الأموال لإقراض بلدان أخرى تحتاج إلى التمويل لأغراض ميزان المدفوعات. ويطبق الصندوق إجراءات رادعة لمنع تراكم المتأخرات أو عدم سداد المدفوعات أو رسوم الفائدة. ولكن الأهم من ذلك كله هو الوزن الذي يعطيه المجتمع الدولي لوضع صندوق النقد الدولي كدائن ممتاز؛ فهو يضمن أن يكون الصندوق من أوائل المقرضين الذين تسدد قروضهم، رغم أنه في العادة هو آخر مقرض يقدم على تقديم الأموال إلى البلدان بعد أن تصبح قدرة البلد المعني على الوفاء بالتزاماته موضع شك واضح.

المساعدة الفنية والتدريب

لعل ما اشتهر به صندوق النقد الدولي هو تقديم المشورة بشأن السياسات إلى البلدان الأعضاء ومنحها قروضاً مربوطة بالسياسات في أوقات الأزمات الاقتصادية. على أن الصندوق يتيح للبلدان الأعضاء الاستفادة أيضاً من خبراته الفنية على أساس منتظم من خلال توفير المساعدة الفنية والتدريب في مجموعة كبيرة من المجالات، مثل أنشطة البنوك المركزية، والسياسات النقدية وسياسات أسعار الصرف، والسياسات والإدارة الضريبية، والإحصاءات الرسمية. والهدف من وراء ذلك هو العمل على تعزيز قدرة الأعضاء على تصميم السياسات الاقتصادية وتنفيذها، وهو ما يتم بسبل متعددة تتضمن تعزيز المهارات في المؤسسات المسؤولة، مثل وزارات المالية والبنوك المركزية. وتعد المساعدة الفنية عنصراً مكملاً لما يقدمه الصندوق إلى البلدان الأعضاء من مساعدات مالية ومشورة بشأن السياسات، وهي تمثل حوالي 20% من التكاليف الإدارية للصندوق.
ويقدم الصندوق المساعدة الفنية والتدريب في أربعة مجالات أساسية هي:
• دعم القطاعات المالية والنقدية عن طريق تقديم المشورة بشأن تنظيم الجهاز المصرفي والرقابة عليه وإعادة هيكلته، وإدارة النقد الأجنبي والعمليات ذات الصلة، ونظم المقاصة وتسوية المدفوعات، بالإضافة إلى هياكل البنوك المركزية وتطويرها؛
• مساندة الجهود الرامية إلى وضع سياسات مالية عامة قوية وضمان حسن إدارتها عن طريق تقديم المشورة بشأن السياسات والإدارة الضريبية والجمركية، ووضع الميزانية، وإدارة الإنفاق، وتصميم شبكات الأمان الاجتماعي، وإدارة الدين الداخلي والخارجي؛
• إعداد البيانات الإحصائية وإدارتها ونشرها وتحسين نوعيتها؛
• صياغة التشريعات الاقتصادية والمالية ومراجعتها.
وينظم الصندوق دورات تدريبية للمسؤولين في الحكومات والبنوك المركزية في البلدان الأعضاء، وذلك في مقره بواشنطن العاصمة وفي مراكز التدريب الإقليمية في أبيدجان وبرازيليا وسنغافورة وفيينا. ويقدم الصندوق المساعدة الفنية ميدانياً أيضاً من خلال زيارات خبرائه إلى البلدان الأعضاء التي تكملها زيارات الاستشاريين والخبراء المكلفين من خارج الصندوق. وتتقلى برامج المساعدة الفنية والتدريب التي يقدمها الصندوق تمويلا تكميليا من بلدان مثل اليابان وسويسرا، وهيئات دولية مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي.
تقوية النظام المالي والنقدي الدولي
أدت العولمة إلى ظهور تحديات جديدة أمام صندوق النقد الدولي. ولعل أهم التحديات وأكثرها صعوبة هما كيفية تقوية النظام المالي العالمي – بحيث يصبح أقل عرضة للأزمات المالية وأكثر قدرة على التصدي لها إذا وقعت – وكيفية دعم جهود مكافحة الفقر في البلدان منخفضة الدخل
ولقد حققت العولمة فوائد كبرى لبلدان كثيرة وأناس كثيرين في جميع أنحاء العالم، والحق أن الاندماج في الاقتصاد العالمي يمثل عنصراً جوهرياً في أية استراتيجية لتمكين البلدان المختلفة من التوصل إلى مستويات معيشية أعلى، ولكن العولمة، من خلال ما تحققه من زيادة في حجم تدفقات رؤوس الأموال الدولية وسرعة حركتها، قد أدت أيضاً إلى زيادة مخاطر الأزمات المالية. وفي الوقت ذاته، نشأت مخاطرة أخرى، وهي أن البلدان منخفضة الدخل، التي لم تستفد استفادة كبيرة بعد من العولمة، ستزداد تخلفاً عن الركب في الوقت الذي ترتفع فيه مستويات المعيشة في البلدان الأخرى.
بناء نظام مالي عالمي أقوى
كانت الأزمات المالية في الأسواق الصاعدة في منتصف وأواخر التسعينات تذكرة بالمخاطر المرتبطة بالعولمة – حتى بالنسبة للاقتصادات التي حققت استفادة هائلة من ورائها والتي تدار إدارة جيدة من جوانب متعددة. فالاقتصادات التي تضررت من الأزمة الآسيوية في الفترة 1997-1998 على وجه الخصوص كانت قد حققت طوال عدة عقود مكاسب ضخمة من التجارة الدولية التي تزداد تكاملا يوما بعد يوم. ولقد كشفت الأزمات عن وجود جوانب ضعف في سياسات البلدان التي أصابتها الأزمة، بل وعن ثغرات في النظام المالي الدولي نفسه، مما أبرز الحقيقتين التاليتين:
• إن المستثمرين قد يتراجعون على نحو سريع وجماعي إذا ما لمسوا وجود نقائص في السياسات الاقتصادية المحلية. ومتى فقد المستثمرون – المحليون أو الأجانب – ثقتهم في الاقتصاد، يمكن أن تنضب تدفقات رؤوس الأموال الداخلة وأن يؤدي خروج تدفقات صافية كبيرة على التعجيل بوقوع أزمة مالية.
• إن الأزمة المالية التي تقع في بلد أو منطقة ما يمكن أن تمتد بسرعة لتنتشر في اقتصادات أخرى.
ومن أجل الحد من مخاطر وقوع الأزمات المالية في المستقبل ودعم إمكانية الحل السريع لما يقع منها، يعمل صندوق النقد الدولي على تقوية النظام النقدي المالي الدولي بالتعاون مع حكومات البلدان الأعضاء والمنظمات الدولية الأخرى والهيئات التنظيمية والقطاع الخاص.

spisos
26-02-2009, 21:14
رد إلى زينب البليدية:

التنشئة السياسية و الثقافة السياسية:

لا مراء في القول بأن العنصر البشري يعد هو الوسيلة والغاية معاً لبلوغ مختلف ضروب التنمية وأنواعها، بما في ذلك التنمية السياسية بمفهومها الشامل الذي يتسع ليشمل "التنشئة السياسية" التي تعد أساس عملية التنمية السياسية وصلبها.
بيد أن مثل هذا الرهان على العنصر البشري في انجاح عملية التنمية لا يتأتي تلقائياً، أو عبر الصدفة، وإنما يعتمد على نمط البيئة الثقافية وطرق الإعداد والتوجيه التي ينشأ في ظلها الشباب ويتطبع بطابعها سلباً أو ايجاباً، بالضبط مثلهم مثل أي منتج تتحدد جودته أو رداءته وفقاً لنوع المدخلات وكيفيتها، فإن حَسُنت المدخلات حَسُنت المخرجات والعكس صحيح.
والتنشئة السياسية تشير إلى جزء من مصطلحات المعجم السياسي التي تُعنى بظاهره السلطة السياسية في حياة المجتمعات البشرية، والذي يعد مدخلاً في غاية الأهمية في التحصين والبناء الفكري السليم للشباب، الذي يجب ان يستهدف فيهم تنمية الوعي بأهمية الولاء الوطني والوعي الجمعي بأهمية قوة وسلامة الجسم السياسي والمصير المشترك، بعيداً عن الولاءات والأطر الضيقة والأفكار والايديولوجيات البالية، فقوة الدولة تعتمد على سلامة الجسد السياسي، ومدى تماسكه، بالضبط مثلها مثل قوة قبضة اليد تعتمد على سلامة الجسم وصحته.
وفي هذا السياق فإن التساؤلات التي يجب أن تثار في هذه الورقة هي ما هو مفهوم التنشئه السياسية؟ وما هو نمط أو أنماط الثقافة السياسية القائمة في الجمهورية اليمنية وأسبابها؟ وما هي أدوات التنشئة السياسية التي تنتقل عبرها مثل هذه الثقافة وأساليبها؟
ومن أجل الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها فإننا سنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة محاور أساسية: الأول يعُنى بالتأصيل المفاهيمي للتنشئة السياسية، والثاني يستعرض نمط الثقافة السياسية القائم في الجمهورية اليمنية وأبعاده، أما الثالث فيتناول أدوات أو دوائر التنشئة السياسية وأساليبها، وذلك كما يلي:
أولاً: مفهوم التنشئة السياسية والمفاهيم المقاربة

لا شك بأن تحديد المصطلحات والمفاهيم والتعريف بها يعد مدخلاً منطقياً ولازماً لفهم الظاهرة موضوع الدراسة والاحاطه بها، بما من شأنه تجنيب المصطلح مغبة الاختلاط بغيره من المفاهيم والمصطلحات المقاربة والتي قد تبدو لأول وهلة مرادفه له.
وبهذا الصدد نجد أن كل من "التنشئة السياسية"، و"الثقافة السياسية"، و"الثقافة العامة" تعد من المصطلحات المترابطة بقوة، إلا انه على الرغم من ذلك الترابط فإن لكل مصطلح خصيصة أو خصائص تميزه عن غيره سواء من حيث المفهوم أو من حيث الطبيعة أو النطاق. فبينما ينصرف مصطلح "الثقافة" بمفهومها العام والمجرد والمطلق إلى منظومة القيم والأعراف والتقاليد والعادات والمؤسسات التي تسود مجتمعاً ما من المجتمعات، وتعمل على توجيه وضبط مسار تفاعلاته المختلفة.
نجد أن "الثقافة السياسية" تشير إلى منظومة القيم والأفكار والمعتقدات المرتبطة بظاهرة السلطة السياسية في المجتمع، والثقافة السياسية على هذا النحو من المفهوم في الواقع تعد جزءً من الثقافة العامة، يمكن وصفه بأنه ذلك الجزء الذي يعُنى بظاهرة السلطة السياسية.
أما "التنشئة السياسية" موضوع هذه الورقة الأساسي، فيقصد بها تلك العملية التي تنتقل عبرها الثقافة السياسية وبها تستمر ومن خلالها تتغير، وما يرتبط بها من دوائر تربوية وتوعوية وتعليمية، بداءً بالأسرة ومروراً بالمدرسة والنادي والحزب..الخ وانتهاءً بالدولة.
وكلاً من الثقافة السياسية والتنشئة السياسية تعدان معاً من الموضوعات البالغة الأهمية في حياة المجتمعات الديمقراطية المعاصرة، نظراً لما لهما من دور حيوي في تحديد مسار العملية الديمقراطية نجاحاً أو اخفاقاً، وبالتالي رسم معالم وآفاق الحياة الاجتماعية سعادةً أو بؤساً وشقاءً.
فإذا كانت الثقافة السياسية تعكس مدى نضوج وتمدن الأفراد بأهمية وضرورة الحياة الجماعية والمصير المشترك، والتي لا يمكن ان تؤسس وفقاً لأطر اجتماعية ضيقة، وأفكار ومعتقدات بالية وانتهازية، ورؤى وتصورات مصلحيه قصيرة النظر والأفق، وانما وفقاً لأسس ومتطلبات المجتمع المدني المتحضر بعلقه الجمعي القائم على التعدد والتسامح والقبول بالآخر واستيعابه لا استبعاده، إنطلاقاً من معيار المواطنة والكفاءة والنزاهة ومأسسة السلطة وتجردها لا شخصنتها، وبالتالي الولاء لها لا استعداها، فإن التنشئة السياسية تعد منبع الثقافة ومصنعها بما تنطوي عليه من دوائر تنشئه وتوجيه، وهو حديث ينصب عن دور الأسرة والمدرسة والحزب.. وغير ذلك من الدوائر الاجتماعية.
ونظراً للترابط الوثيق بين كلاً من الثقافة السياسية والتنشئة السياسية فإننا سنسلط الضوء عليها معاً هنا بالنسبة للجمهورية اليمنية.
ثانياً: نمط الثقافة السياسية اليمنية وأسبابها

يعد مفهوم الثقافة السياسية من المفاهيم الحديثة نسبياً في علم السياسة، اذ يرجع ظهوره إلى عام 1956م عندما استخدمه الأستاذ الأمريكي جابرييل الموند كبعد من أبعاد تحليل النظام السياسي، فكل نظام سياسي عند الموند، يترسخ حول انماط محددة من التوجهات التي تضبط التفاعلات التي يتضمنها النظام الاجتماعي، وبالمثل تكون الثقافة السياسية بمثابة التنظيم غير المقنن للتفاعلات السياسية، أي انها- كما سبق الايضاح "مجموعة القيم والأفكار والمعتقدات المرتبطة بظاهرة السلطة في المجتمع".
والثقافة السياسية على هذا النحو من المفهوم تنطوي على العديد من الملاحظات الهامة، لعل من أبرزها ما يلي:
&zwnj;أ. تعد الثقافة السياسية محصلة تفاعل التجارب والخبرة التاريخية، والمحددات الجغرافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وهي أيضاً تتأثر بالرأي العام، بمعنى أنه اذا اتسم هذا الأخير تجاه قضية محددة بالثبات النسبي يمكَّن لقيمة وآرائه ان تتحول إلى جزء من نسق القيم التي تتكون منها الثقافة السياسية.
&zwnj;ب. ويعد التنوع السابق في روافد الثقافة السياسية أهم ما يميزها عن الايديولوجيا، فالثقافة السياسية غير ممنهجه، وتتضمن الغث والسمين، كونها تشتمل على مجموعة من القيم يتكامل بعضها ويتناقض بعضها الآخر، في حين ان الايديولوجيا ممنهجة وتتميز بدرجة كبيرة من الانتقائية، ومن ثم تتمتع بقدر كبير من التجانس القيمي بمعنى آخر، الثقافة السياسية هي محصلة تطور تاريخي نتيجة تفاعل عدد من العوامل، أما الايدولوجيا فهي تركيب فكري وعقلي يحرص أصحابة على ان يتسم بالتجانس والاتساق.
&zwnj;ج. على الرغم من أن الثقافة السياسية تعد فرعاً من الثقافة العامة- كما سبق القول- إلا أنها بدورها تتضمن العديد من الثقافات السياسية الفرعية التي تختلف باختلاف الاجيال والبيئات والمهن.
فالثقافة السياسية للشباب تختلف عن نظيرتها لدى الشيوخ، والثقافة السياسية للصفوة تختلف عن مثيلتها للجماهير، والثقافة السياسية للحضر تختلف عن تلك لسكان القرى والبدو.. وهكذا.
وإجمالاً يمكن القول بأن الثقافة السياسية اليمنية تندرج ضمن الثقافة السياسية العربية في مجراها العام، وهي ثقافة سياسية ضيقة وتابعة في معظمها وليست مشاركة، بمعنى تدني درجة الوعي السياسي والمشاركة السياسية والقبول بفكرة المجتمع المدني والتعايش معها بوعي ناضج ومدرك لمؤسساتها وأهميتها، ويمكن قياس ذلك من خلال موقف هذه الثقافة وإدراكها إزاء قضيتين رئيسيتين هما: قضية الانتماء والهوية، والمشاركة السياسية.
1. بالنسبة لقضية الانتماء والهوية (مفهوم المجتمع المدني) في الثقافة السياسية لأي مجتمع في واقع الأمر هي شعور الفرد بالانتماء إلى جماعة إلا أن هذا الشعور بحد ذاته لا يعد كافياً لتحقيق وحدة هذه الجماعة وتكاملها، وإنما يعتمد ذلك على الاجابة على أسئلة مثل ما هو تصورهم للهدف من وجودهم؟ والأهم من ذلك هو كيف يتصورون تحقيق هذا الهدف؟ وعدم الإجابة الموضوعية على هذه الأسئلة من خلال عملية التنشئة السياسية يؤدي إلى ما يعرف باسم "أزمة الهوية".
وفي هذا السياق نجد أن لمسألة الانتماء في الثقافة العربية ومنها اليمنية مستويات عدة منها مستوى الأسرة الممتدة، ومستوى العشيرة والقبيلة، ومستوى الجماعة الدينية أو الطائفية، ومستوى الأمة والوطن، وهي مسألة طبيعية في كل المجتمعات، إلا أنه عدم التناسق بين تلك الأطر والدوائر الاجتماعية أو الانتماءات دون الدولة مع الولاء للدولة ذاتها، وغياب الرؤية لترتيبها قد يؤدي إلى إثارة القلاقل وعدم الاستقرار، بل ورفع السلاح في وجه الدولة، الأمر الذي يشكل ضربه موجعه لمفهوم وفلسفة "المجتمع المدني" وأهدافه، وبالتالي العودة إلى حياة الغاب أو حالة الفطرة الأولى التي يكون فيها البقاء للأقوى كما طرح المفكر الانجليزي توماس هوبز.
فمفهوم المجتمع المدني لا يمنع أن يعزز المواطن انتماءه إلى جماعته القبلية أو المذهبية بشرط ألا يكون انتماؤه للدولة محل خيار أو مفاضلة مطلقاً، فالمجتمع الأمريكي مثلاً مجتمع شديد التنوع الثقافي، لكنه في الوقت نفسه يمثل إطاراً تتكامل فيه مختلف الثقافات وتلتقي على حد أدنى من القيم السياسية والاجتماعية، بينما نجد أن نمط الثقافة السياسية اليمنية في معظمها يتقاطع مع فكرة الدولة ومؤسسة السلطة وتجردها، إذ أنه ما يزال هناك قطاع واسع من الجماهير وبعض القوى السياسية والاجتماعية تجند نفسها للاصطفاف وراء أطر اجتماعية وايديولوجية ضيقة، انطلاقاً من تحسبات مصلحيه أنانية وقصيرة النظر لم تتحرر بعد من دائرة الأسر الانعزالي المفعم بالتسلط والاستبداد.
هذا ما يمكن أن نلمسه بوضوح في حركة التمرد المتكررة في محافظة صعدة الدائرة منذ منتصف التسعينات من القرن المنصرم، سواء من حيث التبريرات التي يسوقها أطراف حركة التمرد أو من حيث موقف المعارضة وتحديداً أحزاب ما بات يعرف بـ"اللقاء المشترك".
فعلى مستوى أطراف أو قادة حركة التمرد نجد ان لغتهم السياسية ومبرراتهم التي يسوقونها لتسويق أعمالهم الارهابية، لا تستند إلى أي منطق قانوني أو دستوري أو منطقي، وانما تعكس نزعة تسلطية مفعمة بالحنين إلى العودة إلى ماضي التسلط والهيمنة والتفرد بالسلطة وهي محاولة تعكس موقف قوى انهزامية قد لفظها التاريخ، وتحاول عبثاً النفخ في رماده، بعدما تقطعت بها السبل في التواصل مع العصر ومعطياته الذي في مقدمتها الحرية والديمقراطية والتسامح وحق المواطنة المتساوية.
أما على مستوى موقف قوى المعارضة وتحديداً أطراف اللقاء المشترك، فنجد أنه على الرغم أن تلك الاحداث تشكل تهديد للوطن برمته، إلا أن موقف تلك الأحزاب اتسم في معظمة في المحاولة لتسويق شرعنتها، إنطلاقاً من رؤى وتحسبات ضيقة وأنانية وقصيرة النظر، لا ترتقي والمصلحة الوطنية العليا وانما تندرج ضمن المكايدات السياسية مع حزب المؤتمر الشعبي العام بوصفه الحزب الحاكم، وذلك اتساقاً مع القاعدة السياسية القائله بـ(عدو عدوي صديقي) مع أن ما كان يجري في صعدة حتى الأمس القريب يستهدف الوطن برمته.
هذه المواقف المتمحوره حول الذات في الثقافة السياسية اليمنية تستقي أسبابها من عوامل عدة، لعل من أبرزها الأمية والجهل المتفشي لدى قطاعات واسعة من الجماهير، والنزعة التسلطية لدى قادات ونخب أحزاب المعارضة المتمترسين وراء ايديولوجيات متزمتة ومتعصبه لم تعد في معظمها تمت بصلة إلى روح العصر ومعطياته.
2. أما بالنسبة لقضية المشاركة السياسية:

والتي نقصد بها الأنشطة السياسية التي يقوم بها الأفراد بهدف التأثير في العملية السياسية ومنها: التصويت في الانتخابات وحضور المؤتمرات والندوات، ومطالعة الصحف، والانخراط في الاحزاب السياسية والاتصال بالجهات الرسمية..الخ فنجد أنها تتصف بالموسمية والشكلية، ولا تعكس في معظم الحالات وعي سياسي محدد، بقدر ما تعكس السعي إلى الحصول على خدمات أو منافع مادية آنية من المرشحين.
وهذا الموقف ينسحب حتى على مستوى تواجهات الاحزاب السياسية، التي لاتنظر للعملية الديمقراطية سوى كونها وسيلة مناسبة للانقضاض على السلطة لا بوصفها فلسفة شاملة لمختلف جوانب الحياة وانما تعكس عقلية انقلابية تعسكر نفسها في موسم الانتخابات لامتداح الديمقراطية واستقطاب الجماهير حتى مرحلة الفرز، ومن ثم يتم العودة إلى حياة السكون والسبات، وهذا المشهد يعد في واقع الأمر جزءً من نادي الديمقراطية العربية وهي نادي (الديمقراطية بلاد ديمقراطيين).
3. أدوات التنشئة السياسية وأساليبها:
وبالتحول من مضمون الثقافة السياسية إلى أدوات انتقالها عبر التنشئة السياسية، يمكن القول بأن الفرد اليمني ينشط في وسط بيئة ثقافية استبدادية في معظمها ويغلب عليها الجهل والأمية، وليس هناك دور ملموس للمدرسة أو وسائل الاتصال الجماهيرية المكتوبة والمسموعة في عملية التثقيف السياسي، كما لا تمارس الأحزاب السياسية في معظمها دوراً ملموساً في هذا المجال، بالنظر إلى ضعف تغلغلها بين الجماهير، واذا كان لها من دور فهو يعكس منظورات ايديولوجية متزمته وغير متسامحة بطبعها.
كما أن دور الأسرة باعتبارها الخلية أو النواة الأساسية لتشكيل قيم الفرد ومعتقداته تجاه السلطة، يمكن وصفه بالدور السلبي أو المعيق، نظراً للأسلوب الديكتاتوري والأمر المتبع في تربية الأبناء وإدارة شئون الأسرة.
ومن هنا نجد أن الأسرة التي تنشئ ابناءها على احترام آداب الحوار والتسامح مع الآخر، وتشجعهم على إبداء آرائهم ولا تميز بينهم في المعاملة لداعي السن أو الجنس، تخرج عادة للمجتمع مواطنين اسوياء تشبعوا بروح الممارسة الديمقراطية واقتنعوا بأهميتها.
أما الأسرة التي يستبد ربها برأية دون مشاركة الزوجة والأبناء أو التي تميز في المعاملة بين الأبناء، فإنها تلفظ إلى المجتمع مواطنين سلبيين أو غير ديمقراطيين.
وهكذا نجد أن كل هذه الدوائر تتضافر معاً في تغذية الثقافة السياسية الضيقة التي تنعكس سلباً في الوعي المجتمعي بأهمية المجتمع المدني ومؤسسة السلطة والولاء الوطني.

الخاتمة: مما سبق نستنتج التأكيد على أهمية التنشئة السياسية، وذلك من خلال حملات التوعية السياسية وإعادة الاعتبار لدور المدرسة والحزب والنهوض بدوره الايجابي، وكذلك تفعيل دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري بما من شأنه الإسهام في خلق جيل واعي بمفردات القاموس السياسي ذات الصلة بظاهرة السلطة السياسية وأهمية تعزيز دورها الفاعل في النهوض بالوطن بعيداً عن التعصبات الضيقة.
ولعل التوجهات الحالية لمعهد الميثاق بقيادته الجديدة تعد خطوة تحسب للمؤتمر الشعبي العام على الطريق الصحيح.

spisos
26-02-2009, 21:20
تابع لزينب البليدية:

أولاً : مفهوم الثقافة السياسية

لكل مجتمع خصوصية تعكسها ثقافته السائدة بين ابنائه، تلك الثقافة التى تطورها مجموعة القيم والمفاهيم والمعارف التى اكتسبها عبر ميراثه التاريخى والحضارى وواقعه الجغرافى والتركيب الاجتماعى وطبيعة النظام السياسى والاقتصادى، فضلاً عن المؤثرات الخارجية التى شكلت خبراته وانتماءاته المختلفة.
والثقافة السياسية هى جزء من الثقافة العامة للمجتمع .. وهى تختلف من بلد لآخر حتى لو كان شعباه ينتهجان نفس الأساليب الحياتية، وينتميان إلى نفس الحضارة، ويتقاسمان الاهتمامات والولاءات.

1 ـ تعريف الثقافة السياسية :

يقصد بالثقافة السياسية مجموعة المعارف والآراء والاتجاهات السائدة نحو شئون السياسة والحكم، الدولة والسلطة، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة.
وتعنى أيضاً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التى يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم.
ومعنى ذلك أن الثقافة السياسية تتمحور حول قيم واتجاهات وقناعات طويلة الأمد بخصوص الظواهر السياسية، وينقل كل مجتمع مجموعة رموزه وقيمه وأعرافه الأساسية إلى أفراد شعبه، ويشكل الأفراد مجموعة من القناعات بخصوص أدوار النظام السياسى بشتى مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، وحقوقهم وواجباتهم نحو ذلك النظام السياسى.
ولما كانت الثقافة السياسية للمجتمع جزءاً من ثقافته العامة، فهى تتكون بدورها من عدة ثقافات فرعية، وتشمل تلك الثقافات الفرعية : ثقافة الشباب، والنخبة الحاكمة ،والعمال، والفلاحين، والمرأة .. الخ.
وبذلك تكون الثقافة السياسية هى مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التى تعطى نظاماً ومعنى للعملية السياسية، وتقدم القواعد المستقرة التى تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسى، وبذلك فهى تنصب على المثل والمعايير السياسية التى يلتزم بها أعضاء المجتمع السياسى، والتى تحدد الإطار الذى يحدث التصرف السياسى فى نطاقه.
أى أن الثقافة السياسية تدور حول ما يسود المجتمع من قيم ومعتقدات تؤثر فى السلوك السياسى لأعضائه حكاماً ومحكومين.
وعلى ذلك يمكن تحديد عناصر مفهوم الثقافة السياسية على النحو التالى :
• تمثل الثقافة السياسية مجموعة القيم والاتجاهات والسلوكيات والمعارف السياسية لأفراد المجتمع.
• الثقافة السياسية ثقافة فرعية. فهى جزء من الثقافة العامة للمجتمع تؤثر فيه وتتأثر به، ولكنها لا تستطيع أن تشذ عن ذلك الإطار العام لثقافة المجتمع.
• تتميز الثقافة السياسية بأنها متغيرة. فهى لا تعرف الثبات المطلق، ويتوقف حجم ومدى التغير على عدة عوامل من بينها : مدى ومعدل التغير فى الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ودرجة اهتمام النخبة الحاكمة بقضية التغير الثقافى، وحجم الاهتمام الذى توليه وتخصصه الدولة لإحداث هذا التغيير فى ثقافة المجتمع، ومدى رسوخ هذه القيم فى نفوس الأفراد.
• تختلف الثقافة السياسية بين مجتمع وآخر كما تختلف من فرد لآخر داخل المجتمع. هذا الاختلاف تفرضه عوامل معينة كالأصل ومحل الاقامة والمهنة والمستوى الاقتصادى والحالة التعليمية.

2 ـ مكونات الثقافة السياسية :

يمكن الحديث عن مجموعة من العناصر أو المكونات للثقافة السياسية سواء تلك التىتتبناها الدولة (ثقافة الحكام) أو الثقافة الرسمية وتلك السائدة لدى أفراد المجتمع (المحكومين) والتى تسمى الثقافة غير الرسمية ومن هذه المكونات :

أ ـ المرجعية :

وهى تعنى الإطار الفكرى الفلسفى المتكامل، أو المرجع الأساسى للعمل السياسى، فهو يفسر التاريخ، ويحدد الأهداف والرؤى، ويبرر المواقف والممارسات، ويكسب النظام الشرعية.
وغالباً ما يتحقق الاستقرار بإجماع أعضاء المجتمع على الرضا عن مرجعية الدولة، ووجود قناعات بأهميتها وتعبيرها عن أهدافهم وقيمهم. وعندما يحدث الاختلاف بين عناصر النظام حول المرجعية، تحدث الانقسامات وتبدأ الأزمات التى تهدد شرعية النظام وبقائه واستقراره.
ومن أمثلة المرجعيات الديمقراطية، والاشتراكية، والرأسمالية، والعلمانية .. الخ وأغلب الظن أنه لا يوجد أثر محسوس للاختلاف بين عناصر المجتمع فى الديمقراطيات الغربية، إذ أن هناك اتفاقا عاما على الصيغ المناسبة لشكل النظام السياسى والاجتماعى والاقتصادى، أما فى الدول النامية فالمسائل المتعلقة بشكل نظام الحكم وطبيعة النظام الاقتصادى وحدود العلاقة بين الدين والدولة لم تحسم بعد ولا تزال مثار خلاف وصراع.

ب ـ التوجه نحو العمل العام :

هناك فرق بين التوجه الفردى الذى يميل إلى الاعلاء من شأن الفرد وتغليب مصلحته الشخصية، وبين التوجه العام أو الجماعى الذى يعنى الايمان بأهمية العمل التعاونى المشترك فى المجالين الاجتماعى والسياسى.
والتوجه نحو العمل العام والاحساس بالمسئولية الاجتماعية تجاه المجتمع وقضاياه من أهم مكونات الثقافة السياسية، ذلك أن هذا الشعور بالمسئولية يدفع المواطن إلى الإيجابية فى التعامل مع القضايا والموضوعات فى ظل ثقافة متشابهة مؤداها الاحساس بالولاء للجماعة.

ج ـ التوجه نحو النظام السياسى :

الاتجاه نحو النظام السياسى والايمان بضرورة الولاء له والتعلق به من ضرورات الاحساس بالمواطنة وما ترتبه من حقوق والتزامات. فكل ثقافة سياسية عليها أن تحدد النطاق العام المعقول للعمل السياسى والحدود المشروعة بين الحياة العامة والحياة الخاصة. ويتضمن هذا النطاق تحديد الأفراد المسموح لهم بالمشاركة فى العملية السياسية ووظائف المؤسسات السياسية كل على حدة.
كما تفرض الثقافة السياسية معرفة حدود المشاركة فى هذا النظام مثل السن والجنس والمكانة الاجتماعية والوضع العائلى.
بالاضافة إلى أن بعض الثقافات السياسية تحرص على تحديد الأبنية والوظائف السياسية فى الدولة، وكذلك الأجهزة المنوطة بتحقيق الأهداف التىتحددها الدولة. فالثقافة السياسية هى التى تدعم النظام، وتحدد أطره، وتغذيه بالمعلومات المستمدة من واقع البيئة وخصوصيتها، وتحافظ عليه وتضمن بقاءه.

د ـ الاحساس بالهوية :

يعتبر البعض أن الاحساس بالانتماء من أهم المعتقدات السياسية، ذلك أن شعور الأفراد بالولاء للنظام السياسى يساعد على اضفاء الشرعية على النظام، كما يساعد على بقاء النظام وتخطيه الأزمات والمصاعب التى تواجهه.
فضلاً عن أن الاحساس بالولاء والانتماء للوطن يساعد على بلورة وتنمية الشعور بالواجب الوطنى وتقبل الالتزامات، كما يمكن من فهم الحقوق والمشاركة الفاعلة فى العمليات السياسية من خلال التعاون مع الجهاز الحكومى والمؤسسات السياسية ، وتقبل قرارات السلطة السياسية والايمان بالدور الفاعل لها فى كافة مجالات الحياة.

3 ـ أثر الثقافة السياسية على النظام السياسى :

يحتاج أى نظام سياسى الى وجود ثقافة سياسية تغذيه وتحافظ عليه. فالحكم الفردى توائمه ثقافة سياسية تتمحور عناصرها فى الخوف من السلطة والإذعان لها، وضعف الميل إلى المشاركة، وفتور الايمان بكرامة وذاتية الانسان، وعدم اتاحة الفرص لظهور المعارضة. أما الحكم الديمقراطى فيتطلب ثقافة تؤمن بحقوق الانسان، وتقتنع بضرورة
حماية الانسان وكرامته فى مواجهة أى اعتداء على هذه الحريات، حتى لو كان من قبل السلطة نفسها، كما يشترط لاستمرار النظام والحفاظ على بقائه توافر شعور متبادل بالثقة بالآخرين فى ظل مناخ اجتماعى وثقافى يعد الانسان لتقبل فكرة وجود الرأى والرأى الآخر، ويسمح بوجود قدر من المعارضة فى إطار قواعد وأطر سياسية موضوعة بدقة لكى تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع السياسى.
وتساهم الثقافة السياسية السائدة فى المجتمع إلى حد كبير فى بلدان كثيرة فى تحديد شكل نظام الحكم، بل انها قد تساهم فى تحديد عناصر القيادة السياسية. فقد تكون القيادة السياسية حكرا على عائلة معينة أو على مجموعة صغيرة ذات وضعية خاصة دينية أو مذهبية أو عرقية أو تعليمية. وحيث يقدر المجتمع كبار السن ويعلى الذكور على الإناث، يغلب أن تجىء القيادة من صفوف المسنين الذكور. وفى كثير من الأنظمة السياسية ينظر إلى فئة معينة على أنها الأجدر بالسيطرة على المستويات العليا للسلطة. هذه الفئة قد تكون رجال الدين أو العسكريين أو المحامين .. الخ. وفى مثل هذه الحالة يتوقع أن تعكس السياسة العامة مصالحهم فى المقام الأول.
وتؤثر الثقافة السياسية كذلك على علاقة الفرد بالعملية السياسية ، فبعض المجتمعات تتميز بقوة الشعور بالولاء الوطنى والمواطنة المسئولة، وهنا يتوقع ان يشارك الفرد فى الحياة العامة، وأن يسهم طواعية فى النهوض بالمجتمع الذى ينتمى إليه. وفى دول أخرى يتسم الافراد باللامبالاة والاغتراب وعدم الشعور بالمسئولية تجاه أى شخص خارج محيط الأسرة. وفى بعض الأحيان ينظر المواطن إلى النظام السياسى على أنه أبوى يتعهده من المهد إلى اللحد ويتولى كل شىء نيابة عنه ويعمل على ضمان رفاهية الجماعة. وفى المقابل قد يتشكك الفرد فى السلطة السياسية ويعتبرها مجرد أداة لتحقيق مصالح القائمين عليها ليس إلا.
لذلك يمكن القول أن الاستقرار السياسى يعتمد على الثقافة السياسية. فالتجانس الثقافى والتوافق بين ثقافة النخبة والجماهير يساعدان على الاستقرار. أما التجزئة الثقافية والاختلاف بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير، فإنه يشكل مصدر تهديد لاستقرار النظام السياسى.

4 ـ مشكلة الهوية :

يمكن القول أن هذه الأزمة هى آخر الأشكال التى وصلت إليها التطورات فى الدول النامية. وهى تعنى فى مضمونها : تخبط الجماعة السياسية فى تعريفها لنفسها وفى تحديد شعورها الجماعى بهويتها الحضارية من منظور التاريخ بمعنى .. هل نحن امتداد للماضى أم ينبغى أن تكون انظارنا مشدودة ومتطلعة إلى المستقبل الذى يتجسد فى الطريق الذى سلكه غيرنا أم أننا أبناء الحاضر وكفى !!
وتتلخص هذه الأزمة فى التخبط عند اختيار النموذج الحضارى الذى تنشده الجماعة السياسية فى التحديث الثقافى والتنمية الشاملة .
وهناك على الساحة نماذج وأفكار مطروحة ومتناقضة ابتداء من النموذج التركى الذى اختار التغريب الكامل وانتهاء - على العكس من ذلك - بإدانة المجتمع العصرى الحالى باعتباره مجتمعاً جاهلياً ينبغى تكفيره وهجره ونبذ اساليب الحياة فيه.
ويمكن طرح قضية الأصالة والمعاصرة على شكل بدائل ثلاث هى : التمسك بالأصالة، أو السير فى طريق المعاصرة، أو القيام بمحاولة توفيقية بالجمع بين الاثنين. غير أن الاكتفاء بهذا الطرح فى تحليل أزمة الهوية يثير إشكاليات تزيد من تعقيد القضية ، ويجعل الوصول إلى رأى حاسم فيها أمر يكاد يكون مستحيلاً.
لذلك اقترح بعض المفكرين صيغة أخرى تقضى على هذا التداخل .. وهى صيغة (الاتباع أم الابداع) بمعنى أن الشكل الحضارى الذى نواجهه هو :هل نظل إلى الأبد مقلدين محاكين (سواء لأجدادنا أو للأجانب) نساير الآخرين ونمسك بذيل تطور لم نصنعه، أم نصبح مبدعين نبتكر حلولنا الخاصة ونقف ندا للآخرين بأفكارنا الخلاقة.
وفى محاولة للبحث عن أصول أزمة الهوية فإنه يمكن القول أن أزمة الهوية تظهر عند الفتى فى سن المراهقة فى شكل أزمة ذاتية .. والذات هى المفهوم الذى يكونه الفرد عن نفسه باعتباره مصدر للتأثير والتاثر فى البيئة المحيطة.
وفى تلك السن يقوم داخل الفرد صراع بين النوعين من القيم : صراع بين الدافع إلى تحقيق صورة للذات مقبولة اجتماعياً،وبين جانب من الذات ثابت ومستقر يتضمن معانى القصور والعجز والضعف، وعدم التكافؤ والفشل وغير ذلك. وبذلك يقع المراهق فى بلبلة وحيرة واضطراب تتدخل فيه عدة عوامل ، فيما يتعلق بتحديد (الذاتية) أى الصفات المميزة التى يرضى المراهق أن تتحدد بها ذاته، فى هذه الحالة تحدث أزمة ذاتية وذلك عندما يعجز الفرد عن أن يحدد تكاملاً ذاتياً بين قيمه وأهدافه وقدراته، أى عند فشله فى تحديد "هويته".
وبالمثل يمكن القول أن الأمم النامية والدول الغنية تقع قبل مرحلة الانتقال أو التطور فريسة لأزمة ذاتية من هذا النوع. وذلك عندما تخفق فى تحديد هويتها الحضارية.
ويذكر علماء النفس أنه فى حالة إخفاق الفرد فى التوافق مع الذات وتأكيدها فإنه يلجأ إلى أسلوب لا توافقى يتراوح بين حالتين هما : الاغتراب أو التطرف. وعادة ما يوجه المغتربون اهتماماتهم على وجه الأخص إلى الداخل، فى حين أن المتطرفين يوجهون اهتماماتهم إلى الخارج، وهو نفس السلوك السياسى لبعض الأقطار الذى يتراوح بين الانغلاق الداخلى أو العزلة وبين التطرف العدوانى. هذا فضلاً عن الاحساس بالقصور والعجز والضعف وعدم التكافؤ وتزايد الاحساس بعدم الثقة فى العالم المحيط.
وتكمن جذور أزمة الهوية فى عدة عوامل من أبرزها السيطرة الأجنبية وما تلاها من تبعية وما يترتب عليها من تشويه اقتصادى واجتماعى حضارى ونفسى وكذلك تعميق التبعية بمعنى كثافة الاعتماد من جانب الحكومات على القوى الخارجية لتحقيق الأهداف الوطنية، وأيضا شدة الاعتماد من جانب الشعوب على حكوماتها لتحقيق الآمال الجماهيرية، فضلا عن النظرة الأحادية للأمور بمعنى أن كافة الأشياء والظواهر والمواقف هى إما ابيض أو أسود ولا وسط مما يضيع نسبية الحقائق والأحكام ويدفع إلى التعصب والتطرف وعدم القبول بالحلول الوسط.
صفوة القول أن أزمة الذاتية تتبلور فى أن المشكلة ليست أزمة معرفة وإنما هى أزمة تقييم، بحيث نعجز عن تقييم موقعنا فى خريطة الأسرة الدولية المعاصرة وتحديد مركزنا على مر الزمن الذى يمتد عبر ثلاث نقاط من الماضى إلى الحاضر فالمستقبل.
وفى إطار البحث عن الذات أو الهوية الحضارية هذه ، تحدث نزعة الخلط بين موقفين : البحث عن الذات، والعودة إلى الذات، وهذه الأخيرة تعنى العودة إلى الداخل ونحو الماضى. وأصحاب هذه النزعة حينئذ يكونون بمثابة قوم يمسكون بمرآة عظيمة ينظرون فيها ليهتدوا بها إلى طريقهم، وهم فى الواقع لا يرون إلا انفسهم وعلى هذا النحو قد يضيع منهم الطريق الصحيح.
وتتمثل مشكلة تحديد الهوية فى تحديد تعريف الذات، ذلك أن هذه المشكلة تحدد مواقعنا فى مواجهة الآخرين. فلكى تتحدد الهوية لابد من تحديد علاقات الأشخاص ببعضهم ومدى انتمائهم أو بعدهم عنهم.
وهنا تبرز مشكلة الهوية لدى الشباب كجماعة اجتماعية متميز . فالشباب جماعة اجتماعية لها ثقافتها الفرعية الخاصة. وقد أدى طول فترة التعليم إلى توافر الوقت الطويل للشباب والذى نتج عنه ما يمكن تسميته بالمراهقة الممتدة .. تلك المراهقة الممتدة التى تؤدى إلى الهوية المشتتة.
ويرجع ظهور مشكلة الهوية لدى الشباب الى عوامل مثل :
أ ـ سرعة التغير فى المجتمع :
ان الحالة العامة للحياة وسرعة التحرك فيها وشعور الانسان بهذه الحياة من زاوية مفاهيمه عن الزمان والمكان والعلاقات الاجتماعية تتعرض لهزات عنيفة، بل ان مفاهيم المجتمع نفسه والثقافة قد أصابهما التغيير.
ب ـ التحديث :
تتمثل مشكلة التحديث فى التغير الضخم الشامل فى كل مكان، حيث لا تستطيع أى جماعة أن تفلت من التغيير فى هذا القرن. لقد نتج عن عدم القدرة على التعامل بنجاح مع مجتمع ديناميكى كثير من التغيير والفوضى وعدم الرضا. وفى النهاية اهتزاز الهوية لدى الشباب نتيجة لصدمات التغيير.

جـ ـ التشتت النفسى :
ويحدث هذا الشتت بين القديم الأصيل والجديد المستورد، وبين قيمة العمل اليدوى وعائده وبين الوظيفة ونتيجة لتلك المشاكل يشعر الشباب بالاغتراب فى وطنه بسببب فتور العلاقات الانسانية وشكه فى كل شىء، مما يؤدى إلى وجود صراع بين الهوية القومية أو الوطنية وبين الحضارة الحديثة، وقبول أو عدم قبول تقويم الحضارة الغربية لحضارتنا الوطنية وقيمها ورموزها وطريقة حياة شعبنا.
وفى هذا الاطار يمكن أن نميز بين هويات متعددة هى الهوية الوطنية والهوية العربية والهوية الإسلامية والهوية العالمية.
(1) الهوية الوطنية :
تتحدد الدائرة الوطنية بالحدود السياسية للدولة .. وقد غلب هذا التيار الداعى للانتماء إلى الوطن (مصر) والدولة، على أى من الدوائر الأخرى.
ولقد كان هذا التيار قوياً فى فترة الجهاد من أجل الاستقلال، ثم ضعف بعد ثورة التحرير وقيام الدولة المستقلة لكنه عاد إلى القوة مرة أخرى بعد حرب يونيو 1967 ثم ازداد قوة بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر واسرائيل والمقاطعة العربية لمصر.
(2) الهوية العربية :
تؤكد الهوية العربية على الانتماء إلى الدائرة التى تشمل الوطن العربى الكبير من المحيط إلى الخليج. ويؤكد هذا التيار على روابط مصر العربية، والمتمثلة فى اللغة والثقافة والحضارة والأصل السامى لكل الأمة العربية.
كما يركز هذا التيار على إنكار رسوخ الدولة الوطنية ويتجاهل الخصوصيات الثقافية المشتركة فى بلاد الوطن العربى ويركز على تحقيق الوحدة العربية.
(3) الهوية الاسلامية :
يؤكد التيار الاسلامى على الانتماء إلى دائرة الحضارة الاسلامية التى ساهم فى بنائها العرب، وغلب على هذا التيار الانتماء إلى العقيدة اكثر من الوطنية والانتماء القومى، وسعى إلى التواصل مع التنظيمات المعبرة عنه فى العالم الاسلامى. وقد عمل هذا التيار على استقطاب العديد من الشباب. بالتركيز على الإحباط الثقافى والحضارى .
(4) الهوية الإنسانية العالمية :
ان النظرة العالمية هى النظر إلى الجنس البشرى كأسرة واحدة تقوم على تنمية المصالح المشتركة باستخدام مصادر الثروة الطبيعية وتسيير المجتمع نحو الرفاهية. وتظهر لدى الشباب الرغبة فى التمثل بالأنماط السلوكية المتبادلة التى تنتجها الحضارات المختلفة فى مراحل تماسكها واحتكاكها المباشر، تعبيراً عن طبيعة العلاقات المتطورة بينها.
كما ينتج عن ذلك صراع بين الحضارات، وتمزق شباب الدول النامية بين قيمه الموروثة والمحببة، وبين مقتضيات ومتطلبات الحضارة العالمية الصناعية إذ لا يمكن تفادى وقوع التغيير الحضارى الذى اتسعت فيه الاتصالات الفكرية والمادية مما يؤدى إلى وقوع الشباب فريسة الصراع الثقافى وتنافس الهويات بالأخص فى ظروف التحول نحو العالمية فى الاقتصاد والاتصال والاعلام والثقافة، الأمر الذى يعلى من شأن المؤثرات الخارجية على القيم السياسية لكافة المواطنين وفى مقدمتهم الشباب.
ومع ذلك .. فإنه يمكن القول أن أزمة الهوية الحضارية والثقافية لدى الشباب ينبغى ألا تثير الانزعاج بيننا، لأننا نشترك فيها مع معظم دول المعمورة.
أما وجه القلق فيها فيكمن فى الخطورة التى تترتب على عدم حسمها والتى تتلخص فى تأخيرنا عن اللحاق بقطار العالمية السريع الذى يتوجب أن نأخذ فيه مكاناً مناسباً.
والحل المنشود قد يكون غير تقليدى ومبتكر فلابد أن نسعى لاستيعاب الشباب ودمجه فى قضايا مجتمعه وابتكار اساليب وجهود لتنمية ولاءات الشباب تجاه هويتهم الوطنية مع عدم اغفال للتيارات القومية والعالمية حتى نتمكن من مواجهة التحديات القادمة وسوف نحاول طرح بعض الأساليب المبتكرة لعلاج هذه القضية فى الفصل القادم (المشاركة السياسية).

ثانيا ً: عملية التنشئة السياسية
تشهد المجتمعات المعاصرة - بدرجات متفاوتة- أزمة تكامل قومى ، فمن الواضح ان اكثر الدول النامية بها العديد من الجماعات المختلفة عرقياً ولغوياً ودينياً ، الأمر الذى جعل من عملية بناء الآمة مطلباً ملحاً. وتواجه اكثر من دولة متقدمة وان كان بدرجة اقل حدة نفس المشكلة حيث تضم اقليات لم تستوعب فى النسيج الاجتماعى ومن هنا تصبح التنشئة السياسية لازمة لخلق شعور عام قوى بالهوية القومية.
ولقد شرعت الدول النامية عقب حصولها على الاستقلال فى القيام بعمليات تحديث اقتصادية واجتماعية وسياسية. وتتضمن التنمية فى بعدها السياسى تطوير المؤسسات السياسية وتحقيق نوع من التمايز التخصص الوظيفى فيها بمعنى إنشاء مؤسسات سياسية ودستورية متخصصة كالأحزاب والبرلمان … الخ. كما شكل إحلال نسق من القيم السياسية الحديثة محل منظومة القيم التقليدية . وتعد التنشئة المخططة والمستمرة سبيلاً لاغنى عنه لإحداث التطوير الثقافى المنشود.
وتتعدد التعريفات التى طرحها الباحثون لمفهوم التنشئة السياسية. فليس هناك تعريف واحد متفق عليه. وسنعرض فيما يلى طائفة من هذه التعريفات، فنتناول أولا مفهوم التنشئة بصفة عامة ثم التنشئة السياسية.
وتعرف التنشئة على إنها عملية التفاعل الاجتماعى التى يتم من خلالها تكوين الوليد البشرى وتشكيله وتزويده بالمعايير الاجتماعية، بحيث يتخذ مكاناً معيناً فى نظام الأدوار الاجتماعية ، ويكتسب شخصيته، أو هى العملية التى يتم من خلالها تكييف الفرد مع بيئته الاجتماعية بحيث يصبح عضواً معترفاً به ومتعاوناً مع الآخرين.
وهو مصطلح يستخدم للاشارة الى الطريقة التى يتعلم بها الاطفال قيم واتجاهات مجتمعهم وما ينتظر ان يقوموا به من أدوار عند الكبر. ويعرفها البعض على انها تلك العملية التى يكتسب الفرد من خلالها ثقافة ومعايير جماعته فى السلوك الاجتماعى وهى عملية لا تحدث لفترة معينة ثم تتوقف ولكنها مستمرة وممتدة أى أن هناك اتجاهين للنظر إلى مفهوم التنشئة :
الأول : ينظر إلى التنشئة كعملية يتم بمقتضاها تلقين المرء مجموعة من القيم والمعايير المستقرة فى ضمير المجتمع بما يضمن بقاءها واستمرارها .
الثانى : ينظر إلى التنشئة على أنها عملية من خلالها يكتسب المرء تدريجيا هويته الشخصية التى تسمح له بالتعبير عن ذاته وقضاء مطالبه بالطريقة التى تحلو له.
ويمكن أن نخلص إلى تحديد عناصر مفهوم التنشئة السياسية على النحو التالى :
1- التنشئة السياسية ببساطة هى عملية تلقين لقيم واتجاهات سياسية ولقيم واهتمامات اجتماعية ذات دلالة سياسية.
2-التنشئة السياسية عملية مستمرة بمعنى أن الإنسان يتعرض لها طيلة حياته من الطفولة وحتى الشيخوخة.
3 - تلعب التنشئة السياسية أدواراً رئيسية ثلاثة :
• نقل الثقافة السياسية عبر الأجيال.
• تكوين الثقافة السياسية.
• تغيير الثقافة السياسية.
4- هناك العديد من الأنساق الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية المختلفة تقوم بهذا الدور (التنشئة السياسية) بالنسبة للفرد.
5- هذه العملية هى المحدد لسلوك الفرد السياسى سواء بقبول أو رفض النظام السياسى أو قبول أو رفض المجتمع ككل أو إحدى مؤسساته.

1 ـ أبعاد التنشئة السياسية :
أ ـ التنشئة والمشاركة السياسية :

تتوقف مشاركة الفرد فى الحياة السياسية جزئياً على كم ونوعية المنبهات السياسية التى يتعرض لها. غير أن مجرد التعرض للمنبه السياسى لا يكفى وحده لدفع الفرد إلى المشاركة السياسية وإنما لابد ايضاً أن يتوفر لديه قدر معقول من الاهتمام السياسى، وهو ما يتوقف على نوعية خبرات تنشئته المبكرة.
فالتجارب والخبرات التى تحدث فى مرحلة الطفولة تلعب دوراً هاماً فى تشكيل اتجاهات الأفراد وتوجيه سلوكهم الفعلى فيما بعد، ويستمر تأثير هذه التجارب والخبرات على الأفراد طوال سنوات المراهقة والنضج.
ولما كانت التنشئة لا تقف عند المراحل الأولى من العمر بل انها تحدث طوال حياة الفرد فإنه يمكن القول أن كل ما يتعلمه الفرد، وما يمر به من خبرات وتجارب على مدى عمره من الطفولة وحتى الكهولة، يؤثر بدرجة كبيرة على مدى مشاركته السياسية.
ب ـ التنشئة والتجنيد السياسى :

يقصد بالتجنيد السياسى تقلد الأفراد للمناصب السياسية سواء سعوا إليها بدافع ذاتى أو وجههم آخرون إليها.
وينحدر شاغلو المراكز السياسية من ثقافات فرعية مختلفة، ولذا تصبح التنشئة السياسية الفعالة عملية حيوية لتزويدهم بالمعارف والمهارات السياسية. ومما يذكر أن القيم والاتجاهات التى اكتسبها الفرد من معايشته للجماعات الأولية تظل تزاول تأثيرها عليه بعد تجنيده فى أى منصب سياسى.
جـ ـ التنشئة والاستقرار السياسى :

يشير الاستقرار إلى قدرة النظام على أن يحفظ ذاته عبر الزمن أى يظل فى حالة تكامل، وهو ما لا يتأتى له إلا إذا اضطلعت أبنيته المختلفة بوظائفها على خير وجه ومن بينها وظيفة التنشئة السياسية.
وللتنشئة السياسية بعدان باعتبارها وظيفة ضرورية لاستمرار النظام أولهما البعد الأفقى ومضمونه أن الجيل القائم ينقل ثقافته إلى الجيل اللاحق. وثانيهما البعد الرأسى ومؤداه أن يوجد اتساق بين قيم واتجاهات وسلوكيات أفراد الجيل السائد بما يضمن للجسد السياسى قدراً …. من التلاحم والترابط.
ويشير البعض إلى وظائف التنشئة على النحو التالى :
(1) تعليم اللغة.
(2) تشكيل السلوك الانسانى للفرد.
(3) تشكيل السلوك الاجتماعى للفرد.
(4) اكساب الفرد ثقافة المجتمع.
(5) الحفاظ على نسق القيم السائد فى المجتمع.
(6) تعليم المهارات.
(7) تشكيل شخصية الفرد.

2 ـ مراحل التنشئة السياسية :

تمر عملية التنشئة بعدد من المراحل التى ترتبط بنمو الفرد وتطوره، وهى مرحلة الطفولة ثم المراهقة وأخيراً النضج والاعتدال. ويتحدد السلوك السياسى للفرد فى مرحلة النضج بدرجة ما بخبرات التنشئة التى يكتسبها فى مرحلتى الطفولة والمراهقة.
ويتلقى الفرد فى كل مرحلة من هذه المراحل جزءاً من عملية التنشئة. كما يتعرض ايضاً فى كل مرحلة إلى أداة أو أكثر من أدوات التنشئة التى قد تكمل بعضها البعض أو قد يتعارض بعضها مع البعض الآخر.
فالإنسان فى مختلف مراحل حياته يعايش مؤسسات عديدة، بعضها مفروض عليه ـ كالأسرة أو المدرسة مثلاً ـ وبعضها الآخر إرادى ينضم إليه طوعاً دون ضغط، ويتلقى من كل هذه المؤسسات خبرات وقيم واتجاهات ومبادىء يختزنها فى ذاكرته ووجدانه لتساهم بطريق مباشر أو غير مباشر فى تحديد مواقفه وسلوكه بعد ذلك.

3 ـ أدوات التنشئة السياسية :

تتنوع وتتعدد الأدوات التى تلعب أدواراً رئيسية فى عملية التنشئة. فتحت تأثير الأسرة والمدرسة وجماعات الرفاق وأدوات الاعلام يكتسب الفرد قيماً ومعايير واتجاهات منها ما هو اجتماعى له آثاره السياسية، ومنها ما هو سياسى. وسوف نتناول هذه الأدوات على النحو التالى :
أ ـ الأســـرة :
تعتبر الأسرة من أهم أدوات التنشئة السياسية وأعظمها تأثيراً فى حياة الأفراد فهى أول جماعة يعيش فيها الفرد، وهى التى تقوم بإشباع حاجاته البيولوجية وما يرتبط بها من حاجات سيكولوجية واجتماعية خلال مراحل حياته الأولى، وهى التى تنقل إليه كافة المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم التى تمكنه من أن يعيش حياة اجتماعية ناجحة بين أفراد المجتمع.
وقد أكدت معظم الكتابات التى تناولت التنشئة على أن الأسرة هى أهم أدوات التنشئة نظراً لما لها من تأثير حلزونى يمتد ليطوق كل الأدوات الأخرى مثل جماعات الرفاق والمدرسة والسلطة ووسائل الإعلام وغيرها.
وتعتبر الأسرة المدرسة الأساسية لكل طفل لأن ما يتعلمه فيها يبقى معه طوال حياته. فعن طريقها يكتسب قيمه الاجتماعية، ومعايير سلوكه، ويكتسب ضميره الآمر الناهى الذى يثيبه على خير ما يقوم به ويعاقبه على شر ما يقترفه، وعن طريقها ايضاً يكتسب الطفل المعايير العامة التى تفرضها أنماط الثقافة السائدة فى المجتمع.
ب ـ المدرسة :
وتقوم المدرسة بعملية التنشئة السياسية عن طريقين :
(1) التثقيف السياسى :

ويتم هذا التثقيف من خلال مواد معينة كالتربية الوطنية والتاريخ. وتهدف التربية الوطنية إلى تعريف التلميذ بحكومة بلده، وتحديد السلوك المتوقع منه، وزرع مشاعر الحب والولاء القومى فى نفسه، ويرمى تدريس التاريخ بما يتضمنه من انتصارات وهزائم إلى تعميق إحساس الطالب بالفخر والانتماء القوميين.
(2) طبيعة النظام المدرسى :

فالمدرسة وحدة اجتماعية لها طابعها الخاص الذى يساعد بدرجة كبيرة فى تشكيل إحساس التلميذ بالفاعلية الشخصية وفى تحديد نظرته تجاه البناء الاجتماعى القائم.
(3) جماعة الرفاق :

تعرف جماعة الرفاق على أنها الجماعة التى تتكون من أصدقاء الطفل الذين يتقاربون فى أعمارهم وميولهم وهواياتهم، كما أنها الجماعة التى ينسب إليها الفرد سلوكه الاجتماعى ويقيمه فى إطار معاييرها وقيمها واتجاهاتها وأنماط سلوكها المختلفة.
وجماعات الرفاق لها دور فى التنشئة السياسية من خلال حث أعضائها أو الضغط عليهم ليعملوا وفق الاتجاهات وأنماط السلوك السياسية الى تقبلها الجماعة، فالفرد قد يصبح مهتماً بالسياسة أو متابعاً للأحداث السياسية لأن أحد أو بعض رفاقه المقربين يفعلون ذلك.
(4) دور المؤسسات الدينية :

تقوم المؤسسات الدينية بدور كبير فى عملية التنشئة وذلك لما تتميز به من خصائص فريدة أهمها : إحاطتها بهالة من التقديس، وثبات وإيجابية المعايير السلوكية التى تعلمها للأفراد، والاجماع على تدعيمها.
والدين له مؤسساته التى تعمل على تحقيق أهدافه وغاياته السامية، ولا يقف الدين عند حدود العبادات وإقامة الشعائر الدينية، بل ان الدور الذى يقوم به فى تنشئة الأفراد يكاد يعكس آثاره على بقية المؤسسات الأخرى العاملة فى مجال الضبط الاجتماعى، ولذلك يعد الدين والمؤسسة التى تعمل على تحقيق أهدافه عنصراً أساسياً من عناصر التنشئة.
وتقوم المؤسسات الدينية بدورها فى عملية التنشئة من خلال:
• تعليم الفرد والجماعة التعاليم الدينية والمعايير السماوية التى تحكم سلوك الفرد بما يضمن سعادة الفرد والمجتمع.
• إمداد الفرد بسلوكيات أخلاقية.
• تنمية الضمير عند الفرد والجماعة.
• الدعوة إلى ترجمة التعاليم السماوية السامية إلى سلوك عملى.
• توحيد السلوك الاجتماعى والتقريب بين مختلف الطبقات الاجتماعية.
(5) دور مؤسسات العمل :

وتؤثر مؤسسات العمل فى التنشئة من خلال ما يدور داخلها من علاقات واتصالات ومعاملات بين الرؤساء والمرؤوسين ، وبين العاملين فى هذه المؤسسات بعضهم البعض بحيث أنه كلما اتسمت هذه العلاقة بالود والتعاون والمشاركة فى اتخاذ القرارات ، وفى تسيير أمور المؤسسة، كلما كان الفرد أكثر ميلاً للمشاركة خارج نطاق العمل، أما إذا اتسمت هذه العلاقة بالحقد والكراهية والتسلط، كلما كان الفرد أكثر ميلاً إلى السلبية واللامبالاة فى داخل وخارج بيئة العمل.
(6) دور الأحزاب السياسية :

تقوم الأحزاب السياسية بدور كبير فى عملية التنشئة من خلال غرس قيم ومفاهيم ومعتقدات سياسية معينة لدى الفرد، وذلك بهدف توجيه الأفراد وجهة سياسية معينة تتفق مع توجهات هذه الأحزاب، كما تم توضيحه فى العدد الثانى من هذه السلسلة عن الأحزاب.
وتقوم الأحزاب بهذا الدور من خلال ما تقدم من معلومات، وما تمارسه من تأثيرات على الآراء والقيم والاتجاهات السلوكية السياسية للجماهير، مستخدمة فى ذلك كل ما تملك من وسائل اتصال بالجماهير سواء كانت هذه الوسائل جماهيرية كالراديو والتليفزيون والصحف والمجلات والكتيبات والنشرات وغيرها، أو وسائل اتصال مباشر كالندوات والمؤتمرات والمحاضرات والاجتماعات والمناقشات والمقابلات التى ينظمها الحزب من أجل الوصول إلى أكبر قطاع ممكن من الجماهير.
وتقوم الأحزاب السياسية بدور مزدوج فى عملية التنشئة السياسية يتمثل فى دعم الثقافة السياسية السائدة، وخلق ثقافة سياسية جديدة.
(7) دور وسائل الاتصال :

تؤدى هذه الوسائل من صحف ومجلات وإذاعة وتليفزيون دوراً هاماً فى عملية التنشئة السياسية. إذ تزود الفرد بالمعلومات السياسية وتشارك فى تكوين وترسيخ قيمه السياسية . وفى المجتمعات المتقدمة تنتشر الوسائل الاعلامية على نطاق واسع وتقوم هذه الوسائل بنقل المعلومات عن قرارات وسياسات النخبة الحاكمة إلى الجماهير، ونقل المعلومات عن مطالب وردود فعل الجماهير إلى النخبة وهذا التدفق المستمر للمعلومات من أعلى إلى أسفل وبالعكس من شأنه العمل على تأكيد قيم الثقافة السياسية السائدة.
وقد عمدت القيادات السياسية فى الدول النامية إلى تطوير وسائل الاتصال الجماهيرى لتسهم فى تشكيل الثقافة السياسية الجديدة غير أنه توجد مجموعة من العوامل كالأمية وتدهور مستويات المعيشة والفقر والمرض وغياب التيار الكهربائى وعزلة القرية التى تحول دون تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الوسائل.
ويقتضى تعظيم الاستفادة من الوسائل الجماهيرية حدوث نوع من التعاون والتضافر فى الجهود التى تبذلها مؤسسات أخرى

spisos
26-02-2009, 21:20
تابع لزينب البليدية:

أولاً : مفهوم الثقافة السياسية

لكل مجتمع خصوصية تعكسها ثقافته السائدة بين ابنائه، تلك الثقافة التى تطورها مجموعة القيم والمفاهيم والمعارف التى اكتسبها عبر ميراثه التاريخى والحضارى وواقعه الجغرافى والتركيب الاجتماعى وطبيعة النظام السياسى والاقتصادى، فضلاً عن المؤثرات الخارجية التى شكلت خبراته وانتماءاته المختلفة.
والثقافة السياسية هى جزء من الثقافة العامة للمجتمع .. وهى تختلف من بلد لآخر حتى لو كان شعباه ينتهجان نفس الأساليب الحياتية، وينتميان إلى نفس الحضارة، ويتقاسمان الاهتمامات والولاءات.

1 ـ تعريف الثقافة السياسية :

يقصد بالثقافة السياسية مجموعة المعارف والآراء والاتجاهات السائدة نحو شئون السياسة والحكم، الدولة والسلطة، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة.
وتعنى أيضاً منظومة المعتقدات والرموز والقيم المحددة للكيفية التى يرى بها مجتمع معين الدور المناسب للحكومة وضوابط هذا الدور، والعلاقة المناسبة بين الحاكم والمحكوم.
ومعنى ذلك أن الثقافة السياسية تتمحور حول قيم واتجاهات وقناعات طويلة الأمد بخصوص الظواهر السياسية، وينقل كل مجتمع مجموعة رموزه وقيمه وأعرافه الأساسية إلى أفراد شعبه، ويشكل الأفراد مجموعة من القناعات بخصوص أدوار النظام السياسى بشتى مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، وحقوقهم وواجباتهم نحو ذلك النظام السياسى.
ولما كانت الثقافة السياسية للمجتمع جزءاً من ثقافته العامة، فهى تتكون بدورها من عدة ثقافات فرعية، وتشمل تلك الثقافات الفرعية : ثقافة الشباب، والنخبة الحاكمة ،والعمال، والفلاحين، والمرأة .. الخ.
وبذلك تكون الثقافة السياسية هى مجموع الاتجاهات والمعتقدات والمشاعر التى تعطى نظاماً ومعنى للعملية السياسية، وتقدم القواعد المستقرة التى تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام السياسى، وبذلك فهى تنصب على المثل والمعايير السياسية التى يلتزم بها أعضاء المجتمع السياسى، والتى تحدد الإطار الذى يحدث التصرف السياسى فى نطاقه.
أى أن الثقافة السياسية تدور حول ما يسود المجتمع من قيم ومعتقدات تؤثر فى السلوك السياسى لأعضائه حكاماً ومحكومين.
وعلى ذلك يمكن تحديد عناصر مفهوم الثقافة السياسية على النحو التالى :
• تمثل الثقافة السياسية مجموعة القيم والاتجاهات والسلوكيات والمعارف السياسية لأفراد المجتمع.
• الثقافة السياسية ثقافة فرعية. فهى جزء من الثقافة العامة للمجتمع تؤثر فيه وتتأثر به، ولكنها لا تستطيع أن تشذ عن ذلك الإطار العام لثقافة المجتمع.
• تتميز الثقافة السياسية بأنها متغيرة. فهى لا تعرف الثبات المطلق، ويتوقف حجم ومدى التغير على عدة عوامل من بينها : مدى ومعدل التغير فى الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ودرجة اهتمام النخبة الحاكمة بقضية التغير الثقافى، وحجم الاهتمام الذى توليه وتخصصه الدولة لإحداث هذا التغيير فى ثقافة المجتمع، ومدى رسوخ هذه القيم فى نفوس الأفراد.
• تختلف الثقافة السياسية بين مجتمع وآخر كما تختلف من فرد لآخر داخل المجتمع. هذا الاختلاف تفرضه عوامل معينة كالأصل ومحل الاقامة والمهنة والمستوى الاقتصادى والحالة التعليمية.

2 ـ مكونات الثقافة السياسية :

يمكن الحديث عن مجموعة من العناصر أو المكونات للثقافة السياسية سواء تلك التىتتبناها الدولة (ثقافة الحكام) أو الثقافة الرسمية وتلك السائدة لدى أفراد المجتمع (المحكومين) والتى تسمى الثقافة غير الرسمية ومن هذه المكونات :

أ ـ المرجعية :

وهى تعنى الإطار الفكرى الفلسفى المتكامل، أو المرجع الأساسى للعمل السياسى، فهو يفسر التاريخ، ويحدد الأهداف والرؤى، ويبرر المواقف والممارسات، ويكسب النظام الشرعية.
وغالباً ما يتحقق الاستقرار بإجماع أعضاء المجتمع على الرضا عن مرجعية الدولة، ووجود قناعات بأهميتها وتعبيرها عن أهدافهم وقيمهم. وعندما يحدث الاختلاف بين عناصر النظام حول المرجعية، تحدث الانقسامات وتبدأ الأزمات التى تهدد شرعية النظام وبقائه واستقراره.
ومن أمثلة المرجعيات الديمقراطية، والاشتراكية، والرأسمالية، والعلمانية .. الخ وأغلب الظن أنه لا يوجد أثر محسوس للاختلاف بين عناصر المجتمع فى الديمقراطيات الغربية، إذ أن هناك اتفاقا عاما على الصيغ المناسبة لشكل النظام السياسى والاجتماعى والاقتصادى، أما فى الدول النامية فالمسائل المتعلقة بشكل نظام الحكم وطبيعة النظام الاقتصادى وحدود العلاقة بين الدين والدولة لم تحسم بعد ولا تزال مثار خلاف وصراع.

ب ـ التوجه نحو العمل العام :

هناك فرق بين التوجه الفردى الذى يميل إلى الاعلاء من شأن الفرد وتغليب مصلحته الشخصية، وبين التوجه العام أو الجماعى الذى يعنى الايمان بأهمية العمل التعاونى المشترك فى المجالين الاجتماعى والسياسى.
والتوجه نحو العمل العام والاحساس بالمسئولية الاجتماعية تجاه المجتمع وقضاياه من أهم مكونات الثقافة السياسية، ذلك أن هذا الشعور بالمسئولية يدفع المواطن إلى الإيجابية فى التعامل مع القضايا والموضوعات فى ظل ثقافة متشابهة مؤداها الاحساس بالولاء للجماعة.

ج ـ التوجه نحو النظام السياسى :

الاتجاه نحو النظام السياسى والايمان بضرورة الولاء له والتعلق به من ضرورات الاحساس بالمواطنة وما ترتبه من حقوق والتزامات. فكل ثقافة سياسية عليها أن تحدد النطاق العام المعقول للعمل السياسى والحدود المشروعة بين الحياة العامة والحياة الخاصة. ويتضمن هذا النطاق تحديد الأفراد المسموح لهم بالمشاركة فى العملية السياسية ووظائف المؤسسات السياسية كل على حدة.
كما تفرض الثقافة السياسية معرفة حدود المشاركة فى هذا النظام مثل السن والجنس والمكانة الاجتماعية والوضع العائلى.
بالاضافة إلى أن بعض الثقافات السياسية تحرص على تحديد الأبنية والوظائف السياسية فى الدولة، وكذلك الأجهزة المنوطة بتحقيق الأهداف التىتحددها الدولة. فالثقافة السياسية هى التى تدعم النظام، وتحدد أطره، وتغذيه بالمعلومات المستمدة من واقع البيئة وخصوصيتها، وتحافظ عليه وتضمن بقاءه.

د ـ الاحساس بالهوية :

يعتبر البعض أن الاحساس بالانتماء من أهم المعتقدات السياسية، ذلك أن شعور الأفراد بالولاء للنظام السياسى يساعد على اضفاء الشرعية على النظام، كما يساعد على بقاء النظام وتخطيه الأزمات والمصاعب التى تواجهه.
فضلاً عن أن الاحساس بالولاء والانتماء للوطن يساعد على بلورة وتنمية الشعور بالواجب الوطنى وتقبل الالتزامات، كما يمكن من فهم الحقوق والمشاركة الفاعلة فى العمليات السياسية من خلال التعاون مع الجهاز الحكومى والمؤسسات السياسية ، وتقبل قرارات السلطة السياسية والايمان بالدور الفاعل لها فى كافة مجالات الحياة.

3 ـ أثر الثقافة السياسية على النظام السياسى :

يحتاج أى نظام سياسى الى وجود ثقافة سياسية تغذيه وتحافظ عليه. فالحكم الفردى توائمه ثقافة سياسية تتمحور عناصرها فى الخوف من السلطة والإذعان لها، وضعف الميل إلى المشاركة، وفتور الايمان بكرامة وذاتية الانسان، وعدم اتاحة الفرص لظهور المعارضة. أما الحكم الديمقراطى فيتطلب ثقافة تؤمن بحقوق الانسان، وتقتنع بضرورة
حماية الانسان وكرامته فى مواجهة أى اعتداء على هذه الحريات، حتى لو كان من قبل السلطة نفسها، كما يشترط لاستمرار النظام والحفاظ على بقائه توافر شعور متبادل بالثقة بالآخرين فى ظل مناخ اجتماعى وثقافى يعد الانسان لتقبل فكرة وجود الرأى والرأى الآخر، ويسمح بوجود قدر من المعارضة فى إطار قواعد وأطر سياسية موضوعة بدقة لكى تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع السياسى.
وتساهم الثقافة السياسية السائدة فى المجتمع إلى حد كبير فى بلدان كثيرة فى تحديد شكل نظام الحكم، بل انها قد تساهم فى تحديد عناصر القيادة السياسية. فقد تكون القيادة السياسية حكرا على عائلة معينة أو على مجموعة صغيرة ذات وضعية خاصة دينية أو مذهبية أو عرقية أو تعليمية. وحيث يقدر المجتمع كبار السن ويعلى الذكور على الإناث، يغلب أن تجىء القيادة من صفوف المسنين الذكور. وفى كثير من الأنظمة السياسية ينظر إلى فئة معينة على أنها الأجدر بالسيطرة على المستويات العليا للسلطة. هذه الفئة قد تكون رجال الدين أو العسكريين أو المحامين .. الخ. وفى مثل هذه الحالة يتوقع أن تعكس السياسة العامة مصالحهم فى المقام الأول.
وتؤثر الثقافة السياسية كذلك على علاقة الفرد بالعملية السياسية ، فبعض المجتمعات تتميز بقوة الشعور بالولاء الوطنى والمواطنة المسئولة، وهنا يتوقع ان يشارك الفرد فى الحياة العامة، وأن يسهم طواعية فى النهوض بالمجتمع الذى ينتمى إليه. وفى دول أخرى يتسم الافراد باللامبالاة والاغتراب وعدم الشعور بالمسئولية تجاه أى شخص خارج محيط الأسرة. وفى بعض الأحيان ينظر المواطن إلى النظام السياسى على أنه أبوى يتعهده من المهد إلى اللحد ويتولى كل شىء نيابة عنه ويعمل على ضمان رفاهية الجماعة. وفى المقابل قد يتشكك الفرد فى السلطة السياسية ويعتبرها مجرد أداة لتحقيق مصالح القائمين عليها ليس إلا.
لذلك يمكن القول أن الاستقرار السياسى يعتمد على الثقافة السياسية. فالتجانس الثقافى والتوافق بين ثقافة النخبة والجماهير يساعدان على الاستقرار. أما التجزئة الثقافية والاختلاف بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير، فإنه يشكل مصدر تهديد لاستقرار النظام السياسى.

4 ـ مشكلة الهوية :

يمكن القول أن هذه الأزمة هى آخر الأشكال التى وصلت إليها التطورات فى الدول النامية. وهى تعنى فى مضمونها : تخبط الجماعة السياسية فى تعريفها لنفسها وفى تحديد شعورها الجماعى بهويتها الحضارية من منظور التاريخ بمعنى .. هل نحن امتداد للماضى أم ينبغى أن تكون انظارنا مشدودة ومتطلعة إلى المستقبل الذى يتجسد فى الطريق الذى سلكه غيرنا أم أننا أبناء الحاضر وكفى !!
وتتلخص هذه الأزمة فى التخبط عند اختيار النموذج الحضارى الذى تنشده الجماعة السياسية فى التحديث الثقافى والتنمية الشاملة .
وهناك على الساحة نماذج وأفكار مطروحة ومتناقضة ابتداء من النموذج التركى الذى اختار التغريب الكامل وانتهاء - على العكس من ذلك - بإدانة المجتمع العصرى الحالى باعتباره مجتمعاً جاهلياً ينبغى تكفيره وهجره ونبذ اساليب الحياة فيه.
ويمكن طرح قضية الأصالة والمعاصرة على شكل بدائل ثلاث هى : التمسك بالأصالة، أو السير فى طريق المعاصرة، أو القيام بمحاولة توفيقية بالجمع بين الاثنين. غير أن الاكتفاء بهذا الطرح فى تحليل أزمة الهوية يثير إشكاليات تزيد من تعقيد القضية ، ويجعل الوصول إلى رأى حاسم فيها أمر يكاد يكون مستحيلاً.
لذلك اقترح بعض المفكرين صيغة أخرى تقضى على هذا التداخل .. وهى صيغة (الاتباع أم الابداع) بمعنى أن الشكل الحضارى الذى نواجهه هو :هل نظل إلى الأبد مقلدين محاكين (سواء لأجدادنا أو للأجانب) نساير الآخرين ونمسك بذيل تطور لم نصنعه، أم نصبح مبدعين نبتكر حلولنا الخاصة ونقف ندا للآخرين بأفكارنا الخلاقة.
وفى محاولة للبحث عن أصول أزمة الهوية فإنه يمكن القول أن أزمة الهوية تظهر عند الفتى فى سن المراهقة فى شكل أزمة ذاتية .. والذات هى المفهوم الذى يكونه الفرد عن نفسه باعتباره مصدر للتأثير والتاثر فى البيئة المحيطة.
وفى تلك السن يقوم داخل الفرد صراع بين النوعين من القيم : صراع بين الدافع إلى تحقيق صورة للذات مقبولة اجتماعياً،وبين جانب من الذات ثابت ومستقر يتضمن معانى القصور والعجز والضعف، وعدم التكافؤ والفشل وغير ذلك. وبذلك يقع المراهق فى بلبلة وحيرة واضطراب تتدخل فيه عدة عوامل ، فيما يتعلق بتحديد (الذاتية) أى الصفات المميزة التى يرضى المراهق أن تتحدد بها ذاته، فى هذه الحالة تحدث أزمة ذاتية وذلك عندما يعجز الفرد عن أن يحدد تكاملاً ذاتياً بين قيمه وأهدافه وقدراته، أى عند فشله فى تحديد "هويته".
وبالمثل يمكن القول أن الأمم النامية والدول الغنية تقع قبل مرحلة الانتقال أو التطور فريسة لأزمة ذاتية من هذا النوع. وذلك عندما تخفق فى تحديد هويتها الحضارية.
ويذكر علماء النفس أنه فى حالة إخفاق الفرد فى التوافق مع الذات وتأكيدها فإنه يلجأ إلى أسلوب لا توافقى يتراوح بين حالتين هما : الاغتراب أو التطرف. وعادة ما يوجه المغتربون اهتماماتهم على وجه الأخص إلى الداخل، فى حين أن المتطرفين يوجهون اهتماماتهم إلى الخارج، وهو نفس السلوك السياسى لبعض الأقطار الذى يتراوح بين الانغلاق الداخلى أو العزلة وبين التطرف العدوانى. هذا فضلاً عن الاحساس بالقصور والعجز والضعف وعدم التكافؤ وتزايد الاحساس بعدم الثقة فى العالم المحيط.
وتكمن جذور أزمة الهوية فى عدة عوامل من أبرزها السيطرة الأجنبية وما تلاها من تبعية وما يترتب عليها من تشويه اقتصادى واجتماعى حضارى ونفسى وكذلك تعميق التبعية بمعنى كثافة الاعتماد من جانب الحكومات على القوى الخارجية لتحقيق الأهداف الوطنية، وأيضا شدة الاعتماد من جانب الشعوب على حكوماتها لتحقيق الآمال الجماهيرية، فضلا عن النظرة الأحادية للأمور بمعنى أن كافة الأشياء والظواهر والمواقف هى إما ابيض أو أسود ولا وسط مما يضيع نسبية الحقائق والأحكام ويدفع إلى التعصب والتطرف وعدم القبول بالحلول الوسط.
صفوة القول أن أزمة الذاتية تتبلور فى أن المشكلة ليست أزمة معرفة وإنما هى أزمة تقييم، بحيث نعجز عن تقييم موقعنا فى خريطة الأسرة الدولية المعاصرة وتحديد مركزنا على مر الزمن الذى يمتد عبر ثلاث نقاط من الماضى إلى الحاضر فالمستقبل.
وفى إطار البحث عن الذات أو الهوية الحضارية هذه ، تحدث نزعة الخلط بين موقفين : البحث عن الذات، والعودة إلى الذات، وهذه الأخيرة تعنى العودة إلى الداخل ونحو الماضى. وأصحاب هذه النزعة حينئذ يكونون بمثابة قوم يمسكون بمرآة عظيمة ينظرون فيها ليهتدوا بها إلى طريقهم، وهم فى الواقع لا يرون إلا انفسهم وعلى هذا النحو قد يضيع منهم الطريق الصحيح.
وتتمثل مشكلة تحديد الهوية فى تحديد تعريف الذات، ذلك أن هذه المشكلة تحدد مواقعنا فى مواجهة الآخرين. فلكى تتحدد الهوية لابد من تحديد علاقات الأشخاص ببعضهم ومدى انتمائهم أو بعدهم عنهم.
وهنا تبرز مشكلة الهوية لدى الشباب كجماعة اجتماعية متميز . فالشباب جماعة اجتماعية لها ثقافتها الفرعية الخاصة. وقد أدى طول فترة التعليم إلى توافر الوقت الطويل للشباب والذى نتج عنه ما يمكن تسميته بالمراهقة الممتدة .. تلك المراهقة الممتدة التى تؤدى إلى الهوية المشتتة.
ويرجع ظهور مشكلة الهوية لدى الشباب الى عوامل مثل :
أ ـ سرعة التغير فى المجتمع :
ان الحالة العامة للحياة وسرعة التحرك فيها وشعور الانسان بهذه الحياة من زاوية مفاهيمه عن الزمان والمكان والعلاقات الاجتماعية تتعرض لهزات عنيفة، بل ان مفاهيم المجتمع نفسه والثقافة قد أصابهما التغيير.
ب ـ التحديث :
تتمثل مشكلة التحديث فى التغير الضخم الشامل فى كل مكان، حيث لا تستطيع أى جماعة أن تفلت من التغيير فى هذا القرن. لقد نتج عن عدم القدرة على التعامل بنجاح مع مجتمع ديناميكى كثير من التغيير والفوضى وعدم الرضا. وفى النهاية اهتزاز الهوية لدى الشباب نتيجة لصدمات التغيير.

جـ ـ التشتت النفسى :
ويحدث هذا الشتت بين القديم الأصيل والجديد المستورد، وبين قيمة العمل اليدوى وعائده وبين الوظيفة ونتيجة لتلك المشاكل يشعر الشباب بالاغتراب فى وطنه بسببب فتور العلاقات الانسانية وشكه فى كل شىء، مما يؤدى إلى وجود صراع بين الهوية القومية أو الوطنية وبين الحضارة الحديثة، وقبول أو عدم قبول تقويم الحضارة الغربية لحضارتنا الوطنية وقيمها ورموزها وطريقة حياة شعبنا.
وفى هذا الاطار يمكن أن نميز بين هويات متعددة هى الهوية الوطنية والهوية العربية والهوية الإسلامية والهوية العالمية.
(1) الهوية الوطنية :
تتحدد الدائرة الوطنية بالحدود السياسية للدولة .. وقد غلب هذا التيار الداعى للانتماء إلى الوطن (مصر) والدولة، على أى من الدوائر الأخرى.
ولقد كان هذا التيار قوياً فى فترة الجهاد من أجل الاستقلال، ثم ضعف بعد ثورة التحرير وقيام الدولة المستقلة لكنه عاد إلى القوة مرة أخرى بعد حرب يونيو 1967 ثم ازداد قوة بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر واسرائيل والمقاطعة العربية لمصر.
(2) الهوية العربية :
تؤكد الهوية العربية على الانتماء إلى الدائرة التى تشمل الوطن العربى الكبير من المحيط إلى الخليج. ويؤكد هذا التيار على روابط مصر العربية، والمتمثلة فى اللغة والثقافة والحضارة والأصل السامى لكل الأمة العربية.
كما يركز هذا التيار على إنكار رسوخ الدولة الوطنية ويتجاهل الخصوصيات الثقافية المشتركة فى بلاد الوطن العربى ويركز على تحقيق الوحدة العربية.
(3) الهوية الاسلامية :
يؤكد التيار الاسلامى على الانتماء إلى دائرة الحضارة الاسلامية التى ساهم فى بنائها العرب، وغلب على هذا التيار الانتماء إلى العقيدة اكثر من الوطنية والانتماء القومى، وسعى إلى التواصل مع التنظيمات المعبرة عنه فى العالم الاسلامى. وقد عمل هذا التيار على استقطاب العديد من الشباب. بالتركيز على الإحباط الثقافى والحضارى .
(4) الهوية الإنسانية العالمية :
ان النظرة العالمية هى النظر إلى الجنس البشرى كأسرة واحدة تقوم على تنمية المصالح المشتركة باستخدام مصادر الثروة الطبيعية وتسيير المجتمع نحو الرفاهية. وتظهر لدى الشباب الرغبة فى التمثل بالأنماط السلوكية المتبادلة التى تنتجها الحضارات المختلفة فى مراحل تماسكها واحتكاكها المباشر، تعبيراً عن طبيعة العلاقات المتطورة بينها.
كما ينتج عن ذلك صراع بين الحضارات، وتمزق شباب الدول النامية بين قيمه الموروثة والمحببة، وبين مقتضيات ومتطلبات الحضارة العالمية الصناعية إذ لا يمكن تفادى وقوع التغيير الحضارى الذى اتسعت فيه الاتصالات الفكرية والمادية مما يؤدى إلى وقوع الشباب فريسة الصراع الثقافى وتنافس الهويات بالأخص فى ظروف التحول نحو العالمية فى الاقتصاد والاتصال والاعلام والثقافة، الأمر الذى يعلى من شأن المؤثرات الخارجية على القيم السياسية لكافة المواطنين وفى مقدمتهم الشباب.
ومع ذلك .. فإنه يمكن القول أن أزمة الهوية الحضارية والثقافية لدى الشباب ينبغى ألا تثير الانزعاج بيننا، لأننا نشترك فيها مع معظم دول المعمورة.
أما وجه القلق فيها فيكمن فى الخطورة التى تترتب على عدم حسمها والتى تتلخص فى تأخيرنا عن اللحاق بقطار العالمية السريع الذى يتوجب أن نأخذ فيه مكاناً مناسباً.
والحل المنشود قد يكون غير تقليدى ومبتكر فلابد أن نسعى لاستيعاب الشباب ودمجه فى قضايا مجتمعه وابتكار اساليب وجهود لتنمية ولاءات الشباب تجاه هويتهم الوطنية مع عدم اغفال للتيارات القومية والعالمية حتى نتمكن من مواجهة التحديات القادمة وسوف نحاول طرح بعض الأساليب المبتكرة لعلاج هذه القضية فى الفصل القادم (المشاركة السياسية).

ثانيا ً: عملية التنشئة السياسية
تشهد المجتمعات المعاصرة - بدرجات متفاوتة- أزمة تكامل قومى ، فمن الواضح ان اكثر الدول النامية بها العديد من الجماعات المختلفة عرقياً ولغوياً ودينياً ، الأمر الذى جعل من عملية بناء الآمة مطلباً ملحاً. وتواجه اكثر من دولة متقدمة وان كان بدرجة اقل حدة نفس المشكلة حيث تضم اقليات لم تستوعب فى النسيج الاجتماعى ومن هنا تصبح التنشئة السياسية لازمة لخلق شعور عام قوى بالهوية القومية.
ولقد شرعت الدول النامية عقب حصولها على الاستقلال فى القيام بعمليات تحديث اقتصادية واجتماعية وسياسية. وتتضمن التنمية فى بعدها السياسى تطوير المؤسسات السياسية وتحقيق نوع من التمايز التخصص الوظيفى فيها بمعنى إنشاء مؤسسات سياسية ودستورية متخصصة كالأحزاب والبرلمان … الخ. كما شكل إحلال نسق من القيم السياسية الحديثة محل منظومة القيم التقليدية . وتعد التنشئة المخططة والمستمرة سبيلاً لاغنى عنه لإحداث التطوير الثقافى المنشود.
وتتعدد التعريفات التى طرحها الباحثون لمفهوم التنشئة السياسية. فليس هناك تعريف واحد متفق عليه. وسنعرض فيما يلى طائفة من هذه التعريفات، فنتناول أولا مفهوم التنشئة بصفة عامة ثم التنشئة السياسية.
وتعرف التنشئة على إنها عملية التفاعل الاجتماعى التى يتم من خلالها تكوين الوليد البشرى وتشكيله وتزويده بالمعايير الاجتماعية، بحيث يتخذ مكاناً معيناً فى نظام الأدوار الاجتماعية ، ويكتسب شخصيته، أو هى العملية التى يتم من خلالها تكييف الفرد مع بيئته الاجتماعية بحيث يصبح عضواً معترفاً به ومتعاوناً مع الآخرين.
وهو مصطلح يستخدم للاشارة الى الطريقة التى يتعلم بها الاطفال قيم واتجاهات مجتمعهم وما ينتظر ان يقوموا به من أدوار عند الكبر. ويعرفها البعض على انها تلك العملية التى يكتسب الفرد من خلالها ثقافة ومعايير جماعته فى السلوك الاجتماعى وهى عملية لا تحدث لفترة معينة ثم تتوقف ولكنها مستمرة وممتدة أى أن هناك اتجاهين للنظر إلى مفهوم التنشئة :
الأول : ينظر إلى التنشئة كعملية يتم بمقتضاها تلقين المرء مجموعة من القيم والمعايير المستقرة فى ضمير المجتمع بما يضمن بقاءها واستمرارها .
الثانى : ينظر إلى التنشئة على أنها عملية من خلالها يكتسب المرء تدريجيا هويته الشخصية التى تسمح له بالتعبير عن ذاته وقضاء مطالبه بالطريقة التى تحلو له.
ويمكن أن نخلص إلى تحديد عناصر مفهوم التنشئة السياسية على النحو التالى :
1- التنشئة السياسية ببساطة هى عملية تلقين لقيم واتجاهات سياسية ولقيم واهتمامات اجتماعية ذات دلالة سياسية.
2-التنشئة السياسية عملية مستمرة بمعنى أن الإنسان يتعرض لها طيلة حياته من الطفولة وحتى الشيخوخة.
3 - تلعب التنشئة السياسية أدواراً رئيسية ثلاثة :
• نقل الثقافة السياسية عبر الأجيال.
• تكوين الثقافة السياسية.
• تغيير الثقافة السياسية.
4- هناك العديد من الأنساق الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية المختلفة تقوم بهذا الدور (التنشئة السياسية) بالنسبة للفرد.
5- هذه العملية هى المحدد لسلوك الفرد السياسى سواء بقبول أو رفض النظام السياسى أو قبول أو رفض المجتمع ككل أو إحدى مؤسساته.

1 ـ أبعاد التنشئة السياسية :
أ ـ التنشئة والمشاركة السياسية :

تتوقف مشاركة الفرد فى الحياة السياسية جزئياً على كم ونوعية المنبهات السياسية التى يتعرض لها. غير أن مجرد التعرض للمنبه السياسى لا يكفى وحده لدفع الفرد إلى المشاركة السياسية وإنما لابد ايضاً أن يتوفر لديه قدر معقول من الاهتمام السياسى، وهو ما يتوقف على نوعية خبرات تنشئته المبكرة.
فالتجارب والخبرات التى تحدث فى مرحلة الطفولة تلعب دوراً هاماً فى تشكيل اتجاهات الأفراد وتوجيه سلوكهم الفعلى فيما بعد، ويستمر تأثير هذه التجارب والخبرات على الأفراد طوال سنوات المراهقة والنضج.
ولما كانت التنشئة لا تقف عند المراحل الأولى من العمر بل انها تحدث طوال حياة الفرد فإنه يمكن القول أن كل ما يتعلمه الفرد، وما يمر به من خبرات وتجارب على مدى عمره من الطفولة وحتى الكهولة، يؤثر بدرجة كبيرة على مدى مشاركته السياسية.
ب ـ التنشئة والتجنيد السياسى :

يقصد بالتجنيد السياسى تقلد الأفراد للمناصب السياسية سواء سعوا إليها بدافع ذاتى أو وجههم آخرون إليها.
وينحدر شاغلو المراكز السياسية من ثقافات فرعية مختلفة، ولذا تصبح التنشئة السياسية الفعالة عملية حيوية لتزويدهم بالمعارف والمهارات السياسية. ومما يذكر أن القيم والاتجاهات التى اكتسبها الفرد من معايشته للجماعات الأولية تظل تزاول تأثيرها عليه بعد تجنيده فى أى منصب سياسى.
جـ ـ التنشئة والاستقرار السياسى :

يشير الاستقرار إلى قدرة النظام على أن يحفظ ذاته عبر الزمن أى يظل فى حالة تكامل، وهو ما لا يتأتى له إلا إذا اضطلعت أبنيته المختلفة بوظائفها على خير وجه ومن بينها وظيفة التنشئة السياسية.
وللتنشئة السياسية بعدان باعتبارها وظيفة ضرورية لاستمرار النظام أولهما البعد الأفقى ومضمونه أن الجيل القائم ينقل ثقافته إلى الجيل اللاحق. وثانيهما البعد الرأسى ومؤداه أن يوجد اتساق بين قيم واتجاهات وسلوكيات أفراد الجيل السائد بما يضمن للجسد السياسى قدراً …. من التلاحم والترابط.
ويشير البعض إلى وظائف التنشئة على النحو التالى :
(1) تعليم اللغة.
(2) تشكيل السلوك الانسانى للفرد.
(3) تشكيل السلوك الاجتماعى للفرد.
(4) اكساب الفرد ثقافة المجتمع.
(5) الحفاظ على نسق القيم السائد فى المجتمع.
(6) تعليم المهارات.
(7) تشكيل شخصية الفرد.

2 ـ مراحل التنشئة السياسية :

تمر عملية التنشئة بعدد من المراحل التى ترتبط بنمو الفرد وتطوره، وهى مرحلة الطفولة ثم المراهقة وأخيراً النضج والاعتدال. ويتحدد السلوك السياسى للفرد فى مرحلة النضج بدرجة ما بخبرات التنشئة التى يكتسبها فى مرحلتى الطفولة والمراهقة.
ويتلقى الفرد فى كل مرحلة من هذه المراحل جزءاً من عملية التنشئة. كما يتعرض ايضاً فى كل مرحلة إلى أداة أو أكثر من أدوات التنشئة التى قد تكمل بعضها البعض أو قد يتعارض بعضها مع البعض الآخر.
فالإنسان فى مختلف مراحل حياته يعايش مؤسسات عديدة، بعضها مفروض عليه ـ كالأسرة أو المدرسة مثلاً ـ وبعضها الآخر إرادى ينضم إليه طوعاً دون ضغط، ويتلقى من كل هذه المؤسسات خبرات وقيم واتجاهات ومبادىء يختزنها فى ذاكرته ووجدانه لتساهم بطريق مباشر أو غير مباشر فى تحديد مواقفه وسلوكه بعد ذلك.

3 ـ أدوات التنشئة السياسية :

تتنوع وتتعدد الأدوات التى تلعب أدواراً رئيسية فى عملية التنشئة. فتحت تأثير الأسرة والمدرسة وجماعات الرفاق وأدوات الاعلام يكتسب الفرد قيماً ومعايير واتجاهات منها ما هو اجتماعى له آثاره السياسية، ومنها ما هو سياسى. وسوف نتناول هذه الأدوات على النحو التالى :
أ ـ الأســـرة :
تعتبر الأسرة من أهم أدوات التنشئة السياسية وأعظمها تأثيراً فى حياة الأفراد فهى أول جماعة يعيش فيها الفرد، وهى التى تقوم بإشباع حاجاته البيولوجية وما يرتبط بها من حاجات سيكولوجية واجتماعية خلال مراحل حياته الأولى، وهى التى تنقل إليه كافة المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم التى تمكنه من أن يعيش حياة اجتماعية ناجحة بين أفراد المجتمع.
وقد أكدت معظم الكتابات التى تناولت التنشئة على أن الأسرة هى أهم أدوات التنشئة نظراً لما لها من تأثير حلزونى يمتد ليطوق كل الأدوات الأخرى مثل جماعات الرفاق والمدرسة والسلطة ووسائل الإعلام وغيرها.
وتعتبر الأسرة المدرسة الأساسية لكل طفل لأن ما يتعلمه فيها يبقى معه طوال حياته. فعن طريقها يكتسب قيمه الاجتماعية، ومعايير سلوكه، ويكتسب ضميره الآمر الناهى الذى يثيبه على خير ما يقوم به ويعاقبه على شر ما يقترفه، وعن طريقها ايضاً يكتسب الطفل المعايير العامة التى تفرضها أنماط الثقافة السائدة فى المجتمع.
ب ـ المدرسة :
وتقوم المدرسة بعملية التنشئة السياسية عن طريقين :
(1) التثقيف السياسى :

ويتم هذا التثقيف من خلال مواد معينة كالتربية الوطنية والتاريخ. وتهدف التربية الوطنية إلى تعريف التلميذ بحكومة بلده، وتحديد السلوك المتوقع منه، وزرع مشاعر الحب والولاء القومى فى نفسه، ويرمى تدريس التاريخ بما يتضمنه من انتصارات وهزائم إلى تعميق إحساس الطالب بالفخر والانتماء القوميين.
(2) طبيعة النظام المدرسى :

فالمدرسة وحدة اجتماعية لها طابعها الخاص الذى يساعد بدرجة كبيرة فى تشكيل إحساس التلميذ بالفاعلية الشخصية وفى تحديد نظرته تجاه البناء الاجتماعى القائم.
(3) جماعة الرفاق :

تعرف جماعة الرفاق على أنها الجماعة التى تتكون من أصدقاء الطفل الذين يتقاربون فى أعمارهم وميولهم وهواياتهم، كما أنها الجماعة التى ينسب إليها الفرد سلوكه الاجتماعى ويقيمه فى إطار معاييرها وقيمها واتجاهاتها وأنماط سلوكها المختلفة.
وجماعات الرفاق لها دور فى التنشئة السياسية من خلال حث أعضائها أو الضغط عليهم ليعملوا وفق الاتجاهات وأنماط السلوك السياسية الى تقبلها الجماعة، فالفرد قد يصبح مهتماً بالسياسة أو متابعاً للأحداث السياسية لأن أحد أو بعض رفاقه المقربين يفعلون ذلك.
(4) دور المؤسسات الدينية :

تقوم المؤسسات الدينية بدور كبير فى عملية التنشئة وذلك لما تتميز به من خصائص فريدة أهمها : إحاطتها بهالة من التقديس، وثبات وإيجابية المعايير السلوكية التى تعلمها للأفراد، والاجماع على تدعيمها.
والدين له مؤسساته التى تعمل على تحقيق أهدافه وغاياته السامية، ولا يقف الدين عند حدود العبادات وإقامة الشعائر الدينية، بل ان الدور الذى يقوم به فى تنشئة الأفراد يكاد يعكس آثاره على بقية المؤسسات الأخرى العاملة فى مجال الضبط الاجتماعى، ولذلك يعد الدين والمؤسسة التى تعمل على تحقيق أهدافه عنصراً أساسياً من عناصر التنشئة.
وتقوم المؤسسات الدينية بدورها فى عملية التنشئة من خلال:
• تعليم الفرد والجماعة التعاليم الدينية والمعايير السماوية التى تحكم سلوك الفرد بما يضمن سعادة الفرد والمجتمع.
• إمداد الفرد بسلوكيات أخلاقية.
• تنمية الضمير عند الفرد والجماعة.
• الدعوة إلى ترجمة التعاليم السماوية السامية إلى سلوك عملى.
• توحيد السلوك الاجتماعى والتقريب بين مختلف الطبقات الاجتماعية.
(5) دور مؤسسات العمل :

وتؤثر مؤسسات العمل فى التنشئة من خلال ما يدور داخلها من علاقات واتصالات ومعاملات بين الرؤساء والمرؤوسين ، وبين العاملين فى هذه المؤسسات بعضهم البعض بحيث أنه كلما اتسمت هذه العلاقة بالود والتعاون والمشاركة فى اتخاذ القرارات ، وفى تسيير أمور المؤسسة، كلما كان الفرد أكثر ميلاً للمشاركة خارج نطاق العمل، أما إذا اتسمت هذه العلاقة بالحقد والكراهية والتسلط، كلما كان الفرد أكثر ميلاً إلى السلبية واللامبالاة فى داخل وخارج بيئة العمل.
(6) دور الأحزاب السياسية :

تقوم الأحزاب السياسية بدور كبير فى عملية التنشئة من خلال غرس قيم ومفاهيم ومعتقدات سياسية معينة لدى الفرد، وذلك بهدف توجيه الأفراد وجهة سياسية معينة تتفق مع توجهات هذه الأحزاب، كما تم توضيحه فى العدد الثانى من هذه السلسلة عن الأحزاب.
وتقوم الأحزاب بهذا الدور من خلال ما تقدم من معلومات، وما تمارسه من تأثيرات على الآراء والقيم والاتجاهات السلوكية السياسية للجماهير، مستخدمة فى ذلك كل ما تملك من وسائل اتصال بالجماهير سواء كانت هذه الوسائل جماهيرية كالراديو والتليفزيون والصحف والمجلات والكتيبات والنشرات وغيرها، أو وسائل اتصال مباشر كالندوات والمؤتمرات والمحاضرات والاجتماعات والمناقشات والمقابلات التى ينظمها الحزب من أجل الوصول إلى أكبر قطاع ممكن من الجماهير.
وتقوم الأحزاب السياسية بدور مزدوج فى عملية التنشئة السياسية يتمثل فى دعم الثقافة السياسية السائدة، وخلق ثقافة سياسية جديدة.
(7) دور وسائل الاتصال :

تؤدى هذه الوسائل من صحف ومجلات وإذاعة وتليفزيون دوراً هاماً فى عملية التنشئة السياسية. إذ تزود الفرد بالمعلومات السياسية وتشارك فى تكوين وترسيخ قيمه السياسية . وفى المجتمعات المتقدمة تنتشر الوسائل الاعلامية على نطاق واسع وتقوم هذه الوسائل بنقل المعلومات عن قرارات وسياسات النخبة الحاكمة إلى الجماهير، ونقل المعلومات عن مطالب وردود فعل الجماهير إلى النخبة وهذا التدفق المستمر للمعلومات من أعلى إلى أسفل وبالعكس من شأنه العمل على تأكيد قيم الثقافة السياسية السائدة.
وقد عمدت القيادات السياسية فى الدول النامية إلى تطوير وسائل الاتصال الجماهيرى لتسهم فى تشكيل الثقافة السياسية الجديدة غير أنه توجد مجموعة من العوامل كالأمية وتدهور مستويات المعيشة والفقر والمرض وغياب التيار الكهربائى وعزلة القرية التى تحول دون تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الوسائل.
ويقتضى تعظيم الاستفادة من الوسائل الجماهيرية حدوث نوع من التعاون والتضافر فى الجهود التى تبذلها مؤسسات أخرى

spisos
27-02-2009, 15:42
رد إلى سمير:
مديونية الجزائر:

واقع المديونية الخارجية في الجزائر

لا يمكن حصر مديونية الجزائر بإعتبارها مجرد تعبير خارجي عن العجز في ميزان المدفوعات إنما تترجم في الواقع وضعا إقتصاديا معينا له أسبابه التاريخية ومميزاته الخاصة.
أولا: أسباب المديونية الخارجية الجزائرية

هناك عدة أسباب ساهمت في إنشاء وتفاقم أزمة المديونية الخارجية في الجزائر من أهمها:[1]
1- تقلبات قطاع المحروقات

إعتمدت الجزائر إعتمادا مطلقا على قطاع المحروقات في تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية، ولتحقيق ذلك قامت بتكثيف إنتاج المحروقات وتطلب ذلك إنفاق إستثمارات ضخمة في القطاع البترولي، غير أن تعرض هذا القطاع إلى تقلبات كبرى وتذبذب في الأسعار أثر بشكل مباشر على تفاقم أزمة المديونية الخارجية للجزائر، فخلال الصدمتين البتروليتين سنتي 1973و1979 إرتفع سعر النفط مما أدى إلى زيادة الدخل القومي المعبر عنه بفائض في ميزان المدفوعات، وكنتيجة لهذا إتبعت الجزائر سياسة الإقتراض معتمدة على تكهنات إرتفاع أسعار النفط للفترات اللاحقة لكن حدث العكس إذ إنخفض سعر البترول سنة 1986 مما أدى إلى تقليص عائـدات صادرات المحروقـات، ومن ثم حدوث عجز
في ميزان المدفوعات وعدم القدرة على تسديد الديون وقد تسبب هذا الإنخفاض في خسائر للجزائر قدرها 9 مليار دولار.
2- ضخامة الجهود الإستثمارية

إعتمدت الجزائر منذ السبعينات على سياسة تنموية تعتمد خاصة على القطاع الصناعي الذي تطلب إستثمارات ضخمـة فاقت إمكانيـات التمويل المحليـة، مما أدى بالجزائر إلى اللجوء للقروض الخارجية نظرا لإعتقاد راسمي السياسة الإقتصادية أنه لا يمكن تجاوز مرحلة التخلف التي يعيشها الإقتصاد الجزائري إلا عن طريق إقامة إستثمارات ضخمة، غير أن تمويل هذه الإستثمارات عن طريق
القروض الخارجية جعل من الجهاز الإنتاجي جهازا تابعا للخارج، إذ أن عملية تشغيله تتوقف إلى حد كبير على واردات السلع الأولية والسلع الوسيطة.
3- غياب سياسة سليمة للإقتراض

هناك عدة معايير يمكن من خلالها الحكم بغياب سياسة سليمة للإقتراض في الجزائر ومن أهمها:
- عدم وجود تناسب بين تركيبة العملات الأجنبية المكونة للدين الخارجي وبين نمط التجارة الخارجية، حيث أن صادرات الجزائر تتم بصورة شبه كلية بالدولار الأمريكي ومنه يكفي إنخفاض قيمة الدولار مع ثبات العملات الأخرى حتى يتفاقم حجم الدين الخارجي،
- إرتفاع حصة القروض قصيرة الأجل من إجمالي القروض وما تبعها من شروط قاسية خاصة من حيث إرتفاع أسعار الفائدة فيها،
- زيادة خدمات الدين الخارجي إذ وصلت إلى 307% سنة 1994 في حين لم تتجاوز 57.62% سنة 1987،
- عدم المصداقية في تسيير القروض حيث استعملت نسبة كبيرة منها في تمويل الواردات من السلع الكمالية،
- عدم فعالية الجهاز الإنتاجي إذ أن معظم النتائج التي حققتها مختلف القطاعات الإنتاجية التي مولت بالقروض كانت ضعيفة ما عدا قطاع المحروقات.
ثانيا: تطور المديونية الخارجية الجزائرية





الجدول رقم: «02»: تطور المديونية الخارجية في الجزائر﴿1990-2006﴾


السنوات_ إجمالي الدين


1990 _28.37


1991_27.87


1992_26.67


1993_25.72


1994_29.48


1995_31.57


1996_33.65


1997_31.22


1998_30.47


1999_28.31


2000_25.26


2001_22.57


2002_22.64


2003_23.35


2004_21.82


2005_16.4


2006_15.5*
_________________________
*تقديرية.
المصدر: بنك الجزائر.
___________________________
مرت المديونية الخارجية للجزائر منذ سنة 1990 إلى غاية سنة 2006 بثلاث مراحل مهمة تتلخص فيما يلي:
1- المرحلة الأولى: ﴿1990-1993﴾

في هذه الفترة إنخفض إجمالي الدين بوتيرة منخفضة إذ إنتقل من 28.37 مليار دولار أمريكي سنة 1990 إلى 25.72 مليار دولار أمريكي سنة 1993، أي ما يعادل نسبة 9.34% إذ تميزت هذه المرحلة بإنخفاض أسعار البترول مما نتج عنه تراجع معدل النمو الإقتصادي وتزايد وتيرة التضخم حيث إرتفع إلى 20% سنة 1993 كما إنخفضت إحتياطيات الجزائر من العملة الصعبة وتجاوزت خدمات المديونية الخارجية 80% من إيراداتها الخارجية، كل هذه التطورات أدت بالجزائر للجوء لصندوق النقد الدولي بغرض الإقتراض حيث حصلت منه على300 مليون وحدة حقوق سحب خاصة في جوان 1991 مما أدى إلى خفض قدرة الجزائر على تسديد ديونها.
2- المرحلة الثانية: ﴿1994-1999﴾

مع بداية سنة 1994 أخذت الجزائر على عاتقها مجهودات كبيرة من أجل التصحيح الهيكلي للإقتصاد، فلجأت لطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي فقدم لها قرض متوسط الأجل بلغ 260 مليون دولار لدعم ميزان المدفوعات مما أدى إلى إرتفاع الديون متوسطة وطويلة الأجل بنسبة 13.18%من سنة 1994 إلى سنة 1996، كما أن إتفاق إعادة الجدولة الذي أبرمته الجزائر مع نادي باريس في ماي 1994 ساهم من جهة في خفض معدل خدمة الدين ليبلغ نسبة 30.9% سنة 1996 بعدما بلغ 47.1% سنة 1994 أي إنخفض بنسبة 34.39%، وساهم من جهة أخرى في خفض ديون الجزائر المقومة بالدولار والين بنسبة مرتفعة بلغت51.96% وذلك بين سنتي 1994 و1996. ومثلت سنة 1997نقطة تحول في وضع المديونية الخارجية للجزائر حيث سجل الدين المتوسط والطويل الأجل
إتجاها تنازليا لتبلغ 28.14 مليار دولار سنة 1999 أي إنخفض بنسبة 15.31% منذ سنة 1996 مما أدى إلى إنخفاض إجمالي الدين بنسبة 15.86%، إلا أن معدل خدمة الدين عرف إرتفاعا ملحوظا سنة 1998 حيث بلغ 47.5% وهذا يرجع من جهة إلى إبرام إتفاق القرض الموسع الذي إمتد من سنة1995 إلى سنة 1998، ومن جهة أخرى إلى إرتفاع ديون الجزائر المقومة بالين وباقي العملات بين سنتي 1997 و1998 بنسبة 14.17% و13.3% على التوالي مقابل إنخفاض ديونها بالدولار بنسبة 6.02% فقط، ومع إرتفاع أسعار البترول سنة 1999 حيث بلغت قيمة البرميل الواحد 17.9% دولار أمريكي إنخفضت نسبة خدمة الدين لتصل إلى 39.1%.
3- المرحلة الثالثة: ﴿2000-2006﴾
سجلت أسعار البترول تحسنا ملحوظا إذ بلغت 28.5 دولار أمريكي للبرميل الواحد سنة 2000 أي إرتفعت بنسبة 37.19% خلال سنة واحدة وهكذا وصل مبلغ الصادرات من المحروقات إلى 21.7 مليار دولار أمريكي مما أدى إلى إنخفاض نسبة المديونية مقابل الصادرات لتصل إلى 19.8%، كما تجاوز الإحتياطي من العملة الصعبة عتبة 10 ملايير دولار غير أن عجز ميزان المدفوعات سنة 2001 دفع الجزائر للإقتراض بهدف تغطية هذا العجز مما أدى إلى إرتفاع ديونها سنة 2002، كما إرتفعت ديونها متوسطة وطويلة الأجل سنة 2003 لتبلغ 23.35 مليار دولار وترجع هذه الزيادة إلى إنخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل بقية العملات الصعبة خاصة مع ظهور الأورو كعملة منافسة له، كما إرتفعت الواردات لتصل إلى 13.3 مليار دولار مقابل 12 مليار دولار سنة 2002 ومع إبرام الجزائر لإتفاق الشراكة الأورومتوسطية مع دول الإتحاد الأوروبي فقد إرتفعت ديونها بالأورو في مقابل الدولار حيث إرتفعت ديونها بالأورو بنسبة 24.48% في حين عرفت نسبة ديونها المقومة بالدولار ثباتا نسبيا إذ بلغت 39% من إجمالي الديون خلال سنتي 2003و2004، وإستمرت المديونية الخارجية الجزائرية في الإنخفاض لتصل إلى حوالي 15.5 مليار دولار في مارس 2006، ومن أهم أسباب هذا الإنخفاض إرتفاع أسعار البترول حيث بلغ سعر البرميل الواحد في 5 مارس 2006 قيمة 73 دولار أي حصول الجزائر على عائدات بالعملات الأجنبية بنحو ستين مليار دولار بفضل صادرات المحروقات التي تشكل نحو 98% من وارداتها.
ثالثا: أعباء المديونية الخارجية على صادرات الجزائر

لقد كان لتزايد المديونية الخارجية وخدماتها أعباء ثقيلة على صادرات الجزائر، ويمكن التعرف على هذه الأعباء من خلال المؤشرين المواليين:
1- نسبة إجمالي الدين إلى إجمالي الصادرات

عرفت هذه النسبة إرتفاعا ملحوظا منذ بداية التسعينات حيث إرتفعت من 211% سنة 1990 إلى 243% سنة 1996، وذلك نتيجة إرتفاع مديونيتها الخارجية بعد الإستدانة المتكررة من صندوق النقد الدولي بالإضافة إلى إنخفاض أسعار البترول ومن ثم إنخفاض إيراداتها من صادرات المحروقات، ثم أخذت هذه النسبة في الإنخفاض لتصل إلى 39.05% و19.8% لسنتي 1999و2000 على التوالي، ويرجع هذا الإنخفاض إلى تسديد الجزائر قدرا معتبرا من ديونها خلال هذه الفترة وكذا إلى إرتفاع أسعار البترول حيث بلغت 28.5 دولار للبرميل الواحد وإلى إرتفاع إحتياطياتها من العملة الصعبة.
2- نسبة خدمة الدين إلى إجمالي الصادرات

إن تفاقم المديونية الخارجية للجزائر ترتب عنه إرتفاع معدلات خدمة ديونها الخارجية إلى إجمالي الصادرات، حيث اتجه هذا المعدل إلى التسارع بشكل كبير حيث قفز من 66.4% سنة 1990 إلى 82.2% سنة 1993 ويدل هذا الإرتفاع على أن خدمة الديون الخارجية قد إلتهمت جزءا كبيرا من حصيلة الصادرات، ثم أخذ هذا المعدل في التراجع منذ سنة 1994 حيث بلغ 47.1% واستمر في الإنخفاض ليصل إلى 19.8% سنة 2000 و17.7% سنة 2003، ويرجع هذا إلى إرتفاع أسعار البترول حيث بلغ سعر البرميل الواحد 28.5 دولار سنة 2000 وبالتالي إرتفعت قيمة الصادرات من المحروقات لتبلغ 21.7 مليار دولار أمريكي لنفس السنة، وقد سجلت هذه النسبة أدنى مستوياتها سنة 2003 حيث بلغت 17.7%.
المطلب الثاني: إتفاقيات الجزائر مع صندوق النقد الدولي

إنضمت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي في 26 سبتمبر 1963 وكانت حصتها تقدر بقيمة 623.1 مليون وحدة حقوق سحب خاصة لترتفع إلى 941.4 مليون وحدة في أوت 1994، وقد لجأت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي في هذه الفترة للحصول على قروض خاصة مع إنخفاض أسعار البترول سنة 1986.
أولا: إتفاق الإستعداد الإئتماني ﴿1989-1991﴾

تميزت فترة الثمانينات بتفاقم أزمة المديونية الخارجية الجزائرية حيث بلغت ديونها الخارجية أكثر من 34 مليار دولار أمريكي، كما تزايد معدل خدمة الديون إلى الصادرات ليبلغ 80% وإرتفعت خدمة الديون من 5 ملايير دولار سنة 1987 إلى 7 ملايير دولار سنة 1989، وفي ظل هذه الظروف لجأت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قروض في إطار إتفاق التثبيت في ماي 1989،
ووافق الصندوق على تقديم 155.7 مليون وحدة سحب خاصة والتي استخدمت كليا في 30 ماي 1990 وما ميز هذا الإتفاق أنه تم في سرية تامة.[2]
تم إبرام الإتفاق الإستعدادي الثاني في 3 جوان 1991 وامتد إلى غاية مارس 1992 ووافق الصندوق بموجبه على تقديم 300 مليون وحدة حقوق سحب خاصة على أربع أقساط، بحيث حدد كل قسط بمبلغ 75 مليون وحدة سحب خاصة وقد سحبت الجزائر ثلاث أقساط: الأول في جوان 1991 والثاني في سبتمبر 1991 والثالث في ديسمبر 1991، ولم يسحب القسط الرابع لعدم إحترام الحكومة محتوى الإتفاقية.
ولقد شهدت الجزائر بين سنتي 1992 و1993 وضعا متأزما إتسم بما يلي:[3]
- ظهور عجز مالي للخزينة قدر بنسبة 9% من الناتج الداخلي الخام مما أدى إلى زيادة حجم الدين العام،
- تدهور شروط التبادل وحدوث إختلال على مستوى ميزان المدفوعات،
- إنخفاض الإيرادات الناتجة عن الصادرات واللجوء للواردات مما أثر سلبا على ميزان المدفوعات،
- إرتفاع قيمة خدمة الدين من 9 مليار دولار سنة 1992 إلى أكثر من 9.05 مليار دولار سنة 1993،
- بلغ معدل التضخم نسبة 32% و20.8% لسنتي 1992 و1993 على التوالي.
ثانيا: إتفاق الإستعداد الإئتماني ﴿ أفريل 1994﴾

لجأت الجزائر سنة 1994 إلى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي للنهوض باقتصادها وتجاوز الأزمة الحادة التي تمر بها، وبالفعل حصلت على إعادة الجدولة الأولى مع نادي باريس في نهاية ماي 1994 في ظل إتفاق تحقيق إستقرار لمدة سنة مع الصندوق، حيث تمت إعادة جدولة ما قيمته 400.4 مليون دولار على مدى 16 سنة منها 4 سنوات معفاة من الدفع، كما قدم الصندوق مبلغ 260 مليون دولار لدعم ميزان المدفوعات وفترة سدادها 5 سنوات وقد ساعدت إعادة الجدولة هذه على خفض قسط خدمة الدين سنة 1994 إلى 4.25 مليار دولار أي إنخفض بنسبة 35.5% بدلا من 96%، كما تم تقليص العجز الكلي في الميزانية العامة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي إلى 44% مقابل5.7% المقدرة في البرنامج الحكومي، ورغم إرتفاع أسعار المحروقات إلا أن أسعار المواد الغذائية إرتفعت بنسبة 40% ويرجع هذا لرفع الدعم الذي كانت تتحمله الخزينة وكذلك تخفيض النفقات


بمبلغ 25.7 مليار دولار.[4]
ثالثا: إتفاق القرض الموسع ﴿ 1995-1998 ﴾

يمتد هذا القرض المتوسط المدة من 1 أفريل 1995 إلى مارس 1998 بمبلغ 1169.28 مليون وحدة حقوق سحب خاصة وهذا ما يعادل 127.8% من حصة الجزائر، وبمجرد الموافقة على هذا الإتفاق قامت الجزائر بسحب القسط الأول وقدره 325.28 مليون وحدة سحب خاصة على أن يتم سحب واستخدام المبلغ المتبقي 844.08 مليون وحدة على أقساط يتم إستنفاذها قبل تاريخ 21 ماي 1998، ومن أهم ما نتج عن إعادة الجدولة هذه إنخفاض قسط خدمة الدين إلى 4.244 مليار دولار أمريكي سنة 1995 وبلغ معدل خدمة الدين 38% وإنخفض إلى 33% سنة 1996، واستمرت هذه النسبة في الإنخفاض لتصل إلى 30% سنة 1997 و19.8% سنة 2000 وزيادة على ذلك فقد بلغت المديونية الخارجية أدنى مستوياتها منذ 10 سنوات حيث بلغت 25.26 مليار دولار أمريكي واستمرت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات في الإنخفاض حيث بلغت 18% سنة 2004، كما تراجع معدل التضخم إلى 6% بعدما وصل إلى 93% سنة 1994.
[1]- مخلوفي عبد السلام،« أزمة المديونية ولجوء الجزائر إلى صندوق النقد الدولي»،www.sarambite.imfo/exp209.rar، بشار، 2005، ص ص: 3- 4.
[2]- الهادي خالدي، المرآة الكاشفة لصندوق النقد الدولي، المطبعة الجزائرية للجرائد والمجلات، الجزائر، 1996، ص: 195.
[3]- مخلوفي عبد السلام، مرجع سابق،2005، ص: 14.
[4] - نفس المرجع، ص ص: 15-16.
_________________________________

spisos
27-02-2009, 15:42
رد إلى سمير:
مديونية الجزائر:

واقع المديونية الخارجية في الجزائر

لا يمكن حصر مديونية الجزائر بإعتبارها مجرد تعبير خارجي عن العجز في ميزان المدفوعات إنما تترجم في الواقع وضعا إقتصاديا معينا له أسبابه التاريخية ومميزاته الخاصة.
أولا: أسباب المديونية الخارجية الجزائرية

هناك عدة أسباب ساهمت في إنشاء وتفاقم أزمة المديونية الخارجية في الجزائر من أهمها:[1]
1- تقلبات قطاع المحروقات

إعتمدت الجزائر إعتمادا مطلقا على قطاع المحروقات في تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية، ولتحقيق ذلك قامت بتكثيف إنتاج المحروقات وتطلب ذلك إنفاق إستثمارات ضخمة في القطاع البترولي، غير أن تعرض هذا القطاع إلى تقلبات كبرى وتذبذب في الأسعار أثر بشكل مباشر على تفاقم أزمة المديونية الخارجية للجزائر، فخلال الصدمتين البتروليتين سنتي 1973و1979 إرتفع سعر النفط مما أدى إلى زيادة الدخل القومي المعبر عنه بفائض في ميزان المدفوعات، وكنتيجة لهذا إتبعت الجزائر سياسة الإقتراض معتمدة على تكهنات إرتفاع أسعار النفط للفترات اللاحقة لكن حدث العكس إذ إنخفض سعر البترول سنة 1986 مما أدى إلى تقليص عائـدات صادرات المحروقـات، ومن ثم حدوث عجز
في ميزان المدفوعات وعدم القدرة على تسديد الديون وقد تسبب هذا الإنخفاض في خسائر للجزائر قدرها 9 مليار دولار.
2- ضخامة الجهود الإستثمارية

إعتمدت الجزائر منذ السبعينات على سياسة تنموية تعتمد خاصة على القطاع الصناعي الذي تطلب إستثمارات ضخمـة فاقت إمكانيـات التمويل المحليـة، مما أدى بالجزائر إلى اللجوء للقروض الخارجية نظرا لإعتقاد راسمي السياسة الإقتصادية أنه لا يمكن تجاوز مرحلة التخلف التي يعيشها الإقتصاد الجزائري إلا عن طريق إقامة إستثمارات ضخمة، غير أن تمويل هذه الإستثمارات عن طريق
القروض الخارجية جعل من الجهاز الإنتاجي جهازا تابعا للخارج، إذ أن عملية تشغيله تتوقف إلى حد كبير على واردات السلع الأولية والسلع الوسيطة.
3- غياب سياسة سليمة للإقتراض

هناك عدة معايير يمكن من خلالها الحكم بغياب سياسة سليمة للإقتراض في الجزائر ومن أهمها:
- عدم وجود تناسب بين تركيبة العملات الأجنبية المكونة للدين الخارجي وبين نمط التجارة الخارجية، حيث أن صادرات الجزائر تتم بصورة شبه كلية بالدولار الأمريكي ومنه يكفي إنخفاض قيمة الدولار مع ثبات العملات الأخرى حتى يتفاقم حجم الدين الخارجي،
- إرتفاع حصة القروض قصيرة الأجل من إجمالي القروض وما تبعها من شروط قاسية خاصة من حيث إرتفاع أسعار الفائدة فيها،
- زيادة خدمات الدين الخارجي إذ وصلت إلى 307% سنة 1994 في حين لم تتجاوز 57.62% سنة 1987،
- عدم المصداقية في تسيير القروض حيث استعملت نسبة كبيرة منها في تمويل الواردات من السلع الكمالية،
- عدم فعالية الجهاز الإنتاجي إذ أن معظم النتائج التي حققتها مختلف القطاعات الإنتاجية التي مولت بالقروض كانت ضعيفة ما عدا قطاع المحروقات.
ثانيا: تطور المديونية الخارجية الجزائرية





الجدول رقم: «02»: تطور المديونية الخارجية في الجزائر﴿1990-2006﴾


السنوات_ إجمالي الدين


1990 _28.37


1991_27.87


1992_26.67


1993_25.72


1994_29.48


1995_31.57


1996_33.65


1997_31.22


1998_30.47


1999_28.31


2000_25.26


2001_22.57


2002_22.64


2003_23.35


2004_21.82


2005_16.4


2006_15.5*
_________________________
*تقديرية.
المصدر: بنك الجزائر.
___________________________
مرت المديونية الخارجية للجزائر منذ سنة 1990 إلى غاية سنة 2006 بثلاث مراحل مهمة تتلخص فيما يلي:
1- المرحلة الأولى: ﴿1990-1993﴾

في هذه الفترة إنخفض إجمالي الدين بوتيرة منخفضة إذ إنتقل من 28.37 مليار دولار أمريكي سنة 1990 إلى 25.72 مليار دولار أمريكي سنة 1993، أي ما يعادل نسبة 9.34% إذ تميزت هذه المرحلة بإنخفاض أسعار البترول مما نتج عنه تراجع معدل النمو الإقتصادي وتزايد وتيرة التضخم حيث إرتفع إلى 20% سنة 1993 كما إنخفضت إحتياطيات الجزائر من العملة الصعبة وتجاوزت خدمات المديونية الخارجية 80% من إيراداتها الخارجية، كل هذه التطورات أدت بالجزائر للجوء لصندوق النقد الدولي بغرض الإقتراض حيث حصلت منه على300 مليون وحدة حقوق سحب خاصة في جوان 1991 مما أدى إلى خفض قدرة الجزائر على تسديد ديونها.
2- المرحلة الثانية: ﴿1994-1999﴾

مع بداية سنة 1994 أخذت الجزائر على عاتقها مجهودات كبيرة من أجل التصحيح الهيكلي للإقتصاد، فلجأت لطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي فقدم لها قرض متوسط الأجل بلغ 260 مليون دولار لدعم ميزان المدفوعات مما أدى إلى إرتفاع الديون متوسطة وطويلة الأجل بنسبة 13.18%من سنة 1994 إلى سنة 1996، كما أن إتفاق إعادة الجدولة الذي أبرمته الجزائر مع نادي باريس في ماي 1994 ساهم من جهة في خفض معدل خدمة الدين ليبلغ نسبة 30.9% سنة 1996 بعدما بلغ 47.1% سنة 1994 أي إنخفض بنسبة 34.39%، وساهم من جهة أخرى في خفض ديون الجزائر المقومة بالدولار والين بنسبة مرتفعة بلغت51.96% وذلك بين سنتي 1994 و1996. ومثلت سنة 1997نقطة تحول في وضع المديونية الخارجية للجزائر حيث سجل الدين المتوسط والطويل الأجل
إتجاها تنازليا لتبلغ 28.14 مليار دولار سنة 1999 أي إنخفض بنسبة 15.31% منذ سنة 1996 مما أدى إلى إنخفاض إجمالي الدين بنسبة 15.86%، إلا أن معدل خدمة الدين عرف إرتفاعا ملحوظا سنة 1998 حيث بلغ 47.5% وهذا يرجع من جهة إلى إبرام إتفاق القرض الموسع الذي إمتد من سنة1995 إلى سنة 1998، ومن جهة أخرى إلى إرتفاع ديون الجزائر المقومة بالين وباقي العملات بين سنتي 1997 و1998 بنسبة 14.17% و13.3% على التوالي مقابل إنخفاض ديونها بالدولار بنسبة 6.02% فقط، ومع إرتفاع أسعار البترول سنة 1999 حيث بلغت قيمة البرميل الواحد 17.9% دولار أمريكي إنخفضت نسبة خدمة الدين لتصل إلى 39.1%.
3- المرحلة الثالثة: ﴿2000-2006﴾
سجلت أسعار البترول تحسنا ملحوظا إذ بلغت 28.5 دولار أمريكي للبرميل الواحد سنة 2000 أي إرتفعت بنسبة 37.19% خلال سنة واحدة وهكذا وصل مبلغ الصادرات من المحروقات إلى 21.7 مليار دولار أمريكي مما أدى إلى إنخفاض نسبة المديونية مقابل الصادرات لتصل إلى 19.8%، كما تجاوز الإحتياطي من العملة الصعبة عتبة 10 ملايير دولار غير أن عجز ميزان المدفوعات سنة 2001 دفع الجزائر للإقتراض بهدف تغطية هذا العجز مما أدى إلى إرتفاع ديونها سنة 2002، كما إرتفعت ديونها متوسطة وطويلة الأجل سنة 2003 لتبلغ 23.35 مليار دولار وترجع هذه الزيادة إلى إنخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل بقية العملات الصعبة خاصة مع ظهور الأورو كعملة منافسة له، كما إرتفعت الواردات لتصل إلى 13.3 مليار دولار مقابل 12 مليار دولار سنة 2002 ومع إبرام الجزائر لإتفاق الشراكة الأورومتوسطية مع دول الإتحاد الأوروبي فقد إرتفعت ديونها بالأورو في مقابل الدولار حيث إرتفعت ديونها بالأورو بنسبة 24.48% في حين عرفت نسبة ديونها المقومة بالدولار ثباتا نسبيا إذ بلغت 39% من إجمالي الديون خلال سنتي 2003و2004، وإستمرت المديونية الخارجية الجزائرية في الإنخفاض لتصل إلى حوالي 15.5 مليار دولار في مارس 2006، ومن أهم أسباب هذا الإنخفاض إرتفاع أسعار البترول حيث بلغ سعر البرميل الواحد في 5 مارس 2006 قيمة 73 دولار أي حصول الجزائر على عائدات بالعملات الأجنبية بنحو ستين مليار دولار بفضل صادرات المحروقات التي تشكل نحو 98% من وارداتها.
ثالثا: أعباء المديونية الخارجية على صادرات الجزائر

لقد كان لتزايد المديونية الخارجية وخدماتها أعباء ثقيلة على صادرات الجزائر، ويمكن التعرف على هذه الأعباء من خلال المؤشرين المواليين:
1- نسبة إجمالي الدين إلى إجمالي الصادرات

عرفت هذه النسبة إرتفاعا ملحوظا منذ بداية التسعينات حيث إرتفعت من 211% سنة 1990 إلى 243% سنة 1996، وذلك نتيجة إرتفاع مديونيتها الخارجية بعد الإستدانة المتكررة من صندوق النقد الدولي بالإضافة إلى إنخفاض أسعار البترول ومن ثم إنخفاض إيراداتها من صادرات المحروقات، ثم أخذت هذه النسبة في الإنخفاض لتصل إلى 39.05% و19.8% لسنتي 1999و2000 على التوالي، ويرجع هذا الإنخفاض إلى تسديد الجزائر قدرا معتبرا من ديونها خلال هذه الفترة وكذا إلى إرتفاع أسعار البترول حيث بلغت 28.5 دولار للبرميل الواحد وإلى إرتفاع إحتياطياتها من العملة الصعبة.
2- نسبة خدمة الدين إلى إجمالي الصادرات

إن تفاقم المديونية الخارجية للجزائر ترتب عنه إرتفاع معدلات خدمة ديونها الخارجية إلى إجمالي الصادرات، حيث اتجه هذا المعدل إلى التسارع بشكل كبير حيث قفز من 66.4% سنة 1990 إلى 82.2% سنة 1993 ويدل هذا الإرتفاع على أن خدمة الديون الخارجية قد إلتهمت جزءا كبيرا من حصيلة الصادرات، ثم أخذ هذا المعدل في التراجع منذ سنة 1994 حيث بلغ 47.1% واستمر في الإنخفاض ليصل إلى 19.8% سنة 2000 و17.7% سنة 2003، ويرجع هذا إلى إرتفاع أسعار البترول حيث بلغ سعر البرميل الواحد 28.5 دولار سنة 2000 وبالتالي إرتفعت قيمة الصادرات من المحروقات لتبلغ 21.7 مليار دولار أمريكي لنفس السنة، وقد سجلت هذه النسبة أدنى مستوياتها سنة 2003 حيث بلغت 17.7%.
المطلب الثاني: إتفاقيات الجزائر مع صندوق النقد الدولي

إنضمت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي في 26 سبتمبر 1963 وكانت حصتها تقدر بقيمة 623.1 مليون وحدة حقوق سحب خاصة لترتفع إلى 941.4 مليون وحدة في أوت 1994، وقد لجأت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي في هذه الفترة للحصول على قروض خاصة مع إنخفاض أسعار البترول سنة 1986.
أولا: إتفاق الإستعداد الإئتماني ﴿1989-1991﴾

تميزت فترة الثمانينات بتفاقم أزمة المديونية الخارجية الجزائرية حيث بلغت ديونها الخارجية أكثر من 34 مليار دولار أمريكي، كما تزايد معدل خدمة الديون إلى الصادرات ليبلغ 80% وإرتفعت خدمة الديون من 5 ملايير دولار سنة 1987 إلى 7 ملايير دولار سنة 1989، وفي ظل هذه الظروف لجأت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قروض في إطار إتفاق التثبيت في ماي 1989،
ووافق الصندوق على تقديم 155.7 مليون وحدة سحب خاصة والتي استخدمت كليا في 30 ماي 1990 وما ميز هذا الإتفاق أنه تم في سرية تامة.[2]
تم إبرام الإتفاق الإستعدادي الثاني في 3 جوان 1991 وامتد إلى غاية مارس 1992 ووافق الصندوق بموجبه على تقديم 300 مليون وحدة حقوق سحب خاصة على أربع أقساط، بحيث حدد كل قسط بمبلغ 75 مليون وحدة سحب خاصة وقد سحبت الجزائر ثلاث أقساط: الأول في جوان 1991 والثاني في سبتمبر 1991 والثالث في ديسمبر 1991، ولم يسحب القسط الرابع لعدم إحترام الحكومة محتوى الإتفاقية.
ولقد شهدت الجزائر بين سنتي 1992 و1993 وضعا متأزما إتسم بما يلي:[3]
- ظهور عجز مالي للخزينة قدر بنسبة 9% من الناتج الداخلي الخام مما أدى إلى زيادة حجم الدين العام،
- تدهور شروط التبادل وحدوث إختلال على مستوى ميزان المدفوعات،
- إنخفاض الإيرادات الناتجة عن الصادرات واللجوء للواردات مما أثر سلبا على ميزان المدفوعات،
- إرتفاع قيمة خدمة الدين من 9 مليار دولار سنة 1992 إلى أكثر من 9.05 مليار دولار سنة 1993،
- بلغ معدل التضخم نسبة 32% و20.8% لسنتي 1992 و1993 على التوالي.
ثانيا: إتفاق الإستعداد الإئتماني ﴿ أفريل 1994﴾

لجأت الجزائر سنة 1994 إلى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي للنهوض باقتصادها وتجاوز الأزمة الحادة التي تمر بها، وبالفعل حصلت على إعادة الجدولة الأولى مع نادي باريس في نهاية ماي 1994 في ظل إتفاق تحقيق إستقرار لمدة سنة مع الصندوق، حيث تمت إعادة جدولة ما قيمته 400.4 مليون دولار على مدى 16 سنة منها 4 سنوات معفاة من الدفع، كما قدم الصندوق مبلغ 260 مليون دولار لدعم ميزان المدفوعات وفترة سدادها 5 سنوات وقد ساعدت إعادة الجدولة هذه على خفض قسط خدمة الدين سنة 1994 إلى 4.25 مليار دولار أي إنخفض بنسبة 35.5% بدلا من 96%، كما تم تقليص العجز الكلي في الميزانية العامة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي إلى 44% مقابل5.7% المقدرة في البرنامج الحكومي، ورغم إرتفاع أسعار المحروقات إلا أن أسعار المواد الغذائية إرتفعت بنسبة 40% ويرجع هذا لرفع الدعم الذي كانت تتحمله الخزينة وكذلك تخفيض النفقات


بمبلغ 25.7 مليار دولار.[4]
ثالثا: إتفاق القرض الموسع ﴿ 1995-1998 ﴾

يمتد هذا القرض المتوسط المدة من 1 أفريل 1995 إلى مارس 1998 بمبلغ 1169.28 مليون وحدة حقوق سحب خاصة وهذا ما يعادل 127.8% من حصة الجزائر، وبمجرد الموافقة على هذا الإتفاق قامت الجزائر بسحب القسط الأول وقدره 325.28 مليون وحدة سحب خاصة على أن يتم سحب واستخدام المبلغ المتبقي 844.08 مليون وحدة على أقساط يتم إستنفاذها قبل تاريخ 21 ماي 1998، ومن أهم ما نتج عن إعادة الجدولة هذه إنخفاض قسط خدمة الدين إلى 4.244 مليار دولار أمريكي سنة 1995 وبلغ معدل خدمة الدين 38% وإنخفض إلى 33% سنة 1996، واستمرت هذه النسبة في الإنخفاض لتصل إلى 30% سنة 1997 و19.8% سنة 2000 وزيادة على ذلك فقد بلغت المديونية الخارجية أدنى مستوياتها منذ 10 سنوات حيث بلغت 25.26 مليار دولار أمريكي واستمرت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات في الإنخفاض حيث بلغت 18% سنة 2004، كما تراجع معدل التضخم إلى 6% بعدما وصل إلى 93% سنة 1994.
[1]- مخلوفي عبد السلام،« أزمة المديونية ولجوء الجزائر إلى صندوق النقد الدولي»،www.sarambite.imfo/exp209.rar، بشار، 2005، ص ص: 3- 4.
[2]- الهادي خالدي، المرآة الكاشفة لصندوق النقد الدولي، المطبعة الجزائرية للجرائد والمجلات، الجزائر، 1996، ص: 195.
[3]- مخلوفي عبد السلام، مرجع سابق،2005، ص: 14.
[4] - نفس المرجع، ص ص: 15-16.
_________________________________

spisos
27-02-2009, 16:27
رد إلى نسيمة 13:

بحثك موجود في هذا الرابط...إستعمليه:


http://www.mostafa-gawdat.net/index.php?ind=reviews&op=entry_view&iden=56

spisos
27-02-2009, 17:19
رد إلى lotfitaouil:

المخاطر البنكية:

المقدمة:

منذ تاريخ إصدار قانون النقد والقرض سنة 1990، أصبحت البنوك التجارية الجزائرية تلعب دورها الحقيقي ألا وهو "الوساطة النقدية"، وتعمل على أساس تحقيق العائد والربحية،بدل تقديم القروض بطريقة عشوائية كما كانت تفعل من قبل، فبدأت تعتمد على الطرق العلمية التي تسمح بمعرفة الشروط اللازمة لمنح القروض، وكيفية تقييم مخاطرها والاحتياط منها ومواجهتها في حالة تعثرها.
فالوظيفة الأساسية للبنوك تتمثل في عملية منح القروض، التي تعتبر من أخطر الوظائف التي تمارسها، كون أن تلك القروض التي تمنحها ليست ملكا لها بل هي في الغالب أموال المودعين لديها، فهذا ما يجبر المصرفي على ضرورة الحيطة والحذر عند تقديم القروض للغير.
و نحاول في هذه المداخلة توضيح كيف تسير البنوك التجارية الجزائرية المخاطر الائتمانية؟

أولا: المخاطر المصرفية:

تتعرض البنوك على اختلاف أنواعها للعديد من المخاطر، والتي تؤثر على أدائها ونشاطها، فالهدف الأساسي لإدارة أي بنك هو تعظيم ثروة حملة الأسهم، والتي تفسر بتعظيم القيمة السوقية للسهم العادي، وتتطلب عملية تعظيم الثروة: أن يقوم المديرون بعملية تقييم للتدفقات النقدية والمخاطر التي يتحملها البنك، نتيجة توجيهه لموارده المالية في مجالات تشغيل مختلفة.
والاتجاه نحو زيادة الربحية، تقتضي من إدارة البنك أن تقوم بالاستثمار في أصول تولد أكبر قدر ممكن من الربحية مع خفض التكلفة، ولكن هناك اختلاف بين تعظيم الأرباح وتعظيم الثروة.فلكي يحصل البنك على ربح عالي، يجب عليه إما أن يتحمل المزيد من المخاطر الناتجة عن ذلك( ).
إذن فالمخاطر التي يتعامل معها البنك هي مستقبلية، وتمثل التغير الذي يحدث على قيمة كل سهم أو قيمة الأموال الخاصة أو أصل معين، وهي لصيقة بكل قرار مالي لما تكون التدفقات المالية المنتظرة في زمن لاحق ليست متوقعة بشكل متأكد منه، فالذي يقوم باتخاذ القرار المالي عليه أن يختار بين عدة احتمالات محددة مسبقا( ). ويجب أن نفرق بين الخطر وحالة عدم التأكد، فالخطر يعني الحالات العشوائية والتي يمكن حصرها بتعداد مختلف الحالات الممكنة، أما حالة عدم التأكد فتعني الحالات التي لا يمكن من خلالها التعرف على كل الحالات، وبالتالي معالجتها يتم بتحديد احتمالاتها، لذا يتم عادة بإسقاط حالة عدم التأكد بالخطر، وهذا بإدخال الاحتمالات الموضوعية.
إن عملية تحليل الخطر تفرض على البنك أن يعرف جيدا مختلف المخاطر ومصادرها، وهذا حتى يتمكن من قياسها ومتابعتها ومراقبتها، لأنه في بعض الحالات يكون التمييز بين المخاطر غير واضح وهذا من خلال المعرفة العامة لها، وبالتالي يصعب تحديدها وقياسها، كذلك تم تقسيم المخاطر المصرفية إلى صنفين( )
- الصنف الأول: يشمل على الخطر الأهم والأكبر والذي يتجسد في المخاطر الائتمانية (مخطر القرض).
- الصنف الثاني: يشمل كل من مخاطر السيولة، وأسعار الفائدة، وكذلك مخاطر الصرف والسوق.
.
ثانيا:المخاطر الائتمانية (خطر القرض)

تنشأ المخاطر الائتمانية بسبب لجوء البنك إلى تقديم القروض أو الائتمان للأفراد والقطاعات الاقتصادية المختلفة مع عدم مقدرته على استرجاع حقوقه المتمثلة في أصل القرض وفوائده، وهذا السبب قد يكون نتج عن عدم قدرة المقترض على الوفاء برد أصل القرض وفوائده في تاريخ الاستحقاق المحدد، أو أنه له القدرة المالية على السداد ولكنه لا يرغب في ذلك لسبب أو لآخر، وبالتالي فالمخاطر الائتمانية تتمثل في الخسائر التي يمكن أن يتحملها البنك بسبب عدم قدرة الزبون أو عدم وجود النية لديه لسداد أصل القرض وفوائده( ). كما يمكن أن نضيف عدة احتمالات أخرى والتي توضح أكثر المخاطر الائتمانية والتي تتمثل فيما يلي: ( )
- المخاطر الائتمانية هي نوع من أنواع المخاطر والتي تركز على ركني الخسارة والمستقبل.
- لا تقتصر المخاطر الائتمانية على نوع معين من القروض، بل أن جميعها يمكن أن تشكل خطر بالنسبة للبنك ولكن بدرجات متفاوتة، كما أنها لا تتعلق فقط بعملية تقديم القروض فحسب بل تستمر حتى انتهاء عملية التحصيل الكامل للمبلغ المتفق عليه.
- يمكن أن تنشأ المخاطر الائتمانية عن خلل في العملية الائتمانية بعد انجاز عقدها ، سواء كان في المبلغ الائتماني (القرض+الفوائد) أو في توقيتات السداد.
- المخاطر الائتمانية هي خسارة محتملة يتضرر من جرائها المقرض ولا يواجهها المقترض ولذلك فهي تصيب كل شخص يمنح قرضا سواءا كان بنكا، أو مؤسسة مالية، أو منشأة أعمال تبيع لأجل.
- إن السبب الرئيسي وراء المخاطر الائتمانية هو المقترض بسبب عدم استطاعته أو عدم إلتزامه أو عدم قيامه برد أصل القرض وفوائده.
- لا تختلف وجود المخاطر الائتمانية فيما إذا كان المقترض شخصا حكوميا أو لا، إذ أن القروض الممنوحة لمنشآت الدولة تتضمن هي الأخرى مخاطر ائتمانية، على الرغم من إشارة البعض إلى أن مخاطر القروض الموجهة للحكومة معدومة، كون أن الحكومة لا يمكن أن تمتنع عن سداد القرض.
ثالثا: أسباب المخاطر الائتمانية

من خلال ما سبق يتضح أنه مهما كان المستفيد من القرض سواء كان منظمة أو شخص أو منظمة قرض أو حتى حكومة، تبقى دائما المخاطر الائتمانية محتملة وأسباب ذلك هي متعددة، والتي يمكن تقسيمها كالتالي:( )
أ‌- المخاطر العامة:
وتتمثل في المخاطر الناجمة عن عوامل خارجية يصعب التحكم فيها كالوضعية السياسية والاقتصادية للبلد الذي يمارس فيه المقترض نشاطه أو ما يعرف بخطر البلد، بالإضافة إلى العوامل الطبيعية التي تتمثل في الكوارث الطبيعية كالفيضانات، والزلازل...إلخ.
ب- المخاطر المهنية: وهي المخاطر المرتبطة بالتطورات الحاصلة والتي يمكن أن تؤثر في نشاط قطاع اقتصادي معين، كالتطورات التكنولوجية ومدى تأثيرها على شروط ونوعية وتكاليف الإنتاج، والتي تهدد المنظمات التي لا تخضع للتحديث المستمر بالزوال من السوق وعدم قدرتها على التسديد.
ج- المخاطر الخاصة والمرتبطة بالمقترض: وهو الخطر الأكثر انتشارا وتكرارا والأصعب للتحكم فيه، نظرا لأسبابه المتعددة والكثيرة والتي تؤدي إلى عدم التسديد، ويمكن تقسيمه إلى عدة مخاطر:
1- الخطر المالي: يتعلق أساسا بمدى قدرة المنظمة على الوفاء بتسديد ديونها في الآجال المتفق عليها، ويتم تحديد ذلك وهذا من خلال تشخيص الوضعية المالية لها، وهذا بدراسة الميزانيات، جدول التمويل وجدول حسابات النتائج...الخ.
وهذا بالاعتماد على كفاءة وخبرة موظفي البنك.
2- مخاطر الإدارة: وهي المخاطر المرتبطة بنوعية الإدارة( )،والتي نقصد بها خبرة وكفاءة مسيري المنظمة المقترضة وأنماط السياسات التي تتبعها في مجالات التسعير وتوزيع الأرباح، وكذلك النظم المطبقة في مجال الرقابة على المخزون، والرقابة الداخلية والسياسات المحاسبية التي تطبقها، لأنه عدم وجود موظفين مؤهلين وذات خبرة جيدة لدى المقترض يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستغلال الكفء للأموال المقترضة.
3- الخطر القانوني: وهو يتعلق أساسا بالوضعية القانونية للمنظمة ونوع نشاطها الذي تمارسه، ومدى علاقتها بالمساهمين، ومن بين المعلومات الهامة التي يجب على البنك أن يقوم بمراعاتها هي:
- النظام القانوني للمنظمة، شركة ذات أسهم، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة تضامن...الخ.
- السجل التجاري، ووثائق الإيجار والملكية.
- مدى حرية وسلطة المسيرين على المنظمة، ونقصد به مدى سلطة المسيرين في المنظمة، هل تتمثل في التسيير فقط أم لهم الحرية في القيام بوظائف أخرى، كإبرام عقود القرض أو البيع، ورهن ممتلكات المنظمة.
- علاقة المسيرين بالمساهمين.
4- خطر البلد:
لقد ظهر هذا النوع من المخاطر مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، وهو يتعلق بالدول النامية التي لها مديونية خارجية مرتفعة( ).
ويظهر عند تقديم قرض لشخص ما يمارس نشاطه في بلد أجنبي ويصبح غير قادر على الوفاء بإلتزاماته نتيجة لتحديد أو فرض قيود على عملية تحويل أو تبديل للعملة الصعبة الوطنية للبلد الذي يمارس فيه نشاطه، أو لما تكون نشاطات الإدارة العمومية لنفس البلد غير مضمونة، وبالتالي تؤثر هذه الظروف سلبا على إمكانياته في النشاط والإنتاج( ).
ويجب أن نفرق بين خطر البلد والتعريف الأخرى المتعلقة بخطر القرض والخطر السياسي والخطر الاقتصادي، نظرًا لوجود نوع من التداخل فيما بينهما: ( )
• خطر البلد وخطر القرض: لا يجب الخلط بين خطر البلد وخطر القرض، ففي الحالة الأولى عدم ملائمة المقترض سببها هو تموقعه الجغرافي لأنه يمارس نشاطه في بلد أجنبي وهو غير قادر على تسديد ديونه، أما في الحالة الثانية فإن عدم الملاءة مرتبطة بالمقترض وهذا نتيجة للتدهور الحاصل في وضعيته المالية بدون النظر إلى موقعه الجغرافي، بالإضافة إلى ذلك في حالة العمليات الدولية، هناك نسبة كبيرة من المقترضين الأجانب ليسو بمنظمات خاصة بل هم منظمات عمومية، أو تنظيمات حكومية، أو حتى دولة، وبالتالي ففي هذه الحالة فإن تقدير الخطر لا يمكن تحقيقه حسب المناهج المعتادة نظرا لغياب الوثائق المالية كالميزانية وجدول حسابات النتائج.
• خطر البلد والخطر السياسي: يعتبر الخطر السياسي من أحد عوامل خطر البلد، لان عدم الاستقرار السياسي لدولة ما يؤدي إلى ظهور وضعيات متعددة الخطورة بالنسبة للدائن والتي هي:
- إعادة النظر أو إعادة مفاوضات العقود.
- تحديد أو منع الاستثمارات الأجنبية.
- تحديد أو منع خروج رؤوس الأموال.
- التأميم بالتعويض أو بدونه.
- رفض الاعتراف بالالتزامات المتخذة من طرف الحكومات السابقة.
من هذه الوضعيات نلاحظ أن الديون المستحقة على الدول الغير مستقرة سياسيا ترتفع وتزداد درجة خطورتها حتى ولو تلغي هذه البلدان ديونها تجاه الخارج.
• خطر البلد والخطر الاقتصادي:
وهو العامل الثاني لخطر البلد، وينشأ من عدم قدرة السلطات النقدية لبلد أجنبي على تحويل الفوائد ورأسمال القرض للدائنين المأخوذ من طرف مختلف المنظمات العمومية والخاصة، بالرغم من أن المنظمات الخاصة لها ملاءة ووضعية مالية جيدة تسمح لها بتسديد ديونها، ولكن نظرا لنقص الاحتياطات من العملة الصعبة لا تسمح لها بالتحويل إلى الخارج، إذن هذا الخطر هو مرتبط بالوضعية الاقتصادية والنقدية للبلد الأجنبي.
وبالتالي فالمخاطر الثلاثة السابقة (أي الخطر السياسي والاقتصادي وخطر القرض) متواصلة فيما بينها، فعدم الاستقرار السياسي يمكن أن ينعكس على الوضعية الاقتصادية والمالية، والذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع مخاطر القرض، وتتسبب الأزمات الاقتصادية في الكثير من الأحيان في إحداث تغيرات في الأنظمة السياسية وبالتالي ضرورة إتباع منهاج الشمولية.
رابعا: تقدير وتقييم المخاطر الائتمانية:
إن البنك عند ممارسته لنشاطه في تقديم القروض، يتوقع دائما الحصول على مداخيل مستقبلية كبيرة، مع وضع احتمال عدم تحصيل تلك المداخيل نتيجة لوجود خطر عدم قدرة المقترضين عن الدفع، لذلك فهو يقوم بتقدير وتقييم خطر عدم الدفع مسبقا. وذلك باستعماله لطرق ووسائل متعددة، ونحاول توضيح أهم الطرق المستعملة بكثرة من طرف البنوك وهي:
- طريقة النسب المالية.
- طريقة التنقيط.
أ- طريقة النسب المالية:
تعتبر الدراسة المالية من أهم الأوجه التي تركز عليها البنوك عندما تقدم على منح القروض للمنظمات، إذ تقوم بقراءة مركزها المالي بطريقة مفصلة واستنتاج الخلاصات الضرورية فيما يتعلق بوصفها المالي الحالي والمستقبلي وربحيتها، ومدى قدرتها على توليد تدفقات نقدية تكفي لتسيير عملياتها وأداء التزاماتها، وبالتالي يتم استنتاج نقاط قوتها وضعفها، والتي تساعدها على تحديد قرارها النهائي المتمثل في منح القرض أم لا.
وأول الخطوات العملية التي تقوم بها البنوك أثناء التحليل المالي هي الانتقال من الميزانية المحاسبية للمنظمة إلى الميزانية المالية، ثم القيام بوضع هذه الأخيرة في صورة مختصرة تعكس أهم المناصب المالية.
ويمكن للبنك أن يقوم بنوعين من التحليل ( )، تحليل مالي عام ويهدف إلى استخلاص صورة عن الوضعية المالية العامة للمنظمة، وتحليل خاص هدفه الوصول إلى دراسة الأوجه المالية التي لها علاقة بطبيعة القروض، ويعتمد في تحليله هذا على دراسة النسب المالية التي تقوم بإظهار العلاقات بين الأرقام الموجودة في التقارير المالية في شكل حسابي( )، وتقدم على سبيل المثال لا الحصر بعض النسب التي تطبق في قروض الاستغلال وقروض الاستثمار.
1- النسب الخاصة بقروض الاستغلال:
عندما يواجه البنك طلبا لتمويل نشاطات الاستغلال يجد نفسه مجبرا على دراسة الوضع المالي لهذه المنظمة طالبة القرض، ومن أجل ذلك فهو يقوم باستعمال مجموعة من النسب والتي لها دلالة في هذا الميدان، ومن بين هذه النسب ما يلي:
- نسب التوازن المالي، ويتم حساب رأس المال العامل واحتياجات رأسمال العامل والخزينة.
- نسب الدوران وتتكون من ثلاثة نسب هي: دوران المخزون، سرعة دوران الزبائن وسرعة دوران المورد.
- نسبة السيولة العامة.
2- النسب الخاصة بقروض الاستثمار: عندما يقوم البنك بمنح القروض لتمويل الاستثمارات، فهذا يعني أنه سوف يقوم بتجميد أمواله لمدة طويلة، وبالتالي فهو يتعرض إلى مخاطر أخرى تختلف عما هو عليه في قروض الاستغلال، لذلك فهو يقوم بحساب نسب أخرى تتماشى مع هذا النوع من القروض، ومن أهم هذه النسب هي:
- التمويل الذاتي.
- التمويل الذاتي/ديون الاستثمار لأجل.
- نسبة المديونية.
- التقييم المالي للمشروع الاستثماري، وهذا من خلال الطرق التالية:( )
- طريقة صافي القيمة الحالية VAN
- طريقة معدل العائد الداخلي TRI
- طريقة فترة الاسترداد PR
- طريقة مؤشر الربحية IP
ب‌- طريقة التنقيط أو القرض التنقيطي:
هي آلية للتنقيط، تعتمد على التحاليل الإحصائية والتي تسمح بإعطاء نقطة أو وزن لكل طالب قرض ليتحدد الخطر بالنسبة للبنك( ) والذي يستعملها لكي يتمكن من تقدير الملاءة المالية لزبائنه قبل منحهم القرض أو للتنبؤ المسبق لحالات العجز التي يمكن أن تصيب المنظمات التي يتعامل معها( )، وظهرت هذه التقنية لتصنيف الزبائن في الولايات المتحدة الأمريكية في سنوات الخمسينات من القرن الماضي، وتطورت تدريجيا في فرنسا مع بداية سنوات السبعينات من القرن الماضي، وهي اليوم معروفة لدى سائر مطبقي مالية المنظمات: محللين، منظمات قرض وخبراء محاسبين...
وتهتم منظمات القرض كثيرا بهذه الطريقة، لأنها أكثر اتقانا مقارنة مع طريقة النسب المالية، ولكن استعمالها قليل، إذ تطبق خصوصا على القروض الاستهلاكية( )
1- حالة القروض الموجهة للأفراد: يعتمد القرض التنقيطي بصفة عامة على التحليل التميزي، والذي يعتبر كمنهج إحصائي يسمح انطلاقا من مجموعة من المعلومات الخاصة لكل فرد من السكان، أن يميز بين مجموعة من الفئات المتجانسة وفق معيار تم وضعه سابقا، ووضع كل عنصر جديد في الفئة التي ينتمي إليها( )، وبالتالي يجب في هذه المرحلة:
- تحديد الفئات والمعلومات الخاصة بكل فئة.
- استعمال نتائج التحليل على كل طالب قرض جديد.
2- حالة القروض الموجهة للمنظمات: يتم تقسيم المنظمات إلى مجموعتين:
مجموعة تحتوي على المنظمات التي لها ملاءة مالية جيدة، ومجموعة أخرى تحتوي على المنظمات التي لها ملاءة غير جيدة، وفقا للمعايير التالية:
- تاريخ تأسيس المنظمة.
- أقدمية وكفاءة مسيري المنظمة.
- مرد ودية المنظمة خلال سنوات متتالية.
- رقم أعمالها المحقق.
- نوعية المراقبة والمراجعة المستعملة من قبلها.
- رأسمالها العامل.
- طبيعة نشاطها.
خامسا: الوقاية من المخاطر الائتمانية في القانون الجزائري
بالرغم من الوسائل التي يستعملها البنك في تقييم المخاطر والتنبؤ بها قبل حدوثها عند منحه للقروض، فهو يأخذ دائما الاحتياطات اللازمة لكي يتجنبها ويخفف من حدتها، لان احتمال تعرضه لها يبقى دائما واردا.
الجزائر قامت بتطبيق في 01 جانفي 1992 النظم الاحترازية للوقاية من المخاطر الائتمانية، وهذا تطبيقا للأمر رقم 11-09 الصادر بتاريخ 14/08/1991، والمتعلق بتحديد النظر الاحترازية في تسيير البنوك والمنظمات المالية، وتتمثل هذه الإجراءات في ما يلي: ( )
أ- توزيع وتغطية المخاطر:
لقد فرض بنك الجزائر على البنوك التجارية عند ممارستها لنشاطها العادي المتمثل في منح القروض أن لا يتجاوز مبلغ الأخطار المحتملة مع نفس المستفيد النسب التالية من الأموال الخاصة الصافية( )
- 40 % ابتداء من أول جانفي 1992.
- 30 % ابتداء من أول جانفي 1993.
- 25 % ابتداء من أول جانفي 1995.
وكل تجاوز لهذه النسب يجب أن يتبعه مباشرة تكوين تغطية تمثل ضعف المعدلات الخاصة بالملاءة المالية.
- 8 % ضعف معدل 4 % ابتداء من نهاية جوان 1995.
- 10 % ضعف معدل 5 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1996.
- 12 % ضعف معدل 6 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1997.
- 14 % ضعف معدل 7 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1998.
- 16 % ضعف معدل 8 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1999.
أما بالنسبة للمبلغ الإجمالي للأخطار التي يمكن تحملها مع كل المستفيدين فيجب أن لا يتجاوز 10 مرات من مبلغ الأموال الخاصة الصافية للبنك.
- نسبة توزيع الأخطار بالنسبة لمستفيد واحد = x 100 ≤25 %.


- مبلغ الأخطار المحتملة مع كل المستفيدين = ≤ 10 .

أ‌- نسبة الملاءة المالية (Ratio ****)
وهي تمثل العلاقة بين الأموال الخاصة الصافية ومجموع مخاطر الائتمان المتكلفة والناتجة عن عملية توزيع القروض.
نسبة الملاءة المالية =

وقد حددت هذه النسبة بـ 8 % كحد أدنى يجب على البنوك التجارية احترامه وهذا ابتداء من نهاية ديسمبر 1999، وللحصول على هذه النسبة يجب تحديد الأموال الخاصة الصافية والأخطار المرجحة.
1- الأموال الخاصة الصافية: تتكون الأموال الخاصة الصافية من العناصر التالية:
- رأس المال الاجتماعي.
- الاحتياطات الأخرى ما عدا الخاصة بإعادة التقييم.
- النتيجة المؤجلة للسنة الجديدة عندما تكون دائنة.
- النتيجة الصافية منخفض منها التوزيعات المتوقفة.
- مؤونات الأخطار البنكية العامة للحقوق الجارية.
وللحصول على الأموال الخاصة الصافية يجب طرح العناصر التالية:
- الحصة غير المحررة من رأس المال الاجتماعي.
- الأسهم الخاصة الممتلكة بصفة مباشرة أو غير مباشرة.
- النتيجة المؤجلة للسنة الجديدة عندما تكون مدينة.
- الأصول المعنوية بما فيها نفقات التأسيس.
- النتيجة السالبة المحددة في تواريخ وسيطة.
- نقص مؤونات أخطار القرض كما قدرها بنك الجزائر.
2- الأخطار المحتملة ( )
تتمثل هذه الأخطار في:
- القروض للزبائن.
- القروض للمستخدمين.
- المساعدات المقدمة للبنوك التجارية.
- سندات التوظيف
- سندات المساهمة.
- سندات الدولة.
- حقوق أخرى على الدولة.
- الموجودات الثابتة الصافية من الاهتلاكات.
- حسابات التعديل والربط التي تخص في الأخير الزبائن والمراسلين.
- الالتزامات بالتوقيع.
مخفض منها العناصر التالية:
- مبالغ الضمانات المحصل عليها من طرف الدولة ومنظمات التأمين والبنوك التجارية.
- المبالغ المحصل عليها في شكل ضمانات من الزبائن في شكل ودائع وأصول مالية قابلة أن تكون سائلة لكن بدون أن تخصص قيمتها.
- مبلغ المؤونات المشكلة لتغطية المستحقات، أو لإنخفاض قيمة السندات.
ولكل خطر محتمل له معدل ترجيح وفقا للجدول التالي:

معدل الترجيح 100 % 20 % 5 % 0 %
الأخطار المحتملة • قروض للزبائن:
-الأوراق المخصومة.
- القرض الايجاري.
- الحسابات المدينة.
- قروض المستخدمين.
- سندات المساهمة والتوظيف غير تلك الخاصة بالبنوك التجارية
- الموجودات الثابتة.
• قروض للبنوك التجارية في الخارج:
- حسابات عادية.
- توظيفات.
- سندات المساهمة والتوظيف لمنظمات القرض التي تعمل في الخارج *قروض للبنوك التجارية تعمل في الجزائر:
-حسابات عادية
-توظيفات.
- سندات التوظيف والمساهمة للبنوك التجارية المقيمة في الجزائر. - حقوق على الدولة أو ما يشابهها:
- سندات الدولة.
- سندات أخرى مشابهة لسندات الدولة.
- حقوق أخرى على الدولة.
- ودائع لدى بنك الجزائر.
المصدر: Banque d’Algérie, Instruction N° 74/94, op-cit Art11 بتصرف.
وهكذا يتم حساب نسبة الملائمة إذا يجب على البنوك التجارية أن تقوم بالتصريح على هذه النسبة في كل من 30 جوان و31 ديسمبر لكل سنة، كما يمكن للجنة المصرفية أن تطلب منهم ذلك في أي وقت وذلك نظرا لوظيفتها المتمثلة كهيئة مراقبة على الجهاز المصرفي( )
ج- متابعة الالتزامات:
لضمان المتابعة الحسنة للالتزامات التي تقدمها لزبائنها، يجب على البنوك التجارية أن تقوم بواسطة أعضاء التسيير والإدارة بتشكيل دوريا الإجراءات والسياسات المتعلقة بالقروض والتوظيفات والسهر على احترامها، وتعمل على التمييز بين حقوقها حسب درجة الخطر الذي تشكله، إلى حقوق جارية، أو حقوق مصنفة وتكوين مؤونات أخطار القروض.
1- الحقوق الجارية: تعتبر الحقوق الجارية هي كل الحقوق التي يتم استرجاعها كاملة في آجالها المحددة حيث تشكل لها مؤونة عامة بـ 1 إلى 3 % وهي مؤونة ذات طابع احتياطي لجزء من رأس المال.
2- الحقوق المصنفة: وتنقسم إلى ثلاثة مجموعات:
- الحقوق ذات المشاكل القوية: وهي الحقوق التي يمكن استرجاعها ولكن بعد أجل يفوق الأجل المتفق عليه، حيث تشكل لها مؤونة تقدر بحوالي 30 %.
- الحقوق الجد خطيرة: وهي الحقوق التي تتميز بإحدى الميزتين: عدم التأكد من استرجاع المبلغ بكامله، التأخر في دفع المبلغ والفوائد بمدة تصل بين 6 أشهر وسنة وتشكل لها مؤونة تقدر بحوالي 50 %.
- الحقوق الميئوس منها: وهي الحقوق التي لا يستطيع البنك استرجاعها بالطريقة العادية، وإنما حتى يستعمل كل طرق الطعن الممكنة من أجل تحصيلها، ويكون لها مؤونة تقدر بـ 100 %.
د- أخذ الضمانات:
تعتبر الضمانات آخر الاعتبارات التي يلجأ إليها البنك كمكمل للتحقق من سلامة القرض، وذلك بعد دراسته لشخصية الزبون وسمعته وكذلك الغرض والمبلغ المطلوب، وهدفه من مطالبة زبائنه بذلك هو اجتناب الحالات غير المتوقعة كعدم مقدرتهم على السداد، وبالتالي فهو يريح نفسه من القلق الذي ينجم بسبب تعثر المقترض عند السداد.
وتعبّر الضمانات عن وسادة يلجأ إليها البنك عند الحاجة خاصة في حالة عدم الوفاء، فهي من الناحية القانونية تعني وجود أفضلية أو أولوية للدائن على حق عيني أو نقدي لتسديد الدين، ورهن الضمان لصالح الدائن يعطي له امتياز خاصا على باقي الدائنين في تصفية الحق موضوع الضمان ( ).أما من الناحية الاقتصادية، فهي تمثل الاستعداد المسبق لتغطية خطر القرض المحتمل مستقبلا( )
والمشرع المالي الجزائري يحدد نوعين من الضمانات:
- الضمانات الشخصية.
- الضمانات الحقيقية.
1- الضمانات الشخصية: وهي عبارة عن تعهد يقوم به الشخص، والذي بموجبه يتعهد بتسديد المدين في حالة عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته في تاريخ الاستحقاق، ومن أهم الضمانات:( )
- الكفالة منها: الكفالة البسيطة والكفالة الحقيقية.
- الضمان الاحتياطي.
- رسالة النية.
3- الضمانات الحقيقية: وتتمثل في وضع شيء ملموس كضمان على الدين، ويمكن أن يكون هذا الشيء ملكا للمدين نفسه، أو يكون مقدما من الغير، حيث يعطى هذا الشيء على سبيل الرهن وليس على سبيل تحويل الملكية وذلك لضمان استرداد القرض، ومن أهم هذه الضمانات ما يلي: ( )
- الرهن العقاري منها الرهن الاتفاقي، الرهن القانوني والرهن القضائي.
- الضمانات التي تعطي حق الحجز للبنك، منها رهن البضائع، رهن الآليات والسيارات ورهن سند التخزين الفلاحي.
- الضمانات التي لا تعطي حق الحجز للبنك: منها رهم المحل التجاري ورهن المعدات والآلات.
سادسا: معالجة المخاطر الائتمانية:
في الواقع إن عملية المعالجة تبدأ مع ظهور أول حادث "عدم التسديد" وعدم الوفاء بالتعهدات المقدمة من طرف الزبون، حيث يبدأ البنك بالتفكير في تنظيم قدراته للكشف عن كل الاحتمالات الممكنة والتحضير لرد الفعل المناسب لها وذلك لاسترجاع مستحقاته. وتبدأ عملية معالجة الخطر في المرحلة الأولى بعملية التحصيل.فإن تعثرت هذه العملية تبدأ عملية معالجة المخاطر.
أ- تحصيل القروض: تعتمد وظيفة التحصيل على ثلاثة ركائز والتي تتمثل في:( )
1- رد الفعل: يعتبر العامل الأساسي لنجاح وظيفة التحصيل لأنه يمثل سرعة رد الفعل للبنك على حالات حدوث الخطر. لذلك فيجب على البنوك أن تهتم بعامل الزمن، لان النتيجة بحدوث خلل لدى الزبون من البداية يؤدي إلى رد فعل مناسب يساهم في التحصيل. لذلك يجب على البنوك أن تجهز نفسها بواسطة الأدوات التي تسمح لها بالكشف والتنبيه عن حالات عدم الدفع الحالية والمستقبلية وتنظم بدقة تسييرها.
2- الاستمرارية في معالجة حالات عدم الدفع: إذ يجب على البنك أن يتجنب الانقطاع في عملية التحصيل، و يتفادى الثغرات في عملية الضغط المطبقة على الزبون المتأخر وهذا لاسترجاع أمواله.
3- التصاعد: يتمثل في تصاعد الإجراءات الجبرية وأساليب الإكراه القانوني للزبون، وهذا من الوكالة البنكية إلى مصلحة المنازعات بالمديرية العامة للبنك إن إقتضى الأمر.
4- تسيير الحسابات: يقوم البنك بعملية تسيير الحسابات من اجل اجتناب زيادة المخاطر المرتبطة سواء بتجاوز الرخصة المقدمة مسبقا لجعل الحساب مدين، أو جعل الحساب مدين ولكن بدون ترخيص مسبق.
فنظام المعلومات للبنك يقوم في هذه الحالة بالتنبيه على هذه الوضعية غير العادية لسير الحساب، ومن جهة أخرى يقوم بتنظيم رد الفعل المتصاعد للبنك وأخذ الاحتياطات اللازمة للإحاطة بهذا الخطر الجديد. والشكل التالي يوضح عملية تسيير الحسابات في بنك تجاري.



التنبيه بخطر
في حساب الزبون يوم (ي) (ي+2) (ي+6) (ي+10)
- استدعاء الزبون -رسالة نموذجية - رسالة نموذجية
- تنبيه المسير - رسالة نموذجية - رفض الدفع - التحويل إلى التحصيل
- الاحتياطات اللازمة - طلب التسوية -التحذير
(وسائل الدفع)
المصدر: Michel Mathieu, opcit, p 276
ففي هذه الحالة للمسير له حرية اتخاذ القرار سواء بتقديم المساعدة للزبون عن طريق منحه سحب على المكشوف أو أنه يقوم بالتحصيل مباشرة سواء تحصيل ودي أو قانوني.
2- معالجة القرض: يتم اقتطاع مستحقات القرض من حساب الزبون بطريقة آلية، و يتم بصفة يومية مراقبة الحساب، بحيث يتم تنظيم عملية الاقتطاع على كل مستحقات البنك وفقا لما توفر في حساب الزبون، بالإضافة إلى الضمانات المحصل عليها.
إن عملية الاقتطاع الآلي يمكن أن تمنح الأولوية للقروض بدون ضمانات أولا، ثم لمختلف القروض الأخرى مقابل ضمانات مرتبة على حسب قيمة هذه الضمانات.
كما هو الوضع بالنسبة لمتابعة الحسابات فإن مسير التحصيل عن طريق هذا النظام يبحث عن مختلف الرسائل بالأشعار وطلب تسوية الوضعية وغيرها، وهذا حسب ما يراه مناسبا من متابعة عدم الدفع من طرف الزبون حتى تسوى الوضعية الجديدة.
هذا طبعا لا يجب أن يمنع مسير الحساب من أن يستمع إلى الزبون الذي يطلب مهلة معينة أو يقترح مهلة للتسوية، وهذا إما إراديا أو كرد فعل له بعد استلامه لرسالة آلية كإشعار بالدفع أو التحذير، حيث يقوم المسير بتحليل الآجال أو المهلة المطلوبة وكذلك المخططات ويقوم باقتراح القرار المناسب.
وتبدأ عملية التحصيل من خلال وحدات البنك التالية:
- وحدة التحصيل الودي (مصلحة المخاطر).
- وحدة التحصيل القانوني(مصلحة المنازعات).
تتدخل هاتين الوحدتين في تسيير الخطر في البنك وعملية تحصيل القرض.
سابعا: دراسة حالة تسيير المخاطر الائتمانية: ( )
في الجزائر تعود صلاحية الموافقة على منح أو عدم منح القروض في البنوك التجارية الى خمسة مستويات وهي:
- مدير الوكالة.
- المدير الجهوي.
- مدير الالتزامات للمنظمات الصغيرة والمتوسطة.
- المدير العام المساعد للالتزامات.
- الرئيس المدير العام.
يتم تفويض سلطة البث في منح القروض حسب مبلغ القرض نفسه، والأشخاص المذكورين سابقا.
1- مصلحة القرض: توجد لدى كل وكالة بنكية مصلحة القرض، وهي تعمل تحت وصاية المدير،من:
- مفتشية الالتزامات: وهي الخلية التي تتكفل بمنح ومتابعة الالتزامات، بالإضافة إلى تلقي الضمانات وتحصيل المستحقات.
- المكلف بالزبائن: وهي خلية تقوم بدراسة الملفات وتقييم المخاطر، وتقديم رأي حول كل الملفات التي تقوم بدراستها.
2- دور مصلحة القرض:تعتبر مصلحة القرض الخلية الإنتاجية بالنسبة للبنك، لأنها تتدخل لتوظيف مواردها أحسن توظيف في الاتجاه الذي تحقق فيه أكبر عائد ممكن، ومن أهم الوظائف التي تقوم بها، هي:
- استقبال ملفات الزبائن.
- دراسة وتحليل الملفات وتقدير الخطر المحتمل.
- منح ومتابعة القروض.
- متابعة وتحصيل المستحقات.
- القيام بإحصاء دور الالتزامات.
- نقل ملفات القرض ومتابعة مصيرها.
3- لجنة القرض: تتكون لجنة القرض من ثلاثة أعضاء، مدير الوكالة البنكية، رئيس مصلحة الاستغلال والمكلف بالزبائن.
واللجنة هي التي تتخذ القرار النهائي المتعلق بمنح القرض، وهذا في حدود سلطة البث التي تمتلكها، وتشارك مع جميع أعضائها في تقدير الخطر.
4- دراسة ملف القرض:
أول من يقوم بدراسة ملف القرض هو المكلف بالزبائن والذي يقدم رأيه في ذلك، بعدها ينتقل إلى رئيس مصلحة الاستغلال والذي يقدم أيضا رأيه في ذلك، بعدها ينتقل الملف إلى مدير الوكالة البنكية الذي يقوم بالفصل فيه.
إذا كان القرض المطلوب يتجاوز سلطة البث في منح القروض التي تمتلكها الوكالة فإن الملف ينتقل إلى المديرية الجهوية، وإذا كانت هي كذلك لا تستطيع إصدار أمر منحه، فإن الملف ينتقل إلى المديرية المركزية والشكل التالي يوضح ذلك.

5- الأسس التي يعتمد عليها البنك في دراسة ملف القرض:من أجل دراسة الملف يشترط من الزبون تقديم ملف يتكون من الوثائق التالية:
- طلب القرض.
- نسخة مطابقة للأصل للسجل التجاري.
- القانون الأساسي للأشخاص المعنويين.
- وثيقة تظهر وضعية الزبون اتجاه الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية.
- نسخة من شهادة ملكية المحل أو العقار والأموال.
- الميزانية المحاسبية وجدول حسابات النتائج للسنوات الثلاث الأخيرة أو الموازنات التقديرية بالنسبة للمنظمات حديثة النشأة.
- دراسة تقنية إقتصادية بالنسبة لطلبات قروض الاستثمار.
- وضعية الزبون اتجاه البنوك الأخرى.
- وثيقة تعكس المبيعات التقديرية.
وبعد تقديم الملف تبدأ عملية دراسة الملف، هذه الأخيرة ترتكز على:
• تقديم المنظمة: وهذا بدراسة كل المعلومات المتعلقة بالمنظمة وهذا من خلال التأكد من: الشخصية الاعتبارية-تاريخ الإنشاء-تاريخ الدخول في علاقات مع البنك-الطبيعة القانونية-مبلغ رأس المال وتوزيعه، النشاط الممارس، عنوان المقر الرئيسي للمنظمة وكذلك وحداتها الإنتاجية والمشاريع المستقبلية.
• القرض المطلوب: ثم دراسة: نوع وشكل القرض-المبالغ الممنوحة سابقا وتواريخ استحقاقها سابقا-الضمانات وقيمها وإلتزامات المنظمة اتجاه البنوك الأخرى.
• الوضعية المالية للمنظمة: بعد القيام بالدراسة الأولية للملف يلجأ البنك بعد ذلك إلى تشخيص الحالة المالية لهذه المنظمة، ويتم ذلك بدراسة التوازنات والنسب المالية الضرورية، والتي تبين مدى قدرة المنظمة على تسديد ديونها في الآجال المحددة.
وفي الغالب المؤشرات التي تؤخذ بعين الاعتبار من طرف البنوك الجزائرية أثناء دراسة ملف القرض هي:
- تحليل تطور التوازنات المالية وبعض المجاميع الكبرى للمنظمة على الأقل لثلاثة سنوات، وهذا لمعرفة ملاءة المنظمة طالبة القرض.
- التقييم باستعمال الطرق الكلاسيكية من خلال دراسة:
- رأس مال العامل.
- احتياجات رأس مال العامل
- الخزينة.
- استخراج أهم النسب المستخرجة من الموازنات المالية مثل الاستقلالية المالية، المردودية، التمويل، الملاءة، الدوران، السيولة والهيكلة.
وبعد كل هذه الدراسة والتحليل يتخذ قرار منح أو عدم منح القرض.
6 - مجابهة المخاطر الائتمانية:
في بعض الأحيان لا يستطيع الزبون تسديد مستحقاته في الوقت المحدد لسبب أو لآخر، ولكي يتمكن المصرفي من مواجهة هذه الوضعية يقوم بإتباع الخطوة التالية:
المرحلة الأولى: بمجرد ظهور أول حادث لعدم الدفع، يقوم البنك بتنبيه الزبون بواسطة رسالة موصى عليها على ضرورة تسوية وضعيته في أقصى أجل (08) أيام، بحيث يبقى في هذه المرحلة لمدة ثلاثة أشهر، أين يحاول المصرفي تحصيل مستحقاته بطريقة ودية.
المرحلة الثانية: بعد انقضاء ثلاثة أشهر من تواجد الملف في مرحلة التحصيل الودي، ولم يقم الزبون بتسديد مستحقاته، يبدأ البنك باتخاذ الإجراءات التالية:
- الحجز بالوقف من خلال تجميد أموال الزبون.
- الحجز التحفظي.
- استعمال الضمانات سواء تعلق الأمر بالمحل التجاري، المعدات والأدوات أو الرهن العقاري.
وهذه العمليات كلها تصب في مجال تحصيل واسترجاع القرض الممنوح للزبون المتخلف.

الخاتمة:

إن الهدف الأساسي لإدارة أي بنك هو تحقيق المزيد من الأرباح، والتي ترتبط أساسا بالتوظيف المستقبلي لأمواله في شكل قروض، والتي يمكن أن تؤدي إلى حدث أو مجموعة من الأحداث غير المرغوب فيها، والمتمثلة في عدم استرجاع الأموال الممنوحة والناتجة عن أسباب عامة لا يمكن التحكم فيها، أو أسباب مهنية مرتبطة بالتطورات التكنولوجية الحاصلة، أو أسباب خاصة بالمقترض نفسه، أو عن أسباب ناتجة عن البلد الذي يمارس فيه المقترض نشاطه أو ما يعرف بخطر البلد، ومن أجل ذلك يقوم البنك بتقدير وقياس المخاطرة الائتمانية لكي يتنبأ بها قبل حدوثها، ويعمل على تحديد الحد الأقصى من الأخطار الممكن تحملها، لان المخاطرة هي واقع من غير الممكن إلغاؤها نهائيا، ويستعمل البنك في ذلك عدة إجراءات للتنبؤ بمخاطر عدم السداد.
بالرغم من كل هذه الإجراءات التي يقوم بها البنك قبل منح القرض، يقوم بإجراءات وقائية تسمح له بالتقليل من المخاطر الائتمانية والتخفيف من حدتها، ووضع نظام للمراقبة الداخلية والخارجية لسير خطر القرض.
وتبقى دائما عملية التسيير العلاجي لخطر القرض ضرورية، لان إمكانية وقوع الخطر وارد في أية لحظة، وتبدأ هذه العملية مع ظهور أول حادث لعدم الدفع. فالبنوك الجزائرية منذ صدور قانون القرض والنقد، وظهور مختلف الفضائح المالية بسبب غياب أو عدم وجود تسيير جيد للأخطار المصرفية، بدأت تولي أهمية كبيرة بسير الأخطار الائتمانية وهذا بإشراف البنوك التجارية نفسها والبنك المركزي الجزائري في إطار الإجراءات الاحترازية.

spisos
27-02-2009, 17:20
رد إلى lotfitaouil:

المخاطر البنكية:

المقدمة:

منذ تاريخ إصدار قانون النقد والقرض سنة 1990، أصبحت البنوك التجارية الجزائرية تلعب دورها الحقيقي ألا وهو "الوساطة النقدية"، وتعمل على أساس تحقيق العائد والربحية،بدل تقديم القروض بطريقة عشوائية كما كانت تفعل من قبل، فبدأت تعتمد على الطرق العلمية التي تسمح بمعرفة الشروط اللازمة لمنح القروض، وكيفية تقييم مخاطرها والاحتياط منها ومواجهتها في حالة تعثرها.
فالوظيفة الأساسية للبنوك تتمثل في عملية منح القروض، التي تعتبر من أخطر الوظائف التي تمارسها، كون أن تلك القروض التي تمنحها ليست ملكا لها بل هي في الغالب أموال المودعين لديها، فهذا ما يجبر المصرفي على ضرورة الحيطة والحذر عند تقديم القروض للغير.
و نحاول في هذه المداخلة توضيح كيف تسير البنوك التجارية الجزائرية المخاطر الائتمانية؟

أولا: المخاطر المصرفية:

تتعرض البنوك على اختلاف أنواعها للعديد من المخاطر، والتي تؤثر على أدائها ونشاطها، فالهدف الأساسي لإدارة أي بنك هو تعظيم ثروة حملة الأسهم، والتي تفسر بتعظيم القيمة السوقية للسهم العادي، وتتطلب عملية تعظيم الثروة: أن يقوم المديرون بعملية تقييم للتدفقات النقدية والمخاطر التي يتحملها البنك، نتيجة توجيهه لموارده المالية في مجالات تشغيل مختلفة.
والاتجاه نحو زيادة الربحية، تقتضي من إدارة البنك أن تقوم بالاستثمار في أصول تولد أكبر قدر ممكن من الربحية مع خفض التكلفة، ولكن هناك اختلاف بين تعظيم الأرباح وتعظيم الثروة.فلكي يحصل البنك على ربح عالي، يجب عليه إما أن يتحمل المزيد من المخاطر الناتجة عن ذلك( ).
إذن فالمخاطر التي يتعامل معها البنك هي مستقبلية، وتمثل التغير الذي يحدث على قيمة كل سهم أو قيمة الأموال الخاصة أو أصل معين، وهي لصيقة بكل قرار مالي لما تكون التدفقات المالية المنتظرة في زمن لاحق ليست متوقعة بشكل متأكد منه، فالذي يقوم باتخاذ القرار المالي عليه أن يختار بين عدة احتمالات محددة مسبقا( ). ويجب أن نفرق بين الخطر وحالة عدم التأكد، فالخطر يعني الحالات العشوائية والتي يمكن حصرها بتعداد مختلف الحالات الممكنة، أما حالة عدم التأكد فتعني الحالات التي لا يمكن من خلالها التعرف على كل الحالات، وبالتالي معالجتها يتم بتحديد احتمالاتها، لذا يتم عادة بإسقاط حالة عدم التأكد بالخطر، وهذا بإدخال الاحتمالات الموضوعية.
إن عملية تحليل الخطر تفرض على البنك أن يعرف جيدا مختلف المخاطر ومصادرها، وهذا حتى يتمكن من قياسها ومتابعتها ومراقبتها، لأنه في بعض الحالات يكون التمييز بين المخاطر غير واضح وهذا من خلال المعرفة العامة لها، وبالتالي يصعب تحديدها وقياسها، كذلك تم تقسيم المخاطر المصرفية إلى صنفين( )
- الصنف الأول: يشمل على الخطر الأهم والأكبر والذي يتجسد في المخاطر الائتمانية (مخطر القرض).
- الصنف الثاني: يشمل كل من مخاطر السيولة، وأسعار الفائدة، وكذلك مخاطر الصرف والسوق.
.
ثانيا:المخاطر الائتمانية (خطر القرض)

تنشأ المخاطر الائتمانية بسبب لجوء البنك إلى تقديم القروض أو الائتمان للأفراد والقطاعات الاقتصادية المختلفة مع عدم مقدرته على استرجاع حقوقه المتمثلة في أصل القرض وفوائده، وهذا السبب قد يكون نتج عن عدم قدرة المقترض على الوفاء برد أصل القرض وفوائده في تاريخ الاستحقاق المحدد، أو أنه له القدرة المالية على السداد ولكنه لا يرغب في ذلك لسبب أو لآخر، وبالتالي فالمخاطر الائتمانية تتمثل في الخسائر التي يمكن أن يتحملها البنك بسبب عدم قدرة الزبون أو عدم وجود النية لديه لسداد أصل القرض وفوائده( ). كما يمكن أن نضيف عدة احتمالات أخرى والتي توضح أكثر المخاطر الائتمانية والتي تتمثل فيما يلي: ( )
- المخاطر الائتمانية هي نوع من أنواع المخاطر والتي تركز على ركني الخسارة والمستقبل.
- لا تقتصر المخاطر الائتمانية على نوع معين من القروض، بل أن جميعها يمكن أن تشكل خطر بالنسبة للبنك ولكن بدرجات متفاوتة، كما أنها لا تتعلق فقط بعملية تقديم القروض فحسب بل تستمر حتى انتهاء عملية التحصيل الكامل للمبلغ المتفق عليه.
- يمكن أن تنشأ المخاطر الائتمانية عن خلل في العملية الائتمانية بعد انجاز عقدها ، سواء كان في المبلغ الائتماني (القرض+الفوائد) أو في توقيتات السداد.
- المخاطر الائتمانية هي خسارة محتملة يتضرر من جرائها المقرض ولا يواجهها المقترض ولذلك فهي تصيب كل شخص يمنح قرضا سواءا كان بنكا، أو مؤسسة مالية، أو منشأة أعمال تبيع لأجل.
- إن السبب الرئيسي وراء المخاطر الائتمانية هو المقترض بسبب عدم استطاعته أو عدم إلتزامه أو عدم قيامه برد أصل القرض وفوائده.
- لا تختلف وجود المخاطر الائتمانية فيما إذا كان المقترض شخصا حكوميا أو لا، إذ أن القروض الممنوحة لمنشآت الدولة تتضمن هي الأخرى مخاطر ائتمانية، على الرغم من إشارة البعض إلى أن مخاطر القروض الموجهة للحكومة معدومة، كون أن الحكومة لا يمكن أن تمتنع عن سداد القرض.
ثالثا: أسباب المخاطر الائتمانية

من خلال ما سبق يتضح أنه مهما كان المستفيد من القرض سواء كان منظمة أو شخص أو منظمة قرض أو حتى حكومة، تبقى دائما المخاطر الائتمانية محتملة وأسباب ذلك هي متعددة، والتي يمكن تقسيمها كالتالي:( )
أ‌- المخاطر العامة:
وتتمثل في المخاطر الناجمة عن عوامل خارجية يصعب التحكم فيها كالوضعية السياسية والاقتصادية للبلد الذي يمارس فيه المقترض نشاطه أو ما يعرف بخطر البلد، بالإضافة إلى العوامل الطبيعية التي تتمثل في الكوارث الطبيعية كالفيضانات، والزلازل...إلخ.
ب- المخاطر المهنية: وهي المخاطر المرتبطة بالتطورات الحاصلة والتي يمكن أن تؤثر في نشاط قطاع اقتصادي معين، كالتطورات التكنولوجية ومدى تأثيرها على شروط ونوعية وتكاليف الإنتاج، والتي تهدد المنظمات التي لا تخضع للتحديث المستمر بالزوال من السوق وعدم قدرتها على التسديد.
ج- المخاطر الخاصة والمرتبطة بالمقترض: وهو الخطر الأكثر انتشارا وتكرارا والأصعب للتحكم فيه، نظرا لأسبابه المتعددة والكثيرة والتي تؤدي إلى عدم التسديد، ويمكن تقسيمه إلى عدة مخاطر:
1- الخطر المالي: يتعلق أساسا بمدى قدرة المنظمة على الوفاء بتسديد ديونها في الآجال المتفق عليها، ويتم تحديد ذلك وهذا من خلال تشخيص الوضعية المالية لها، وهذا بدراسة الميزانيات، جدول التمويل وجدول حسابات النتائج...الخ.
وهذا بالاعتماد على كفاءة وخبرة موظفي البنك.
2- مخاطر الإدارة: وهي المخاطر المرتبطة بنوعية الإدارة( )،والتي نقصد بها خبرة وكفاءة مسيري المنظمة المقترضة وأنماط السياسات التي تتبعها في مجالات التسعير وتوزيع الأرباح، وكذلك النظم المطبقة في مجال الرقابة على المخزون، والرقابة الداخلية والسياسات المحاسبية التي تطبقها، لأنه عدم وجود موظفين مؤهلين وذات خبرة جيدة لدى المقترض يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستغلال الكفء للأموال المقترضة.
3- الخطر القانوني: وهو يتعلق أساسا بالوضعية القانونية للمنظمة ونوع نشاطها الذي تمارسه، ومدى علاقتها بالمساهمين، ومن بين المعلومات الهامة التي يجب على البنك أن يقوم بمراعاتها هي:
- النظام القانوني للمنظمة، شركة ذات أسهم، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة تضامن...الخ.
- السجل التجاري، ووثائق الإيجار والملكية.
- مدى حرية وسلطة المسيرين على المنظمة، ونقصد به مدى سلطة المسيرين في المنظمة، هل تتمثل في التسيير فقط أم لهم الحرية في القيام بوظائف أخرى، كإبرام عقود القرض أو البيع، ورهن ممتلكات المنظمة.
- علاقة المسيرين بالمساهمين.
4- خطر البلد:
لقد ظهر هذا النوع من المخاطر مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، وهو يتعلق بالدول النامية التي لها مديونية خارجية مرتفعة( ).
ويظهر عند تقديم قرض لشخص ما يمارس نشاطه في بلد أجنبي ويصبح غير قادر على الوفاء بإلتزاماته نتيجة لتحديد أو فرض قيود على عملية تحويل أو تبديل للعملة الصعبة الوطنية للبلد الذي يمارس فيه نشاطه، أو لما تكون نشاطات الإدارة العمومية لنفس البلد غير مضمونة، وبالتالي تؤثر هذه الظروف سلبا على إمكانياته في النشاط والإنتاج( ).
ويجب أن نفرق بين خطر البلد والتعريف الأخرى المتعلقة بخطر القرض والخطر السياسي والخطر الاقتصادي، نظرًا لوجود نوع من التداخل فيما بينهما: ( )
• خطر البلد وخطر القرض: لا يجب الخلط بين خطر البلد وخطر القرض، ففي الحالة الأولى عدم ملائمة المقترض سببها هو تموقعه الجغرافي لأنه يمارس نشاطه في بلد أجنبي وهو غير قادر على تسديد ديونه، أما في الحالة الثانية فإن عدم الملاءة مرتبطة بالمقترض وهذا نتيجة للتدهور الحاصل في وضعيته المالية بدون النظر إلى موقعه الجغرافي، بالإضافة إلى ذلك في حالة العمليات الدولية، هناك نسبة كبيرة من المقترضين الأجانب ليسو بمنظمات خاصة بل هم منظمات عمومية، أو تنظيمات حكومية، أو حتى دولة، وبالتالي ففي هذه الحالة فإن تقدير الخطر لا يمكن تحقيقه حسب المناهج المعتادة نظرا لغياب الوثائق المالية كالميزانية وجدول حسابات النتائج.
• خطر البلد والخطر السياسي: يعتبر الخطر السياسي من أحد عوامل خطر البلد، لان عدم الاستقرار السياسي لدولة ما يؤدي إلى ظهور وضعيات متعددة الخطورة بالنسبة للدائن والتي هي:
- إعادة النظر أو إعادة مفاوضات العقود.
- تحديد أو منع الاستثمارات الأجنبية.
- تحديد أو منع خروج رؤوس الأموال.
- التأميم بالتعويض أو بدونه.
- رفض الاعتراف بالالتزامات المتخذة من طرف الحكومات السابقة.
من هذه الوضعيات نلاحظ أن الديون المستحقة على الدول الغير مستقرة سياسيا ترتفع وتزداد درجة خطورتها حتى ولو تلغي هذه البلدان ديونها تجاه الخارج.
• خطر البلد والخطر الاقتصادي:
وهو العامل الثاني لخطر البلد، وينشأ من عدم قدرة السلطات النقدية لبلد أجنبي على تحويل الفوائد ورأسمال القرض للدائنين المأخوذ من طرف مختلف المنظمات العمومية والخاصة، بالرغم من أن المنظمات الخاصة لها ملاءة ووضعية مالية جيدة تسمح لها بتسديد ديونها، ولكن نظرا لنقص الاحتياطات من العملة الصعبة لا تسمح لها بالتحويل إلى الخارج، إذن هذا الخطر هو مرتبط بالوضعية الاقتصادية والنقدية للبلد الأجنبي.
وبالتالي فالمخاطر الثلاثة السابقة (أي الخطر السياسي والاقتصادي وخطر القرض) متواصلة فيما بينها، فعدم الاستقرار السياسي يمكن أن ينعكس على الوضعية الاقتصادية والمالية، والذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع مخاطر القرض، وتتسبب الأزمات الاقتصادية في الكثير من الأحيان في إحداث تغيرات في الأنظمة السياسية وبالتالي ضرورة إتباع منهاج الشمولية.
رابعا: تقدير وتقييم المخاطر الائتمانية:
إن البنك عند ممارسته لنشاطه في تقديم القروض، يتوقع دائما الحصول على مداخيل مستقبلية كبيرة، مع وضع احتمال عدم تحصيل تلك المداخيل نتيجة لوجود خطر عدم قدرة المقترضين عن الدفع، لذلك فهو يقوم بتقدير وتقييم خطر عدم الدفع مسبقا. وذلك باستعماله لطرق ووسائل متعددة، ونحاول توضيح أهم الطرق المستعملة بكثرة من طرف البنوك وهي:
- طريقة النسب المالية.
- طريقة التنقيط.
أ- طريقة النسب المالية:
تعتبر الدراسة المالية من أهم الأوجه التي تركز عليها البنوك عندما تقدم على منح القروض للمنظمات، إذ تقوم بقراءة مركزها المالي بطريقة مفصلة واستنتاج الخلاصات الضرورية فيما يتعلق بوصفها المالي الحالي والمستقبلي وربحيتها، ومدى قدرتها على توليد تدفقات نقدية تكفي لتسيير عملياتها وأداء التزاماتها، وبالتالي يتم استنتاج نقاط قوتها وضعفها، والتي تساعدها على تحديد قرارها النهائي المتمثل في منح القرض أم لا.
وأول الخطوات العملية التي تقوم بها البنوك أثناء التحليل المالي هي الانتقال من الميزانية المحاسبية للمنظمة إلى الميزانية المالية، ثم القيام بوضع هذه الأخيرة في صورة مختصرة تعكس أهم المناصب المالية.
ويمكن للبنك أن يقوم بنوعين من التحليل ( )، تحليل مالي عام ويهدف إلى استخلاص صورة عن الوضعية المالية العامة للمنظمة، وتحليل خاص هدفه الوصول إلى دراسة الأوجه المالية التي لها علاقة بطبيعة القروض، ويعتمد في تحليله هذا على دراسة النسب المالية التي تقوم بإظهار العلاقات بين الأرقام الموجودة في التقارير المالية في شكل حسابي( )، وتقدم على سبيل المثال لا الحصر بعض النسب التي تطبق في قروض الاستغلال وقروض الاستثمار.
1- النسب الخاصة بقروض الاستغلال:
عندما يواجه البنك طلبا لتمويل نشاطات الاستغلال يجد نفسه مجبرا على دراسة الوضع المالي لهذه المنظمة طالبة القرض، ومن أجل ذلك فهو يقوم باستعمال مجموعة من النسب والتي لها دلالة في هذا الميدان، ومن بين هذه النسب ما يلي:
- نسب التوازن المالي، ويتم حساب رأس المال العامل واحتياجات رأسمال العامل والخزينة.
- نسب الدوران وتتكون من ثلاثة نسب هي: دوران المخزون، سرعة دوران الزبائن وسرعة دوران المورد.
- نسبة السيولة العامة.
2- النسب الخاصة بقروض الاستثمار: عندما يقوم البنك بمنح القروض لتمويل الاستثمارات، فهذا يعني أنه سوف يقوم بتجميد أمواله لمدة طويلة، وبالتالي فهو يتعرض إلى مخاطر أخرى تختلف عما هو عليه في قروض الاستغلال، لذلك فهو يقوم بحساب نسب أخرى تتماشى مع هذا النوع من القروض، ومن أهم هذه النسب هي:
- التمويل الذاتي.
- التمويل الذاتي/ديون الاستثمار لأجل.
- نسبة المديونية.
- التقييم المالي للمشروع الاستثماري، وهذا من خلال الطرق التالية:( )
- طريقة صافي القيمة الحالية VAN
- طريقة معدل العائد الداخلي TRI
- طريقة فترة الاسترداد PR
- طريقة مؤشر الربحية IP
ب‌- طريقة التنقيط أو القرض التنقيطي:
هي آلية للتنقيط، تعتمد على التحاليل الإحصائية والتي تسمح بإعطاء نقطة أو وزن لكل طالب قرض ليتحدد الخطر بالنسبة للبنك( ) والذي يستعملها لكي يتمكن من تقدير الملاءة المالية لزبائنه قبل منحهم القرض أو للتنبؤ المسبق لحالات العجز التي يمكن أن تصيب المنظمات التي يتعامل معها( )، وظهرت هذه التقنية لتصنيف الزبائن في الولايات المتحدة الأمريكية في سنوات الخمسينات من القرن الماضي، وتطورت تدريجيا في فرنسا مع بداية سنوات السبعينات من القرن الماضي، وهي اليوم معروفة لدى سائر مطبقي مالية المنظمات: محللين، منظمات قرض وخبراء محاسبين...
وتهتم منظمات القرض كثيرا بهذه الطريقة، لأنها أكثر اتقانا مقارنة مع طريقة النسب المالية، ولكن استعمالها قليل، إذ تطبق خصوصا على القروض الاستهلاكية( )
1- حالة القروض الموجهة للأفراد: يعتمد القرض التنقيطي بصفة عامة على التحليل التميزي، والذي يعتبر كمنهج إحصائي يسمح انطلاقا من مجموعة من المعلومات الخاصة لكل فرد من السكان، أن يميز بين مجموعة من الفئات المتجانسة وفق معيار تم وضعه سابقا، ووضع كل عنصر جديد في الفئة التي ينتمي إليها( )، وبالتالي يجب في هذه المرحلة:
- تحديد الفئات والمعلومات الخاصة بكل فئة.
- استعمال نتائج التحليل على كل طالب قرض جديد.
2- حالة القروض الموجهة للمنظمات: يتم تقسيم المنظمات إلى مجموعتين:
مجموعة تحتوي على المنظمات التي لها ملاءة مالية جيدة، ومجموعة أخرى تحتوي على المنظمات التي لها ملاءة غير جيدة، وفقا للمعايير التالية:
- تاريخ تأسيس المنظمة.
- أقدمية وكفاءة مسيري المنظمة.
- مرد ودية المنظمة خلال سنوات متتالية.
- رقم أعمالها المحقق.
- نوعية المراقبة والمراجعة المستعملة من قبلها.
- رأسمالها العامل.
- طبيعة نشاطها.
خامسا: الوقاية من المخاطر الائتمانية في القانون الجزائري
بالرغم من الوسائل التي يستعملها البنك في تقييم المخاطر والتنبؤ بها قبل حدوثها عند منحه للقروض، فهو يأخذ دائما الاحتياطات اللازمة لكي يتجنبها ويخفف من حدتها، لان احتمال تعرضه لها يبقى دائما واردا.
الجزائر قامت بتطبيق في 01 جانفي 1992 النظم الاحترازية للوقاية من المخاطر الائتمانية، وهذا تطبيقا للأمر رقم 11-09 الصادر بتاريخ 14/08/1991، والمتعلق بتحديد النظر الاحترازية في تسيير البنوك والمنظمات المالية، وتتمثل هذه الإجراءات في ما يلي: ( )
أ- توزيع وتغطية المخاطر:
لقد فرض بنك الجزائر على البنوك التجارية عند ممارستها لنشاطها العادي المتمثل في منح القروض أن لا يتجاوز مبلغ الأخطار المحتملة مع نفس المستفيد النسب التالية من الأموال الخاصة الصافية( )
- 40 % ابتداء من أول جانفي 1992.
- 30 % ابتداء من أول جانفي 1993.
- 25 % ابتداء من أول جانفي 1995.
وكل تجاوز لهذه النسب يجب أن يتبعه مباشرة تكوين تغطية تمثل ضعف المعدلات الخاصة بالملاءة المالية.
- 8 % ضعف معدل 4 % ابتداء من نهاية جوان 1995.
- 10 % ضعف معدل 5 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1996.
- 12 % ضعف معدل 6 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1997.
- 14 % ضعف معدل 7 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1998.
- 16 % ضعف معدل 8 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1999.
أما بالنسبة للمبلغ الإجمالي للأخطار التي يمكن تحملها مع كل المستفيدين فيجب أن لا يتجاوز 10 مرات من مبلغ الأموال الخاصة الصافية للبنك.
- نسبة توزيع الأخطار بالنسبة لمستفيد واحد = x 100 ≤25 %.


- مبلغ الأخطار المحتملة مع كل المستفيدين = ≤ 10 .

أ‌- نسبة الملاءة المالية (Ratio ****)
وهي تمثل العلاقة بين الأموال الخاصة الصافية ومجموع مخاطر الائتمان المتكلفة والناتجة عن عملية توزيع القروض.
نسبة الملاءة المالية =

وقد حددت هذه النسبة بـ 8 % كحد أدنى يجب على البنوك التجارية احترامه وهذا ابتداء من نهاية ديسمبر 1999، وللحصول على هذه النسبة يجب تحديد الأموال الخاصة الصافية والأخطار المرجحة.
1- الأموال الخاصة الصافية: تتكون الأموال الخاصة الصافية من العناصر التالية:
- رأس المال الاجتماعي.
- الاحتياطات الأخرى ما عدا الخاصة بإعادة التقييم.
- النتيجة المؤجلة للسنة الجديدة عندما تكون دائنة.
- النتيجة الصافية منخفض منها التوزيعات المتوقفة.
- مؤونات الأخطار البنكية العامة للحقوق الجارية.
وللحصول على الأموال الخاصة الصافية يجب طرح العناصر التالية:
- الحصة غير المحررة من رأس المال الاجتماعي.
- الأسهم الخاصة الممتلكة بصفة مباشرة أو غير مباشرة.
- النتيجة المؤجلة للسنة الجديدة عندما تكون مدينة.
- الأصول المعنوية بما فيها نفقات التأسيس.
- النتيجة السالبة المحددة في تواريخ وسيطة.
- نقص مؤونات أخطار القرض كما قدرها بنك الجزائر.
2- الأخطار المحتملة ( )
تتمثل هذه الأخطار في:
- القروض للزبائن.
- القروض للمستخدمين.
- المساعدات المقدمة للبنوك التجارية.
- سندات التوظيف
- سندات المساهمة.
- سندات الدولة.
- حقوق أخرى على الدولة.
- الموجودات الثابتة الصافية من الاهتلاكات.
- حسابات التعديل والربط التي تخص في الأخير الزبائن والمراسلين.
- الالتزامات بالتوقيع.
مخفض منها العناصر التالية:
- مبالغ الضمانات المحصل عليها من طرف الدولة ومنظمات التأمين والبنوك التجارية.
- المبالغ المحصل عليها في شكل ضمانات من الزبائن في شكل ودائع وأصول مالية قابلة أن تكون سائلة لكن بدون أن تخصص قيمتها.
- مبلغ المؤونات المشكلة لتغطية المستحقات، أو لإنخفاض قيمة السندات.
ولكل خطر محتمل له معدل ترجيح وفقا للجدول التالي:

معدل الترجيح 100 % 20 % 5 % 0 %
الأخطار المحتملة • قروض للزبائن:
-الأوراق المخصومة.
- القرض الايجاري.
- الحسابات المدينة.
- قروض المستخدمين.
- سندات المساهمة والتوظيف غير تلك الخاصة بالبنوك التجارية
- الموجودات الثابتة.
• قروض للبنوك التجارية في الخارج:
- حسابات عادية.
- توظيفات.
- سندات المساهمة والتوظيف لمنظمات القرض التي تعمل في الخارج *قروض للبنوك التجارية تعمل في الجزائر:
-حسابات عادية
-توظيفات.
- سندات التوظيف والمساهمة للبنوك التجارية المقيمة في الجزائر. - حقوق على الدولة أو ما يشابهها:
- سندات الدولة.
- سندات أخرى مشابهة لسندات الدولة.
- حقوق أخرى على الدولة.
- ودائع لدى بنك الجزائر.
المصدر: Banque d’Algérie, Instruction N° 74/94, op-cit Art11 بتصرف.
وهكذا يتم حساب نسبة الملائمة إذا يجب على البنوك التجارية أن تقوم بالتصريح على هذه النسبة في كل من 30 جوان و31 ديسمبر لكل سنة، كما يمكن للجنة المصرفية أن تطلب منهم ذلك في أي وقت وذلك نظرا لوظيفتها المتمثلة كهيئة مراقبة على الجهاز المصرفي( )
ج- متابعة الالتزامات:
لضمان المتابعة الحسنة للالتزامات التي تقدمها لزبائنها، يجب على البنوك التجارية أن تقوم بواسطة أعضاء التسيير والإدارة بتشكيل دوريا الإجراءات والسياسات المتعلقة بالقروض والتوظيفات والسهر على احترامها، وتعمل على التمييز بين حقوقها حسب درجة الخطر الذي تشكله، إلى حقوق جارية، أو حقوق مصنفة وتكوين مؤونات أخطار القروض.
1- الحقوق الجارية: تعتبر الحقوق الجارية هي كل الحقوق التي يتم استرجاعها كاملة في آجالها المحددة حيث تشكل لها مؤونة عامة بـ 1 إلى 3 % وهي مؤونة ذات طابع احتياطي لجزء من رأس المال.
2- الحقوق المصنفة: وتنقسم إلى ثلاثة مجموعات:
- الحقوق ذات المشاكل القوية: وهي الحقوق التي يمكن استرجاعها ولكن بعد أجل يفوق الأجل المتفق عليه، حيث تشكل لها مؤونة تقدر بحوالي 30 %.
- الحقوق الجد خطيرة: وهي الحقوق التي تتميز بإحدى الميزتين: عدم التأكد من استرجاع المبلغ بكامله، التأخر في دفع المبلغ والفوائد بمدة تصل بين 6 أشهر وسنة وتشكل لها مؤونة تقدر بحوالي 50 %.
- الحقوق الميئوس منها: وهي الحقوق التي لا يستطيع البنك استرجاعها بالطريقة العادية، وإنما حتى يستعمل كل طرق الطعن الممكنة من أجل تحصيلها، ويكون لها مؤونة تقدر بـ 100 %.
د- أخذ الضمانات:
تعتبر الضمانات آخر الاعتبارات التي يلجأ إليها البنك كمكمل للتحقق من سلامة القرض، وذلك بعد دراسته لشخصية الزبون وسمعته وكذلك الغرض والمبلغ المطلوب، وهدفه من مطالبة زبائنه بذلك هو اجتناب الحالات غير المتوقعة كعدم مقدرتهم على السداد، وبالتالي فهو يريح نفسه من القلق الذي ينجم بسبب تعثر المقترض عند السداد.
وتعبّر الضمانات عن وسادة يلجأ إليها البنك عند الحاجة خاصة في حالة عدم الوفاء، فهي من الناحية القانونية تعني وجود أفضلية أو أولوية للدائن على حق عيني أو نقدي لتسديد الدين، ورهن الضمان لصالح الدائن يعطي له امتياز خاصا على باقي الدائنين في تصفية الحق موضوع الضمان ( ).أما من الناحية الاقتصادية، فهي تمثل الاستعداد المسبق لتغطية خطر القرض المحتمل مستقبلا( )
والمشرع المالي الجزائري يحدد نوعين من الضمانات:
- الضمانات الشخصية.
- الضمانات الحقيقية.
1- الضمانات الشخصية: وهي عبارة عن تعهد يقوم به الشخص، والذي بموجبه يتعهد بتسديد المدين في حالة عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته في تاريخ الاستحقاق، ومن أهم الضمانات:( )
- الكفالة منها: الكفالة البسيطة والكفالة الحقيقية.
- الضمان الاحتياطي.
- رسالة النية.
3- الضمانات الحقيقية: وتتمثل في وضع شيء ملموس كضمان على الدين، ويمكن أن يكون هذا الشيء ملكا للمدين نفسه، أو يكون مقدما من الغير، حيث يعطى هذا الشيء على سبيل الرهن وليس على سبيل تحويل الملكية وذلك لضمان استرداد القرض، ومن أهم هذه الضمانات ما يلي: ( )
- الرهن العقاري منها الرهن الاتفاقي، الرهن القانوني والرهن القضائي.
- الضمانات التي تعطي حق الحجز للبنك، منها رهن البضائع، رهن الآليات والسيارات ورهن سند التخزين الفلاحي.
- الضمانات التي لا تعطي حق الحجز للبنك: منها رهم المحل التجاري ورهن المعدات والآلات.
سادسا: معالجة المخاطر الائتمانية:
في الواقع إن عملية المعالجة تبدأ مع ظهور أول حادث "عدم التسديد" وعدم الوفاء بالتعهدات المقدمة من طرف الزبون، حيث يبدأ البنك بالتفكير في تنظيم قدراته للكشف عن كل الاحتمالات الممكنة والتحضير لرد الفعل المناسب لها وذلك لاسترجاع مستحقاته. وتبدأ عملية معالجة الخطر في المرحلة الأولى بعملية التحصيل.فإن تعثرت هذه العملية تبدأ عملية معالجة المخاطر.
أ- تحصيل القروض: تعتمد وظيفة التحصيل على ثلاثة ركائز والتي تتمثل في:( )
1- رد الفعل: يعتبر العامل الأساسي لنجاح وظيفة التحصيل لأنه يمثل سرعة رد الفعل للبنك على حالات حدوث الخطر. لذلك فيجب على البنوك أن تهتم بعامل الزمن، لان النتيجة بحدوث خلل لدى الزبون من البداية يؤدي إلى رد فعل مناسب يساهم في التحصيل. لذلك يجب على البنوك أن تجهز نفسها بواسطة الأدوات التي تسمح لها بالكشف والتنبيه عن حالات عدم الدفع الحالية والمستقبلية وتنظم بدقة تسييرها.
2- الاستمرارية في معالجة حالات عدم الدفع: إذ يجب على البنك أن يتجنب الانقطاع في عملية التحصيل، و يتفادى الثغرات في عملية الضغط المطبقة على الزبون المتأخر وهذا لاسترجاع أمواله.
3- التصاعد: يتمثل في تصاعد الإجراءات الجبرية وأساليب الإكراه القانوني للزبون، وهذا من الوكالة البنكية إلى مصلحة المنازعات بالمديرية العامة للبنك إن إقتضى الأمر.
4- تسيير الحسابات: يقوم البنك بعملية تسيير الحسابات من اجل اجتناب زيادة المخاطر المرتبطة سواء بتجاوز الرخصة المقدمة مسبقا لجعل الحساب مدين، أو جعل الحساب مدين ولكن بدون ترخيص مسبق.
فنظام المعلومات للبنك يقوم في هذه الحالة بالتنبيه على هذه الوضعية غير العادية لسير الحساب، ومن جهة أخرى يقوم بتنظيم رد الفعل المتصاعد للبنك وأخذ الاحتياطات اللازمة للإحاطة بهذا الخطر الجديد. والشكل التالي يوضح عملية تسيير الحسابات في بنك تجاري.



التنبيه بخطر
في حساب الزبون يوم (ي) (ي+2) (ي+6) (ي+10)
- استدعاء الزبون -رسالة نموذجية - رسالة نموذجية
- تنبيه المسير - رسالة نموذجية - رفض الدفع - التحويل إلى التحصيل
- الاحتياطات اللازمة - طلب التسوية -التحذير
(وسائل الدفع)
المصدر: Michel Mathieu, opcit, p 276
ففي هذه الحالة للمسير له حرية اتخاذ القرار سواء بتقديم المساعدة للزبون عن طريق منحه سحب على المكشوف أو أنه يقوم بالتحصيل مباشرة سواء تحصيل ودي أو قانوني.
2- معالجة القرض: يتم اقتطاع مستحقات القرض من حساب الزبون بطريقة آلية، و يتم بصفة يومية مراقبة الحساب، بحيث يتم تنظيم عملية الاقتطاع على كل مستحقات البنك وفقا لما توفر في حساب الزبون، بالإضافة إلى الضمانات المحصل عليها.
إن عملية الاقتطاع الآلي يمكن أن تمنح الأولوية للقروض بدون ضمانات أولا، ثم لمختلف القروض الأخرى مقابل ضمانات مرتبة على حسب قيمة هذه الضمانات.
كما هو الوضع بالنسبة لمتابعة الحسابات فإن مسير التحصيل عن طريق هذا النظام يبحث عن مختلف الرسائل بالأشعار وطلب تسوية الوضعية وغيرها، وهذا حسب ما يراه مناسبا من متابعة عدم الدفع من طرف الزبون حتى تسوى الوضعية الجديدة.
هذا طبعا لا يجب أن يمنع مسير الحساب من أن يستمع إلى الزبون الذي يطلب مهلة معينة أو يقترح مهلة للتسوية، وهذا إما إراديا أو كرد فعل له بعد استلامه لرسالة آلية كإشعار بالدفع أو التحذير، حيث يقوم المسير بتحليل الآجال أو المهلة المطلوبة وكذلك المخططات ويقوم باقتراح القرار المناسب.
وتبدأ عملية التحصيل من خلال وحدات البنك التالية:
- وحدة التحصيل الودي (مصلحة المخاطر).
- وحدة التحصيل القانوني(مصلحة المنازعات).
تتدخل هاتين الوحدتين في تسيير الخطر في البنك وعملية تحصيل القرض.
سابعا: دراسة حالة تسيير المخاطر الائتمانية: ( )
في الجزائر تعود صلاحية الموافقة على منح أو عدم منح القروض في البنوك التجارية الى خمسة مستويات وهي:
- مدير الوكالة.
- المدير الجهوي.
- مدير الالتزامات للمنظمات الصغيرة والمتوسطة.
- المدير العام المساعد للالتزامات.
- الرئيس المدير العام.
يتم تفويض سلطة البث في منح القروض حسب مبلغ القرض نفسه، والأشخاص المذكورين سابقا.
1- مصلحة القرض: توجد لدى كل وكالة بنكية مصلحة القرض، وهي تعمل تحت وصاية المدير،من:
- مفتشية الالتزامات: وهي الخلية التي تتكفل بمنح ومتابعة الالتزامات، بالإضافة إلى تلقي الضمانات وتحصيل المستحقات.
- المكلف بالزبائن: وهي خلية تقوم بدراسة الملفات وتقييم المخاطر، وتقديم رأي حول كل الملفات التي تقوم بدراستها.
2- دور مصلحة القرض:تعتبر مصلحة القرض الخلية الإنتاجية بالنسبة للبنك، لأنها تتدخل لتوظيف مواردها أحسن توظيف في الاتجاه الذي تحقق فيه أكبر عائد ممكن، ومن أهم الوظائف التي تقوم بها، هي:
- استقبال ملفات الزبائن.
- دراسة وتحليل الملفات وتقدير الخطر المحتمل.
- منح ومتابعة القروض.
- متابعة وتحصيل المستحقات.
- القيام بإحصاء دور الالتزامات.
- نقل ملفات القرض ومتابعة مصيرها.
3- لجنة القرض: تتكون لجنة القرض من ثلاثة أعضاء، مدير الوكالة البنكية، رئيس مصلحة الاستغلال والمكلف بالزبائن.
واللجنة هي التي تتخذ القرار النهائي المتعلق بمنح القرض، وهذا في حدود سلطة البث التي تمتلكها، وتشارك مع جميع أعضائها في تقدير الخطر.
4- دراسة ملف القرض:
أول من يقوم بدراسة ملف القرض هو المكلف بالزبائن والذي يقدم رأيه في ذلك، بعدها ينتقل إلى رئيس مصلحة الاستغلال والذي يقدم أيضا رأيه في ذلك، بعدها ينتقل الملف إلى مدير الوكالة البنكية الذي يقوم بالفصل فيه.
إذا كان القرض المطلوب يتجاوز سلطة البث في منح القروض التي تمتلكها الوكالة فإن الملف ينتقل إلى المديرية الجهوية، وإذا كانت هي كذلك لا تستطيع إصدار أمر منحه، فإن الملف ينتقل إلى المديرية المركزية والشكل التالي يوضح ذلك.

5- الأسس التي يعتمد عليها البنك في دراسة ملف القرض:من أجل دراسة الملف يشترط من الزبون تقديم ملف يتكون من الوثائق التالية:
- طلب القرض.
- نسخة مطابقة للأصل للسجل التجاري.
- القانون الأساسي للأشخاص المعنويين.
- وثيقة تظهر وضعية الزبون اتجاه الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية.
- نسخة من شهادة ملكية المحل أو العقار والأموال.
- الميزانية المحاسبية وجدول حسابات النتائج للسنوات الثلاث الأخيرة أو الموازنات التقديرية بالنسبة للمنظمات حديثة النشأة.
- دراسة تقنية إقتصادية بالنسبة لطلبات قروض الاستثمار.
- وضعية الزبون اتجاه البنوك الأخرى.
- وثيقة تعكس المبيعات التقديرية.
وبعد تقديم الملف تبدأ عملية دراسة الملف، هذه الأخيرة ترتكز على:
• تقديم المنظمة: وهذا بدراسة كل المعلومات المتعلقة بالمنظمة وهذا من خلال التأكد من: الشخصية الاعتبارية-تاريخ الإنشاء-تاريخ الدخول في علاقات مع البنك-الطبيعة القانونية-مبلغ رأس المال وتوزيعه، النشاط الممارس، عنوان المقر الرئيسي للمنظمة وكذلك وحداتها الإنتاجية والمشاريع المستقبلية.
• القرض المطلوب: ثم دراسة: نوع وشكل القرض-المبالغ الممنوحة سابقا وتواريخ استحقاقها سابقا-الضمانات وقيمها وإلتزامات المنظمة اتجاه البنوك الأخرى.
• الوضعية المالية للمنظمة: بعد القيام بالدراسة الأولية للملف يلجأ البنك بعد ذلك إلى تشخيص الحالة المالية لهذه المنظمة، ويتم ذلك بدراسة التوازنات والنسب المالية الضرورية، والتي تبين مدى قدرة المنظمة على تسديد ديونها في الآجال المحددة.
وفي الغالب المؤشرات التي تؤخذ بعين الاعتبار من طرف البنوك الجزائرية أثناء دراسة ملف القرض هي:
- تحليل تطور التوازنات المالية وبعض المجاميع الكبرى للمنظمة على الأقل لثلاثة سنوات، وهذا لمعرفة ملاءة المنظمة طالبة القرض.
- التقييم باستعمال الطرق الكلاسيكية من خلال دراسة:
- رأس مال العامل.
- احتياجات رأس مال العامل
- الخزينة.
- استخراج أهم النسب المستخرجة من الموازنات المالية مثل الاستقلالية المالية، المردودية، التمويل، الملاءة، الدوران، السيولة والهيكلة.
وبعد كل هذه الدراسة والتحليل يتخذ قرار منح أو عدم منح القرض.
6 - مجابهة المخاطر الائتمانية:
في بعض الأحيان لا يستطيع الزبون تسديد مستحقاته في الوقت المحدد لسبب أو لآخر، ولكي يتمكن المصرفي من مواجهة هذه الوضعية يقوم بإتباع الخطوة التالية:
المرحلة الأولى: بمجرد ظهور أول حادث لعدم الدفع، يقوم البنك بتنبيه الزبون بواسطة رسالة موصى عليها على ضرورة تسوية وضعيته في أقصى أجل (08) أيام، بحيث يبقى في هذه المرحلة لمدة ثلاثة أشهر، أين يحاول المصرفي تحصيل مستحقاته بطريقة ودية.
المرحلة الثانية: بعد انقضاء ثلاثة أشهر من تواجد الملف في مرحلة التحصيل الودي، ولم يقم الزبون بتسديد مستحقاته، يبدأ البنك باتخاذ الإجراءات التالية:
- الحجز بالوقف من خلال تجميد أموال الزبون.
- الحجز التحفظي.
- استعمال الضمانات سواء تعلق الأمر بالمحل التجاري، المعدات والأدوات أو الرهن العقاري.
وهذه العمليات كلها تصب في مجال تحصيل واسترجاع القرض الممنوح للزبون المتخلف.

الخاتمة:

إن الهدف الأساسي لإدارة أي بنك هو تحقيق المزيد من الأرباح، والتي ترتبط أساسا بالتوظيف المستقبلي لأمواله في شكل قروض، والتي يمكن أن تؤدي إلى حدث أو مجموعة من الأحداث غير المرغوب فيها، والمتمثلة في عدم استرجاع الأموال الممنوحة والناتجة عن أسباب عامة لا يمكن التحكم فيها، أو أسباب مهنية مرتبطة بالتطورات التكنولوجية الحاصلة، أو أسباب خاصة بالمقترض نفسه، أو عن أسباب ناتجة عن البلد الذي يمارس فيه المقترض نشاطه أو ما يعرف بخطر البلد، ومن أجل ذلك يقوم البنك بتقدير وقياس المخاطرة الائتمانية لكي يتنبأ بها قبل حدوثها، ويعمل على تحديد الحد الأقصى من الأخطار الممكن تحملها، لان المخاطرة هي واقع من غير الممكن إلغاؤها نهائيا، ويستعمل البنك في ذلك عدة إجراءات للتنبؤ بمخاطر عدم السداد.
بالرغم من كل هذه الإجراءات التي يقوم بها البنك قبل منح القرض، يقوم بإجراءات وقائية تسمح له بالتقليل من المخاطر الائتمانية والتخفيف من حدتها، ووضع نظام للمراقبة الداخلية والخارجية لسير خطر القرض.
وتبقى دائما عملية التسيير العلاجي لخطر القرض ضرورية، لان إمكانية وقوع الخطر وارد في أية لحظة، وتبدأ هذه العملية مع ظهور أول حادث لعدم الدفع. فالبنوك الجزائرية منذ صدور قانون القرض والنقد، وظهور مختلف الفضائح المالية بسبب غياب أو عدم وجود تسيير جيد للأخطار المصرفية، بدأت تولي أهمية كبيرة بسير الأخطار الائتمانية وهذا بإشراف البنوك التجارية نفسها والبنك المركزي الجزائري في إطار الإجراءات الاحترازية.

spisos
27-02-2009, 17:21
رد إلى lotfitaouil:

المخاطر البنكية:

المقدمة:

منذ تاريخ إصدار قانون النقد والقرض سنة 1990، أصبحت البنوك التجارية الجزائرية تلعب دورها الحقيقي ألا وهو "الوساطة النقدية"، وتعمل على أساس تحقيق العائد والربحية،بدل تقديم القروض بطريقة عشوائية كما كانت تفعل من قبل، فبدأت تعتمد على الطرق العلمية التي تسمح بمعرفة الشروط اللازمة لمنح القروض، وكيفية تقييم مخاطرها والاحتياط منها ومواجهتها في حالة تعثرها.
فالوظيفة الأساسية للبنوك تتمثل في عملية منح القروض، التي تعتبر من أخطر الوظائف التي تمارسها، كون أن تلك القروض التي تمنحها ليست ملكا لها بل هي في الغالب أموال المودعين لديها، فهذا ما يجبر المصرفي على ضرورة الحيطة والحذر عند تقديم القروض للغير.
و نحاول في هذه المداخلة توضيح كيف تسير البنوك التجارية الجزائرية المخاطر الائتمانية؟

أولا: المخاطر المصرفية:

تتعرض البنوك على اختلاف أنواعها للعديد من المخاطر، والتي تؤثر على أدائها ونشاطها، فالهدف الأساسي لإدارة أي بنك هو تعظيم ثروة حملة الأسهم، والتي تفسر بتعظيم القيمة السوقية للسهم العادي، وتتطلب عملية تعظيم الثروة: أن يقوم المديرون بعملية تقييم للتدفقات النقدية والمخاطر التي يتحملها البنك، نتيجة توجيهه لموارده المالية في مجالات تشغيل مختلفة.
والاتجاه نحو زيادة الربحية، تقتضي من إدارة البنك أن تقوم بالاستثمار في أصول تولد أكبر قدر ممكن من الربحية مع خفض التكلفة، ولكن هناك اختلاف بين تعظيم الأرباح وتعظيم الثروة.فلكي يحصل البنك على ربح عالي، يجب عليه إما أن يتحمل المزيد من المخاطر الناتجة عن ذلك( ).
إذن فالمخاطر التي يتعامل معها البنك هي مستقبلية، وتمثل التغير الذي يحدث على قيمة كل سهم أو قيمة الأموال الخاصة أو أصل معين، وهي لصيقة بكل قرار مالي لما تكون التدفقات المالية المنتظرة في زمن لاحق ليست متوقعة بشكل متأكد منه، فالذي يقوم باتخاذ القرار المالي عليه أن يختار بين عدة احتمالات محددة مسبقا( ). ويجب أن نفرق بين الخطر وحالة عدم التأكد، فالخطر يعني الحالات العشوائية والتي يمكن حصرها بتعداد مختلف الحالات الممكنة، أما حالة عدم التأكد فتعني الحالات التي لا يمكن من خلالها التعرف على كل الحالات، وبالتالي معالجتها يتم بتحديد احتمالاتها، لذا يتم عادة بإسقاط حالة عدم التأكد بالخطر، وهذا بإدخال الاحتمالات الموضوعية.
إن عملية تحليل الخطر تفرض على البنك أن يعرف جيدا مختلف المخاطر ومصادرها، وهذا حتى يتمكن من قياسها ومتابعتها ومراقبتها، لأنه في بعض الحالات يكون التمييز بين المخاطر غير واضح وهذا من خلال المعرفة العامة لها، وبالتالي يصعب تحديدها وقياسها، كذلك تم تقسيم المخاطر المصرفية إلى صنفين( )
- الصنف الأول: يشمل على الخطر الأهم والأكبر والذي يتجسد في المخاطر الائتمانية (مخطر القرض).
- الصنف الثاني: يشمل كل من مخاطر السيولة، وأسعار الفائدة، وكذلك مخاطر الصرف والسوق.
.
ثانيا:المخاطر الائتمانية (خطر القرض)

تنشأ المخاطر الائتمانية بسبب لجوء البنك إلى تقديم القروض أو الائتمان للأفراد والقطاعات الاقتصادية المختلفة مع عدم مقدرته على استرجاع حقوقه المتمثلة في أصل القرض وفوائده، وهذا السبب قد يكون نتج عن عدم قدرة المقترض على الوفاء برد أصل القرض وفوائده في تاريخ الاستحقاق المحدد، أو أنه له القدرة المالية على السداد ولكنه لا يرغب في ذلك لسبب أو لآخر، وبالتالي فالمخاطر الائتمانية تتمثل في الخسائر التي يمكن أن يتحملها البنك بسبب عدم قدرة الزبون أو عدم وجود النية لديه لسداد أصل القرض وفوائده( ). كما يمكن أن نضيف عدة احتمالات أخرى والتي توضح أكثر المخاطر الائتمانية والتي تتمثل فيما يلي: ( )
- المخاطر الائتمانية هي نوع من أنواع المخاطر والتي تركز على ركني الخسارة والمستقبل.
- لا تقتصر المخاطر الائتمانية على نوع معين من القروض، بل أن جميعها يمكن أن تشكل خطر بالنسبة للبنك ولكن بدرجات متفاوتة، كما أنها لا تتعلق فقط بعملية تقديم القروض فحسب بل تستمر حتى انتهاء عملية التحصيل الكامل للمبلغ المتفق عليه.
- يمكن أن تنشأ المخاطر الائتمانية عن خلل في العملية الائتمانية بعد انجاز عقدها ، سواء كان في المبلغ الائتماني (القرض+الفوائد) أو في توقيتات السداد.
- المخاطر الائتمانية هي خسارة محتملة يتضرر من جرائها المقرض ولا يواجهها المقترض ولذلك فهي تصيب كل شخص يمنح قرضا سواءا كان بنكا، أو مؤسسة مالية، أو منشأة أعمال تبيع لأجل.
- إن السبب الرئيسي وراء المخاطر الائتمانية هو المقترض بسبب عدم استطاعته أو عدم إلتزامه أو عدم قيامه برد أصل القرض وفوائده.
- لا تختلف وجود المخاطر الائتمانية فيما إذا كان المقترض شخصا حكوميا أو لا، إذ أن القروض الممنوحة لمنشآت الدولة تتضمن هي الأخرى مخاطر ائتمانية، على الرغم من إشارة البعض إلى أن مخاطر القروض الموجهة للحكومة معدومة، كون أن الحكومة لا يمكن أن تمتنع عن سداد القرض.
ثالثا: أسباب المخاطر الائتمانية

من خلال ما سبق يتضح أنه مهما كان المستفيد من القرض سواء كان منظمة أو شخص أو منظمة قرض أو حتى حكومة، تبقى دائما المخاطر الائتمانية محتملة وأسباب ذلك هي متعددة، والتي يمكن تقسيمها كالتالي:( )
أ‌- المخاطر العامة:
وتتمثل في المخاطر الناجمة عن عوامل خارجية يصعب التحكم فيها كالوضعية السياسية والاقتصادية للبلد الذي يمارس فيه المقترض نشاطه أو ما يعرف بخطر البلد، بالإضافة إلى العوامل الطبيعية التي تتمثل في الكوارث الطبيعية كالفيضانات، والزلازل...إلخ.
ب- المخاطر المهنية: وهي المخاطر المرتبطة بالتطورات الحاصلة والتي يمكن أن تؤثر في نشاط قطاع اقتصادي معين، كالتطورات التكنولوجية ومدى تأثيرها على شروط ونوعية وتكاليف الإنتاج، والتي تهدد المنظمات التي لا تخضع للتحديث المستمر بالزوال من السوق وعدم قدرتها على التسديد.
ج- المخاطر الخاصة والمرتبطة بالمقترض: وهو الخطر الأكثر انتشارا وتكرارا والأصعب للتحكم فيه، نظرا لأسبابه المتعددة والكثيرة والتي تؤدي إلى عدم التسديد، ويمكن تقسيمه إلى عدة مخاطر:
1- الخطر المالي: يتعلق أساسا بمدى قدرة المنظمة على الوفاء بتسديد ديونها في الآجال المتفق عليها، ويتم تحديد ذلك وهذا من خلال تشخيص الوضعية المالية لها، وهذا بدراسة الميزانيات، جدول التمويل وجدول حسابات النتائج...الخ.
وهذا بالاعتماد على كفاءة وخبرة موظفي البنك.
2- مخاطر الإدارة: وهي المخاطر المرتبطة بنوعية الإدارة( )،والتي نقصد بها خبرة وكفاءة مسيري المنظمة المقترضة وأنماط السياسات التي تتبعها في مجالات التسعير وتوزيع الأرباح، وكذلك النظم المطبقة في مجال الرقابة على المخزون، والرقابة الداخلية والسياسات المحاسبية التي تطبقها، لأنه عدم وجود موظفين مؤهلين وذات خبرة جيدة لدى المقترض يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستغلال الكفء للأموال المقترضة.
3- الخطر القانوني: وهو يتعلق أساسا بالوضعية القانونية للمنظمة ونوع نشاطها الذي تمارسه، ومدى علاقتها بالمساهمين، ومن بين المعلومات الهامة التي يجب على البنك أن يقوم بمراعاتها هي:
- النظام القانوني للمنظمة، شركة ذات أسهم، شركة ذات مسؤولية محدودة، شركة تضامن...الخ.
- السجل التجاري، ووثائق الإيجار والملكية.
- مدى حرية وسلطة المسيرين على المنظمة، ونقصد به مدى سلطة المسيرين في المنظمة، هل تتمثل في التسيير فقط أم لهم الحرية في القيام بوظائف أخرى، كإبرام عقود القرض أو البيع، ورهن ممتلكات المنظمة.
- علاقة المسيرين بالمساهمين.
4- خطر البلد:
لقد ظهر هذا النوع من المخاطر مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، وهو يتعلق بالدول النامية التي لها مديونية خارجية مرتفعة( ).
ويظهر عند تقديم قرض لشخص ما يمارس نشاطه في بلد أجنبي ويصبح غير قادر على الوفاء بإلتزاماته نتيجة لتحديد أو فرض قيود على عملية تحويل أو تبديل للعملة الصعبة الوطنية للبلد الذي يمارس فيه نشاطه، أو لما تكون نشاطات الإدارة العمومية لنفس البلد غير مضمونة، وبالتالي تؤثر هذه الظروف سلبا على إمكانياته في النشاط والإنتاج( ).
ويجب أن نفرق بين خطر البلد والتعريف الأخرى المتعلقة بخطر القرض والخطر السياسي والخطر الاقتصادي، نظرًا لوجود نوع من التداخل فيما بينهما: ( )
• خطر البلد وخطر القرض: لا يجب الخلط بين خطر البلد وخطر القرض، ففي الحالة الأولى عدم ملائمة المقترض سببها هو تموقعه الجغرافي لأنه يمارس نشاطه في بلد أجنبي وهو غير قادر على تسديد ديونه، أما في الحالة الثانية فإن عدم الملاءة مرتبطة بالمقترض وهذا نتيجة للتدهور الحاصل في وضعيته المالية بدون النظر إلى موقعه الجغرافي، بالإضافة إلى ذلك في حالة العمليات الدولية، هناك نسبة كبيرة من المقترضين الأجانب ليسو بمنظمات خاصة بل هم منظمات عمومية، أو تنظيمات حكومية، أو حتى دولة، وبالتالي ففي هذه الحالة فإن تقدير الخطر لا يمكن تحقيقه حسب المناهج المعتادة نظرا لغياب الوثائق المالية كالميزانية وجدول حسابات النتائج.
• خطر البلد والخطر السياسي: يعتبر الخطر السياسي من أحد عوامل خطر البلد، لان عدم الاستقرار السياسي لدولة ما يؤدي إلى ظهور وضعيات متعددة الخطورة بالنسبة للدائن والتي هي:
- إعادة النظر أو إعادة مفاوضات العقود.
- تحديد أو منع الاستثمارات الأجنبية.
- تحديد أو منع خروج رؤوس الأموال.
- التأميم بالتعويض أو بدونه.
- رفض الاعتراف بالالتزامات المتخذة من طرف الحكومات السابقة.
من هذه الوضعيات نلاحظ أن الديون المستحقة على الدول الغير مستقرة سياسيا ترتفع وتزداد درجة خطورتها حتى ولو تلغي هذه البلدان ديونها تجاه الخارج.
• خطر البلد والخطر الاقتصادي:
وهو العامل الثاني لخطر البلد، وينشأ من عدم قدرة السلطات النقدية لبلد أجنبي على تحويل الفوائد ورأسمال القرض للدائنين المأخوذ من طرف مختلف المنظمات العمومية والخاصة، بالرغم من أن المنظمات الخاصة لها ملاءة ووضعية مالية جيدة تسمح لها بتسديد ديونها، ولكن نظرا لنقص الاحتياطات من العملة الصعبة لا تسمح لها بالتحويل إلى الخارج، إذن هذا الخطر هو مرتبط بالوضعية الاقتصادية والنقدية للبلد الأجنبي.
وبالتالي فالمخاطر الثلاثة السابقة (أي الخطر السياسي والاقتصادي وخطر القرض) متواصلة فيما بينها، فعدم الاستقرار السياسي يمكن أن ينعكس على الوضعية الاقتصادية والمالية، والذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع مخاطر القرض، وتتسبب الأزمات الاقتصادية في الكثير من الأحيان في إحداث تغيرات في الأنظمة السياسية وبالتالي ضرورة إتباع منهاج الشمولية.
رابعا: تقدير وتقييم المخاطر الائتمانية:
إن البنك عند ممارسته لنشاطه في تقديم القروض، يتوقع دائما الحصول على مداخيل مستقبلية كبيرة، مع وضع احتمال عدم تحصيل تلك المداخيل نتيجة لوجود خطر عدم قدرة المقترضين عن الدفع، لذلك فهو يقوم بتقدير وتقييم خطر عدم الدفع مسبقا. وذلك باستعماله لطرق ووسائل متعددة، ونحاول توضيح أهم الطرق المستعملة بكثرة من طرف البنوك وهي:
- طريقة النسب المالية.
- طريقة التنقيط.
أ- طريقة النسب المالية:
تعتبر الدراسة المالية من أهم الأوجه التي تركز عليها البنوك عندما تقدم على منح القروض للمنظمات، إذ تقوم بقراءة مركزها المالي بطريقة مفصلة واستنتاج الخلاصات الضرورية فيما يتعلق بوصفها المالي الحالي والمستقبلي وربحيتها، ومدى قدرتها على توليد تدفقات نقدية تكفي لتسيير عملياتها وأداء التزاماتها، وبالتالي يتم استنتاج نقاط قوتها وضعفها، والتي تساعدها على تحديد قرارها النهائي المتمثل في منح القرض أم لا.
وأول الخطوات العملية التي تقوم بها البنوك أثناء التحليل المالي هي الانتقال من الميزانية المحاسبية للمنظمة إلى الميزانية المالية، ثم القيام بوضع هذه الأخيرة في صورة مختصرة تعكس أهم المناصب المالية.
ويمكن للبنك أن يقوم بنوعين من التحليل ( )، تحليل مالي عام ويهدف إلى استخلاص صورة عن الوضعية المالية العامة للمنظمة، وتحليل خاص هدفه الوصول إلى دراسة الأوجه المالية التي لها علاقة بطبيعة القروض، ويعتمد في تحليله هذا على دراسة النسب المالية التي تقوم بإظهار العلاقات بين الأرقام الموجودة في التقارير المالية في شكل حسابي( )، وتقدم على سبيل المثال لا الحصر بعض النسب التي تطبق في قروض الاستغلال وقروض الاستثمار.
1- النسب الخاصة بقروض الاستغلال:
عندما يواجه البنك طلبا لتمويل نشاطات الاستغلال يجد نفسه مجبرا على دراسة الوضع المالي لهذه المنظمة طالبة القرض، ومن أجل ذلك فهو يقوم باستعمال مجموعة من النسب والتي لها دلالة في هذا الميدان، ومن بين هذه النسب ما يلي:
- نسب التوازن المالي، ويتم حساب رأس المال العامل واحتياجات رأسمال العامل والخزينة.
- نسب الدوران وتتكون من ثلاثة نسب هي: دوران المخزون، سرعة دوران الزبائن وسرعة دوران المورد.
- نسبة السيولة العامة.
2- النسب الخاصة بقروض الاستثمار: عندما يقوم البنك بمنح القروض لتمويل الاستثمارات، فهذا يعني أنه سوف يقوم بتجميد أمواله لمدة طويلة، وبالتالي فهو يتعرض إلى مخاطر أخرى تختلف عما هو عليه في قروض الاستغلال، لذلك فهو يقوم بحساب نسب أخرى تتماشى مع هذا النوع من القروض، ومن أهم هذه النسب هي:
- التمويل الذاتي.
- التمويل الذاتي/ديون الاستثمار لأجل.
- نسبة المديونية.
- التقييم المالي للمشروع الاستثماري، وهذا من خلال الطرق التالية:( )
- طريقة صافي القيمة الحالية VAN
- طريقة معدل العائد الداخلي TRI
- طريقة فترة الاسترداد PR
- طريقة مؤشر الربحية IP
ب‌- طريقة التنقيط أو القرض التنقيطي:
هي آلية للتنقيط، تعتمد على التحاليل الإحصائية والتي تسمح بإعطاء نقطة أو وزن لكل طالب قرض ليتحدد الخطر بالنسبة للبنك( ) والذي يستعملها لكي يتمكن من تقدير الملاءة المالية لزبائنه قبل منحهم القرض أو للتنبؤ المسبق لحالات العجز التي يمكن أن تصيب المنظمات التي يتعامل معها( )، وظهرت هذه التقنية لتصنيف الزبائن في الولايات المتحدة الأمريكية في سنوات الخمسينات من القرن الماضي، وتطورت تدريجيا في فرنسا مع بداية سنوات السبعينات من القرن الماضي، وهي اليوم معروفة لدى سائر مطبقي مالية المنظمات: محللين، منظمات قرض وخبراء محاسبين...
وتهتم منظمات القرض كثيرا بهذه الطريقة، لأنها أكثر اتقانا مقارنة مع طريقة النسب المالية، ولكن استعمالها قليل، إذ تطبق خصوصا على القروض الاستهلاكية( )
1- حالة القروض الموجهة للأفراد: يعتمد القرض التنقيطي بصفة عامة على التحليل التميزي، والذي يعتبر كمنهج إحصائي يسمح انطلاقا من مجموعة من المعلومات الخاصة لكل فرد من السكان، أن يميز بين مجموعة من الفئات المتجانسة وفق معيار تم وضعه سابقا، ووضع كل عنصر جديد في الفئة التي ينتمي إليها( )، وبالتالي يجب في هذه المرحلة:
- تحديد الفئات والمعلومات الخاصة بكل فئة.
- استعمال نتائج التحليل على كل طالب قرض جديد.
2- حالة القروض الموجهة للمنظمات: يتم تقسيم المنظمات إلى مجموعتين:
مجموعة تحتوي على المنظمات التي لها ملاءة مالية جيدة، ومجموعة أخرى تحتوي على المنظمات التي لها ملاءة غير جيدة، وفقا للمعايير التالية:
- تاريخ تأسيس المنظمة.
- أقدمية وكفاءة مسيري المنظمة.
- مرد ودية المنظمة خلال سنوات متتالية.
- رقم أعمالها المحقق.
- نوعية المراقبة والمراجعة المستعملة من قبلها.
- رأسمالها العامل.
- طبيعة نشاطها.
خامسا: الوقاية من المخاطر الائتمانية في القانون الجزائري
بالرغم من الوسائل التي يستعملها البنك في تقييم المخاطر والتنبؤ بها قبل حدوثها عند منحه للقروض، فهو يأخذ دائما الاحتياطات اللازمة لكي يتجنبها ويخفف من حدتها، لان احتمال تعرضه لها يبقى دائما واردا.
الجزائر قامت بتطبيق في 01 جانفي 1992 النظم الاحترازية للوقاية من المخاطر الائتمانية، وهذا تطبيقا للأمر رقم 11-09 الصادر بتاريخ 14/08/1991، والمتعلق بتحديد النظر الاحترازية في تسيير البنوك والمنظمات المالية، وتتمثل هذه الإجراءات في ما يلي: ( )
أ- توزيع وتغطية المخاطر:
لقد فرض بنك الجزائر على البنوك التجارية عند ممارستها لنشاطها العادي المتمثل في منح القروض أن لا يتجاوز مبلغ الأخطار المحتملة مع نفس المستفيد النسب التالية من الأموال الخاصة الصافية( )
- 40 % ابتداء من أول جانفي 1992.
- 30 % ابتداء من أول جانفي 1993.
- 25 % ابتداء من أول جانفي 1995.
وكل تجاوز لهذه النسب يجب أن يتبعه مباشرة تكوين تغطية تمثل ضعف المعدلات الخاصة بالملاءة المالية.
- 8 % ضعف معدل 4 % ابتداء من نهاية جوان 1995.
- 10 % ضعف معدل 5 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1996.
- 12 % ضعف معدل 6 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1997.
- 14 % ضعف معدل 7 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1998.
- 16 % ضعف معدل 8 % ابتداء من نهاية ديسمبر 1999.
أما بالنسبة للمبلغ الإجمالي للأخطار التي يمكن تحملها مع كل المستفيدين فيجب أن لا يتجاوز 10 مرات من مبلغ الأموال الخاصة الصافية للبنك.
- نسبة توزيع الأخطار بالنسبة لمستفيد واحد = x 100 ≤25 %.


- مبلغ الأخطار المحتملة مع كل المستفيدين = ≤ 10 .

أ‌- نسبة الملاءة المالية (Ratio ****)
وهي تمثل العلاقة بين الأموال الخاصة الصافية ومجموع مخاطر الائتمان المتكلفة والناتجة عن عملية توزيع القروض.
نسبة الملاءة المالية =

وقد حددت هذه النسبة بـ 8 % كحد أدنى يجب على البنوك التجارية احترامه وهذا ابتداء من نهاية ديسمبر 1999، وللحصول على هذه النسبة يجب تحديد الأموال الخاصة الصافية والأخطار المرجحة.
1- الأموال الخاصة الصافية: تتكون الأموال الخاصة الصافية من العناصر التالية:
- رأس المال الاجتماعي.
- الاحتياطات الأخرى ما عدا الخاصة بإعادة التقييم.
- النتيجة المؤجلة للسنة الجديدة عندما تكون دائنة.
- النتيجة الصافية منخفض منها التوزيعات المتوقفة.
- مؤونات الأخطار البنكية العامة للحقوق الجارية.
وللحصول على الأموال الخاصة الصافية يجب طرح العناصر التالية:
- الحصة غير المحررة من رأس المال الاجتماعي.
- الأسهم الخاصة الممتلكة بصفة مباشرة أو غير مباشرة.
- النتيجة المؤجلة للسنة الجديدة عندما تكون مدينة.
- الأصول المعنوية بما فيها نفقات التأسيس.
- النتيجة السالبة المحددة في تواريخ وسيطة.
- نقص مؤونات أخطار القرض كما قدرها بنك الجزائر.
2- الأخطار المحتملة ( )
تتمثل هذه الأخطار في:
- القروض للزبائن.
- القروض للمستخدمين.
- المساعدات المقدمة للبنوك التجارية.
- سندات التوظيف
- سندات المساهمة.
- سندات الدولة.
- حقوق أخرى على الدولة.
- الموجودات الثابتة الصافية من الاهتلاكات.
- حسابات التعديل والربط التي تخص في الأخير الزبائن والمراسلين.
- الالتزامات بالتوقيع.
مخفض منها العناصر التالية:
- مبالغ الضمانات المحصل عليها من طرف الدولة ومنظمات التأمين والبنوك التجارية.
- المبالغ المحصل عليها في شكل ضمانات من الزبائن في شكل ودائع وأصول مالية قابلة أن تكون سائلة لكن بدون أن تخصص قيمتها.
- مبلغ المؤونات المشكلة لتغطية المستحقات، أو لإنخفاض قيمة السندات.
ولكل خطر محتمل له معدل ترجيح وفقا للجدول التالي:

معدل الترجيح 100 % 20 % 5 % 0 %
الأخطار المحتملة • قروض للزبائن:
-الأوراق المخصومة.
- القرض الايجاري.
- الحسابات المدينة.
- قروض المستخدمين.
- سندات المساهمة والتوظيف غير تلك الخاصة بالبنوك التجارية
- الموجودات الثابتة.
• قروض للبنوك التجارية في الخارج:
- حسابات عادية.
- توظيفات.
- سندات المساهمة والتوظيف لمنظمات القرض التي تعمل في الخارج *قروض للبنوك التجارية تعمل في الجزائر:
-حسابات عادية
-توظيفات.
- سندات التوظيف والمساهمة للبنوك التجارية المقيمة في الجزائر. - حقوق على الدولة أو ما يشابهها:
- سندات الدولة.
- سندات أخرى مشابهة لسندات الدولة.
- حقوق أخرى على الدولة.
- ودائع لدى بنك الجزائر.
المصدر: Banque d’Algérie, Instruction N° 74/94, op-cit Art11 بتصرف.
وهكذا يتم حساب نسبة الملائمة إذا يجب على البنوك التجارية أن تقوم بالتصريح على هذه النسبة في كل من 30 جوان و31 ديسمبر لكل سنة، كما يمكن للجنة المصرفية أن تطلب منهم ذلك في أي وقت وذلك نظرا لوظيفتها المتمثلة كهيئة مراقبة على الجهاز المصرفي( )
ج- متابعة الالتزامات:
لضمان المتابعة الحسنة للالتزامات التي تقدمها لزبائنها، يجب على البنوك التجارية أن تقوم بواسطة أعضاء التسيير والإدارة بتشكيل دوريا الإجراءات والسياسات المتعلقة بالقروض والتوظيفات والسهر على احترامها، وتعمل على التمييز بين حقوقها حسب درجة الخطر الذي تشكله، إلى حقوق جارية، أو حقوق مصنفة وتكوين مؤونات أخطار القروض.
1- الحقوق الجارية: تعتبر الحقوق الجارية هي كل الحقوق التي يتم استرجاعها كاملة في آجالها المحددة حيث تشكل لها مؤونة عامة بـ 1 إلى 3 % وهي مؤونة ذات طابع احتياطي لجزء من رأس المال.
2- الحقوق المصنفة: وتنقسم إلى ثلاثة مجموعات:
- الحقوق ذات المشاكل القوية: وهي الحقوق التي يمكن استرجاعها ولكن بعد أجل يفوق الأجل المتفق عليه، حيث تشكل لها مؤونة تقدر بحوالي 30 %.
- الحقوق الجد خطيرة: وهي الحقوق التي تتميز بإحدى الميزتين: عدم التأكد من استرجاع المبلغ بكامله، التأخر في دفع المبلغ والفوائد بمدة تصل بين 6 أشهر وسنة وتشكل لها مؤونة تقدر بحوالي 50 %.
- الحقوق الميئوس منها: وهي الحقوق التي لا يستطيع البنك استرجاعها بالطريقة العادية، وإنما حتى يستعمل كل طرق الطعن الممكنة من أجل تحصيلها، ويكون لها مؤونة تقدر بـ 100 %.
د- أخذ الضمانات:
تعتبر الضمانات آخر الاعتبارات التي يلجأ إليها البنك كمكمل للتحقق من سلامة القرض، وذلك بعد دراسته لشخصية الزبون وسمعته وكذلك الغرض والمبلغ المطلوب، وهدفه من مطالبة زبائنه بذلك هو اجتناب الحالات غير المتوقعة كعدم مقدرتهم على السداد، وبالتالي فهو يريح نفسه من القلق الذي ينجم بسبب تعثر المقترض عند السداد.
وتعبّر الضمانات عن وسادة يلجأ إليها البنك عند الحاجة خاصة في حالة عدم الوفاء، فهي من الناحية القانونية تعني وجود أفضلية أو أولوية للدائن على حق عيني أو نقدي لتسديد الدين، ورهن الضمان لصالح الدائن يعطي له امتياز خاصا على باقي الدائنين في تصفية الحق موضوع الضمان ( ).أما من الناحية الاقتصادية، فهي تمثل الاستعداد المسبق لتغطية خطر القرض المحتمل مستقبلا( )
والمشرع المالي الجزائري يحدد نوعين من الضمانات:
- الضمانات الشخصية.
- الضمانات الحقيقية.
1- الضمانات الشخصية: وهي عبارة عن تعهد يقوم به الشخص، والذي بموجبه يتعهد بتسديد المدين في حالة عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته في تاريخ الاستحقاق، ومن أهم الضمانات:( )
- الكفالة منها: الكفالة البسيطة والكفالة الحقيقية.
- الضمان الاحتياطي.
- رسالة النية.
3- الضمانات الحقيقية: وتتمثل في وضع شيء ملموس كضمان على الدين، ويمكن أن يكون هذا الشيء ملكا للمدين نفسه، أو يكون مقدما من الغير، حيث يعطى هذا الشيء على سبيل الرهن وليس على سبيل تحويل الملكية وذلك لضمان استرداد القرض، ومن أهم هذه الضمانات ما يلي: ( )
- الرهن العقاري منها الرهن الاتفاقي، الرهن القانوني والرهن القضائي.
- الضمانات التي تعطي حق الحجز للبنك، منها رهن البضائع، رهن الآليات والسيارات ورهن سند التخزين الفلاحي.
- الضمانات التي لا تعطي حق الحجز للبنك: منها رهم المحل التجاري ورهن المعدات والآلات.
سادسا: معالجة المخاطر الائتمانية:
في الواقع إن عملية المعالجة تبدأ مع ظهور أول حادث "عدم التسديد" وعدم الوفاء بالتعهدات المقدمة من طرف الزبون، حيث يبدأ البنك بالتفكير في تنظيم قدراته للكشف عن كل الاحتمالات الممكنة والتحضير لرد الفعل المناسب لها وذلك لاسترجاع مستحقاته. وتبدأ عملية معالجة الخطر في المرحلة الأولى بعملية التحصيل.فإن تعثرت هذه العملية تبدأ عملية معالجة المخاطر.
أ- تحصيل القروض: تعتمد وظيفة التحصيل على ثلاثة ركائز والتي تتمثل في:( )
1- رد الفعل: يعتبر العامل الأساسي لنجاح وظيفة التحصيل لأنه يمثل سرعة رد الفعل للبنك على حالات حدوث الخطر. لذلك فيجب على البنوك أن تهتم بعامل الزمن، لان النتيجة بحدوث خلل لدى الزبون من البداية يؤدي إلى رد فعل مناسب يساهم في التحصيل. لذلك يجب على البنوك أن تجهز نفسها بواسطة الأدوات التي تسمح لها بالكشف والتنبيه عن حالات عدم الدفع الحالية والمستقبلية وتنظم بدقة تسييرها.
2- الاستمرارية في معالجة حالات عدم الدفع: إذ يجب على البنك أن يتجنب الانقطاع في عملية التحصيل، و يتفادى الثغرات في عملية الضغط المطبقة على الزبون المتأخر وهذا لاسترجاع أمواله.
3- التصاعد: يتمثل في تصاعد الإجراءات الجبرية وأساليب الإكراه القانوني للزبون، وهذا من الوكالة البنكية إلى مصلحة المنازعات بالمديرية العامة للبنك إن إقتضى الأمر.
4- تسيير الحسابات: يقوم البنك بعملية تسيير الحسابات من اجل اجتناب زيادة المخاطر المرتبطة سواء بتجاوز الرخصة المقدمة مسبقا لجعل الحساب مدين، أو جعل الحساب مدين ولكن بدون ترخيص مسبق.
فنظام المعلومات للبنك يقوم في هذه الحالة بالتنبيه على هذه الوضعية غير العادية لسير الحساب، ومن جهة أخرى يقوم بتنظيم رد الفعل المتصاعد للبنك وأخذ الاحتياطات اللازمة للإحاطة بهذا الخطر الجديد. والشكل التالي يوضح عملية تسيير الحسابات في بنك تجاري.



التنبيه بخطر
في حساب الزبون يوم (ي) (ي+2) (ي+6) (ي+10)
- استدعاء الزبون -رسالة نموذجية - رسالة نموذجية
- تنبيه المسير - رسالة نموذجية - رفض الدفع - التحويل إلى التحصيل
- الاحتياطات اللازمة - طلب التسوية -التحذير
(وسائل الدفع)
المصدر: Michel Mathieu, opcit, p 276
ففي هذه الحالة للمسير له حرية اتخاذ القرار سواء بتقديم المساعدة للزبون عن طريق منحه سحب على المكشوف أو أنه يقوم بالتحصيل مباشرة سواء تحصيل ودي أو قانوني.
2- معالجة القرض: يتم اقتطاع مستحقات القرض من حساب الزبون بطريقة آلية، و يتم بصفة يومية مراقبة الحساب، بحيث يتم تنظيم عملية الاقتطاع على كل مستحقات البنك وفقا لما توفر في حساب الزبون، بالإضافة إلى الضمانات المحصل عليها.
إن عملية الاقتطاع الآلي يمكن أن تمنح الأولوية للقروض بدون ضمانات أولا، ثم لمختلف القروض الأخرى مقابل ضمانات مرتبة على حسب قيمة هذه الضمانات.
كما هو الوضع بالنسبة لمتابعة الحسابات فإن مسير التحصيل عن طريق هذا النظام يبحث عن مختلف الرسائل بالأشعار وطلب تسوية الوضعية وغيرها، وهذا حسب ما يراه مناسبا من متابعة عدم الدفع من طرف الزبون حتى تسوى الوضعية الجديدة.
هذا طبعا لا يجب أن يمنع مسير الحساب من أن يستمع إلى الزبون الذي يطلب مهلة معينة أو يقترح مهلة للتسوية، وهذا إما إراديا أو كرد فعل له بعد استلامه لرسالة آلية كإشعار بالدفع أو التحذير، حيث يقوم المسير بتحليل الآجال أو المهلة المطلوبة وكذلك المخططات ويقوم باقتراح القرار المناسب.
وتبدأ عملية التحصيل من خلال وحدات البنك التالية:
- وحدة التحصيل الودي (مصلحة المخاطر).
- وحدة التحصيل القانوني(مصلحة المنازعات).
تتدخل هاتين الوحدتين في تسيير الخطر في البنك وعملية تحصيل القرض.
سابعا: دراسة حالة تسيير المخاطر الائتمانية: ( )
في الجزائر تعود صلاحية الموافقة على منح أو عدم منح القروض في البنوك التجارية الى خمسة مستويات وهي:
- مدير الوكالة.
- المدير الجهوي.
- مدير الالتزامات للمنظمات الصغيرة والمتوسطة.
- المدير العام المساعد للالتزامات.
- الرئيس المدير العام.
يتم تفويض سلطة البث في منح القروض حسب مبلغ القرض نفسه، والأشخاص المذكورين سابقا.
1- مصلحة القرض: توجد لدى كل وكالة بنكية مصلحة القرض، وهي تعمل تحت وصاية المدير،من:
- مفتشية الالتزامات: وهي الخلية التي تتكفل بمنح ومتابعة الالتزامات، بالإضافة إلى تلقي الضمانات وتحصيل المستحقات.
- المكلف بالزبائن: وهي خلية تقوم بدراسة الملفات وتقييم المخاطر، وتقديم رأي حول كل الملفات التي تقوم بدراستها.
2- دور مصلحة القرض:تعتبر مصلحة القرض الخلية الإنتاجية بالنسبة للبنك، لأنها تتدخل لتوظيف مواردها أحسن توظيف في الاتجاه الذي تحقق فيه أكبر عائد ممكن، ومن أهم الوظائف التي تقوم بها، هي:
- استقبال ملفات الزبائن.
- دراسة وتحليل الملفات وتقدير الخطر المحتمل.
- منح ومتابعة القروض.
- متابعة وتحصيل المستحقات.
- القيام بإحصاء دور الالتزامات.
- نقل ملفات القرض ومتابعة مصيرها.
3- لجنة القرض: تتكون لجنة القرض من ثلاثة أعضاء، مدير الوكالة البنكية، رئيس مصلحة الاستغلال والمكلف بالزبائن.
واللجنة هي التي تتخذ القرار النهائي المتعلق بمنح القرض، وهذا في حدود سلطة البث التي تمتلكها، وتشارك مع جميع أعضائها في تقدير الخطر.
4- دراسة ملف القرض:
أول من يقوم بدراسة ملف القرض هو المكلف بالزبائن والذي يقدم رأيه في ذلك، بعدها ينتقل إلى رئيس مصلحة الاستغلال والذي يقدم أيضا رأيه في ذلك، بعدها ينتقل الملف إلى مدير الوكالة البنكية الذي يقوم بالفصل فيه.
إذا كان القرض المطلوب يتجاوز سلطة البث في منح القروض التي تمتلكها الوكالة فإن الملف ينتقل إلى المديرية الجهوية، وإذا كانت هي كذلك لا تستطيع إصدار أمر منحه، فإن الملف ينتقل إلى المديرية المركزية والشكل التالي يوضح ذلك.

5- الأسس التي يعتمد عليها البنك في دراسة ملف القرض:من أجل دراسة الملف يشترط من الزبون تقديم ملف يتكون من الوثائق التالية:
- طلب القرض.
- نسخة مطابقة للأصل للسجل التجاري.
- القانون الأساسي للأشخاص المعنويين.
- وثيقة تظهر وضعية الزبون اتجاه الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية.
- نسخة من شهادة ملكية المحل أو العقار والأموال.
- الميزانية المحاسبية وجدول حسابات النتائج للسنوات الثلاث الأخيرة أو الموازنات التقديرية بالنسبة للمنظمات حديثة النشأة.
- دراسة تقنية إقتصادية بالنسبة لطلبات قروض الاستثمار.
- وضعية الزبون اتجاه البنوك الأخرى.
- وثيقة تعكس المبيعات التقديرية.
وبعد تقديم الملف تبدأ عملية دراسة الملف، هذه الأخيرة ترتكز على:
• تقديم المنظمة: وهذا بدراسة كل المعلومات المتعلقة بالمنظمة وهذا من خلال التأكد من: الشخصية الاعتبارية-تاريخ الإنشاء-تاريخ الدخول في علاقات مع البنك-الطبيعة القانونية-مبلغ رأس المال وتوزيعه، النشاط الممارس، عنوان المقر الرئيسي للمنظمة وكذلك وحداتها الإنتاجية والمشاريع المستقبلية.
• القرض المطلوب: ثم دراسة: نوع وشكل القرض-المبالغ الممنوحة سابقا وتواريخ استحقاقها سابقا-الضمانات وقيمها وإلتزامات المنظمة اتجاه البنوك الأخرى.
• الوضعية المالية للمنظمة: بعد القيام بالدراسة الأولية للملف يلجأ البنك بعد ذلك إلى تشخيص الحالة المالية لهذه المنظمة، ويتم ذلك بدراسة التوازنات والنسب المالية الضرورية، والتي تبين مدى قدرة المنظمة على تسديد ديونها في الآجال المحددة.
وفي الغالب المؤشرات التي تؤخذ بعين الاعتبار من طرف البنوك الجزائرية أثناء دراسة ملف القرض هي:
- تحليل تطور التوازنات المالية وبعض المجاميع الكبرى للمنظمة على الأقل لثلاثة سنوات، وهذا لمعرفة ملاءة المنظمة طالبة القرض.
- التقييم باستعمال الطرق الكلاسيكية من خلال دراسة:
- رأس مال العامل.
- احتياجات رأس مال العامل
- الخزينة.
- استخراج أهم النسب المستخرجة من الموازنات المالية مثل الاستقلالية المالية، المردودية، التمويل، الملاءة، الدوران، السيولة والهيكلة.
وبعد كل هذه الدراسة والتحليل يتخذ قرار منح أو عدم منح القرض.
6 - مجابهة المخاطر الائتمانية:
في بعض الأحيان لا يستطيع الزبون تسديد مستحقاته في الوقت المحدد لسبب أو لآخر، ولكي يتمكن المصرفي من مواجهة هذه الوضعية يقوم بإتباع الخطوة التالية:
المرحلة الأولى: بمجرد ظهور أول حادث لعدم الدفع، يقوم البنك بتنبيه الزبون بواسطة رسالة موصى عليها على ضرورة تسوية وضعيته في أقصى أجل (08) أيام، بحيث يبقى في هذه المرحلة لمدة ثلاثة أشهر، أين يحاول المصرفي تحصيل مستحقاته بطريقة ودية.
المرحلة الثانية: بعد انقضاء ثلاثة أشهر من تواجد الملف في مرحلة التحصيل الودي، ولم يقم الزبون بتسديد مستحقاته، يبدأ البنك باتخاذ الإجراءات التالية:
- الحجز بالوقف من خلال تجميد أموال الزبون.
- الحجز التحفظي.
- استعمال الضمانات سواء تعلق الأمر بالمحل التجاري، المعدات والأدوات أو الرهن العقاري.
وهذه العمليات كلها تصب في مجال تحصيل واسترجاع القرض الممنوح للزبون المتخلف.

الخاتمة:

إن الهدف الأساسي لإدارة أي بنك هو تحقيق المزيد من الأرباح، والتي ترتبط أساسا بالتوظيف المستقبلي لأمواله في شكل قروض، والتي يمكن أن تؤدي إلى حدث أو مجموعة من الأحداث غير المرغوب فيها، والمتمثلة في عدم استرجاع الأموال الممنوحة والناتجة عن أسباب عامة لا يمكن التحكم فيها، أو أسباب مهنية مرتبطة بالتطورات التكنولوجية الحاصلة، أو أسباب خاصة بالمقترض نفسه، أو عن أسباب ناتجة عن البلد الذي يمارس فيه المقترض نشاطه أو ما يعرف بخطر البلد، ومن أجل ذلك يقوم البنك بتقدير وقياس المخاطرة الائتمانية لكي يتنبأ بها قبل حدوثها، ويعمل على تحديد الحد الأقصى من الأخطار الممكن تحملها، لان المخاطرة هي واقع من غير الممكن إلغاؤها نهائيا، ويستعمل البنك في ذلك عدة إجراءات للتنبؤ بمخاطر عدم السداد.
بالرغم من كل هذه الإجراءات التي يقوم بها البنك قبل منح القرض، يقوم بإجراءات وقائية تسمح له بالتقليل من المخاطر الائتمانية والتخفيف من حدتها، ووضع نظام للمراقبة الداخلية والخارجية لسير خطر القرض.
وتبقى دائما عملية التسيير العلاجي لخطر القرض ضرورية، لان إمكانية وقوع الخطر وارد في أية لحظة، وتبدأ هذه العملية مع ظهور أول حادث لعدم الدفع. فالبنوك الجزائرية منذ صدور قانون القرض والنقد، وظهور مختلف الفضائح المالية بسبب غياب أو عدم وجود تسيير جيد للأخطار المصرفية، بدأت تولي أهمية كبيرة بسير الأخطار الائتمانية وهذا بإشراف البنوك التجارية نفسها والبنك المركزي الجزائري في إطار الإجراءات الاحترازية.

spisos
27-02-2009, 17:29
رد إلى ahmed3200:

أنواع الحكومات:

أنواع الحكومات (تصنيف الحكومات عند أرسطو)

استند أرسطو في تصنيفه للحكومات إلي معيارين أحدهما كمي والآخر كيفي :
حسب المعيار الكمي قسم الحكومات إلي حكومات فرد وحكومات قلة وحكومات كثرة ،ثم وضع ثلاثة معايير كيفية للحكم على الحكومات من حيث صلاحها وهي :
الالتزام بالقانون وتحقيق العدالة واستهداف الصالح العام ، وطبقا لهذه المعايير صنف الحكومات ، فبالنسبة لحكومة الفرد إذا التزمت بالقوانين وحققت العدالة ، واستهدفت الصالح العام تكون حكومة صالحة وتعرف بالملكية ، أما إذا لم تلتزم بالقوانين ، وشاع الظلم في ظل حكمها ، واستهدفت مصالح شخصية تكون حكومة فاسدة وتعرف بحكومة الطغيان (أو الاستبداد).
وبالنسبة لحكومات القلة إذا التزمت بالقوانين وحققت العدالة ، واستهدفت الصالح العام تكون حكومة صالحة وتعرف بالأرستقراطية ، أما إذا لم تلتزم بالقوانين ، وشاع الظلم في ظل حكمها ، واستهدفت مصالح شخصية تكون حكومة فاسدة وتعرف بحكومة الأوليجارشية .
وأما حكومات الكثرة إذا التزمت بالقوانين وحققت العدالة ، واستهدفت الصالح العام تكون حكومة صالحة وتعرف بالديمقراطية (أو الجمهورية)، أما إذا لم تلتزم بالقوانين ، وشاع الظلم في ظل حكمها ، واستهدفت مصالح شخصية تكون حكومة فاسدة وتعرف بالديماجوجية (الغوغائية أو الفوضوية). أمثل أشكال الحكومات
أمثل أشكال الحكومات عند أرسطو هي الحكومة الدستورية القائمة على سيادة القانون فهي أفضل من الحكومة المطلقة حتى لو كانت مستنيرة يقوم عليها الفلاسفة.
سلطة الحاكم الدستوري تخلق علاقة بين الحاكم و المحكوم أسمى من علاقة السيد والعبد.
نادى باشتراك جميع المواطنين في إصدار القوانين لأن الحكمة الجماعية للشعب أفضل من حكمة أعقل وأفضل المشرعين.
يرى أن القانون يتسم بالموضوعية لأنه العقل المجرد عن الهوى.

مزايا الحكومة الدستورية
تتميز الحكومة الدستورية بالتالي:
أ) استهداف الصالح العام وليس صالحاً فئوياً.
ب) قامت لهدف أخلاقي وهو الارتقاء بمواطنيها.
ج) تعبير عن شركاء يسعون معاً إلى حياة أفضل.
د) تعتمد على القانون (المستمد من عادات وأعراف الجماعة) لا على أوامر تحكمية .
هـ) تحفظ كرامة الأفراد وتستند إلى قناعتهم لا إجبارهم.

spisos
28-02-2009, 19:05
رد إلى فهيمة:
على ما أظن أن:

الحزب السائد: هو حزب النظام،يعمل النظام بقواعده...فقواعده هي السياسة السائدة للنظام... و أمثلة ذلك: دول الشمال الاوروبي و سويسرا و ألمانيا ...كذلك إسرائيل (حزب كاديما) لـ (ليفني).

الحزب الغالب:(المهيمن، أو المسيطر): هذا الحزب هو صاحب مكانة بالنظام ..أي له حصة الأسد ..لكن بمجرد فقدانه لمكانته في فترة ما ...تنتفي تسميته بالغالب ..و هذا النظام هو نظام تنافسي ...فالحزب المهيمن هو نفسه المسيطر...

و الله أعلم...و الله ولي التوفيق

spisos
28-02-2009, 20:11
إلى فجر:

لتفهمي معنى القروض العقارية لابد أن تدرسي الأزمة الإقتصادية....فسببها هو القروض:


اولا: نشأة الأزمة المالية العالمية فى أمريكا

شهد قطاع العقارات في الولايات المتحدة الأمريكية انتعاشا خلال الفترة من عام 2001 -2006، حيث تميزت تلك الفترة بتوافر سيولة ضخمة في الاقتصاد الامريكى وبارتفاعات متتالية في أسعار العقارات الأمريكية وانخفاض اسعار الفائدة حيث كان سعر الفائدة 1% عام 2003 وهو الأدنى منذ عام 1958، أدت كل هذه العوامل إلى قيام البنوك الأمريكية ليس فقط بالتوسع في الإقراض العقارى بل قامت بتخفيض معايير الإقراض حيث لم يكن يسمح قبل هذه الفترة بمنح قروض إلا للمقترض المؤهل وذلك وفقا لإجراءات موضوعة من قبل جهتى الإقراض في السوق الثانوى وهما مؤسسة فانى ماى (Fannie Mae) ومؤسسة فريدى ماك (Freddie Mac) ومنذ عام 2001 زاد حجم القروض من الدرجة الثانية Sub Prime Loans او القروض الثانوية حتى بلغت القروض عالية المخاطر في السوق الأمريكية نحو 1.3 تريليون دولار وذلك في مارس 2007 ، حيث ادت الارتفاعات المتتالية في أسعار العقارات إلى ارتفاع قيمة الأصول العقارية للمقترضين وهو ما دفع بهم إلى بيع تلك الأصول إلى أفراد آخرين للاستفادة من هامش ربح أو الحصول على قرض اضافى ثانوى اقل جودة بالإضافة إلى التوسع الكبير في الأدوات المبتكرة قصيرة الأجل للائتمان وفى استخدام المشتقات المالية ، كذلك قامت المؤسسات المالية الأمريكية بتوريق قروض الإسكان الموجودة لديها وهى التي تم إصدارها للديون الرديئة Collateralized debt obligations) ) ثم بيعها إلى مستثمرين ومؤسسات مالية أخرى حول العالم خاصة في أوروبا واسيا وأصبح في كل بورصة ما لا يقل عن 20% من هذه الأسهم الخاصة بالرهن العقارى .
إلا انه منذ عام 2004 ظهر ما يسمى ب " أزمة القروض العالية المخاطر" كنتيجة لاستمرار ارتفاع أسعار العقارات الأمريكية والاستمرار في منح القروض العقارية وارتفاع قيمة الأصول العقارية للمقترضين مما يغرى حاملى الأصول العقارية ببيعها والاستفادة من هامش ربح وتوجيه هذه القروض إلى الإنفاق الاستهلاكى مما أدى إلى ضغوط تضخمية وبناء على ذلك قام بنك الاحتياطى الفيدرالى بتطبيق سلسلة من الارتفاعات المتتالية لأسعار الفائدة بلغت نحو 5.25% في يونيو 2006 مما أدى إلى ارتفاع أعباء القروض العقارية وعجز المقترضين عن سداد أقساطها ، وقد تزايدت معدلات التخلف عن السداد خلال عام 2007.
وأدى تراجع الطلب على القروض العقارية نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة إلى انخفاض الطلب على العقارات و انخفاض أسعارها ، كذلك انخفضت قيمة مستحقات البنوك وبالتالى هبطت أسهم معظم البنوك في الأسواق المالية الأمريكية وغير الأمريكية حيث شهدت جميع البورصات العالمية والعربية في منتصف سبتمبر 2008 تراجع مؤشراتها متأثرة بأزمة الرهن العقارى في أمريكا ولترابط عدد كبير من المؤسسات المالية خاصة الأوربية والأسيوية بسوق المال الامريكى طالت الأزمة البنوك وشركات القروض العقارية وصناديق التحوط وشركات الاستثمار والأسواق المالية في مختلف أنحاء العالم،وتقدر حجم خسائر البورصات العالمية بنحو 2.5 تريليون دولار ومن المتوقع زيادتها في ظل استمرار الازمة.



ثانيا: انتقال الأزمة المالية العالمية إلى أوروبا وأسيا


على إثر هبوط قيم الأسهم في ول ستريت انخفض المؤشر العام للقيم بنسبة 7.1% في فرانكفورت و 6.8% في باريس و 5.4% في لندن و 7.5% في مدريد و 3.8% في طوكيو و 5.1% في شنغهاي و 6% في ساوباولو و 9.8% في الرياض و 9.4% في دبي و 3% في بيروت.
وانتقلت عدوى الأزمة الأميركية إلى جميع أنحاء العالم مع ملاحظة أن نسبة التراجع لم تكن على وتيرة واحدة. وهبط المؤشر العام حتى في دول لا توجد فيها استثمارات أميركية في البورصة كالسعودية بنسبة تفوق هبوط المؤشر العام في بلدان أخرى لا تضع قيوداً على الاستثمارات الأجنبية ومن بينها الأميركية كأوروبا.
كان انفجار الفقاعة العقارية الأميركية عاملاً مهماً لهبوط أسهم الشركات الأخرى غير العاملة في القطاع العقاري. في حين لا وجود لمثل هذا العامل في دول أخرى ومع ذلك هبطت أسهم شركاتها العقارية وغير العقارية. الأسهم التي أصابها تدهور شديد في الخليج لا علاقة لها بالأنشطة العقارية بل بالاستثمارات البتروكيمياوية أي بسلع التجارة الخارجية. وحتى على افتراض معاناة القطاع العقاري من مشاكل مالية على الصعيد العالمي فمن غير المعقول أن تستفحل الأزمة وتنهار الأسهم في العالم في نفس اليوم إذ أن الأسواق المالية في المدن المذكورة أعلاه ليست فروعاً لوول ستريت.


ثالثا: تأثير الأزمة المالية العالمية على الدول العربية ومصر


ان تداعيات هذه الازمة سيكون لها ابعد الاثر عل الصعيد العربى والمصرى ، فعلى الصعيد العربى ،فان التاثيرات بعيدة المدى لهذه الازمة يمكن ان تؤثر على سياسات الاصلاح وبخاصة تحرير القطاع المالى ، حيث من المتوقع ان يكون هناك على اثر هذه الازمة اعادة النظر حول مدى ودرجة التحرير التى يمكن ان تكون مقبولة للانشطة المالية ،كذلك بقاء اسواق الاسهم العربية نمنأى عما يحدث فى الاسواق العالمية ،وشهدت فى الفترة الماضية من شهر9/2007 تقلبات شبة طبيعية ، والسبب فى ذلك يعود الى ان غالبية اللاعبيين فى هذه الاسواق من المستثمرين الافراد الذين ليس لهم تواجد يذكر على الساحة العالمية، كما ان انكشاف المصارف العربية على ازمة الرهن العقارى الامريكى وادواته المالية ،يعتبر محدودا ، فمعظم البنوك العربية لاتستثمر سوى القليل فى مثل هذه الادوات ، اما البنوك التى لها حيازة فى صناديق تحوط تستثمر فى سندات مغطاه بأصول عقارية فخسارتها ستكون بقدر حيازتها لمثل تلك الاصول ، وحسب استطلاع اجرته شركة التصنيف الائتمانى " ستاندر اند بورز " فان مجموع استثمارات المنطقة فى سندات الرهن العقارى ذات التصنيف الائتمانى المنخفض لايزيد عن 1% من مجموع اصول هذه البنوك، وينبغى ان نلفت النظر الى الاستثمارات الاجنبية فى المنطقة ومصر فى الفترة القادمة


خامسا: تطور خططى المستقبلية بعد الأزمة المالية العالمية

: خلاصة القول أن الأزمة المالية التي يتعرض لها حالياً القطاع المالي الأمريكي بشكل خاص سوف تؤدي بدون شك إلى مراجعة كبيرة وإعادة النظر في الممارسات المالية التي اعتبرت حتى إلى وقت نشوب هذه الأزمة من المسلمات المستقرة في الصناعة المالية والمصرفية ، وقد تؤدي نتائج هذه الأزمة إلى إصلاحات هامة من شأنها تصحيح مسار الرأسمالية وسياسة الاقتصاد الحر بشكل يوفر للاقتصاد العالمي استقراراً مالياً واقتصادياً أفضل.، هذا كما نأمل أن تساعد نتائج هذه الأزمة في التخفيف من سخونة اقتصاديات المنطقة وتوفر البيئة الاقتصادية الصحية التي تجنب اقتصاديات المنطقة الهزات وترسخ لنمو وتطور اقتصادي قابل للاستمرار.ومن أهم الدروس التى يمكن ان نستخلصها من هذه الازمة على سبيل المثال وليس الحصر ما يلى :

أولاً: عدم الاستهانة أبداً بأهمية التقييم السليم لدرجة المخاطر. إن أهم أسباب هذه الأزمة كما نتذكر هو التورط في مشكلة قروض الرهن العقاري التي نتجت عن الاستخفاف بالمبادىء الأساسية في إدارة المخاطر .
ثانياً : ضرورة عدم السماح بنسب عالية للمديونية في المراكز المالية للمؤسسات أو صناديق الاستثمار إن المديونية أصبحت في الاقتصاد الأمريكي حسبما يبدوعملية إدمان سواء على صعيد الاقتصاد آكل أو على صعيد الأفراد أو المؤسسات التي وصلت المديونية في بعضها الى 30ضعفاً.
ثالثاً : ضرورة الحذر من المبالغة في التعامل بالمنتجات المالية المعقدة مثل المشتقات وغيرها. إن الاشكالية التي نتجت عن هذا النوع من المنتجات ليس فقط لكون كثير من المتعاملين بها لا يفهمون ولا يقدرون درجة خطورة هذه المنتجات بل لكونها كذلك تصل في بعض الحالات إلى مستويات خارجة عن السيطرة.
رابعاً: الحاجة إلى مزيد من الإفصاح والشفافية. كما نعتقد بأن نقص الشفافية هي من سما ت الدول المتخلفة وإذا بنا نكتشف من خلال هذه الأزمة بأن ضعف مستوى الشفافية هو أخطر لدى الاقتصاديات المتقدمة حيث إلى أن وقعت هذه الكارثة والسلطات الرقابية ليست كما يبدو تماماً على علم بكامل التزامات ومديونيات المؤسسات المالية.
خامساً : ضرورة أن تعكس ميزانيات المؤسسات جميع التزاماتها حيث أن تمويل حجم متزايد من أنشطة المؤسسات من خارج الميزانية من شأنه عدم كشف الحجم الحقيقي للمشاكل التي تتعرض لها المؤسسات الأمر الذي لا يسمح بالتحكم بها أو معالجتها

spisos
01-03-2009, 14:07
التنمية الإجتماعية تعالج: نسبة الفقر
نسبة الامية
المساواة بين الجنسين
معدل التأطير الطبي

مفهوم التنمية

يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ "عملية التنمية"، ويشير المفهوم لهذا التحول بعد الاستقلال -في الستينيات من هذا القرن- في آسيا وإفريقيا بصورة جلية. وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط والإنتاج والتقدم.
وقد برز مفهوم التنمية Development بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني البارز "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا التقدم المادي Material Progress، أو التقدم الاقتصادي Economic Progress.
وحتى عندما ثارت مسألة تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر كانت الاصطلاحات المستخدمة هي التحديث Modernization، أو التصنيع Industrialization.
وقد برز مفهوم التنمية Development بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه؛ بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتعرف التنمية السياسية: "بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية"، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية.
ولاحقًا، تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.
بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع.
ويلاحظ أن مجموعة المفاهيم الفرعية المنبثقة عن مفهوم التنمية ترتكز على عدة مسلمات:
أ - غلبة الطابع المادي على الحياة الإنسانية، حيث تقاس مستويات التنمية المختلفة بالمؤشرات المادية البحتة.
ب - نفي وجود مصدر للمعرفة مستقل عن المصدر البشري المبني على الواقع المشاهد والمحسوس؛ أي بعبارة أخرى إسقاط فكرة الخالق من دائرة الاعتبارات العلمية.
ج - إن تطور المجتمعات البشرية يسير في خط متصاعد يتكون من مراحل متتابعة، كل مرحلة أعلى من السابقة، وذلك انطلاقًا من اعتبار المجتمع الأوروبي نموذجًا للمجتمعات الأخرى ويجب عليها محاولة اللحاق به.
الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية:
يتضح الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية، حيث يشتق لفظ "التنمية" من "نمـّى" بمعنى الزيادة والانتشار. أما لفظ "النمو" من "نما" ينمو نماء فإنه يعني الزيادة ومنه ينمو نموًا. وإذا كان لفظ النموّ أقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح، فإن إطلاق هذا اللفظ على المفهوم الأوروبي يشوه اللفظ العربي. فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بالإضافة إليه.
وطبقًا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعدّ مطابقًا للمفهوم الإنجليزي Development الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي (الخارجي غالباً) وليس وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنية بالضرورة.
ويلاحظ أن شبكة المفاهيم المحيطة بالمفهوم الإنجليزي تختلف عن نظيرتها المحيطة بالمفهوم العربي.
فعلى سبيل المثال تُعالج ظاهرة النمو (في المفهوم العربي الإسلامي) كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، وكذلك نجد مفهوم "الزكاة" الذي يعني لغة واصطلاحًا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة، وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالي. وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقرة:276].
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا "الحياة الطيبة" في الدنيا، بينما يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب.
وفي الواقع فإن "التنمية" تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها



الفقر
مع التنمية الكل أصبح فقيراً...!!
________________________________________
الفقر مفهوم مراوغ، فربما كان هناك فقراء بقدر ما توجد دلالات متعددة للكلمة وبقدر عدد البشر وتوقعاتهم، فلغات العالم تتنافس مع بعضها البعض في عدد الكلمات التي تشير إلى ظروف الفرد المرتبطة بالمدركات المختلفة للفقر.. فمثلاً: في الفارسية ثمة ما يزيد على 30 كلمة تصف أولئك الذين يُعتبرون لسبب أو لآخر فقراء.. وفي معظم لغات إفريقيا ثمة -على الأقل- من 3 إلى 5 كلمات لتعريف الفقر وهكذا.
من الفقير؟!
واقعيًا، ليس ثمة تعريف موحد للفقر في كل الثقافات؛ بل قد لا تعتبر كل الثقافات الفقر عيبًا، فالفقر لم يكن ولفترة طويلة من الزمان وفي العديد من حضارات العالم نقيض الغنى، وكان ثمة دائمًا مجال "الفقر الاختياري" أي أولئك البشر الذين رفضوا الزخرف والمظهر وانطلقوا يسبحون في ملكوت الله، وكان احترام أولئك الفقراء باختيارهم (المتصوفة على سبيل المثال) من تقاليد الشرق المستقرة.
وحديثًا -مع اتساع الاقتصاد التجاري وعملية التمدين- اكتسب الفقر دلالته الاقتصادية، وأصبح الفقير هو من ينقصه المال والممتلكات التي يحوزها الغني، ويتحول الفقر إلى معنى مطلق وليس نسبيًا، فيصير الفقر عيبًا وبعدئذ يصير مرضًا يذل من يصاب به ويجب علاجه.
إن الفقير في المجتمعات البشرية قبل سيطرة الاقتصاد هو ذلك العضو الذي يكسب قوت يومه بصعوبة أو الذي اختار الكفاف، بيد أنه يظل عضوًا في الجماعة، لكنه لاحقًا أصبح ذلك الغريب المتشرد الذي يتم عزله وتهميشه في الواقع المعاش.
وطبقًا لأدبيات التنمية فإن الفقر صفة لمجتمع ما الفرد فيه لا يحقق مستوى معين من الرفاهية- والذي عادة ما يُشار إليه بخط الفقر أو حد الكفاف، ويجب لتعريف الفقر الإجابة على ثلاثة تساؤلات؛ تحديد ماهية الحد الأدنى من الرفاهية، وكيفية التيقن من صحة فقر الفرد، وتجميع مؤشرات الرفاهية وقياس الفقر على أساسها.
وتقترب فكرة الرفاهية Well-being من مفهوم مستوي المعيشة Standard of Living (SOL)، الذي يعد أحد المفاهيم الشائعة في أدبيات التنمية، ومحور أعمال البنك الدولي في تقاريره السنوية عن التنمية خلال فترة التسعينيات.
ويستهدف مفهوم مستوى المعيشة قياس كفاءة الحياة؛ معتمدًا على معايير الاستهلاك الفردي من السلع والخدمات المشتراة من دخل الفرد أو توفيره، ويفترض مفهوم الفقر وجود حد أدنى من الاستهلاك والدخل يقاس عليه مستوى معيشة الفرد، ويشار إليه بخط الفقر، حيث يصنف أي فرد يقع دخله أو استهلاكه أقل من هذا الحد باعتباره فقيرًا.
ويمكن تصنيف مناهج قياس الفقر إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: اتجاه الرفاهية ويستخدم أصحاب هذا الاتجاه معايير مالية في قياس الرفاهية مثل: دخل الفرد وإنفاقه الاستهلاكي، وهو الاتجاه السائد في أدبيات الفقر.
الاتجاه الثاني: اتجاه الـ "لا رفاهية" non-welfarist ويعني هذا الاتجاه بدراسة المؤشرات الاجتماعية للرفاهية، مثل: التغذية والصحة والتعليم، ويركز على قضايا مثل: سوء التغذية، أو غياب الرعاية الصحية، أو الأمية، باعتبارها نتائج مباشرة لانتشار الفقر.
ومن جانب آخر، انقسمت الاجتهادات حول تعريف الفقير إلى مدرستين:
-المدرسة المطلقة: وهي تضع حدًا أدنى لمستوى الدخل الضروري الذي يجب على كل فرد إحرازه لتحقيق مستوى معيشي معقول-حد الفقر، ويصنف مَن دونه باعتباره فقيرًا، وتحديد هذا المستوى هو حكم تقديري للباحث أو صانع السياسة.
-المدرسة النسبية: وهي تتعامل مع الفقر النسبي-أي ارتباط خط الفقر بمعدل توزيع الدخل بين السكان-وعادة يتم ذلك بتعريف الأفراد الذين يشكلون أفقر 20-25% من سكان مجتمع ما باعتبارهم الفقراء، وبعض الدراسات في الدول النامية ترفع هذه النسبة حتى 50% من السكان.
وعلى صعيد آخر، فإنه رغم بقاء الدخل الفردي المؤشر الأكثر انتشارًا لقياس الفقر، فقد تزايدت أهمية مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، وقد تزايد هذا الاتجاه في دول العالم النامي منذ منتصف السبعينيات حيث لوحظ ارتفاع الدخل الفردي في بعض الدول، دون حدوث تقدم في بعض مجالات الرفاهية الاجتماعية مثل: التغذية والصحة، وهذا يعني بشكل عام إمكانية حدوث مفارقة بين حدوث زيادة في دخل الفرد وتحقيق إنجاز في مجالات الرفاهية الاجتماعية.. على سبيل المثال، لا يتفق معدل نمو الدخل الفردي المتزايد في باكستان مع مؤشرات الرفاهة الاجتماعية المتدنية بها، بينما يأتي النموذج السريلانكي في الاتجاه المضاد، حيث يتاح لمواطنيها رفاهة اجتماعية لا تتناسب مع معدلات الدخل الفردي المتواضعة بها.
الفقر...واقع أم أسطورة:

يحدد بعض الباحثين ثلاثة أبعاد لمفهوم الفقر:

-البعد الأول: هو الماديات فهي تلك الأشياء التي نعتبر نقصها فقرًا، وهذا النقص أو الحرمان أو الفقدان له طابعان إما وجودي غير مادي أو وجودي مادي.
تنتمي للفقر الوجودي غير المادي عناصر مثل: الإخفاق في العمل أو انعدام الثقة في النفس أو نقص الحب، بينما يشمل الفقر المادي: التفرقة، وعدم المساواة والتحيز والجهل وتعذر الحصول على الحد الأدنى من الضروريات المطلوبة للحياة-كما تحددها ثقافة المرء- والجوع وسوء التغذية والتشرد وضعف الصحة... إلخ.
-البعد الثاني: هو إدراك المرء لحالته، فالمرء يعد فقيرًا فقط عندما يحس بوجود النقص في إحدى تلك الماديات أو كلها، إن تلك الماديات لا تكتسب قيمها كبعد معرفي في المفهوم إلا مع إدراك الطابع النسبي والذاتي لمفهوم الفقر، عادة يدفع هذا البعد الذاتي الفقير إلى تخطي فقره، وتغيير موازين القوى التي أدت إليه، وقد ينزع إلى عقد روابط تبعية مع جماعات أو أفراد أو عقائد أقوى تعطيه إحساسًا زائفًا بالأمان، وأحيانًا يصل إلى وهم القوة.
-البعد الثالث: كيف يرى الآخرون الفقير، حيث قد يختلف إدراك الفقير لحاله مع رؤية الآخرين، ويترتب على هذا الإدراك رد فعل الآخر تجاه الفقير، وثمة نوعان من أنواع رد الفعل تجاه الفقير؛ التدخل المباشر أو غير المباشر من خلال الصدقة أو المساعدة أو التربية أو القهر، أو عدم التدخل-سواء كان عدم التدخل مبررًا لأن الفقراء يستحقون فقرهم أو لأن التدخل لن يفيد بل وربما أضر.
وتتأثر تلك الأبعاد الثلاثة بالمكان والزمان والبيئة الاجتماعية / الثقافية المتواجدة فيها.
الفقر ووهم عالمية التنمية:
لأول مرة في التاريخ، صار الفقر ظاهرة مطلقة، حيث اعتبرت بلاد وأمم بأسرها فقيرة على أساس أن دخلها الإجمالي أقل بالمقارنة مع الدخل السائد في تلك الدول التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وهكذا أصبح الدخل القومي هو المعيار العالمي الجديد والرأسمالية الاقتصادية هي الحل المعلن للعلاج النهائي للفقر، وتوصلت جيوش من خبراء الفقر العالمي إلى العلاج بالتنمية من خلال زيادة الإنتاج والتطبيق المتزايد للعلم والمعرفة التقنية، فهي مفتاح الرخاء والسعادة.
وهكذا أُعيد تفسير وتقييم البعد المادي للفقر، حيث أدى تحطيم المجتمعات التقليدية، في سبيل ما يدعى بالاقتصاد القومي ثم الاقتصاد العالمي، إلى فصل الاقتصاد عن جذوره الاجتماعية والحضارية، وبالتالي خضع المجتمع لآليات وقواعد الاقتصاد وليس العكس. وقد خلق الاقتصاد العالمي منظومة من المرجعيات الكونية جعلت الفرد يدرك أنه فقير وفي حاجة إلى المساعدة لأن متوسط دخله أقل من المستوى العالمي المعياري، ولأنه لا يعيش في رفاهية مثل بشر آخرين.
وأدى هذا التغيير في نظرة المرء لذاته إلى تغير في ردود الفعل تجاه الفقر، حيث أصبح البرنامج الجديد حلاً كونيًا أحادي الاتجاه يعتمد على الدخل ولا علاقة له إطلاقًا بالثقافة ولا بالشخص، ولم يعد الفرد يلجأ إلى جذوره الثقافية وعلاقته الأسرية القديمة التي كانت تقدم الحلول البديلة الكلية للفقر، وبدلاً من ذلك سعى الأفراد إلى تجميع أنفسهم في مؤسسات متماثلة مثل النقابات والروابط، مما أدى إلى تنميط الأفراد في المجتمع وإلغاء أي تفكير بديل يسعى إلى البحث عن طريق جديد للحياة والتنظيم الاجتماعي يعتمد على البساطة، أو أشكال تطوعية وأخلاقية من الفقر الذي لا يمكن أحيانًا تجاوزه لظروف هيكلية ودولية قبل أن تكون محلية.
وقد افترض الخبراء أن الفقراء غير قادرين على تحديد مصلحتهم، والتي يحددها لهم من يمتلكون المعرفة والسلطة-الحكومات والمؤسسات والخبراء-عاملين على الارتقاء بهم، ومشاركة الجماهير تنحصر في تأييد البرامج التي وضعها "الخبراء"، ويقدم الخبراء الحل البسيط للفقر: التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الدخل، زاعمين إمكانية حل كل المشكلات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفقر من خلال الاقتصاد وحده.
وقد عملت هذه الافتراضات والتوصيات على تقوية التدخل السلطوي حيث صار الفقر العالمي معضلة أكبر من أن تترك لتحل حلاً محليًا، وبذا سمحت بتدخل القوى الدولية-الحكومية و الأهلية-باسم نشر السعادة والقضاء على الفقر.
وما حدث بصورة عالمية مجردة هو أنه تمت رؤية الحاجات المطلوبة والإصلاحات الضرورية والمؤسسات المقترحة بشكل نمطي ثابت، بغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والثقافية، وتم فرض تلك الرؤية عن طريق شروط برامج المساعدات الأجنبية.
وقد اختلفت النتائج الفعلية لهذه السياسات والبرامج وآثارها على حياة الفقراء اختلافًا بينًا عما توقعه الخبراء والمتخصصون، حيث إن الحاجات التي تبغيها برامج التنمية هي حاجات نمط معين من الحياة، يلعب فيه الاقتصاد دورًا مركزيًا، حيث ثمة مفهوم خاص للفقر، وثمة فئة معينة من المستهلكين ودافعي الضرائب يجب حماية حقوقهم وامتيازاتهم، فشلت تلك السياسات على كل المستويات، ومن الواضح أن كل أنساق المساعدة ستخلق في النهاية مزيدًا من الفقر.
ويحذر بعض الباحثين من المفاهيم التي تبدو إيجابية من الخارج مثل: الاقتصاد العالمي أو العالم الواحد بينما هي تدعو في الواقع إلى إلغاء التعددية، وقبول أن الحل الوحيد الممكن هو اتخاذ الطريق الذي سار فيه الشمال الغني القوي السعيد.
إن النظرة الاقتصادية للحياة قد تؤدي لفترة معينة إلى زيادة ضخمة في إنتاج الأغراض والبضائع أي تنمية الأشياء، لكنه واقعيًا -بسبب الندرة الدائمة- يعاني الغني والفقير-على حد سواء-من عدم إمكانية الحصول على كل ما يريد؛ فقد اتضح لكثير من البشر أن الحاجات ليست مجرد وهم فقط بل مصطلح يخلق الشره والجشع، ومن المستحيل أن يفي الاقتصاد بكل الحاجات يومًا ما.
قد ينتج الاقتصاد الكثير من البضائع والخدمات للوفاء بمنظومة معينة من الحاجات، بيد أنه على نطاق آخر يدمر مجالات بأكملها من مجالات النشاط الإنساني، والحرف التقليدية، والقطاعات الأهلية، ويحطم منظومة قيمية كاملة من الجماعية والتراحم، من ثم فإن تأثيره الإجمالي سلبي، بل ومدمر أحيانًا خاصة عندما لا يفي بوعوده، وفي الوقت ذاته يهدم أبنية التراحم والتكافل، فلا يجدها الفرد إذا أراد التراجع والعودة له، وربما يكون النموذج البارز لذلك هو ما حدث مع مؤسسات الوقف الإسلامية في العالم الإسلامي من مصادرة وتأميم.
ولا شك أن الرؤية الإسلامية التي تحترم الحاجات الأساسية المادية للإنسان وتفرض عليه السعي للرزق وعمارة الأرض، لكنها في الوقت ذاته تربطه برؤية غيبية للرزق والقدر، لديها الكثير في هذا الباب لتقدمه خاصة مع تطوير وتفعيل فريضة الزكاة كأداة تنموية تتجاوز جمع وتوزيع الصدقات، وهذا مجال يحتاج تناولاً مستقلاً

spisos
01-03-2009, 14:09
رد إلى ahmed oran:
حول التنمية الإجتماعية و الثقافية:

التنمية الإجتماعية تعالج: نسبة الفقر
نسبة الامية
المساواة بين الجنسين
معدل التأطير الطبي

مفهوم التنمية

يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ "عملية التنمية"، ويشير المفهوم لهذا التحول بعد الاستقلال -في الستينيات من هذا القرن- في آسيا وإفريقيا بصورة جلية. وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط والإنتاج والتقدم.
وقد برز مفهوم التنمية Development بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني البارز "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا التقدم المادي Material Progress، أو التقدم الاقتصادي Economic Progress.
وحتى عندما ثارت مسألة تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر كانت الاصطلاحات المستخدمة هي التحديث Modernization، أو التصنيع Industrialization.
وقد برز مفهوم التنمية Development بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه؛ بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتعرف التنمية السياسية: "بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية"، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية.
ولاحقًا، تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.
بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع.
ويلاحظ أن مجموعة المفاهيم الفرعية المنبثقة عن مفهوم التنمية ترتكز على عدة مسلمات:
أ - غلبة الطابع المادي على الحياة الإنسانية، حيث تقاس مستويات التنمية المختلفة بالمؤشرات المادية البحتة.
ب - نفي وجود مصدر للمعرفة مستقل عن المصدر البشري المبني على الواقع المشاهد والمحسوس؛ أي بعبارة أخرى إسقاط فكرة الخالق من دائرة الاعتبارات العلمية.
ج - إن تطور المجتمعات البشرية يسير في خط متصاعد يتكون من مراحل متتابعة، كل مرحلة أعلى من السابقة، وذلك انطلاقًا من اعتبار المجتمع الأوروبي نموذجًا للمجتمعات الأخرى ويجب عليها محاولة اللحاق به.
الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية:
يتضح الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية، حيث يشتق لفظ "التنمية" من "نمـّى" بمعنى الزيادة والانتشار. أما لفظ "النمو" من "نما" ينمو نماء فإنه يعني الزيادة ومنه ينمو نموًا. وإذا كان لفظ النموّ أقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح، فإن إطلاق هذا اللفظ على المفهوم الأوروبي يشوه اللفظ العربي. فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بالإضافة إليه.
وطبقًا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعدّ مطابقًا للمفهوم الإنجليزي Development الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي (الخارجي غالباً) وليس وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنية بالضرورة.
ويلاحظ أن شبكة المفاهيم المحيطة بالمفهوم الإنجليزي تختلف عن نظيرتها المحيطة بالمفهوم العربي.
فعلى سبيل المثال تُعالج ظاهرة النمو (في المفهوم العربي الإسلامي) كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، وكذلك نجد مفهوم "الزكاة" الذي يعني لغة واصطلاحًا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة، وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالي. وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقرة:276].
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا "الحياة الطيبة" في الدنيا، بينما يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب.
وفي الواقع فإن "التنمية" تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها



الفقر
مع التنمية الكل أصبح فقيراً...!!
________________________________________
الفقر مفهوم مراوغ، فربما كان هناك فقراء بقدر ما توجد دلالات متعددة للكلمة وبقدر عدد البشر وتوقعاتهم، فلغات العالم تتنافس مع بعضها البعض في عدد الكلمات التي تشير إلى ظروف الفرد المرتبطة بالمدركات المختلفة للفقر.. فمثلاً: في الفارسية ثمة ما يزيد على 30 كلمة تصف أولئك الذين يُعتبرون لسبب أو لآخر فقراء.. وفي معظم لغات إفريقيا ثمة -على الأقل- من 3 إلى 5 كلمات لتعريف الفقر وهكذا.
من الفقير؟!
واقعيًا، ليس ثمة تعريف موحد للفقر في كل الثقافات؛ بل قد لا تعتبر كل الثقافات الفقر عيبًا، فالفقر لم يكن ولفترة طويلة من الزمان وفي العديد من حضارات العالم نقيض الغنى، وكان ثمة دائمًا مجال "الفقر الاختياري" أي أولئك البشر الذين رفضوا الزخرف والمظهر وانطلقوا يسبحون في ملكوت الله، وكان احترام أولئك الفقراء باختيارهم (المتصوفة على سبيل المثال) من تقاليد الشرق المستقرة.
وحديثًا -مع اتساع الاقتصاد التجاري وعملية التمدين- اكتسب الفقر دلالته الاقتصادية، وأصبح الفقير هو من ينقصه المال والممتلكات التي يحوزها الغني، ويتحول الفقر إلى معنى مطلق وليس نسبيًا، فيصير الفقر عيبًا وبعدئذ يصير مرضًا يذل من يصاب به ويجب علاجه.
إن الفقير في المجتمعات البشرية قبل سيطرة الاقتصاد هو ذلك العضو الذي يكسب قوت يومه بصعوبة أو الذي اختار الكفاف، بيد أنه يظل عضوًا في الجماعة، لكنه لاحقًا أصبح ذلك الغريب المتشرد الذي يتم عزله وتهميشه في الواقع المعاش.
وطبقًا لأدبيات التنمية فإن الفقر صفة لمجتمع ما الفرد فيه لا يحقق مستوى معين من الرفاهية- والذي عادة ما يُشار إليه بخط الفقر أو حد الكفاف، ويجب لتعريف الفقر الإجابة على ثلاثة تساؤلات؛ تحديد ماهية الحد الأدنى من الرفاهية، وكيفية التيقن من صحة فقر الفرد، وتجميع مؤشرات الرفاهية وقياس الفقر على أساسها.
وتقترب فكرة الرفاهية Well-being من مفهوم مستوي المعيشة Standard of Living (SOL)، الذي يعد أحد المفاهيم الشائعة في أدبيات التنمية، ومحور أعمال البنك الدولي في تقاريره السنوية عن التنمية خلال فترة التسعينيات.
ويستهدف مفهوم مستوى المعيشة قياس كفاءة الحياة؛ معتمدًا على معايير الاستهلاك الفردي من السلع والخدمات المشتراة من دخل الفرد أو توفيره، ويفترض مفهوم الفقر وجود حد أدنى من الاستهلاك والدخل يقاس عليه مستوى معيشة الفرد، ويشار إليه بخط الفقر، حيث يصنف أي فرد يقع دخله أو استهلاكه أقل من هذا الحد باعتباره فقيرًا.
ويمكن تصنيف مناهج قياس الفقر إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: اتجاه الرفاهية ويستخدم أصحاب هذا الاتجاه معايير مالية في قياس الرفاهية مثل: دخل الفرد وإنفاقه الاستهلاكي، وهو الاتجاه السائد في أدبيات الفقر.
الاتجاه الثاني: اتجاه الـ "لا رفاهية" non-welfarist ويعني هذا الاتجاه بدراسة المؤشرات الاجتماعية للرفاهية، مثل: التغذية والصحة والتعليم، ويركز على قضايا مثل: سوء التغذية، أو غياب الرعاية الصحية، أو الأمية، باعتبارها نتائج مباشرة لانتشار الفقر.
ومن جانب آخر، انقسمت الاجتهادات حول تعريف الفقير إلى مدرستين:
-المدرسة المطلقة: وهي تضع حدًا أدنى لمستوى الدخل الضروري الذي يجب على كل فرد إحرازه لتحقيق مستوى معيشي معقول-حد الفقر، ويصنف مَن دونه باعتباره فقيرًا، وتحديد هذا المستوى هو حكم تقديري للباحث أو صانع السياسة.
-المدرسة النسبية: وهي تتعامل مع الفقر النسبي-أي ارتباط خط الفقر بمعدل توزيع الدخل بين السكان-وعادة يتم ذلك بتعريف الأفراد الذين يشكلون أفقر 20-25% من سكان مجتمع ما باعتبارهم الفقراء، وبعض الدراسات في الدول النامية ترفع هذه النسبة حتى 50% من السكان.
وعلى صعيد آخر، فإنه رغم بقاء الدخل الفردي المؤشر الأكثر انتشارًا لقياس الفقر، فقد تزايدت أهمية مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، وقد تزايد هذا الاتجاه في دول العالم النامي منذ منتصف السبعينيات حيث لوحظ ارتفاع الدخل الفردي في بعض الدول، دون حدوث تقدم في بعض مجالات الرفاهية الاجتماعية مثل: التغذية والصحة، وهذا يعني بشكل عام إمكانية حدوث مفارقة بين حدوث زيادة في دخل الفرد وتحقيق إنجاز في مجالات الرفاهية الاجتماعية.. على سبيل المثال، لا يتفق معدل نمو الدخل الفردي المتزايد في باكستان مع مؤشرات الرفاهة الاجتماعية المتدنية بها، بينما يأتي النموذج السريلانكي في الاتجاه المضاد، حيث يتاح لمواطنيها رفاهة اجتماعية لا تتناسب مع معدلات الدخل الفردي المتواضعة بها.
الفقر...واقع أم أسطورة:

يحدد بعض الباحثين ثلاثة أبعاد لمفهوم الفقر:

-البعد الأول: هو الماديات فهي تلك الأشياء التي نعتبر نقصها فقرًا، وهذا النقص أو الحرمان أو الفقدان له طابعان إما وجودي غير مادي أو وجودي مادي.
تنتمي للفقر الوجودي غير المادي عناصر مثل: الإخفاق في العمل أو انعدام الثقة في النفس أو نقص الحب، بينما يشمل الفقر المادي: التفرقة، وعدم المساواة والتحيز والجهل وتعذر الحصول على الحد الأدنى من الضروريات المطلوبة للحياة-كما تحددها ثقافة المرء- والجوع وسوء التغذية والتشرد وضعف الصحة... إلخ.
-البعد الثاني: هو إدراك المرء لحالته، فالمرء يعد فقيرًا فقط عندما يحس بوجود النقص في إحدى تلك الماديات أو كلها، إن تلك الماديات لا تكتسب قيمها كبعد معرفي في المفهوم إلا مع إدراك الطابع النسبي والذاتي لمفهوم الفقر، عادة يدفع هذا البعد الذاتي الفقير إلى تخطي فقره، وتغيير موازين القوى التي أدت إليه، وقد ينزع إلى عقد روابط تبعية مع جماعات أو أفراد أو عقائد أقوى تعطيه إحساسًا زائفًا بالأمان، وأحيانًا يصل إلى وهم القوة.
-البعد الثالث: كيف يرى الآخرون الفقير، حيث قد يختلف إدراك الفقير لحاله مع رؤية الآخرين، ويترتب على هذا الإدراك رد فعل الآخر تجاه الفقير، وثمة نوعان من أنواع رد الفعل تجاه الفقير؛ التدخل المباشر أو غير المباشر من خلال الصدقة أو المساعدة أو التربية أو القهر، أو عدم التدخل-سواء كان عدم التدخل مبررًا لأن الفقراء يستحقون فقرهم أو لأن التدخل لن يفيد بل وربما أضر.
وتتأثر تلك الأبعاد الثلاثة بالمكان والزمان والبيئة الاجتماعية / الثقافية المتواجدة فيها.
الفقر ووهم عالمية التنمية:
لأول مرة في التاريخ، صار الفقر ظاهرة مطلقة، حيث اعتبرت بلاد وأمم بأسرها فقيرة على أساس أن دخلها الإجمالي أقل بالمقارنة مع الدخل السائد في تلك الدول التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وهكذا أصبح الدخل القومي هو المعيار العالمي الجديد والرأسمالية الاقتصادية هي الحل المعلن للعلاج النهائي للفقر، وتوصلت جيوش من خبراء الفقر العالمي إلى العلاج بالتنمية من خلال زيادة الإنتاج والتطبيق المتزايد للعلم والمعرفة التقنية، فهي مفتاح الرخاء والسعادة.
وهكذا أُعيد تفسير وتقييم البعد المادي للفقر، حيث أدى تحطيم المجتمعات التقليدية، في سبيل ما يدعى بالاقتصاد القومي ثم الاقتصاد العالمي، إلى فصل الاقتصاد عن جذوره الاجتماعية والحضارية، وبالتالي خضع المجتمع لآليات وقواعد الاقتصاد وليس العكس. وقد خلق الاقتصاد العالمي منظومة من المرجعيات الكونية جعلت الفرد يدرك أنه فقير وفي حاجة إلى المساعدة لأن متوسط دخله أقل من المستوى العالمي المعياري، ولأنه لا يعيش في رفاهية مثل بشر آخرين.
وأدى هذا التغيير في نظرة المرء لذاته إلى تغير في ردود الفعل تجاه الفقر، حيث أصبح البرنامج الجديد حلاً كونيًا أحادي الاتجاه يعتمد على الدخل ولا علاقة له إطلاقًا بالثقافة ولا بالشخص، ولم يعد الفرد يلجأ إلى جذوره الثقافية وعلاقته الأسرية القديمة التي كانت تقدم الحلول البديلة الكلية للفقر، وبدلاً من ذلك سعى الأفراد إلى تجميع أنفسهم في مؤسسات متماثلة مثل النقابات والروابط، مما أدى إلى تنميط الأفراد في المجتمع وإلغاء أي تفكير بديل يسعى إلى البحث عن طريق جديد للحياة والتنظيم الاجتماعي يعتمد على البساطة، أو أشكال تطوعية وأخلاقية من الفقر الذي لا يمكن أحيانًا تجاوزه لظروف هيكلية ودولية قبل أن تكون محلية.
وقد افترض الخبراء أن الفقراء غير قادرين على تحديد مصلحتهم، والتي يحددها لهم من يمتلكون المعرفة والسلطة-الحكومات والمؤسسات والخبراء-عاملين على الارتقاء بهم، ومشاركة الجماهير تنحصر في تأييد البرامج التي وضعها "الخبراء"، ويقدم الخبراء الحل البسيط للفقر: التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الدخل، زاعمين إمكانية حل كل المشكلات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفقر من خلال الاقتصاد وحده.
وقد عملت هذه الافتراضات والتوصيات على تقوية التدخل السلطوي حيث صار الفقر العالمي معضلة أكبر من أن تترك لتحل حلاً محليًا، وبذا سمحت بتدخل القوى الدولية-الحكومية و الأهلية-باسم نشر السعادة والقضاء على الفقر.
وما حدث بصورة عالمية مجردة هو أنه تمت رؤية الحاجات المطلوبة والإصلاحات الضرورية والمؤسسات المقترحة بشكل نمطي ثابت، بغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والثقافية، وتم فرض تلك الرؤية عن طريق شروط برامج المساعدات الأجنبية.
وقد اختلفت النتائج الفعلية لهذه السياسات والبرامج وآثارها على حياة الفقراء اختلافًا بينًا عما توقعه الخبراء والمتخصصون، حيث إن الحاجات التي تبغيها برامج التنمية هي حاجات نمط معين من الحياة، يلعب فيه الاقتصاد دورًا مركزيًا، حيث ثمة مفهوم خاص للفقر، وثمة فئة معينة من المستهلكين ودافعي الضرائب يجب حماية حقوقهم وامتيازاتهم، فشلت تلك السياسات على كل المستويات، ومن الواضح أن كل أنساق المساعدة ستخلق في النهاية مزيدًا من الفقر.
ويحذر بعض الباحثين من المفاهيم التي تبدو إيجابية من الخارج مثل: الاقتصاد العالمي أو العالم الواحد بينما هي تدعو في الواقع إلى إلغاء التعددية، وقبول أن الحل الوحيد الممكن هو اتخاذ الطريق الذي سار فيه الشمال الغني القوي السعيد.
إن النظرة الاقتصادية للحياة قد تؤدي لفترة معينة إلى زيادة ضخمة في إنتاج الأغراض والبضائع أي تنمية الأشياء، لكنه واقعيًا -بسبب الندرة الدائمة- يعاني الغني والفقير-على حد سواء-من عدم إمكانية الحصول على كل ما يريد؛ فقد اتضح لكثير من البشر أن الحاجات ليست مجرد وهم فقط بل مصطلح يخلق الشره والجشع، ومن المستحيل أن يفي الاقتصاد بكل الحاجات يومًا ما.
قد ينتج الاقتصاد الكثير من البضائع والخدمات للوفاء بمنظومة معينة من الحاجات، بيد أنه على نطاق آخر يدمر مجالات بأكملها من مجالات النشاط الإنساني، والحرف التقليدية، والقطاعات الأهلية، ويحطم منظومة قيمية كاملة من الجماعية والتراحم، من ثم فإن تأثيره الإجمالي سلبي، بل ومدمر أحيانًا خاصة عندما لا يفي بوعوده، وفي الوقت ذاته يهدم أبنية التراحم والتكافل، فلا يجدها الفرد إذا أراد التراجع والعودة له، وربما يكون النموذج البارز لذلك هو ما حدث مع مؤسسات الوقف الإسلامية في العالم الإسلامي من مصادرة وتأميم.
ولا شك أن الرؤية الإسلامية التي تحترم الحاجات الأساسية المادية للإنسان وتفرض عليه السعي للرزق وعمارة الأرض، لكنها في الوقت ذاته تربطه برؤية غيبية للرزق والقدر، لديها الكثير في هذا الباب لتقدمه خاصة مع تطوير وتفعيل فريضة الزكاة كأداة تنموية تتجاوز جمع وتوزيع الصدقات، وهذا مجال يحتاج تناولاً مستقلاً

spisos
01-03-2009, 14:11
رد إلى ahmed oran:
حول التنمية الإجتماعية و الثقافية:

التنمية الإجتماعية تعالج: نسبة الفقر
نسبة الامية
المساواة بين الجنسين
معدل التأطير الطبي

مفهوم التنمية

يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم العالمية في القرن العشرين، حيث أُطلق على عملية تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة فيما يُسمى بـ "عملية التنمية"، ويشير المفهوم لهذا التحول بعد الاستقلال -في الستينيات من هذا القرن- في آسيا وإفريقيا بصورة جلية. وتبرز أهمية مفهوم التنمية في تعدد أبعاده ومستوياته، وتشابكه مع العديد من المفاهيم الأخرى مثل التخطيط والإنتاج والتقدم.
وقد برز مفهوم التنمية Development بصورة أساسية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث لم يُستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني البارز "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فالمصطلحان اللذان استُخدما للدلالة على حدوث التطور المشار إليه في المجتمع كانا التقدم المادي Material Progress، أو التقدم الاقتصادي Economic Progress.
وحتى عندما ثارت مسألة تطوير بعض اقتصاديات أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر كانت الاصطلاحات المستخدمة هي التحديث Modernization، أو التصنيع Industrialization.
وقد برز مفهوم التنمية Development بداية في علم الاقتصاد حيث استُخدم للدلالة على عملية إحداث مجموعة من التغيرات الجذرية في مجتمع معين؛ بهدف إكساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده، بمعنى زيادة قدرة المجتمع على الاستجابة للحاجات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه؛ بالصورة التي تكفل زيادة درجات إشباع تلك الحاجات؛ عن طريق الترشيد المستمر لاستغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وحسن توزيع عائد ذلك الاستغلال. ثم انتقل مفهوم التنمية إلى حقل السياسة منذ ستينيات القرن العشرين؛ حيث ظهر كحقل منفرد يهتم بتطوير البلدان غير الأوربية تجاه الديمقراطية. وتعرف التنمية السياسية: "بأنها عملية تغيير اجتماعي متعدد الجوانب، غايته الوصول إلى مستوى الدول الصناعية"، ويقصد بمستوى الدولة الصناعية إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الأوربية تحقق النمو الاقتصادي والمشاركة الانتخابية والمنافسة السياسية، وترسخ مفاهيم الوطنية والسيادة والولاء للدولة القومية.
ولاحقًا، تطور مفهوم التنمية ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية. فأصبح هناك التنمية الثقافية التي تسعى لرفع مستوى الثقافة في المجتمع وترقية الإنسان، وكذلك التنمية الاجتماعية التي تهدف إلى تطوير التفاعلات المجتمعية بين أطراف المجتمع: الفرد، الجماعة، المؤسسات الاجتماعية المختلفة، المنظمات الأهلية.
بالإضافة لذلك استحدث مفهوم التنمية البشرية الذي يهتم بدعم قدرات الفرد وقياس مستوى معيشته وتحسين أوضاعه في المجتمع.
ويلاحظ أن مجموعة المفاهيم الفرعية المنبثقة عن مفهوم التنمية ترتكز على عدة مسلمات:
أ - غلبة الطابع المادي على الحياة الإنسانية، حيث تقاس مستويات التنمية المختلفة بالمؤشرات المادية البحتة.
ب - نفي وجود مصدر للمعرفة مستقل عن المصدر البشري المبني على الواقع المشاهد والمحسوس؛ أي بعبارة أخرى إسقاط فكرة الخالق من دائرة الاعتبارات العلمية.
ج - إن تطور المجتمعات البشرية يسير في خط متصاعد يتكون من مراحل متتابعة، كل مرحلة أعلى من السابقة، وذلك انطلاقًا من اعتبار المجتمع الأوروبي نموذجًا للمجتمعات الأخرى ويجب عليها محاولة اللحاق به.
الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية:
يتضح الاختلاف بين مفهوم التنمية في اللغة العربية عنه في اللغة الإنجليزية، حيث يشتق لفظ "التنمية" من "نمـّى" بمعنى الزيادة والانتشار. أما لفظ "النمو" من "نما" ينمو نماء فإنه يعني الزيادة ومنه ينمو نموًا. وإذا كان لفظ النموّ أقرب إلى الاشتقاق العربي الصحيح، فإن إطلاق هذا اللفظ على المفهوم الأوروبي يشوه اللفظ العربي. فالنماء يعني أن الشيء يزيد حالاً بعد حال من نفسه، لا بالإضافة إليه.
وطبقًا لهذه الدلالات لمفهوم التنمية فإنه لا يعدّ مطابقًا للمفهوم الإنجليزي Development الذي يعني التغيير الجذري للنظام القائم واستبداله بنظام آخر أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف وذلك وفق رؤية المخطط الاقتصادي (الخارجي غالباً) وليس وفق رؤية جماهير الشعب وثقافتها ومصالحها الوطنية بالضرورة.
ويلاحظ أن شبكة المفاهيم المحيطة بالمفهوم الإنجليزي تختلف عن نظيرتها المحيطة بالمفهوم العربي.
فعلى سبيل المثال تُعالج ظاهرة النمو (في المفهوم العربي الإسلامي) كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، وكذلك نجد مفهوم "الزكاة" الذي يعني لغة واصطلاحًا الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة، وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، في حين ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالي. وهو ما يقارن بالعكس بالربا الذي قال عنه الله (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقرة:276].
ويتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا "الحياة الطيبة" في الدنيا، بينما يركز مفهوم Development على البعد الدنيوي من خلال قياس النمو في المجتمعات بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمرًا للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى الاضطهاد للآخر/ الغريب.
وفي الواقع فإن "التنمية" تعد من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها



الفقر
مع التنمية الكل أصبح فقيراً...!!
________________________________________
الفقر مفهوم مراوغ، فربما كان هناك فقراء بقدر ما توجد دلالات متعددة للكلمة وبقدر عدد البشر وتوقعاتهم، فلغات العالم تتنافس مع بعضها البعض في عدد الكلمات التي تشير إلى ظروف الفرد المرتبطة بالمدركات المختلفة للفقر.. فمثلاً: في الفارسية ثمة ما يزيد على 30 كلمة تصف أولئك الذين يُعتبرون لسبب أو لآخر فقراء.. وفي معظم لغات إفريقيا ثمة -على الأقل- من 3 إلى 5 كلمات لتعريف الفقر وهكذا.
من الفقير؟!
واقعيًا، ليس ثمة تعريف موحد للفقر في كل الثقافات؛ بل قد لا تعتبر كل الثقافات الفقر عيبًا، فالفقر لم يكن ولفترة طويلة من الزمان وفي العديد من حضارات العالم نقيض الغنى، وكان ثمة دائمًا مجال "الفقر الاختياري" أي أولئك البشر الذين رفضوا الزخرف والمظهر وانطلقوا يسبحون في ملكوت الله، وكان احترام أولئك الفقراء باختيارهم (المتصوفة على سبيل المثال) من تقاليد الشرق المستقرة.
وحديثًا -مع اتساع الاقتصاد التجاري وعملية التمدين- اكتسب الفقر دلالته الاقتصادية، وأصبح الفقير هو من ينقصه المال والممتلكات التي يحوزها الغني، ويتحول الفقر إلى معنى مطلق وليس نسبيًا، فيصير الفقر عيبًا وبعدئذ يصير مرضًا يذل من يصاب به ويجب علاجه.
إن الفقير في المجتمعات البشرية قبل سيطرة الاقتصاد هو ذلك العضو الذي يكسب قوت يومه بصعوبة أو الذي اختار الكفاف، بيد أنه يظل عضوًا في الجماعة، لكنه لاحقًا أصبح ذلك الغريب المتشرد الذي يتم عزله وتهميشه في الواقع المعاش.
وطبقًا لأدبيات التنمية فإن الفقر صفة لمجتمع ما الفرد فيه لا يحقق مستوى معين من الرفاهية- والذي عادة ما يُشار إليه بخط الفقر أو حد الكفاف، ويجب لتعريف الفقر الإجابة على ثلاثة تساؤلات؛ تحديد ماهية الحد الأدنى من الرفاهية، وكيفية التيقن من صحة فقر الفرد، وتجميع مؤشرات الرفاهية وقياس الفقر على أساسها.
وتقترب فكرة الرفاهية Well-being من مفهوم مستوي المعيشة Standard of Living (SOL)، الذي يعد أحد المفاهيم الشائعة في أدبيات التنمية، ومحور أعمال البنك الدولي في تقاريره السنوية عن التنمية خلال فترة التسعينيات.
ويستهدف مفهوم مستوى المعيشة قياس كفاءة الحياة؛ معتمدًا على معايير الاستهلاك الفردي من السلع والخدمات المشتراة من دخل الفرد أو توفيره، ويفترض مفهوم الفقر وجود حد أدنى من الاستهلاك والدخل يقاس عليه مستوى معيشة الفرد، ويشار إليه بخط الفقر، حيث يصنف أي فرد يقع دخله أو استهلاكه أقل من هذا الحد باعتباره فقيرًا.
ويمكن تصنيف مناهج قياس الفقر إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول: اتجاه الرفاهية ويستخدم أصحاب هذا الاتجاه معايير مالية في قياس الرفاهية مثل: دخل الفرد وإنفاقه الاستهلاكي، وهو الاتجاه السائد في أدبيات الفقر.
الاتجاه الثاني: اتجاه الـ "لا رفاهية" non-welfarist ويعني هذا الاتجاه بدراسة المؤشرات الاجتماعية للرفاهية، مثل: التغذية والصحة والتعليم، ويركز على قضايا مثل: سوء التغذية، أو غياب الرعاية الصحية، أو الأمية، باعتبارها نتائج مباشرة لانتشار الفقر.
ومن جانب آخر، انقسمت الاجتهادات حول تعريف الفقير إلى مدرستين:
-المدرسة المطلقة: وهي تضع حدًا أدنى لمستوى الدخل الضروري الذي يجب على كل فرد إحرازه لتحقيق مستوى معيشي معقول-حد الفقر، ويصنف مَن دونه باعتباره فقيرًا، وتحديد هذا المستوى هو حكم تقديري للباحث أو صانع السياسة.
-المدرسة النسبية: وهي تتعامل مع الفقر النسبي-أي ارتباط خط الفقر بمعدل توزيع الدخل بين السكان-وعادة يتم ذلك بتعريف الأفراد الذين يشكلون أفقر 20-25% من سكان مجتمع ما باعتبارهم الفقراء، وبعض الدراسات في الدول النامية ترفع هذه النسبة حتى 50% من السكان.
وعلى صعيد آخر، فإنه رغم بقاء الدخل الفردي المؤشر الأكثر انتشارًا لقياس الفقر، فقد تزايدت أهمية مؤشرات الرفاهية الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم، وقد تزايد هذا الاتجاه في دول العالم النامي منذ منتصف السبعينيات حيث لوحظ ارتفاع الدخل الفردي في بعض الدول، دون حدوث تقدم في بعض مجالات الرفاهية الاجتماعية مثل: التغذية والصحة، وهذا يعني بشكل عام إمكانية حدوث مفارقة بين حدوث زيادة في دخل الفرد وتحقيق إنجاز في مجالات الرفاهية الاجتماعية.. على سبيل المثال، لا يتفق معدل نمو الدخل الفردي المتزايد في باكستان مع مؤشرات الرفاهة الاجتماعية المتدنية بها، بينما يأتي النموذج السريلانكي في الاتجاه المضاد، حيث يتاح لمواطنيها رفاهة اجتماعية لا تتناسب مع معدلات الدخل الفردي المتواضعة بها.
الفقر...واقع أم أسطورة:

يحدد بعض الباحثين ثلاثة أبعاد لمفهوم الفقر:

-البعد الأول: هو الماديات فهي تلك الأشياء التي نعتبر نقصها فقرًا، وهذا النقص أو الحرمان أو الفقدان له طابعان إما وجودي غير مادي أو وجودي مادي.
تنتمي للفقر الوجودي غير المادي عناصر مثل: الإخفاق في العمل أو انعدام الثقة في النفس أو نقص الحب، بينما يشمل الفقر المادي: التفرقة، وعدم المساواة والتحيز والجهل وتعذر الحصول على الحد الأدنى من الضروريات المطلوبة للحياة-كما تحددها ثقافة المرء- والجوع وسوء التغذية والتشرد وضعف الصحة... إلخ.
-البعد الثاني: هو إدراك المرء لحالته، فالمرء يعد فقيرًا فقط عندما يحس بوجود النقص في إحدى تلك الماديات أو كلها، إن تلك الماديات لا تكتسب قيمها كبعد معرفي في المفهوم إلا مع إدراك الطابع النسبي والذاتي لمفهوم الفقر، عادة يدفع هذا البعد الذاتي الفقير إلى تخطي فقره، وتغيير موازين القوى التي أدت إليه، وقد ينزع إلى عقد روابط تبعية مع جماعات أو أفراد أو عقائد أقوى تعطيه إحساسًا زائفًا بالأمان، وأحيانًا يصل إلى وهم القوة.
-البعد الثالث: كيف يرى الآخرون الفقير، حيث قد يختلف إدراك الفقير لحاله مع رؤية الآخرين، ويترتب على هذا الإدراك رد فعل الآخر تجاه الفقير، وثمة نوعان من أنواع رد الفعل تجاه الفقير؛ التدخل المباشر أو غير المباشر من خلال الصدقة أو المساعدة أو التربية أو القهر، أو عدم التدخل-سواء كان عدم التدخل مبررًا لأن الفقراء يستحقون فقرهم أو لأن التدخل لن يفيد بل وربما أضر.
وتتأثر تلك الأبعاد الثلاثة بالمكان والزمان والبيئة الاجتماعية / الثقافية المتواجدة فيها.
الفقر ووهم عالمية التنمية:
لأول مرة في التاريخ، صار الفقر ظاهرة مطلقة، حيث اعتبرت بلاد وأمم بأسرها فقيرة على أساس أن دخلها الإجمالي أقل بالمقارنة مع الدخل السائد في تلك الدول التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وهكذا أصبح الدخل القومي هو المعيار العالمي الجديد والرأسمالية الاقتصادية هي الحل المعلن للعلاج النهائي للفقر، وتوصلت جيوش من خبراء الفقر العالمي إلى العلاج بالتنمية من خلال زيادة الإنتاج والتطبيق المتزايد للعلم والمعرفة التقنية، فهي مفتاح الرخاء والسعادة.
وهكذا أُعيد تفسير وتقييم البعد المادي للفقر، حيث أدى تحطيم المجتمعات التقليدية، في سبيل ما يدعى بالاقتصاد القومي ثم الاقتصاد العالمي، إلى فصل الاقتصاد عن جذوره الاجتماعية والحضارية، وبالتالي خضع المجتمع لآليات وقواعد الاقتصاد وليس العكس. وقد خلق الاقتصاد العالمي منظومة من المرجعيات الكونية جعلت الفرد يدرك أنه فقير وفي حاجة إلى المساعدة لأن متوسط دخله أقل من المستوى العالمي المعياري، ولأنه لا يعيش في رفاهية مثل بشر آخرين.
وأدى هذا التغيير في نظرة المرء لذاته إلى تغير في ردود الفعل تجاه الفقر، حيث أصبح البرنامج الجديد حلاً كونيًا أحادي الاتجاه يعتمد على الدخل ولا علاقة له إطلاقًا بالثقافة ولا بالشخص، ولم يعد الفرد يلجأ إلى جذوره الثقافية وعلاقته الأسرية القديمة التي كانت تقدم الحلول البديلة الكلية للفقر، وبدلاً من ذلك سعى الأفراد إلى تجميع أنفسهم في مؤسسات متماثلة مثل النقابات والروابط، مما أدى إلى تنميط الأفراد في المجتمع وإلغاء أي تفكير بديل يسعى إلى البحث عن طريق جديد للحياة والتنظيم الاجتماعي يعتمد على البساطة، أو أشكال تطوعية وأخلاقية من الفقر الذي لا يمكن أحيانًا تجاوزه لظروف هيكلية ودولية قبل أن تكون محلية.
وقد افترض الخبراء أن الفقراء غير قادرين على تحديد مصلحتهم، والتي يحددها لهم من يمتلكون المعرفة والسلطة-الحكومات والمؤسسات والخبراء-عاملين على الارتقاء بهم، ومشاركة الجماهير تنحصر في تأييد البرامج التي وضعها "الخبراء"، ويقدم الخبراء الحل البسيط للفقر: التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الدخل، زاعمين إمكانية حل كل المشكلات الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالفقر من خلال الاقتصاد وحده.
وقد عملت هذه الافتراضات والتوصيات على تقوية التدخل السلطوي حيث صار الفقر العالمي معضلة أكبر من أن تترك لتحل حلاً محليًا، وبذا سمحت بتدخل القوى الدولية-الحكومية و الأهلية-باسم نشر السعادة والقضاء على الفقر.
وما حدث بصورة عالمية مجردة هو أنه تمت رؤية الحاجات المطلوبة والإصلاحات الضرورية والمؤسسات المقترحة بشكل نمطي ثابت، بغض النظر عن الاختلافات الاجتماعية والثقافية، وتم فرض تلك الرؤية عن طريق شروط برامج المساعدات الأجنبية.
وقد اختلفت النتائج الفعلية لهذه السياسات والبرامج وآثارها على حياة الفقراء اختلافًا بينًا عما توقعه الخبراء والمتخصصون، حيث إن الحاجات التي تبغيها برامج التنمية هي حاجات نمط معين من الحياة، يلعب فيه الاقتصاد دورًا مركزيًا، حيث ثمة مفهوم خاص للفقر، وثمة فئة معينة من المستهلكين ودافعي الضرائب يجب حماية حقوقهم وامتيازاتهم، فشلت تلك السياسات على كل المستويات، ومن الواضح أن كل أنساق المساعدة ستخلق في النهاية مزيدًا من الفقر.
ويحذر بعض الباحثين من المفاهيم التي تبدو إيجابية من الخارج مثل: الاقتصاد العالمي أو العالم الواحد بينما هي تدعو في الواقع إلى إلغاء التعددية، وقبول أن الحل الوحيد الممكن هو اتخاذ الطريق الذي سار فيه الشمال الغني القوي السعيد.
إن النظرة الاقتصادية للحياة قد تؤدي لفترة معينة إلى زيادة ضخمة في إنتاج الأغراض والبضائع أي تنمية الأشياء، لكنه واقعيًا -بسبب الندرة الدائمة- يعاني الغني والفقير-على حد سواء-من عدم إمكانية الحصول على كل ما يريد؛ فقد اتضح لكثير من البشر أن الحاجات ليست مجرد وهم فقط بل مصطلح يخلق الشره والجشع، ومن المستحيل أن يفي الاقتصاد بكل الحاجات يومًا ما.
قد ينتج الاقتصاد الكثير من البضائع والخدمات للوفاء بمنظومة معينة من الحاجات، بيد أنه على نطاق آخر يدمر مجالات بأكملها من مجالات النشاط الإنساني، والحرف التقليدية، والقطاعات الأهلية، ويحطم منظومة قيمية كاملة من الجماعية والتراحم، من ثم فإن تأثيره الإجمالي سلبي، بل ومدمر أحيانًا خاصة عندما لا يفي بوعوده، وفي الوقت ذاته يهدم أبنية التراحم والتكافل، فلا يجدها الفرد إذا أراد التراجع والعودة له، وربما يكون النموذج البارز لذلك هو ما حدث مع مؤسسات الوقف الإسلامية في العالم الإسلامي من مصادرة وتأميم.
ولا شك أن الرؤية الإسلامية التي تحترم الحاجات الأساسية المادية للإنسان وتفرض عليه السعي للرزق وعمارة الأرض، لكنها في الوقت ذاته تربطه برؤية غيبية للرزق والقدر، لديها الكثير في هذا الباب لتقدمه خاصة مع تطوير وتفعيل فريضة الزكاة كأداة تنموية تتجاوز جمع وتوزيع الصدقات، وهذا مجال يحتاج تناولاً مستقلاً

المراجع:(1)
"الإسلام والحركة النقابية - جمال البنا، الطبعة الثالثة، ص 44- دار الفكر الإسلامي.
(2) وقد عالجنا موضوع الأصناف بتفصيل في كتاب "الإسلام والحركة النقابية"، والذي أصدره الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل.

spisos
01-03-2009, 15:57
تابع إلى ahmed oran:

بسم الله الرحمن الرحيم

التنمية والثقافة


التنمية مصطلح واسع يقصد به بشكل موجز الزيادة , وهو يشمل كل النشاطات والظواهر القابلة للزيادة في جانب من جوانبها أو في جميع جوانبها , وأحد هذه النشاطات والجوانب هو التنمية البشرية ,
والتنمية البشرية مصطلح يتضمن كل نشاط يؤدي إلى زيادة ما في أحد جوانب حياة الإنسان المادية والمعنوية , ومن ضمن هذه الجوانب تنمية النمط الثقافي أو البعد الثقافي لأي نشاط أو ظاهرة, فللظواهر الاقتصادية أبعاد ثقافية اقتصادية , وللظواهر الصحية أبعاد ثقافية صحية , وللظواهر الزراعية أبعاد ثقافية زراعية, وهكذا . . . .


والثقافة باختصار هي أن يعرف الفرد شيئاً عن كل شئ , أو أن يلم إلماماً يسيراً بأكثر ضروب المعرفة , ولكنها أي الثقافة, قد تتركز في مقصودها الدلالي على المعرفة المتصلة بالعلوم الإنسانية بوجه خاص , لأنها ترقى بالإنسان , وتوسع معارفه , وتمده بالنظرة الشاملة للأمور , لينعكس هذا على شخصيته وسلوكه , فيكون واسع الأفق , يحسن إتيان الأمور ويجيد التصرف في شؤون حياته , ويعرف حقوقه , ويحرص على أداء واجباته, فالثقافة من الأمور التي يتجمل بها الإنسان, ويستكمل بها مقومات شخصيته, إلا أنه لا يمكن الاستغناء عنها , فهي من الضرورات الحتمية لكل فرد, فمن الناحية الفطرية, لابد أن يكون كل إنسان منتمياً إلى أسرة أو إلى جماعة أو إلى وطن , ولذا فإن لهذا الإنسان شخصية وعصبية وجنسية , ويتناسب هذا مع الثقافة المشتركة الموحدة , التي تربطه بهذه الأسرة أو الجماعة أو الوطن , فالثقافة إذن هي كل ما يكون به الإنسان إنساناً, وهي تعبير عن ما يصدر عنه من أسلوب أو سلوك أو نشاط أو مواقف متماسكة تشكل نسيجاً من البناء الذي يمتلكه الإنسان من مجموعة القدرات لديه, ونسيجاً من ما ينشئه من علاقات, وما يدركه من مهارات, وما يدخره من وعي وخبرات, وما يعتنقه من قيم وتقاليد, وما يماشيه من أنماط حياة, وطرائق انتفاع بالوسائل المادية والاجتماعية والمعنوية , وما يتداوله أو يهتم به من آداب وفنون جميلة, قولاً ونغماً وتشكيلاَ وما إلى ذلك .
والثقافة تفرق بين الإنسان وسائر الكائنات الأخرى, كما أنها تتباين من مجتمع إنساني لآخر, وتختلف بين أي نمطين من الحياة لمجموعتين بشريتين .

وأما التنمية الثقافية فهي الزيادة في الثقافة بكل أشكالها وجوانبها وظواهرها ونشاطاتها, ولكل ظاهرة في هذا الكون بعد ثقافي , فتنمية البعد الثقافي الاقتصادي يسهل التنمية الاقتصادية, وتنمية البعد الثقافي الصناعي يجّود تطور التنمية الصناعية, وتنمية البعد الثقافي الزراعي يحسن التنمية الزراعية ويعجلها . . . وهكذا في كل المجالات .
وأما التربية والتعليم فهما الوعاء الذي يحتضن التنمية الثقافية المتمثلة بكل أشكال التطوير والارتقاء والتبادل الثقافي , وهذا الوعاء يشكل جسراً يربط بين مفهوم التنمية, ومفهوم الثقافة, اللذين يرتبط بعضهما ببعض , بتناسب طردي متبادل, فكلما زادت الثقافة زادت التنمية, وكلما زادت التنمية زادت الثقافة .
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما السبيل إلى هذه الزيادات؟
إننا ببساطة نجد الإجابة في أن التربية والتعليم هما اللذان يوسعان الاطلاع والمدارك, ويفتحان أبواباً مبتكرة من الأنماط الحياتية, والاجتماعية, التي تساعد بالاقتباس والتعلم والإنتاج والاختراع وغير ذلك, على مزيد من النماء والترقي والتطور, وتساعدان أيضاً على سهولة التكيف مع المستجدات والمتغيرات, وحسن مواجهة الطوارئ والأزمات في كل جوانب الحياة ومجالاتها .
ففي الوقت الذي يكدح الناس مثلاً في مواجهة ثالوث الجهل والفقر والمرض, نجد طائفة منهم, تلمع عقولها في تلمس الطرق والوسائل والعلوم التي تخلصنا من هذه المواجهات الأليمة على طريق التنمية الثقافية , وذلك انطلاقاً من البحث في إمكانية تحقيق تقدم, وإيجاد مخارج متنوعة, كما أن الناس يجتهدون مثلاً في ابتكار وسائل مختلفة لمحاربة الفراغ , فيملؤنه بنشاطات مفيدة , تعبر عن موروث متميز , وشخصية متفردة, وهكذا تمكّن الإنسان من مغالبة المشكلات, وتمكّن من تأمين مرتكزات لتلبية حاجاته النفسية والاجتماعية والمادية والحيوية وغيرها , إن هذه المرتكزات, تمكّنه من أن يعيش في أبعاد الحياة كاملة, ماضياً وحاضراً ومستقبلاً , راضياً , مشاركاً, ونافعاً , ومستمتعاً, وسعيداً, ثم بعد ذلك, تمكّنه من تحقيق منجزات ترقى بالإنسان, وتطوره , وتنميه , وتزيد من حسن استغلاله لما حوله من نعم وموارد وإمكانيات , وتزيد من تسخيره للبيئة ومواردها, وترفع من الكسب المادي والمعنوي لديه, وبالتالي زيادة الذاتية والرفاهية والكرامة الإنسانية التي وهبها الله للإنسان ، فالإنسان جزء متميز من المخلوقات في هذا الكون , وهو قادر بخصائصه النوعية, ومنها إرادته واختياره وقدراته العقلية وذاكرته الحضارية ومهاراته, على التأثير في المكونات من حوله, وتحويلها إلى معطيات لخدمته وخدمة أهدافه, وإلى معطيات لمواجهة تحديات البيئة, والمحيط من حوله.

إن التنمية والثقافة والإنسان, مفاهيم متكاملة, وهي المقومات الآمنة الراقية الأساسية, لصناعة الحياة المتطورة, التي تقوم على وسائل وأهداف, لصناعة الرقي الإنساني المتمثل في الحضارة , والتنمية هي وسيلة الحضارة وغايتها,
ومن أكثر أطراف العملية التربوية أهمية عنصري الفرد والثقافة , فالتربية تُعنى بنقل التراث الثقافي من جيل لآخر , كما تُعنى بتطوير هذا التراث وتطهيره من الخرافات والسلبيات, وتقوم على المحافظة على ما في الثقافة من قيم وأخلاق وتدعمهما , وتهتم بغرس الثقافة في الفرد, من خلال التنشئة بوسائط متعددة, مثل الأسرة والمناهج الدراسية ودور العبادة وغيرها , سعياً لتوجيه المجتمع نحو الأفضل , فالفرد ينشأ من خلال الثقافة التي تحيط به وبمجتمعه, والتي تشكّله , كما يسهم هو أيضاً في تشكّيلها وتمثيلها بطوابع متميزة, كما أن التربية تستفيد من البعد المعرفي للثقافة, المتمثل في المعارف والاعتقادات والتقاليد وسائر طرائق التعبير, وبالتالي فإن الثقافة في معنىً من معانيها جزءٌ من عملية التربية والتعليم . هذا وللثقافة وزيادتها صلة وثيقة بالتنمية , والعنصر البشري, أهم عناصر الإنتاج بشكل عام, ونوعيته هي العامل الحاسم في تحديد التقدم والتخلف في الشعوب , وبقدر سلامة البنية الثقافية للفرد, تكون سلامة أدائه التنموي لمجتمعه وبيئته في جميع مجالات الإنتاج , فالتنمية ليست عملية آلية يمكن إتمامها من خلال رفع معدلات الاستثمار أو تحديث بعض أساليب الإنتاج, بل إن الدور البشري هو أهم الأدوار في أي عملية تنموية , وتنمية الموارد البشرية, سابق في أهميته على تنمية الموارد الاقتصادية أو الصناعية أو الزراعية ...أو غيرها , كما أن الجزء الأهم في عملية التشكيل الثقافي للفرد المكون للموارد البشرية هو التربية والتعليم, وعليه فإن الحاجة ماسة جداً, إلى مزيد من الاهتمام بالتربية والتعليم عموماً, ومزيد من الاهتمام بتوجيه الفرد والأمة نحو الثقافة الوطنية, التي تعرّفه حقوق الأفراد وواجباتهم وتعرفه بتركيبة المجتمع , وبشؤون الحكومة والعلاقات المقبولة مع ما حولنا من بيئة , والحاجة أيضاً ماسة جداً إلى ربط قويٍ بين الثقافة الوطنية والخطط التربوية , ولابد أن يعاد النظر في العلاقة بين التنمية والثقافة بين الحين والآخر, لتواكب هذه الأخيرة, جميع التغييرات المحلية والعالمية, وتتماشى مع التحاور والتبادل في الثقافات المختلفة وتناميها .
ولذا فقد نشأت في المجتمعات هيئات ومنظمات ثقافية تدعم تلبية هذه الحاجات , ومن أمثلتها: الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون, ومؤسسة الفكر العربي ... وغيرها, بل لقد حولت بعض الدول مسمى وزارة التعليم إلى وزارة المعارف, وأُنشئت في بعض الدول في وزارات التربية والتعليم إدارات متخصصة للثقافة, ووكالات حكومية للثقافة, بل وأُنشئت في بعض البلاد العربية وزارة مستقلة للثقافة, ومن أهم لأمثلة على هذه الهيئات أيضاً, المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم, التابعة لجامعة الدول العربية, التي من أهم أولوياتها, القيام على تراث الأمة, وإخصاب النشاط الثقافي والفني, في مجالات الآداب والفنون والآثار والإعلام والتعليم, وتوطين العلوم وتطبيقاتها التكنولوجية, وتشجيع البحوث العلمية, لتحقيق المعاصرة الحضارية, مع الاهتمام بتقديم الثقافة العربية للعالم, فكراً وفناً وحضارة .
كما أقيمت المؤتمرات والندوات والنشاطات الثقافية المختلفة, من أمثلتها مهرجان الجنادرية السعودي في الرياض , ونشاطات اختيار عاصمة الثقافة العالمية, وعاصمة الثقافة العربية, وعاصمة الثقافة الإسلامية, وما شابه ذلك .
وكل ذلك لبنات في بناء التنمية الثقافية, على طريق بناء التنمية الشاملة .

boudjema
01-03-2009, 19:16
السلام عليكم
اريد مذكرة بعنوان المديونية الخارجية
وان لم تتوفر لديك على الاقل افدني بالمفاهيم الاساسية التعريف المراحل
وشكرا

AHMED ORAN
01-03-2009, 21:10
بارك الله فيك اخي spisos لقد أفدتني حقيقتا بهذا الموضوع جزاك الله خيرا
لك خالص تحياتي ودعائي في صلاتي

spisos
01-03-2009, 21:15
شكرا على الرد الأخ ahmed oran

spisos
01-03-2009, 21:21
إلى الأخ boudjema:

سأقدم لك أولا مديونية الجزائر...ريثما تتوفر المعلومات

واقع المديونية الخارجية في الجزائر

لا يمكن حصر مديونية الجزائر بإعتبارها مجرد تعبير خارجي عن العجز في ميزان المدفوعات إنما تترجم في الواقع وضعا إقتصاديا معينا له أسبابه التاريخية ومميزاته الخاصة.
أولا: أسباب المديونية الخارجية الجزائرية

هناك عدة أسباب ساهمت في إنشاء وتفاقم أزمة المديونية الخارجية في الجزائر من أهمها:[1]
1- تقلبات قطاع المحروقات

إعتمدت الجزائر إعتمادا مطلقا على قطاع المحروقات في تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية، ولتحقيق ذلك قامت بتكثيف إنتاج المحروقات وتطلب ذلك إنفاق إستثمارات ضخمة في القطاع البترولي، غير أن تعرض هذا القطاع إلى تقلبات كبرى وتذبذب في الأسعار أثر بشكل مباشر على تفاقم أزمة المديونية الخارجية للجزائر، فخلال الصدمتين البتروليتين سنتي 1973و1979 إرتفع سعر النفط مما أدى إلى زيادة الدخل القومي المعبر عنه بفائض في ميزان المدفوعات، وكنتيجة لهذا إتبعت الجزائر سياسة الإقتراض معتمدة على تكهنات إرتفاع أسعار النفط للفترات اللاحقة لكن حدث العكس إذ إنخفض سعر البترول سنة 1986 مما أدى إلى تقليص عائـدات صادرات المحروقـات، ومن ثم حدوث عجز
في ميزان المدفوعات وعدم القدرة على تسديد الديون وقد تسبب هذا الإنخفاض في خسائر للجزائر قدرها 9 مليار دولار.
2- ضخامة الجهود الإستثمارية

إعتمدت الجزائر منذ السبعينات على سياسة تنموية تعتمد خاصة على القطاع الصناعي الذي تطلب إستثمارات ضخمـة فاقت إمكانيـات التمويل المحليـة، مما أدى بالجزائر إلى اللجوء للقروض الخارجية نظرا لإعتقاد راسمي السياسة الإقتصادية أنه لا يمكن تجاوز مرحلة التخلف التي يعيشها الإقتصاد الجزائري إلا عن طريق إقامة إستثمارات ضخمة، غير أن تمويل هذه الإستثمارات عن طريق
القروض الخارجية جعل من الجهاز الإنتاجي جهازا تابعا للخارج، إذ أن عملية تشغيله تتوقف إلى حد كبير على واردات السلع الأولية والسلع الوسيطة.
3- غياب سياسة سليمة للإقتراض

هناك عدة معايير يمكن من خلالها الحكم بغياب سياسة سليمة للإقتراض في الجزائر ومن أهمها:
- عدم وجود تناسب بين تركيبة العملات الأجنبية المكونة للدين الخارجي وبين نمط التجارة الخارجية، حيث أن صادرات الجزائر تتم بصورة شبه كلية بالدولار الأمريكي ومنه يكفي إنخفاض قيمة الدولار مع ثبات العملات الأخرى حتى يتفاقم حجم الدين الخارجي،
- إرتفاع حصة القروض قصيرة الأجل من إجمالي القروض وما تبعها من شروط قاسية خاصة من حيث إرتفاع أسعار الفائدة فيها،
- زيادة خدمات الدين الخارجي إذ وصلت إلى 307% سنة 1994 في حين لم تتجاوز 57.62% سنة 1987،
- عدم المصداقية في تسيير القروض حيث استعملت نسبة كبيرة منها في تمويل الواردات من السلع الكمالية،
- عدم فعالية الجهاز الإنتاجي إذ أن معظم النتائج التي حققتها مختلف القطاعات الإنتاجية التي مولت بالقروض كانت ضعيفة ما عدا قطاع المحروقات.
ثانيا: تطور المديونية الخارجية الجزائرية
الجدول التالي يوضح مديونية الجزائر:

السنوات_ إجمالي الدين


1990 _28.37


1991_27.87


1992_26.67


1993_25.72


1994_29.48


1995_31.57


1996_33.65


1997_31.22


1998_30.47


1999_28.31


2000_25.26


2001_22.57


2002_22.64


2003_23.35


2004_21.82


2005_16.4


2006_15.5*
_________________________
*تقديرية.
المصدر: بنك الجزائر.
___________________________
مرت المديونية الخارجية للجزائر منذ سنة 1990 إلى غاية سنة 2006 بثلاث مراحل مهمة تتلخص فيما يلي:
1- المرحلة الأولى: ﴿1990-1993﴾

في هذه الفترة إنخفض إجمالي الدين بوتيرة منخفضة إذ إنتقل من 28.37 مليار دولار أمريكي سنة 1990 إلى 25.72 مليار دولار أمريكي سنة 1993، أي ما يعادل نسبة 9.34% إذ تميزت هذه المرحلة بإنخفاض أسعار البترول مما نتج عنه تراجع معدل النمو الإقتصادي وتزايد وتيرة التضخم حيث إرتفع إلى 20% سنة 1993 كما إنخفضت إحتياطيات الجزائر من العملة الصعبة وتجاوزت خدمات المديونية الخارجية 80% من إيراداتها الخارجية، كل هذه التطورات أدت بالجزائر للجوء لصندوق النقد الدولي بغرض الإقتراض حيث حصلت منه على300 مليون وحدة حقوق سحب خاصة في جوان 1991 مما أدى إلى خفض قدرة الجزائر على تسديد ديونها.
2- المرحلة الثانية: ﴿1994-1999﴾

مع بداية سنة 1994 أخذت الجزائر على عاتقها مجهودات كبيرة من أجل التصحيح الهيكلي للإقتصاد، فلجأت لطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي فقدم لها قرض متوسط الأجل بلغ 260 مليون دولار لدعم ميزان المدفوعات مما أدى إلى إرتفاع الديون متوسطة وطويلة الأجل بنسبة 13.18%من سنة 1994 إلى سنة 1996، كما أن إتفاق إعادة الجدولة الذي أبرمته الجزائر مع نادي باريس في ماي 1994 ساهم من جهة في خفض معدل خدمة الدين ليبلغ نسبة 30.9% سنة 1996 بعدما بلغ 47.1% سنة 1994 أي إنخفض بنسبة 34.39%، وساهم من جهة أخرى في خفض ديون الجزائر المقومة بالدولار والين بنسبة مرتفعة بلغت51.96% وذلك بين سنتي 1994 و1996. ومثلت سنة 1997نقطة تحول في وضع المديونية الخارجية للجزائر حيث سجل الدين المتوسط والطويل الأجل
إتجاها تنازليا لتبلغ 28.14 مليار دولار سنة 1999 أي إنخفض بنسبة 15.31% منذ سنة 1996 مما أدى إلى إنخفاض إجمالي الدين بنسبة 15.86%، إلا أن معدل خدمة الدين عرف إرتفاعا ملحوظا سنة 1998 حيث بلغ 47.5% وهذا يرجع من جهة إلى إبرام إتفاق القرض الموسع الذي إمتد من سنة1995 إلى سنة 1998، ومن جهة أخرى إلى إرتفاع ديون الجزائر المقومة بالين وباقي العملات بين سنتي 1997 و1998 بنسبة 14.17% و13.3% على التوالي مقابل إنخفاض ديونها بالدولار بنسبة 6.02% فقط، ومع إرتفاع أسعار البترول سنة 1999 حيث بلغت قيمة البرميل الواحد 17.9% دولار أمريكي إنخفضت نسبة خدمة الدين لتصل إلى 39.1%.
3- المرحلة الثالثة: ﴿2000-2006﴾

سجلت أسعار البترول تحسنا ملحوظا إذ بلغت 28.5 دولار أمريكي للبرميل الواحد سنة 2000 أي إرتفعت بنسبة 37.19% خلال سنة واحدة وهكذا وصل مبلغ الصادرات من المحروقات إلى 21.7 مليار دولار أمريكي مما أدى إلى إنخفاض نسبة المديونية مقابل الصادرات لتصل إلى 19.8%، كما تجاوز الإحتياطي من العملة الصعبة عتبة 10 ملايير دولار غير أن عجز ميزان المدفوعات سنة 2001 دفع الجزائر للإقتراض بهدف تغطية هذا العجز مما أدى إلى إرتفاع ديونها سنة 2002، كما إرتفعت ديونها متوسطة وطويلة الأجل سنة 2003 لتبلغ 23.35 مليار دولار وترجع هذه الزيادة إلى إنخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل بقية العملات الصعبة خاصة مع ظهور الأورو كعملة منافسة له، كما إرتفعت الواردات لتصل إلى 13.3 مليار دولار مقابل 12 مليار دولار سنة 2002 ومع إبرام الجزائر لإتفاق الشراكة الأورومتوسطية مع دول الإتحاد الأوروبي فقد إرتفعت ديونها بالأورو في مقابل الدولار حيث إرتفعت ديونها بالأورو بنسبة 24.48% في حين عرفت نسبة ديونها المقومة بالدولار ثباتا نسبيا إذ بلغت 39% من إجمالي الديون خلال سنتي 2003و2004، وإستمرت المديونية الخارجية الجزائرية في الإنخفاض لتصل إلى حوالي 15.5 مليار دولار في مارس 2006، ومن أهم أسباب هذا الإنخفاض إرتفاع أسعار البترول حيث بلغ سعر البرميل الواحد في 5 مارس 2006 قيمة 73 دولار أي حصول الجزائر على عائدات بالعملات الأجنبية بنحو ستين مليار دولار بفضل صادرات المحروقات التي تشكل نحو 98% من وارداتها.
ثالثا: أعباء المديونية الخارجية على صادرات الجزائر

لقد كان لتزايد المديونية الخارجية وخدماتها أعباء ثقيلة على صادرات الجزائر، ويمكن التعرف على هذه الأعباء من خلال المؤشرين المواليين:
1- نسبة إجمالي الدين إلى إجمالي الصادرات

عرفت هذه النسبة إرتفاعا ملحوظا منذ بداية التسعينات حيث إرتفعت من 211% سنة 1990 إلى 243% سنة 1996، وذلك نتيجة إرتفاع مديونيتها الخارجية بعد الإستدانة المتكررة من صندوق النقد الدولي بالإضافة إلى إنخفاض أسعار البترول ومن ثم إنخفاض إيراداتها من صادرات المحروقات، ثم أخذت هذه النسبة في الإنخفاض لتصل إلى 39.05% و19.8% لسنتي 1999و2000 على التوالي، ويرجع هذا الإنخفاض إلى تسديد الجزائر قدرا معتبرا من ديونها خلال هذه الفترة وكذا إلى إرتفاع أسعار البترول حيث بلغت 28.5 دولار للبرميل الواحد وإلى إرتفاع إحتياطياتها من العملة الصعبة.
2- نسبة خدمة الدين إلى إجمالي الصادرات

إن تفاقم المديونية الخارجية للجزائر ترتب عنه إرتفاع معدلات خدمة ديونها الخارجية إلى إجمالي الصادرات، حيث اتجه هذا المعدل إلى التسارع بشكل كبير حيث قفز من 66.4% سنة 1990 إلى 82.2% سنة 1993 ويدل هذا الإرتفاع على أن خدمة الديون الخارجية قد إلتهمت جزءا كبيرا من حصيلة الصادرات، ثم أخذ هذا المعدل في التراجع منذ سنة 1994 حيث بلغ 47.1% واستمر في الإنخفاض ليصل إلى 19.8% سنة 2000 و17.7% سنة 2003، ويرجع هذا إلى إرتفاع أسعار البترول حيث بلغ سعر البرميل الواحد 28.5 دولار سنة 2000 وبالتالي إرتفعت قيمة الصادرات من المحروقات لتبلغ 21.7 مليار دولار أمريكي لنفس السنة، وقد سجلت هذه النسبة أدنى مستوياتها سنة 2003 حيث بلغت 17.7%.
المطلب الثاني: إتفاقيات الجزائر مع صندوق النقد الدولي

إنضمت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي في 26 سبتمبر 1963 وكانت حصتها تقدر بقيمة 623.1 مليون وحدة حقوق سحب خاصة لترتفع إلى 941.4 مليون وحدة في أوت 1994، وقد لجأت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي في هذه الفترة للحصول على قروض خاصة مع إنخفاض أسعار البترول سنة 1986.
أولا: إتفاق الإستعداد الإئتماني ﴿1989-1991﴾

تميزت فترة الثمانينات بتفاقم أزمة المديونية الخارجية الجزائرية حيث بلغت ديونها الخارجية أكثر من 34 مليار دولار أمريكي، كما تزايد معدل خدمة الديون إلى الصادرات ليبلغ 80% وإرتفعت خدمة الديون من 5 ملايير دولار سنة 1987 إلى 7 ملايير دولار سنة 1989، وفي ظل هذه الظروف لجأت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قروض في إطار إتفاق التثبيت في ماي 1989،
ووافق الصندوق على تقديم 155.7 مليون وحدة سحب خاصة والتي استخدمت كليا في 30 ماي 1990 وما ميز هذا الإتفاق أنه تم في سرية تامة.[2]
تم إبرام الإتفاق الإستعدادي الثاني في 3 جوان 1991 وامتد إلى غاية مارس 1992 ووافق الصندوق بموجبه على تقديم 300 مليون وحدة حقوق سحب خاصة على أربع أقساط، بحيث حدد كل قسط بمبلغ 75 مليون وحدة سحب خاصة وقد سحبت الجزائر ثلاث أقساط: الأول في جوان 1991 والثاني في سبتمبر 1991 والثالث في ديسمبر 1991، ولم يسحب القسط الرابع لعدم إحترام الحكومة محتوى الإتفاقية.
ولقد شهدت الجزائر بين سنتي 1992 و1993 وضعا متأزما إتسم بما يلي:[3]
- ظهور عجز مالي للخزينة قدر بنسبة 9% من الناتج الداخلي الخام مما أدى إلى زيادة حجم الدين العام،
- تدهور شروط التبادل وحدوث إختلال على مستوى ميزان المدفوعات،
- إنخفاض الإيرادات الناتجة عن الصادرات واللجوء للواردات مما أثر سلبا على ميزان المدفوعات،
- إرتفاع قيمة خدمة الدين من 9 مليار دولار سنة 1992 إلى أكثر من 9.05 مليار دولار سنة 1993،
- بلغ معدل التضخم نسبة 32% و20.8% لسنتي 1992 و1993 على التوالي.
ثانيا: إتفاق الإستعداد الإئتماني ﴿ أفريل 1994﴾

لجأت الجزائر سنة 1994 إلى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي للنهوض باقتصادها وتجاوز الأزمة الحادة التي تمر بها، وبالفعل حصلت على إعادة الجدولة الأولى مع نادي باريس في نهاية ماي 1994 في ظل إتفاق تحقيق إستقرار لمدة سنة مع الصندوق، حيث تمت إعادة جدولة ما قيمته 400.4 مليون دولار على مدى 16 سنة منها 4 سنوات معفاة من الدفع، كما قدم الصندوق مبلغ 260 مليون دولار لدعم ميزان المدفوعات وفترة سدادها 5 سنوات وقد ساعدت إعادة الجدولة هذه على خفض قسط خدمة الدين سنة 1994 إلى 4.25 مليار دولار أي إنخفض بنسبة 35.5% بدلا من 96%، كما تم تقليص العجز الكلي في الميزانية العامة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي إلى 44% مقابل5.7% المقدرة في البرنامج الحكومي، ورغم إرتفاع أسعار المحروقات إلا أن أسعار المواد الغذائية إرتفعت بنسبة 40% ويرجع هذا لرفع الدعم الذي كانت تتحمله الخزينة وكذلك تخفيض النفقات


بمبلغ 25.7 مليار دولار.[4]
ثالثا: إتفاق القرض الموسع ﴿ 1995-1998 ﴾

يمتد هذا القرض المتوسط المدة من 1 أفريل 1995 إلى مارس 1998 بمبلغ 1169.28 مليون وحدة حقوق سحب خاصة وهذا ما يعادل 127.8% من حصة الجزائر، وبمجرد الموافقة على هذا الإتفاق قامت الجزائر بسحب القسط الأول وقدره 325.28 مليون وحدة سحب خاصة على أن يتم سحب واستخدام المبلغ المتبقي 844.08 مليون وحدة على أقساط يتم إستنفاذها قبل تاريخ 21 ماي 1998، ومن أهم ما نتج عن إعادة الجدولة هذه إنخفاض قسط خدمة الدين إلى 4.244 مليار دولار أمريكي سنة 1995 وبلغ معدل خدمة الدين 38% وإنخفض إلى 33% سنة 1996، واستمرت هذه النسبة في الإنخفاض لتصل إلى 30% سنة 1997 و19.8% سنة 2000 وزيادة على ذلك فقد بلغت المديونية الخارجية أدنى مستوياتها منذ 10 سنوات حيث بلغت 25.26 مليار دولار أمريكي واستمرت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات في الإنخفاض حيث بلغت 18% سنة 2004، كما تراجع معدل التضخم إلى 6% بعدما وصل إلى 93% سنة 1994.
[1]- مخلوفي عبد السلام،« أزمة المديونية ولجوء الجزائر إلى صندوق النقد الدولي»،www.sarambite.imfo/exp209.rar، بشار، 2005، ص ص: 3- 4.
[2]- الهادي خالدي، المرآة الكاشفة لصندوق النقد الدولي، المطبعة الجزائرية للجرائد والمجلات، الجزائر، 1996، ص: 195.
[3]- مخلوفي عبد السلام، مرجع سابق،2005، ص: 14.
[4] - نفس المرجع، ص ص: 15-16.

rednox
01-03-2009, 22:23
السلام عليكم أريد بحت حول سوق الحليب في الجزائر شكرا

karim3900
02-03-2009, 08:11
اريد هذا البحث عاجلا من فضلكم وهو التأمين الصحي والتامين على الحرائق والاخطار الصناعية والتامين على النقل

karim3900
02-03-2009, 08:13
اريد هذا البحث بعنوان التامين على المسؤولية عاجلا من فضلكم

karim3900
02-03-2009, 08:15
اربد عاجلا بحث بعنوان ادارة المخاطر المالية او الصحية ارجوكم ساعدوني

احلام نور s
02-03-2009, 13:57
مرحبا ان احلام نور s ايمي من فضلكم لدي بحث قانون الولاية و البلدية في الجزائر اود ان احصل عليه بالمناسبة فانا طالبة حقوق سنة رابعة ارجوكم احتاجه في اقرب وقت ......................وشكرا على المساعدة مقدما بااااااااااااااااااااااااااااي

spisos
02-03-2009, 17:10
رد إلى أحلام نور:

قانون الولاية في الجزائر:


النظام الإداري للولاية في الجزائر


مقـدمــة

تعتبر الجماعات المحلية جزءا لا يتجزأ من الدولة ، أي أنها تابعة لها بالرغم من وجود اللامركزية التي تعتبر أسلوبا من أساليب التنظيم الإداري و التي تعني توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطات المركزية في الدولة و الهيئات الإدارية المنتخبة التي تباشر مهامها تحت رقابة هذه السلطة .
فتنظيم الدولة يستوجب تقسيمه إلى أقاليم، ولاية، وبلدية و بالرجوع إلى البلدية التي تعد الخلية الأساسية للامركزية الإقليمية فهي تلعب دورا هاما في التكفل بحاجيات الموطنين.
إما بالنسبة للولاية التي تعد وحدة إدارية من وحدات الدولة وفي نفس الوقت شخصا من أشخاص القانون تتمتع بالشخصية المعنوية و الذمة المالية المستقلة و بالتالي كلاهما يلعبان دورا رئيسيا في مختلف الجوانب الاقتصادية و الإجتماعية .
وسنتناول في بحثنا وحدة من الوحدات الإدارية اللامركزية الإقليمية أو الجغرافية ألا وهي الولاية ومنه كانت الإشكالية كالآتي كيف تكون الولاية وحدة من الوحدات اللامركزية الإقليمية ؟ و التي يندرج فيها العديد من التساؤلات وهي : ما تعريف الولاية ؟ كيف تنشأ الولاية ؟ ما هي خصائص الولاية ؟كيف كانت الولاية خلال الاستعمار و بعد الاستقلال؟ وما هي هيئات الولاية ؟ وكيف تكون الرقابة على الولاية؟
وتبرز أهمية بحثنا في معرفة التنظيم الإداري للولاية وذلك في ظل القانون رقم 90-09 المؤرخ في 07 أفريل1990 و المتضمن قانون الولاية .
ولقد إعتمدنا في دراستنا على العرض للمعلومات وفقا لماجاء في للخطة التالية:


عنوان البحث : الإدارة المحلية ( الــولاية)

- مقــــدمــــة
- المبحث الأول : التنظيم الإداري للولاية
- المطلب الأول : تعريف الولاية
- المطلب الثاني : مراحل إنشاء الولاية و خصائصها
- الفرع الأول : مراحل إنشاء الولاية
- الفرع الثاني : خصائص الولاية
- المطلب الثالث : التطور التاريخي للولاية
- الفرع الأول : مرحلة الإستعمار
- الفرع الثاني : مرحلة الإستقلال
- المبحث الثاني : هيئات الــولاية
- المطلب الأول : المجلس الشعبي الولائي
- الفرع الأول : تشكيلة المجلس
- الفرع الثاني : التسيير
- الفرع الثالث : الإختصاصات
- المطلب الثاني : الـــوالي
- الفرع الأول : التعيين وإنتهاء المهام
- الفرع الثاني : الصلاحيات
- المبحث الثالث : الرقابة على الــولاية
- المطلب الأول : الرقابة على أعضاء المجلس الشعبي الولائي
- المطلب الثاني : الرقابة على الأعمال
- المطلب الثالث :الرقابة على الهيئة (المجلس الشعبي الولائي)
- الخاتمـــة


المبحث الأول : التنظيم الإداري الولاية

سنتناول في هذا المبحث تعريف الولاية والتطور القانوني للولاية و ذلك من خلال مرحلتين وهما المرحلة الإستعمارية و مرحلة الإستقلال .
- المطلب الأول : تعريف الولاية .

تعريف الولاية : عرفت المادة الأولى من القانون 90-09 الولاية بأنها (( جماعة إقليمية تتمتع بالشخصية المعنوية و الإستقلال المالي)) و قد عرفتها المادة الأولى من قانون 1969 : (( الولاية جماعة عمومية اقليمية ذات شخصية معنوية وإستقلال مالي . ولها إختصاصات سياسية و إقتصادية و إجتماعية و ثقافية ...)) وتحدث الولاية طبقا للقانون الحالي أو القديم بموجب قانون بالنظر لأهميتها .وهذا و يجدر التنبيه أن الولاية أساس دستوري فمختلف الوثائق الدستورية ورد فيها ذكر للولاية بإعتبارها جماعة إقليمية تتمتع بالشخصية المعنوية .
الإطار الإقليمي للجماعات المحلية : يستهدف هذا القانون تحديد الإطار الإقليمي الجديد للولايات طبقا للمبادئ اللامركزية و يتكون التنظيم الإقليمي الجديد من 48 ولاية و 1540بلدية " قانون 09/84المؤرخ في 04 فيفري 1984 "
- المطلب الثاني : مراحل إنشاء الولاية و خصائصها .

- الفرع الأول : مراحل إنشاء الولاية
تمر عملية إنشاء الولاية بشكل جزئي أو إنشاء نظام الولاية ككل بثلاثة مراحل أساسية هي :
أولا: مرحلة التقرير : وهي مرحلة إنعقاد إدارة ونية السلطات العامة المختصة على إحداث وإنشاء الولاية وذلك بعد إجراء الدراسات و المناقشات و المداولات اللازمة لإتخاذ قرار إنشاء الولاية.
ثانيا : مرحلة التحضير: وهي تنحصر في إعداد الوسائل القانونية و الفنية و البشرية و المادية و الإدارية اللازمة و الضرورية لمرحلة تنفيذ قرار ( القانون ) إنشاء الولاية.
ثالثا: مرحلة التنفيذ : و المقصود بهذه المرحلة هو الدخول فعلا في حيز التطبيق وتحويل مرحلة التقرير إلى عمل وواقع مطبق ، ونظرا لان عملية التنفيذ تمتاز بصفة الإستمرارية فهي تحتاج إلى الإهتمام بوسائل التنفيذ و بالرقابة و المتابعة المستمرة حتى يتم تحقيق أهداف الولاية

- المطلب الثالث: خصائص الولاية

خصائص نظام الولاية كمجموعة ووحدة إدارية لامركزية في النظام الإداري الجزائري تمتاز الولاية كمجموعة إدارية لامركزية إقليمية بمجموعة من الخصائص و المميزات الذاتية منها :
أولا: أن الولاية هي وحدة أو مجموعة إدارية لامركزية إقليمية وجغرافية وليست مجموعة أو وحدة لامركزية فنية أو مصلحية أو مرفقية فقد وجدت و منحت الاستقلال و الشخصية المعنوية ومنحت قسطا من سلطة الدولة على أساس إقليمي جغرافي أساسا وليس على أساس فني أو موضوعي.
ثانيا : تعد الولاية كوحدة ومجموعة إدارية لامركزية في النظام الإداري الجزائري حلقة وهمزة وصل بين الحاجيات و المصالح و المقتضيات المحلية المتميزة عن مصالح الدولة ككل و بين مصالح ومقتضيات و احتياجات المصلحة العامة في الدولة .
و الولاية بجهازها الإداري ونظامها القانوني واختصاصاتها العامة تعد و تعتبر عاملا فعالا وحيويا ووسيلة فنية منطقية ناجعة في إقامة وتحقيق التنسيق و التعاون و التكامل بين وظائف واختصاصات المجموعات الجهوية المحلية (البلديات ) وبين أعمال السلطات المركزية في الدولة والولاية هي وسيلة وعامل الانسجام و التوفيق و التوازن بين المصلحة المحلية الإقليمية الجهوية و المصلحة العامة في الدولة ولذلك كانت الولاية صورة من صور نظام اللامركزية الإدارية المطلقة مثل البلدية.
ثالثا: تمتاز الولاية باعتبارها مجموعة أو وحدة إدارية لا مركزية في النظام الإداري الجزائري بأنها أوضح صورة لنظام اللامركزية الإدارية النسبية و ليست وحدة أو مجموعة لا مركزية إدارية مطلقة وذلك لأن أعضاء الهيئة و جهاز تسييرها و إدارتها لم يتم اختيارهم و انتقائهم كلهم بالانتخاب و إنما يختار بعضهم بالانتخاب العام (الاقتراع ) و هم أعضاء المجلس الشعبي للولاية بينما يعين باقي الأعضاء و والي الولاية من قبل السلطات الإدارية المركزية بمرسوم و هم أعضاء المجلس التنفيذي للولاية و الوالي : " يتولي إدارة الولاية , مجلس شعبي منتخب بطريقة الاقتراع العام و هيئة تنفيذية تعين من قبل الحكومة و يديرها والي .
و يؤكد صفة و طبيعة اللامركزية النسبية للولاية اشتراك الدولة باعتبارها وحدة إدارية مركزية في تحقيق و انجاز المصالح المحلية للولاية و إشباع الحاجات المحلية لسكان الولاية و تشارك بذلك الولاية في أداء الخدمات اللازمة للمصلحة الجهوية لسكان الولاية (( ... و ليست الولاية مجرد جماعة لامركزية تشكل أعمالها امتداد لأعمال البلدية و أعمال الدولة فحسب , بل هي أيضا دائرة إدارية تمكن الإدارات المركزية للدولة من تعكس عملها لخدمة المواطنين على الوجه الأكمل )).

المطلب الثالث : التطور التاريخي للولاية.

الفرع الاول : مرحــلة الإستعمــار .
تثبت الدراسات التاريخية إصرار سلطات الإحتلال الفرنسي على هدم بنيات و مؤسسات الدولة والمجتمع الجزائري ، إذ تم تقسيم البلاد منذ عام 1845 و بصفة تعسفية إلى ثلاثة أقاليم ، ثم أحدثت تقسيمات تعسفية أخرى في الأقاليم الثلاثة لإخضاع السكان لأنظمة الإدارة المدنية و العسكرية الإستعمارية حسب كثافة الجيش و المعمرين .
و بغض النظر عن التعديلات و التغيرات التي طرأت على التنظيم "العمالي " الولائي تبعا لأهداف الإستعمار و إستراتيجيته بالجزائر ، فإنه يمكن تقديم الملاحظات التالية :
1- لقد تم إخضاع مناطق الجنوب إلى السلطة العسكرية ،بينما قسم الشمال في البداية إلى ثلاثة عمالات (ولايات) هي: الجزائر ، وهران ، قسنطينة مع إخضاعها - نسبيا- إلى القانون المتعلق بالمحافظات أو العمالات في فرنسا، و ذلك منذ التقسيم الوارد بالأمر الصادر في 15 أفريل 1845 و المتعلق بالإدارة " الأقاليم المدنية " إلى صدور المرسوم 56-601 المؤرخ في 28 جوان 1956 المتضمن الإصلاح الإداري بالجزائر .
مع نهاية فترة الإستعمار كان بالجزائر 15 عمالة و 91 دائرة .
2- لقد شكل نظام العمالات في الجزائر خلال المرحلة الإستعمارية مجرد صورة لعدم التركيز الإداري ،فهي لم تكن تعبر عن إهتمامات أو مصالح محلية لأنها كانت مجرد إدارية للتمكين للإستعمار وإطارا لتنفيذ سياساته وخططه الهدامة .
3- هيمن على إدارة و تسيير العمالة محافظ أو " عامل العمالة " ( الوالي أو المحافظ ) خاضع للسلطة الرئاسية للحاكم العام و قد كان يتمتع بصلاحيات و سلطات واسعة يمارسها بمساعدة نواب له في نطاق الدوائر كأجزاء إقليمية إدارية للعمالة .
4- و إلى حانب عامل العمالة (الوالي أو المحافظ ) تم إحداث هيئتين أساسيتين هما :
أ)- مجلس العمالة ، conseil du préfecture : يمارس مهامه تحت رئاسة عامل العمالة و عضوية عدد من الموظفين تعينهم السلطة المركزية ( الحاكم العام ) وله إختصاصات متعددة و متنوعة : إدارية وقضائية .
ب)- المجلس العام (1) ، conseil général : كان يتشكل في البداية عن طريق تعيين أعضائه من أعيان البلد إلى حين إعتماد نظام الانتخاب سنة 1908 الذي أنشأ هيئتين إنتخابيتين (المعمرين و الأهالي) لتحدد نسبة التمثيل للأهالي بـ 2/5 من مجموع مقاعد هذا المجلس سنة 1944 بعد أن كانت 1/4 سنة 1919 .

المطلب الثاني : مرحــلة الإستقلال .

- عمدت السلطات العامة بعد الإستقلال إلى إتخاذ جملة من الإجراءات على مستوى التنظيم الولائي (العمالات ) تمثلت في دعم مركز و سلطات عامل العمالة (الوالي ) من جهة و ضمان قدر معين من التمثيل الشعبي:
أ)- ففي فترة أولى ، تم إحداث لجان عمالية (جهوية ) للتدخل الإقتصادي و الإجتماعي" C.D.I.E.S "
تضم ممثلين عن المصالح الإدارية و ممثلين عن السكان يعينهم عامل العمالة (الوالي) التي تؤول إليه رئاسة اللجنة.
و الحقيقة إن تلك اللجان في حالة وجودها لم يكن لها سوى دور إستشاري بالمصادقة على ما يقدم لها من مشاريع و قرارات من طرف عامل العمالة (الوالي ) الذي كان يحوز –قانونا و فعلا- سلطات وإختصاصات واسعة لمواجهة الوضعية العامة السائدة بالبلاد آنذاك.
ب)- و في فترة ثانية ، وبعد الإنتخابات البلدية لسنة 1967 تم إستخلاف اللجنة السابقة بمجلس جهوي (عمالي أو ولائي) إقتصادي و إجتماعي A.D.E.S و الذي كان يتشكل من جميع رؤساء المجالس الشعبية البلدية بالعمالة مع إضافة ممثل عن كل من : الحزب ، النقابة ، الجيش
وعلى الرغم من دور هذا المجلس في الإقتراح و مناقشة المشاكل الإقتصادية و الإجتماعية بالعمالة فقد كان مجرد هيئة استشارية .
و إذا كان عامل العمالة لم يعد يرأس هذه الهيئة الولائية ( حيث ينتخب الرئيس من بين رؤساء المجالس الشعبية البلدية ) فقد بقي حائزا لأوسع السلطات بإعتباره ممثلا للدولة و العمالة في مختلف المجالات والميادين : الأملاك الشاغرة ، إعداد و تنفيذ الميزانية ، الحفاظ على النظام العام....إلخ.
وقد ظل هذا الوضع قائما إلى حين صدور الأمر 69/38 المؤرخ في 23 ماي 1969 و المتضمن لقانون الولاية ، و هو النص الذي يبقى مشكلا للمصدر التاريخي للتنظيم الولائي بالجزائر ، على الرغم من تأثره بالنموذج الفرنسي في هذا المجال .
فطبقا لهذا الأمر قام التنظيم الولائي على ثلاثة أجهزة أساسية هي:
- المجلس الشعبي الولائي : وهو هيئة منتخبة على غرار المجلس البلدي .
- المجلس التنفيذي للولاية : و يتشكل تحت سلطة الوالي ، من مديري مصالح الدولة المكلفين بمختلف أقسام النشاط في الولاية.
- الوالي : وهو حائز سلطة الدولة في الولاية و مندوب الحكومة بها يعين من طرف رئيس الدولة.
وقد إهتم دستور 1976 بهذه الوحدة الإدارية حينما نص في المادة 36 منه على إعتبار الولاية هيئة أو مجموعة إقليمية بجانب البلدية .
إلا أن تغير المعطيات السياسية و الإقتصادية خاصة بعد المؤتمر الرابع للحزب أدى إلى تعديل أحكام القانون الولائي من ناحيتين أساسيتين :
الأولى : توسيع صلاحيات و إختصاصات المجلس الشعبي الولائي في العديد من الميادين حيث أصبح للمجلس وظيفة مراقبة على مستوى إقليم الولاية تجسيدا لأحكام دستور 76 التي تجعل منه وسيلة للرقابة الشعبية .
الثانية : تدعيم و تأكيد الطابع السياسي لهذه الهيئة سواء من حيث :
تشكليها : إذ أصبحت النصوص الأساسية للحزب ( في ظل نظام الأحادية السياسية ) تشترط الإنخراط في الحزب بالنسبة لكل مترشح لعضوية هذا المجلس .
تسييرها : و ذلك من خلال تأسيس هيئة مشتركة بين الجهاز السياسي ( محافظة الحزب) و الجهاز الإداري على مستوى الولاية هو مجلس التنسيق الولائي .
المبحث الثاني : هيئات الــولاية

للولاية هيئتان هما : المجلس الشعبي الولائي و الوالي وهذا ما نصت عليه المادة الثامنة من قانون 1990
المطلب الأول : المجلس الشعبي الولائي
إن المجلس الشعبي الولائي هو جهاز مداولة على مستوى الولاية ويعتبر الأسلوب الأمثل للقيادة الجماعية و الصورة الحقيقية التي بموجبها يمارس سكان الإقليم حقهم في تسييره و السهر على شؤونه ورعاية مصالحه .
- الفرع الأول : تشكيلة المجلس .
يتشكل المجلس من مجموعة المنتخبين تم إختيارهم و تزكيتهم من قبل سكان الولاية من بين مجموعة من المترشحين المقترحين من قبل الأحزاب أو المترشحين الأحرار ، وعليه فإن المجلس يتشكل فقط من فئة المنتخبين .
عدد أعضاء المجلس : طبقا للمادة 99 من الأمر رقم 97-07 المؤرخ في 06 مارس المتضمن القانون العضوي المتعلق بالإنتخابات فإن عدد مقاعد المجلس الشعبي الولائي تكون بالشكل التالي :
- 35 عضوا في الولايات التي يقل عدد سكانها عن 250000 نسمة .
- 39 عضوا في الولايات التي يترواح عدد سكانها 250001 و 650000 نسمة.
- 43 عضوا في الولايات التي يترواح عدد سكانها 650001 و 950000 نسمة.
- 47 عضوا في الولايات التي يترواح عدد سكانها 950001 و 1150000 نسمة.
- 51 عضوا في الولايات التي يترواح عدد سكانها 1150001 و 1250000 نسمة.
- 55 عضوا في الولايات التي يفوق عدد سكانها 1250000 نسمة.
• و طبقا للتعداد السكاني المعلن عنه رسميا فإن عدد المقاعد على المستوى الوطني موزعة كمايلي :
- 12 مجلسا ولائيا يتكون من 35 عضو.
- 26 مجلسا ولائيا يتكون 39 عضو .
- 8 مجالس تتكون من 43 عضو.
- مجلس واحد يتكون من 47 عضو.
- مجلس واحد يتكون من 55 عضو .
وتبعا لماقدم فإن أكثر من نصف عدد الولايات تتكون مجالسها من 39 عضو (26 ولاية) .كما أن العدد المعتمد للمقاعد هو نفسه المعمول في قانون 1969 .
ويضمن هذا العدد :
1- تمثيلا أكثر و مشاركة أوسع للطبقة السياسية في تسيير شؤون الإقليم خاصة بعد الدخول في نظام التعددية الحزبية.
2- يمكن هذا العدد المجلس من إنشاء لجانه.
بالنسبة لمسألة تكوين المجلس الشعبي الولائي يمكن الإحالة على ما ورد –سابقا – بشأن المجلس الشعبي البلدي سواء ما تعلق بموضوع الناخب أو المنتخب أو العملية الانتخابية ، و ذلك باستناد و الرجوع إلى الأحكام الوارد بقانون الانتخابات و المشتركة بين جميع الاستشارات الانتخابية أو تلك المتعلقة بالمجالس الانتخابية (فقرة 156 و مابعدها ) .
مع ذلك يمكن الإشارة –هنا – إلى أن عدد أعضاء المجلس الشعبي الولائي يتراوح بين 35 و 55 عضوا على أن تكون كل دائرة انتخابية ممثلة بعضو على الأقل.
- الفرع الثاني : التسيير
أولا: رئيس المجلس الشعبي الولائي كيفية انتخابه و صلاحياته :
ينتخب المجلس الشعبي الولائي من بين أعضاءه رئيسا و ذلك بإعتماد أسلوب الاقتراع السري وبالأغلبية المطلقة ، و إذا لم يحصل أي مترشح على الأغلبية المطلقة في الدور الأول تجري انتخابات في دورة ثانية يكتفي فيها بالإغلبية النسبية ، و في حالة تساوي الأصوات تسند رئاسة المجلس لأكبر المترشحين سنا و تكون الرئاسة لكامل الفترة الانتخابية و بعد انتخابه يتولى رئيس المجلس الشعبي الولائي اختيار مساعدا له أو أكثر من بين المنتخبين و يقدمهم للمجلس الشعبي للموافقة عليهم ، ويعين الرئيس في حالة تعدد النواب أحد المساعدين لإنابته في حالة غيابه ، و في حالة حصول مانع للمساعد أو للمساعدين يعين المجلس من بين أعضاءه من يتولى مهام الرئاسة أما عن صلاحيات رئيس المجلس الشعبي الولائي فهي كثيرة نذكر منها :
1- يتولى رئيس المجلس إرسال الإستدعاءات للأعضاء مرفقة بجدول الأعمال وشعر الوالي بذلك.
2- يتولى إدارة المناقشات .
3- يقترح مكتب المجلس و يقدمه للمجلس للإنتخابه .
4- يطلع أعضاء المجلس بالوضعية المالية العامة للولاية.
وبهدف القيام بمهامه على أفضل وجه فرض المشرع بموجب المادة 32 من قانون الولاية أن يتفرغ رئيس المجلس ولا يباشر أي مهمة أخرى ، وتمكنه بالمقابل من أن يتلقى تعويضا عن ذلك وهذا ما نصت عليه المادة 33 كما فرض القانون على الوالي أن يضع تحت تصرف رئيس المجلس كل الوسائل المادية و الوثائق لأداء مهامه .
ويجوز لرئيس المجلس قانونا أن يقدم استقالة و يفصح عن رغبته في التخلي عن رئاسة المجلس وهذا أمام هيئة المدوالة ( المجلس الشعبي الولائي ) وفي هذه الحالة يختار المجلس رئيسا جديد له حسب الطريقة المذكورة.
الوضعية القانونية للمنتخب : طبقا للمادة 36 من قانون الولاية فإن المهمة الانتخابية داخل المجلس مجانية أي تتم دون مقابل لأنها من حيث الأصل تدخل ضمن النشاط السياسي للفرد ، وحتى يمكن المشرع أعضاء المجلس من الحضور أعتبر استدعاء المجلس بمثابة مبرر للغياب وحظر على الإدارة المستخدمة فسخ عقد العمل بسبب غياب العضو المنتخب وحضور أشغال المجلس.
وفي حالة وفاة العضو أو استقالته أو إقصاءه يستخلف بالمتر شح الوارد في نفس القائمة مباشرة بعد بعد المنتخب الأخير. ويثبت الاستخلاف بموجب مداولة من المجلس.
وحري بنا الإشارة أن هذه المادة ينبغي أن تكون محل تعديل لتضاف إليها حالة أخرى هي اختيار عضو أو عضوين من أعضاء المجلس ضمن الفئة المنتخبة في مجلس الأمة .
ويمكن للعضو داخل المجلس أن يقدم استقالته . وهنا فرض القانون طريقة واحد للاستقالة تمثلت في تقديم رسالة مضمونة مع إشعار بالوصول توجه لرئيس المجلس وتصبح نهائية ونافذة من تاريخ إستلامها، وإلا بعد شهر من تاريخ الإرسال.
- النظام الإنتخابي :
إن الحديث عن النظام الانتخابي يقتضي تسليط الصوء على ثلاثة محاور هي:الناخب و المنتخب والعملية الإنتخابية.
أ)- الناخب : نصت المدة 50 من الدستور على " أن كل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية أن ينتخب أو أن ينتخب" ورجوعا لقانون الإنتخابات نجده قد حدد في نص مادته الخامسة شروط الإنتخاب وهي :
1- الجنسية : يعد ناخب كل جزائري وجزائرية دون تفرق في الجنس.
2- السن 18 سنة يوم الاقتراع وهي سن أقل من سن الرشدالمحدد في المادة 40 من القانون المدني ولعل الحكمة التي أراد المشرع تحقيقها من خلال هذا التخفيض هو ضمن مشاركة أوسع لهيئة الناخبين .
3- التمتع بالحقوق المدنية و السياسية وهذا شرط بديهي.؟
4- عدم وجود الناخبين في حالة من حالات التنافي.
5- التسجيل في القائمة الإنتخابية.
ب)- المنتخب : يجب من حيث الأصل أن تتوفر في المرشح لعصوية المجلس الشعبي الولائي جميع الشروط الناخب أولا وتضاف إليها الشروط الخاصة بالعضوية وعلى العموم فإن الترشح لنيل عضوية المجلس يمكن إجمالها في :
1- الجنسية وهي شرط عام ينطبق على الناخب و المنتخب.
2- التمتع بالحقوق المدنية و السياسية وهو شرط عام أيضا .
3- السن 25 سنة وكانت في ضوء القانون القديم 23 سنة
4- أن لا يكون المرشح في حالة من حالات التنافي أي أن لا يكون منتميا لإحدى الطوائف المبعدة من حق الترشح.
ج)- العملية الإنتخابية : تتضمن العملية الإنتخابية مجموع من الإجراءات و الأعمال التي فرصها المشرع من خلال قانون الإنتخابات بدءا بإعداد القوائم الإنتخابية ومراجعتها إلى غاية الفرز وإعلان النتائج وما تثيره هذه العملية من منازعات.
القائمة الإنتخابية: وتتم مراجعتها سنويا بصفة منتظمة ودائمة خلال الثلاثي الأخير من كل سنة بأمر من رئيس المجلس الشعبي البلدي وينشر إشعار بهذا الشأن ويشرف على المراجعة لجنة تتكون من :
- قاصي يعينه رئيس المجلس القضائي المختص رئيسا.
- رئيس رئيس المجلس الشعبي البلدي عضوا.
- ممثل عن الوالي .
*استدعاء هيئة الناخبين : طبقا للمادة 29 من قانون الانتخابات تستدعي الهيئة الانتخابية بمرسوم رئاسي في غضون الأشهر الثلاثة التي تسبق تاريخ إجراء الانتخابات.
* مدة الاقتراع : يدوم الاقتراع يوما واحد يحدد بمرسوم رئاسي غير أنه يمكن لوزير الداخلية بطلب من الولاة أن يرخص لهم بتقديم افتتاح الاقتراع بـ72 ساعة على الأكثر في البلديات التي يتعذر فيه إجراء الاقتراع في يوم واحد.
*مميزات الاقتراع : يتميز الاقتراع بمجموعة مواصفات :
- العمومية : فهو عام لا يمس جنسا دون آخر أو فئة دون أخرى .
- السرية : لا يتم التعبير من قبل الناخب علنا بل بصفة سرية ولقد عمل القانون على تجسيد هذا المبدأ بتوفير وسائل السرية وهي : المظروف و المعزل .
- الشخصية : إن التعبير عن الإرادة في مجال الانتخابات يتم من حيث الاصل بصفة شخصية غير أن المشرع أجاز استعمال نظام الوكالة في مواصع معينة نصت عليها المادة 62 من قانون الانتخاب وهي:
- المرضى الموجودون في المستشفيات.
-العجزة وذوي العطب
-العمال الذين يعملون خارج ولايتهم .
-الموجودون مؤقتا في الخارج
ومن الطبيعي أن يكون الوكيل ناخبا وأن لا يكون حائزا لأكثر من وكالة هذا مع ملاحظة أنه وطبقا لقرار المجلس الدستور لايجوز لأحد الزوجين أم يوكل الآخر وتتم الوكالة بعقد أمام اللجنة الإدارية المذكورة سابقا.
* الفــرز : ويتمثل في عملية حساب الأصوات وهي مرحلة في غاية من الخطورة لذا يجب ضبطها بشكل دقيق لضمان نزاهة العملية الإنتخابية فمن حيث الزمان يجب أن يتم الفرز كما نصت المادة 53 من قانون الانتخابات فورا أي فور نهاية اختتام الاقتراع وتتواصل دون انقطاع حتى نهاية الفرز ومن حيث المكان يتم الفرز في مكاتب التصويت ومن حيث الشكل يتم علنا أي بحضور الناخبين ويتولى الفرز الناخبون أنفسهم بعد اختيارهم من قبل أعضاء مكتب التصويت .
* إعلان النتائـج : تشرف إعلان النتائج النهائية لجنة ولائية تتكون من ثلاثة قضاة يعينهم وزير العدل وتجتمع بمقر مجلس القضاة أو المحكمة.
ثانيا: الدورات
يعقد المجلس الشعبي الولائي (م.ش.و) دورات عادية ودورات إستثنائية
أ)- الدورات العادية : يعقد المجلس أربعة دورات عادية في السنة مدة الواحدة 15 يوما ، يمكن تمديدها إلى 07 أيام أخرى .
وقد نص قانون الولاية على ضرورة إجرائها في تواريخ محددة ، وإلا عدت باطلة ، وهي أشهر : مارس، جوان ، سبتمبر ، وديسمبر .
كما يشترط القانون أن يوجه الرئيس الإستدعاءات لإعضاء المجلس قبل 10 أيام من تاريخ إنعقاد الدورة مرفقة بجدول الأعمال .
ب)- الدورات الإستثنائية : يمكن للمجلس ، عندما تقتضي الحاجة إلى ذلك أن يعقد دورات استثنائية (غير عادية ) سواء بطلب من رئيس المجلس الشعبي الولائي أو ثلث (1/3) أعضاء المجلس ،أو الوالي .
وإذا كان قانون الولاية قد نص في المادة 14 منه على أن يوجه الرئيس الإستدعاءات لعقد الدورة الإستثنائية قبل 5 أيام ، إلا أنه لم يحدد مدتها .
ثالثا: المداولات .
يجري المجلس الشعبي الولائي خلال دوراته ، مداولات تنصب على إحدى صلاحياته وتخضع كماهو الشأن بالنسبة للبلدية ( سابقا، فقرة 183) إلى القواعد الأساسية التالية :
أ)- العلانية : القاعدة العامة أن تكون مداولات المجلس علانية ضمانا للرقابة الشعبية ، إلا في حالتين:
- فحص الحالة الانضباطية للمنتخبين الولائيين،
- فحص المسائل المرتبطة بالأمن و النظام العام
ب)-التصويت : تتم المصادقة على المداولات بالأغلبية المطلقة للأعضاء الممارسين مع ترجيح صوت الرئيس عند التساوي وفقا لماورد بالمادة 47 من قانون الولاية.

رابعا : اللجان
على غرار ماهو سائد في التنظيم البلدي (سابقا ، فقرة 169 ) خول قانون الولاية للمجلس الشعبي الولائي تشكيل لجان متخصصة لدراسة المسائل التي تهم الولاية سواء كانت مؤقتة أو دائمة ، خاصة في المجالات:الإقتصاد و المالية ، التهيئة العمرانية و التجهيز و الشؤون الإجتماعية و الثقافية.
ويجب أن تراعى في تشكيل اللجنة التناسب مع المكونات السياسية للمجلس كما يمكن للجنة أن تستعين بأي شخص من شأنه تقديم معلومات مفيدة.
- الفرع الثالث : الإختصاصات
لقد تأثر قانون الولاية رقم 90-09 بالأسس و المبادئ الواردة في دستور 1989 وهو ما يتجلى من خلال تحديد صلاحيات واختصاصات المجلس الشعبي الولائي ، وذلك بعد التخلي – مذهبيا – عن الإختيار الإشتراكي الذي كان يكرسه دستور 1976 .
وعلى كل ، فإن اختصاصات المجلس الشعبي الولائي تشمل جميع أعمال التنمية الإقتصادية والإجتماعية و الثقافية وتهيئة إقليم الولاية وحماية البيئة.
فللمجلس أن يتداول في المجالات التالية:
أ)- الفلاحة و الري:
توسيع و ترقية الفلاحة ، الوقاية من الآفات الإجتماعية ، التشجير وحماية البيئة و الغابات، الصحة الحيوانية ، المياه الصالحة للشرب وتطهير المياه .
ب)- الهياكل الأساسية الاقتصادية :
وذلك بالقيام بالأعمال والأنشطة التالية : تهيئة طرق الولاية وصيانتها وتصنيفها،ترقية هياكل الاستقبال الأنشطة ، الإنارة الريفية وفك العزلة .
ج)- التجهيزات التربوية و التكوينية :
حيث تتولى الولاية إنجاز وصيانة مؤسسات التعليم : الثانوي و التقني و التكوين المهني .
د)- النشاط الاجتماعي و الثقافي :
حيث يقوم المجلس بعدة أعمال في هذا المجال ، و المتمثلة أساسا فيمايلي : التشغيل (وخاصة بالنسبة للشباب) ، إنجاز هياكل الصحة العمومية ، القيام بأعمال الوقاية الصحية ، مساعدة الفئات الإجتماعية المحتاجة إلى رعاية ( المعوقين و المسنين ) ، إنشاء المؤسسات الثقافية والرياضية وبعث وتنمية التراث الثقافي والسياحي بالولاية.
هـ)- السكن : إذ يساهم المجلس ويشجع إنشاء مؤسسات البناء و التعاونيات العقارية .
إن نظرة فاحصة لاختصاصات وصلاحيات المجلس الشعبي الولائي، تسمح بإبداء الملاحظات الأساسية التالية:
1- يمكن للمجلس أن يتداول في أية قضية تهم الولاية ، تتصل بإحدى المجالات السابقة ، باقتراح من : ثلث (1/3) من أعضاء المجلس أو الرئيس أو الوالي ، كما تشير المادة 55 من قانون الولاية .
2- يشكل المجلس الشعبي الولائي هيئة اتصال بين الإدارة المركزية و الإدارة المحلية ذلك أن المادة 56 من قانون الولاية تنص على مايلي : (( يقدم المجلس الشعبي الولائي الآراء التي تقتضيها القوانين و التنظيمات ، كما يمكنه زيادة على ذلك أن يقدم الاقتراحات أو الملاحظات الخاصة بشؤون الولاية والتي يرسلها الوالي للوزير المختص مرفقة برأيه في آجل أقصاه 30 يوما )) .
3- يتميز تدخل الولاية بالطابع المكمل لوظيفة البلدية ، ذلك أن العديد من أحكام قانون الولاية المتعلقة باختصاصات المجلس الشعبي للولاية تنص عل أن تدخل المجلس الشعبي الولائي يكون في حالة تجاوز النشاط للإطار الإقليمي للبلديات أو لقدراتها ، كما لها أن تتدخل تنسيقا وتشاورا مع البلديات أو دعما لها .

- المطلب الثاني : الـــوالي

يعتبر الوالي سلطة إدارية وسلطة سياسية في نفس الوقت ويستخلص من النصوص القانونية بأنه يشكل السلطة الأساسية في الولاية . وعلى هذا الأساس .يتمتع بصلاحيات هامة جدا تتمثل في كونه من جهة ممثل للدولة ومن جهة أخرى ممثل للولاية .
- الفرع الأول : التعيين وإنتهاء المهام
طبقا للمرسوم الرئاسي رقم 89-44 الصادر في 10-04-1989 المشار إليه سالفا وغيرها من النصوص وخاصة المرسوم التنفيذي رقم 90-25 المؤرخ في 25-07-1990 المتعلق بالتعيين في الوظائف العليا في الإدارة المحلية ، ينعقد الإختصاص بتعيين الوالي إلى رئيس الجمهورية بموجب مرسوم رئاسي يتخذ في مجلس الوزراء بناء على إقتراح من وزير الداخلية .
ونظرا لأهمية الدور المنوط بالوالي و مركزه الحساس ، فقد تأكد اختصاص رئيس الجمهورية بتعيين الولاة بموجب النص عليه صراحة في صلب الدستور المعدل سنة 1998 ، طبقا للمادة 78 منه .
ولا يوجد - حاليا – نص قانوني يبين و يحدد الشروط الموضوعية و المعايير التي يتم بموجبها تعيين الولاة ذلك أن الطبيعة المزدوجة لمهمة الوالي (إدارية و سياسة) تجعل عملية وضع قانون أساسي له من الأمور المعقدة .
أما بالنسبة لانتهاء مهامه فهي تتم طبقا لقاعدة توازي الأشكال بموجب مرسوم رئاسي وبالإجراءات نفسها المتبعة لدى تعينه .
- الفرع الثاني : الصلاحيات
يتمتع الوالي بالازدواجية في الإختصاص ، حيث يحوز على سلطات بصفته هيئة تنفيذية للمجلس الشعبي الولائي ، كما يمارس سلطات أخرى بإعتباره ممثلا للدولة .
أولا: الوالي هيئة تنفيذية للمجلس الشعبي الولائي:
وبهذه الصفة يقوم الوالي بممارسة الصلاحيات الأساسية التالية :
أ)- تنفيذ مداولات المجلس الشعبي الولائي : وذلك بموجب إصدار قرارات ولائية بإعتباره جهاز تنفيذ لما يصادق عليه جهاز المداولة ( م . ش.و ) .
ب)- الإعــلام : يلزم القانون الولاية الوالي بضرورة إطلاع وإعلام المجلس الشعبي الولائي بوضعية ونشاطات الولاية ، وذلك عن طريق :
- إطلاع رئيس المجلس ، بين الدورات ، بإنتظام عن مدى تنفيذ مداولات المجلس.
- تقديم تقرير حول مدى تنفيذ المداولات عن كل دورة عادية .
- تقديم بيان سنوي للمجلس يتضمن نشاطات مصالح الدولة في الولاية من جهة و من جهة أخرى و الذي
يمكن أن ينتج عن مناقشته رفع لائحة إلى السلطة الوصية (الوزارة ) .
ج)- تمثيل الولاية : خلافا للوضع في البلدية ، حيث يمثل رئيس المجلس البلدي البلدية ، فإن مهمة تمثيل الولاية مسندة قانونا للوالي ، وليس إلى رئيس المجلس الشعبي الولائي .
- ومن ثم فإن الوالي يمثل الولاية في جميع أعمال الحياة المدنية و الإدارية طبقا للتشريع الساري المفعول ، كما يمثل الوالي الولاية أمام القضاء سواء كان مداعيا أو مدعى عليه بإستثناء الحالة الواردة بالمادة 54 من قانون الولاية و التي مفادها أنه : (( يمكن رئيس المجلس الشعبي الولائي بإسم الولاية أن يطعن لدى الجهة القضائية المختصة في كل قرار صادر من وزير الداخلية يثبت بطلان أي مداولة ، أو يعلن إلغاءها أو يرفض المصادقة عليها)) وهو ما ذهبت إليه ضمنا المادة 87 من قانون الولاية .
د)- ممارسة السلطة الرئاسية : على موظفي الولاية ، كما تشير المادة 106 من قانون الولاية .
ثانيا : الوالي ممثل للدولة :
يجسد الوالي صورة حقيقية لعدم التركيز الإداري ، نظرا للسلطات و الصلاحيات المسندة إليه بإعتباره ممثلا للدولة في إقليم الولاية .
وتتمثل أهم الاختصاصات الموكلة للوالي بهذه الصفة ، في :
أ- الضبط ( الشرطة ) : كما هو الشأن بالنسبة لرئيس المجلس الشعبي البلدي ، فإن الوالي يتمتع بالعديد من سلطات الضبط الإداري ( الشرطة الإداري ) كما نص قانون الإجراءات الجزائية أيضا على سلطات الولاة في مجال الضبط القضائي .
1- الضبط الإداري : حيث تنص المادة 96 من قانون الولاية على أن : (( الوالي مسؤول على المحافظة على النظام و الأمن والسلامة و السكينة العام )) ، حيث يزود بالوسائل البشرية و القانونية اللازمة (لاحقا فقرة 284) .
2- الضبط القضائي : لقد خولت المادة 28 من قانون الإجراءات الجزائية سلطات للولاة في مجال الضبط القضائي ، مع إحاطتها بجملة من القيود ، من أهمها :
- ممارسة الوالي لسلطة الضبط القضائي في حالة وقوع جناية أو جنحة ضد أمن الدولة .
- توافر حالة الإستعجال .
- عدم علمه أن السلطة القضائية قد أخطرت بوقوع جريمة .
وحتى في هذه الحالة ، فإن سلطة الوالي مقيدة من حيث الزمان ، ذلك أنه يجب على الوالي أن يبلغ وكيل الجمهورية خلال مدة أقصاها 48 ساعة متخليا بذلك عن جميع الإجراءات للسلطة القضائية المختصة.

- المبحث الثالث : الرقابة على الــولاية

تخضع الولاية ، بإعتبارها هيئة إدارية ، إلى مختلف صور و أنواع الرقابة التي عرضناها لدى معالجتنا للنظام الرقابي المبسوط على البلدية مع بعض الأحكام الخاصة التي تقتضيها وضعية الولاية بالنسبة للجهاز الإداري بالدولة .
وعليه سنعمد –هنا – فقط إلى التطرق إلى الرقابة الإدارية المبسوطة خاصة على المجلس الشعبي الولائي سواء بالنسبة : لأعضائه ، وأعماله و مداولاته ، أو بإعتباره إحدى هيئات الولاية .
أما لإدارة الولاية ، فهي تخضع للأحكام العامة بهذا الصدد حيث تنص المادة 106 من قانون الولاية على مايلي : (( للولاية إدارة توضع تحت الإدارة السلمية للوالي وتكلف بتنفيذ مداولات المجلس الشعبي الولائي وقرارات الحكومة بتولي الوالي التنسيق العام للإدارة )).
- المطلب الأول : الرقابة على أعضاء المجلس الشعبي الولائي
تمارس جهة الوصاية ( الإدارة المركزية ) رقابتها على أعضاء المجلس الشعبي الولائي ، من حيث إمكانية توقيفهم أو إقالتهم أو إقصائهم بموجب مداولة من المجلس الشعبي الولائي .
أولا : التوقيف:
تنص المادة 41 من قانون الولاية على مايلي :
" إذا تعرض عضو منتخب لمتبعة جزائية لا تسمح له بمتابعة ممارسة مهامه قانونا ، يمكن توقيفه .
ويتم الإعلان عن توقيف بقرار معلل صادر عن وزير الداخلية حتى صدور قرار الجهة القضائية المختصة "
وبناء عليه ، فإنه يشترط لصحة قرار التوقيف أن يقوم على الأركان التالية :
أ)- من حيث السبب : يرجع سبب توقيف العضو المنتخب بالمجلس الشعبي الولائي إلى حالة قانونية وحيدة قد يوجد فيها ذلك العضو الا وهي المتابعة الجزائية التي لا تسمح له بممارسة مهامه قانونيا ، ضمانا وحماية له كممثل للإرادة الشعبية .
ب)- من حيث الإختصاص : يعود إعلان قرار توقيف العضو إلى وزير الداخلية ، كجهة وصاية .
ج)- من حيث المحل : يتمثل موضوع ومحل قرار التوقيف في تعطيل ممارسة العضو المنتخب بالمجلس الشعبي الولائي وتعليقها لفترة معينة ومحدودة :
- تبدأ من تاريخ صدور قرار التوقيف الصادر من وزير الداخلية ،
- إلى تاريخ القرار النهائي من الجهة القضائية الجنائية المختصة .
د)- الشكل و الإجراءات : لم تشر المادة السابقة صراحة إلى أشكال أو إجراءات معينة ،إلا ان الأمر يقتضي
– عمليا – اتباع إجراءات من طرف مصالح الولاية و الجهات القضائية ، كما أن قرار التوقيف يجب أن يفرغ في قرار وزاري مكتوب .
هـ) – الهدف (الغاية ) : يسعى قرار التوقيف الى الحفاظ على نزاهة و مصداقية التمثيل الشعبي .
ثانيا : الاقالة (الاستقالة الحكمية ):
- تنص المادة 40 من قانون الولاية على مايلي :
" يعد كل عضو في مجلس شعبي ولائي يجد نفسه تحت طائلة عدم قابلية انتخاب أو في حالة تناف , منصوص عليها قانونيا , مستقيلا فورا بموجب مداولة من المجلس الشعبي الولائي .
ويقوم رئيس المجلس الولائي على الفور بإعلام الوالي بذلك .
و في حالة تقصيره , و بعد اعذاره من الوالي , يعلن وزير الداخلية بحكم القانون عن طريق الاستقالة بقرار ".
كما تشير المادة 39 منه الى الاستقالة الادارية للعضو .
- وبناء عليه , فإن قرار الإقالة يجب أن يستند – لصحته – الى الأركان التالية :
أ)- من حيث السبب : يتمثل سبب الاقالة أو الاستقالة الحكمية للعضو في أن يصبح , بعد انتخابه , في إحدى الحالتين القانونيتين المتمثلتين في :
1- حالة من حالات عدم القابلية للانتخاب , الواردة في قانون الانتخابات كما رأينا ( سابقا فقرة 47 ) .
2- حالة من حالات التنافي أو التعارض الواردة بالقانون الاساسي الذي يخضع له المنتخب .
ب)- من حيث الإختصاص : يمكن , في الواقع , أن يتم التصريح بالاستقالة الحكمية للعضو من طرف المجلس الشعبي الولائي .
و في حالة تقصيره , يتم الاعلان عن تلك الاستقالة بقرار من وزير الداخلية.
ج)- من حيث المحل : خلافا للتوقيف , يترتب على الاستقالة الحكمية للمنتخب الولائي وضع حد نهائي للعضوية بالمجلس , اي يتم إلغاء مركزه القانونـي كعضو بالمجلس الشعبي الولائي , بما له من حقوق وما عليه من التزمات .
د)- الشكل و الإجراءات : يشترط قانون الولاية إقالة العضو :
- اجراء جوهريا هو : إعذار الوالي للعضو بتقديم الاستقالة ,
- اجراء مداولة للمجلس الشعبي الولائي ,
- وشكل جوهريا هو : القرار الوزاري المكتوب .
هـ) – الهدف : يرتبط الهدف – هنا-بأحد سببي القرار الاقالة المشار اليهما سابقا .

ثالثا : الاقصاء .
تنص المادة 42 من قانون الولاية على مايلي:
" تطبق أحكام المادة 38 أعلاه على كل منتخب تعرض لإدانة جزائية تسلبه أهلية الانتخاب ."
وبالرجوع غلى المادة 38 منه نجدها تنص على أنه : " في حالة وفاة عضو من أعضاء المجلس الشعبي الولائي أو استقالته أو إقصائه يستخلف بالمترشح الوارد في نفس القائمة مباشرة بعد المنتخب الأخير منها .
يثبت المجلس الشعبي الولائي هذا الاستخلاف بمداولة ، ويطلع الوالي على ذلك".
- ومن ثم ، فإن إقصاء العضو من المجلس الشعبي الولائي يقتضي توافر الاركان التالية :
أ)- من حيث السبب : يشترط لصحة إقصاء المنتخب الولائي وجوده في حالة قانونية تتمثل في تعرضه لأدانة جزائية .
وخلافا للوضع في بالبلدية (سابقا، فقرة 79) ، فإن المشرع قد عمد إلى تحديد وتقييد سبب الإقصاء حينما قصره فقط على الإدانة الجزائية التي تنجم عنها فقدان أهلية الانتخاب طبقا للمادة 5 من الانتخابات .
حيث يعتبر فاقدا لأهلية الانتخاب المحكوم عليه بسبب :
- جناية ، بصورة عامة ومطلقة ، أي مهما كانت العقوبة .
- جنحة يحكم فيها بالحرمان من ممارسة حق الانتخاب ،أو بعقوبة الحبس.
ومن ثم ، فإن الإقصاء يختلف عن الإقالة (الاستقالة الحكمية) لأنه إجراء تاديبي عقابي مقترن بعقوبة جزائية.
ب)- من حيث الإختصاص : لم يحدد قانون الولاية ، خلافا لقانون البلدي ، الجهة التي تثبت إقصاء العضو ، ذلك أن المادة 38 تعرضت فقط إلى الاختصاص بإثبات قرار الاستخلاف حينما اسندته للمجلس الشعبي الولائي.
ج)- من حيث المحل : لا يختلف محل الاقصاء عن محل الإستقالة الحكمية أو الاقالة ، نظرا لأن الأثر القانوني المباشر و الحال المترتب عنهما متماثلا وهو فقدان و زوال و إلغاء المركز القانوني الناتج عن عضوية المجلس الشعبي الولائي .
كما يترتب عن الإقصاء عن استخلاف العضو المقصي بالمترشح الوارد في نفس القائمة مباشرة بعد المنتخب الأخير منها .
د)- من حيث الشكل و الإجراءات : لم تورد المادة السابقة أي جراء أو شكل لإقصاء العضو بالمجلس الشعبي البلدي ، وهي ثغرة يجب سدها ، نظرا لأهمية ركن الشكل و الإجراءات في الحفاظ على حقوق أعضاء المجالس المنتخبة ودعم حمايتهم .
هـ) – من حيث الهدف : إن الغرض من وراء قرار الإقصاء هو الحفاظ على سـمعة و نزاهة و مصداقية التمثيل الشعبي .
- المطلب الثاني : الرقابة على الأعمال
تمارس على الاعمال و تصرفات و مداولات المجلس الشعبي الولائي العديد من صور الرقابة من قبل جهة الوصاية ، المتمثلة أساسا في وزارة الداخلية .
أما قرارات الوالي كممثل للدولة ، فإنها تخضع لمراقبة السلطة المركزية (الوزارة) ، باعتباره مرؤوسا ، بكل مايترتب عن ذلك من نتائج .
- وعلى كل ، فإن مظاهر وصور تلك الرقابة إنما يتمثل في إجراءات : التصديق و الإلغاء ، بكيفية تكاد تكون متماثلة مع هو سائد في التنظيم البلدي (سابقا ،فقرة 80 ومابعدها)
أولا: التصديق :
أ- التصديق الضمني :
تعتبر مداولات المجلس الشعبي الولائي نافذة فور نشرها (إذا كانت عامة و تنظيمية ) أو تبليغها ( إذا كانت خاصة و فردية ) إلى المعنيين من طرف الوالي ،الذي يجب عليه أن يقوم بذلك خلال أجل لايتعدى 15 يوما ، كقاعدة عامة .
ب- التصديق الصريح :
إذا كانت القاعدة بالنسبة لنفاذ مداولات المجلس الشعبي الولائي تتمثل في المصادقة عليها ضمنيا ، فقد حدد قانون الولاية ، على غرار قانون البلدية ، بعض المداولات يشترط لنفاذها الموافقة و التصديق الصريح (كتابيا مثلا) من طرف السلطة المختصة وهي المداولات التي تتعلق :
- بالميزانيات و الحسابات .
- أو بإنشاء و إحداث مصالح ومرافق عمومية ولائية .
- أو بأي موضوع آخر تنص أحكام التشريع المعمول على ضرورة التصديق الصريح .
ثانيا :الإلغاء :
ينعقد الإختصاص بإلغاء مداولات المجلس الشعبي الولائي إلى وزير الداخلية بموجب قرار مسبب إما لبطلانها بطلانا مطلقا أو بطلانا نسبيا.
أ)- البطلان المطلق :
تعتبر باطلة بطلانا مطلقا ، وبحكم القانون ، المداولات التي أوردتها المادة 51 من قانون الولاية ، وذلك لإحدى الاسباب التالية:
1- عدم الإختصاص : حيث تعتبر غير قانونية وباطلة جميع المداولات التي يتخذها المجلس الشعبي الولائي إذا ما كانت متجاوزة وخارجة عن صلاحياته واختصاصاته من حيث نطاقها الإقليمي او الموضوعي ، كأن يتداول المجلس في موضوع خارج عن صلاحياته : ( شأن وطني ، أو شأن بلدي).
2- مخالفة القانون : ضمانا وسعيا لتجسيد مبدأ سيادة القانون ، تعتبر –أيضا- مداولات المجلس الشعبي الولائي باطلة بطلانا مطلقا إذا ما كانت مخالفة للتشريع : الدستور ، القانون ،و التنظيم .
3- مخالفة الشكل و الإجراءات : لقد حدد قانون الولاية قواعد تسيير المجلس الشعبي الولائي من حيث : دوراته و مداولاتها وغيرها من الإجراءات و الكيفيات ، كمارأينا (سابقا ، فقرة 97ومابعدها). وعليه، فإن المداولات التي تتم مخالفة لتلك الأشكال والإجراءات تعتبر باطلة بطلانا مطلقا ولايترتب عنها أي أثر قانوني.
ب)- البطلان النسبي :
سعيا لشفافية ونزاهة العمل الإداري ومصداقية التمثيل الشعبي ، نصت المادة 52 من قانون الولاية على مايلي:
" تكون قابلة للإلغاء المداولات التي يشارك فيها أعضاء من المجلس الشعبي الولائي المعنيون بقضية موضوع المدولة ، إما باسمهم الشخصي أو كوكلاء ".
وإذاكان الاختصاص بإلغاء تلك المداولات يعود أصلا لوزير الداخلية بموجب إصدار قرار مسبب ، فإن المادة 53 من قانون الولاية ، وتوسيعا منها لعملية الرقابة ، تعطى حق المطالبة بإلغاء تلك المداولات ، مع وقف التنفيذ ، لكل من : الوالي وأي ناخب أو دافع ضريبة الولاية.
ويكون ذلك بموجب رسالة مسجلة إلى وزير الداخليةالذي يجب عليه الفصل في الطلب خلال شهر وإلا إعتبرت المداولة نافذة .
- ومهما كان سبب الإلغاء (البطلان المطلق أو البطلان النسبي ) ، و تدعيما للرقابة القضائية على اعمال الإدارة ، تخول المادة 54 من قانون الولاية لرئيس المجلس الشعبي الولائي ، بالرغم من أنه ليس الممثل القانوني الولاية ، إمكانية اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة (مجلس الدولة ) للطعن بالإلغاء في قرارات وزير الدخلية ،طبقا لقانون الإجراءات المدنية.

- المطلب الثالث :الرقابة على الهيئة (المجلس الشعبي الولائي) .

لقد كان قانون الولاية لسنة 1969 في مادته 44 يخول للسلطة المركزية حل المجلس أو توقيفه وتعطيله لمدة لاتتجاوز شهرا.
بينما لايخول قانون الولاية الحالي للسلطة المركزية توقيف suspension المجلس الشعبي الولائي ، حيث يسمح له –فقط- بحله ،وهو مالا يختلف ، في جوهره ، عن حل المجلس الشعبي البلدي (سابقا، فقرة 84 ومابعدها) ،سواء من حيث :أسبابه (حالاته) ، أو الجهة المختصة به (الأداة القانونية ) أو آثاره (نتائجه ).
أولا: الأسباب ( الحالات ) :
على غرار الوضع بالبلدية ، عمد قانون الولاية إلى تحديد وحصر الحالات التي يحل بسببها المجلس والتي ترد وفقا للمادة 44 منه إلى مايلي:
أ)- إنخفاض عدد الاعضاء لأقل من النصف ، حتى بعد القيام بعملية الإستخلاف،
ب)- الإستقالة الجماعية لجميع أعضاء المجلس الممارسين ،
ج)- الإختلاف الخطير بين الأعضاء الذي من شأنه عرقلة السير العادي للمجلس،
د)- الإلغاء النهائي لانتخاب جميع أعضاء المجلس .
ثانيا : الإختصاص :
تنص المادة 45 من قانون الولاية على مايلي :" يتم الإعلان عن حل المجلس الشعبي الولائي وتحديد تاريخ تجديده بمرسوم يصدر في مجلس الوزراء بناء على تقرير من وزير الداخلية ."
ومن ثم ، فإن الملاحظات و المسائل التي أوردناه بشأن الجهة أو السلطة الإدارية المختصة بحل المجلس الشعبي البلدي تبقى قائمة بالنسبة لحل المجلس الشعبي الولائي ( رئيس الجمهورية أم رئيس الحكومة؟)(سابقا،فقرة 86)
ثالثا : الآثار ( النتائج ) : يترتب على حل المجلس الشعبي الولائي مايلي:
1- تسحب صفة العضوية بالمجلس عن جميع الاشخاص الذين كان يتشكل منهم ، أي أنه يتم إلغاء مراكزهم القانونية كأعضاء ، وذلك دون المساس بوجود الشخصية المعنوية للولاية.
2- يحدد نفس المرسوم المتضمن لحل المجلس تاريخا لتجديد المجلس عن طريق إجراء إنتخابات لإقامة مجلس شعبي ولائي منتخب.
ولم ينص قانون الولاية ، خلافا لقانون البلدية ، على إقامة أي مجلس مؤقت نظرا لطبيعة الهيئات الموجودة على مستوى الولاية (الوالي ) التي يمكنها ، الحفاظ على مبدأ إستمرارية المرفق العام .


الخاتمــة
تعتبر الولاية وحدة من الوحدات اللامركزية الإقليمية حيث تعرف أنها جماعة إقليمية تتمتع بالشخصية المعنوية و الاستقلال المالي، حيث كانت في المرحلة الاستعمارية تخضع مناطق و أقاليم الجنوب إلى السلطة العسكرية ، بينما قسم الشمال في البداية إلى ثلاثة محافظات و مع نهاية فترة الاستعمار كان بالجزائر 15 عمالة و 91 دائرة حيث تخضع إدارتها وتسييرها إلى عامل العمالة إلى جانب هيئتان أساسيتان هما مجلس العمالة و المجلس العام و مع دخول مرحلة الاستقلال صدور الأمر 69/38 المؤرخ في 23ماي 1969 و المتضمن لقانون الولاية و المصدر التاريخي للتنظيم الولائي بالجزائر مع ظهور ثلاث أجهزة أساسية هي المجلس الشعبي الولائي ،المجلس التنفيذي للولاية و الوالي ، و قد اهتم دستور 1976 بهذه الوحدة الإدارية حيث نص في المادة 36 منه على اعتبار الولاية هيئة أو مجموعة إقليمية بجانب البلدية إلا أن التغيير للمعطيات السياسية و الاقتصادية خاصة بعد المؤتمر الرابع للحزب أدى إلى تعديل أحكام القانون الولائي من ناحيتين أساسيتين ، الأول توسيع صلاحيات المجلس الشعبي الولائي في العديد من الميادين ،حيث أصبح للمجلس (وظيفة المراقبة ) على مستوى إقليم الولاية تجسيدا لأحكام الدستور 1976 التي تجعل منه وسيلة للرقابة الشعبي. الثاني تدعيم وتأكيد الطابع السياسي لهذه الهيئة سواء من حيث تشكيلها و تسييرها ومع ظهور قانون 90/09 المؤرخ في 07 أفريل 1990 المتعلق بالولاية حيث يتكون من جهاز مؤلف من المجلس الشعبي الولائي و الوالي حيث هذا الأخير هو هيئة تنفيذية للمجلس ، يقوم بتنفيذ مداولات المجلس و الإعلام و تمثيل الولاية و ثانيا تمثيل الدولة ، أما الرقابة على الولاية فإنها توضع تحت الإدارة السلمية للوالي و تكلف بتنفيذ مداولات المجلس الشعبي الولائي و قرارات الحكومة و يتولى الوالي التنسيق العام للإدارة ، أما الرقابة على أعضاء المجلس فتتمثل في التوقيف أو الإقالة أو الإقصاء ، أما الرقابة على ألأعمال فهي التصديق و يكون إما ضمنيا أو صريحا و هناك الإلغاء و يكون من اختصاص وزير الداخلية بموجب قرار مسبب إما لبطلانه بطلانا مطلقا أو بطلانا نسبيا و أخيرا نجد الرقابة على الهيئة حيث تم تحديد و حصر التي يحل بسببها المجلس ، كما تم تحديد اختصاص الحل و تحديد تاريخ تجديده بمرسوم يصدر في مجلس الوزراء بناءا على تقرير من وزير الداخلية كما يترتب على حل المجلس الشعبي الولائي سحب صفة العضوية على جميع الأشخاص و إلغاء مراكزهم القانونية دون المساس بوجود الشخصية المعنوية للولاية و يحدد نفس المرسوم المتضمن لحل المجلس تاريخ تجديده عن طريق إجراء انتخابات لإقامة مجلس شعبي ولائي منتخب ،و في الأخير يمكن أن نترك لزملائنا في البحث الموالي الإجابة على التساؤل التالي كيف يمكن أن تكون البلدية الجماعة الإقليمية الأساسية؟

spisos
02-03-2009, 17:21
إضافة إلى أحلام نور:

أولاً : التجربة الجزائرية في تطبيق اللامركزية في الإدارة المحلية- تجربة بلدية قسنطينة -نموذجًا :

أن المادة الأولى من القانون البلدي الجزائري تُعرّف البلدية بأنها الجماعة الاقليمية السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأساسية .
اللامركزية الإدارية أو الاقليمية :

تأخذ الجزائر في إدارة الجماعات المحلية بالاسلوب اللامركزي, حيث اقتضى ذلك تقسيم الاقليم إلى وحدات متدرجة وفي قمة هذا التدرج توجد الولاية وعلى رأسها الوالي, وتقسم الولاية إلى دوائر والدوائر إلى بلديات, وهذا هو الاسلوب الذي اعتمده المُشرّع الجزائري وهو يقوم على أساس توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة المركزية والهيئات الإدارية المستقلة اقليميًا .
وتأخذ الدولة بأسلوب اللامركزية إلى جانب اسلوب المركزية, وذلك لاتساع الدولة وتعقد الحياة , إضافة إلى الرغبة في التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين جميع الاقاليم, وكذلك توزيع اساليب النشاط الإداري بقدر تنوع الحاجات المهنية وإشراك المواطنين في إدارة شئونهم المهنية .
أجهزة البلدية :

إن البلدية هي أول وحدة لامركزية في الدولة وهي تتمتع بالشخصية المعنوية ,ولا يؤثر حل المجلس الشعبي البلدي في هذه الشخصية المقررة للبلدية. وفي بلديات دولة الجزائر نجد جهازين ديمقراطيين يسيران دائمًا على مقتضى ديمقراطية الحكم الجماعي والانتخاب لتحقيق الكفاءة والفعالية في جميع الميادين وهما : المجلس الشعبي البلدي, والهيئة التنفيذية البلدية .
أ - المجلس الشعبي البلدي :

- ينتخب لمدة خمس سنوات, ويتم انتخاب النواب من ضمن قائمة وحيدة للمرشحين يقدمها الحزب ويكون عدد المرشحين مساويًا لضعف المقاعد المطلوب شغلها ويكون الانتخاب عامًا ومباشرًا وسريعًا ولا يجوز العضوية في عدة مجالس شعبية منتخبة .
- يجتمع بدعوة من رئيسه أو بطلب من الوالي, ويرأسه رئيس المجلس أو من ينيبه, وتتخذ الاصوات بالاغلبية المطلقة, وجلساته علنية أو سرية حسب طلب الاعضاء .
- يجوز للمجلس الشعبي البلدي أن يشكل من أعضائه لجانًا استشارية دائمة ومؤقتة لدراسة المسائل التي تهم البلدية ,كما يجوز الاستعانة بذوي الاختصاص من مؤسسات الدولة أو سكان البلدية .
ب - الهيئة التنفيذية :

- هي جهاز تنفيذي مكون من أعضاء ينتخبهم المجلس الشعبي البلدي من بين اعضائه, وذلك وفقًا لعدد سكان البلدية, وتجتمع بدعوة من الرئيس كلما تطلبت شئون البلدية ذلك.
- تسهر على تطبيق قرارات المجلس, وتعتبر الهيئة العليا للمجلس الشعبي البلدي واعضاء الهيئة التنفيذية ( نواب للرئيس ).
- في بلدية قسنطينة : توجد عدة لجان, وكل لجنة يرأسها نائب من نواب الرئيس الـ ,14 وكل رئيس يتعامل مع مدير إداري يقوم بتنفيذ مداولات المجلس ومقررات اللجنة التفنيذية إلى جانب ممارسة الاختصاصات الإدارية المخولة بموجب القوانين الجاري العمل بها .
الجهاز الإداري :

- وعلى ذكر الجهاز الإداري نتوقف معه لنذكر بأن بلدية قسنطينة مستقلة وذات شخصية معنوية .
- وعلى رأس هذا الجهاز الإداري كاتب عام يساعده مديرون ذوو مستوى وتجربة عالية وهم بعدد لجان المجلس الشعبي البلدي, ويعاون كل مدير رؤساء مصالح ومكاتب وأقسام وفروع بلدية متعددة حسب اهمية كل مديرية وحسب المهام الموكلة إليها .
- رئيس المجلس الشعبي البلدي : يمثل الدولة كما يمثل البلدية:
أولاً : باعتباره ممثلاً للبلدية : يباشر الاختصاصات التنفيذية المعروفة, فهو على سبيل المثال : يمثل البلدية في جميع اعمالها المدنية والإدارية وفقًا للقوانين والأنظمة .
ثانيًا : باعتباره ممثلاً للدولة : يكون مكلفًا تحت سلطة الوالي : بنشر وتنفيذ القوانين واللوائح والأنظمة في دائرة البلدية .
الوصاية الإدارية أو ( الرقابة ):
- تُمارس سلطة الوصاية من طرف الوالي على أعمال البلدية وفقًا لما تضمنه القانون البلدي بغية الحد من التجاوزات التي قد تحدث أو لمنع البلديات من اتخاذ قرارات لا تتلاءم مع المتطلبات الوطنية أو المحلية.
- تُمارس هذه الرقابة أو الوصاية بطريقتين : رقابة على المجلس الشعبي البلدي - رقابة على القرارات التي تصدر عن المجلس بعد المداولة .
- الطعن في قرارات السلطة الوصائية : رغبة في تمكين الهيئات البلدية من الدفاع عن نفسها إزاء تصرفات سلطة الوصاية التي تخرج عن القانون أو تتعدى على استقلالها, منحها حق الطعن في القرارات عن طريق وسيلتين : الوسيلة الإدارية وهي التظلم الرئاسي أمام رئيس الوالي أي وزير الداخلية والوسيلة القضائية .


http://qaseda2.jeeran.com/islam(3).gif

spisos
02-03-2009, 17:22
إضافة إلى أحلام نور:

أولاً : التجربة الجزائرية في تطبيق اللامركزية في الإدارة المحلية- تجربة بلدية قسنطينة -نموذجًا :

أن المادة الأولى من القانون البلدي الجزائري تُعرّف البلدية بأنها الجماعة الاقليمية السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأساسية .
اللامركزية الإدارية أو الاقليمية :

تأخذ الجزائر في إدارة الجماعات المحلية بالاسلوب اللامركزي, حيث اقتضى ذلك تقسيم الاقليم إلى وحدات متدرجة وفي قمة هذا التدرج توجد الولاية وعلى رأسها الوالي, وتقسم الولاية إلى دوائر والدوائر إلى بلديات, وهذا هو الاسلوب الذي اعتمده المُشرّع الجزائري وهو يقوم على أساس توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة المركزية والهيئات الإدارية المستقلة اقليميًا .
وتأخذ الدولة بأسلوب اللامركزية إلى جانب اسلوب المركزية, وذلك لاتساع الدولة وتعقد الحياة , إضافة إلى الرغبة في التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين جميع الاقاليم, وكذلك توزيع اساليب النشاط الإداري بقدر تنوع الحاجات المهنية وإشراك المواطنين في إدارة شئونهم المهنية .
أجهزة البلدية :

إن البلدية هي أول وحدة لامركزية في الدولة وهي تتمتع بالشخصية المعنوية ,ولا يؤثر حل المجلس الشعبي البلدي في هذه الشخصية المقررة للبلدية. وفي بلديات دولة الجزائر نجد جهازين ديمقراطيين يسيران دائمًا على مقتضى ديمقراطية الحكم الجماعي والانتخاب لتحقيق الكفاءة والفعالية في جميع الميادين وهما : المجلس الشعبي البلدي, والهيئة التنفيذية البلدية .
أ - المجلس الشعبي البلدي :

- ينتخب لمدة خمس سنوات, ويتم انتخاب النواب من ضمن قائمة وحيدة للمرشحين يقدمها الحزب ويكون عدد المرشحين مساويًا لضعف المقاعد المطلوب شغلها ويكون الانتخاب عامًا ومباشرًا وسريعًا ولا يجوز العضوية في عدة مجالس شعبية منتخبة .
- يجتمع بدعوة من رئيسه أو بطلب من الوالي, ويرأسه رئيس المجلس أو من ينيبه, وتتخذ الاصوات بالاغلبية المطلقة, وجلساته علنية أو سرية حسب طلب الاعضاء .
- يجوز للمجلس الشعبي البلدي أن يشكل من أعضائه لجانًا استشارية دائمة ومؤقتة لدراسة المسائل التي تهم البلدية ,كما يجوز الاستعانة بذوي الاختصاص من مؤسسات الدولة أو سكان البلدية .
ب - الهيئة التنفيذية :

- هي جهاز تنفيذي مكون من أعضاء ينتخبهم المجلس الشعبي البلدي من بين اعضائه, وذلك وفقًا لعدد سكان البلدية, وتجتمع بدعوة من الرئيس كلما تطلبت شئون البلدية ذلك.
- تسهر على تطبيق قرارات المجلس, وتعتبر الهيئة العليا للمجلس الشعبي البلدي واعضاء الهيئة التنفيذية ( نواب للرئيس ).
- في بلدية قسنطينة : توجد عدة لجان, وكل لجنة يرأسها نائب من نواب الرئيس الـ ,14 وكل رئيس يتعامل مع مدير إداري يقوم بتنفيذ مداولات المجلس ومقررات اللجنة التفنيذية إلى جانب ممارسة الاختصاصات الإدارية المخولة بموجب القوانين الجاري العمل بها .
الجهاز الإداري :

- وعلى ذكر الجهاز الإداري نتوقف معه لنذكر بأن بلدية قسنطينة مستقلة وذات شخصية معنوية .
- وعلى رأس هذا الجهاز الإداري كاتب عام يساعده مديرون ذوو مستوى وتجربة عالية وهم بعدد لجان المجلس الشعبي البلدي, ويعاون كل مدير رؤساء مصالح ومكاتب وأقسام وفروع بلدية متعددة حسب اهمية كل مديرية وحسب المهام الموكلة إليها .
- رئيس المجلس الشعبي البلدي : يمثل الدولة كما يمثل البلدية:
أولاً : باعتباره ممثلاً للبلدية : يباشر الاختصاصات التنفيذية المعروفة, فهو على سبيل المثال : يمثل البلدية في جميع اعمالها المدنية والإدارية وفقًا للقوانين والأنظمة .
ثانيًا : باعتباره ممثلاً للدولة : يكون مكلفًا تحت سلطة الوالي : بنشر وتنفيذ القوانين واللوائح والأنظمة في دائرة البلدية .
الوصاية الإدارية أو ( الرقابة ):
- تُمارس سلطة الوصاية من طرف الوالي على أعمال البلدية وفقًا لما تضمنه القانون البلدي بغية الحد من التجاوزات التي قد تحدث أو لمنع البلديات من اتخاذ قرارات لا تتلاءم مع المتطلبات الوطنية أو المحلية.
- تُمارس هذه الرقابة أو الوصاية بطريقتين : رقابة على المجلس الشعبي البلدي - رقابة على القرارات التي تصدر عن المجلس بعد المداولة .
- الطعن في قرارات السلطة الوصائية : رغبة في تمكين الهيئات البلدية من الدفاع عن نفسها إزاء تصرفات سلطة الوصاية التي تخرج عن القانون أو تتعدى على استقلالها, منحها حق الطعن في القرارات عن طريق وسيلتين : الوسيلة الإدارية وهي التظلم الرئاسي أمام رئيس الوالي أي وزير الداخلية والوسيلة القضائية .


المرجع:

- المعهد العربي لإنماء المدن ,اساليب الإدارة المحلية في خدمة المدن العربية المعاصرة , أعمال وبحوث وتوصيات المؤتمر السابع لمنظمة المدن العربية, الجزائر 1983م.
http://qaseda2.jeeran.com/islam(3).gif

wasou
02-03-2009, 18:09
السلام عليك لو سمحت عندي موضوع حول المديونية الخارجية للجزائر وافاقها ممكن اني اجده عندك؟الله يوفقك يارب

امير الصحراء
02-03-2009, 18:12
مشكور اخي على المجهود
التي تبدلها مع الطلبة
بارك الله فيك

le roi nounou
02-03-2009, 18:42
من فضلك أخي أريد بحث حول استراتيجية الاندماج لدى المؤسسة.. مشكور مسبقا

spisos
03-03-2009, 17:39
رد إلى wasou:

واقع المديونية الخارجية في الجزائر

لا يمكن حصر مديونية الجزائر بإعتبارها مجرد تعبير خارجي عن العجز في ميزان المدفوعات إنما تترجم في الواقع وضعا إقتصاديا معينا له أسبابه التاريخية ومميزاته الخاصة.
أولا: أسباب المديونية الخارجية الجزائرية

هناك عدة أسباب ساهمت في إنشاء وتفاقم أزمة المديونية الخارجية في الجزائر من أهمها:[1]
1- تقلبات قطاع المحروقات

إعتمدت الجزائر إعتمادا مطلقا على قطاع المحروقات في تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية، ولتحقيق ذلك قامت بتكثيف إنتاج المحروقات وتطلب ذلك إنفاق إستثمارات ضخمة في القطاع البترولي، غير أن تعرض هذا القطاع إلى تقلبات كبرى وتذبذب في الأسعار أثر بشكل مباشر على تفاقم أزمة المديونية الخارجية للجزائر، فخلال الصدمتين البتروليتين سنتي 1973و1979 إرتفع سعر النفط مما أدى إلى زيادة الدخل القومي المعبر عنه بفائض في ميزان المدفوعات، وكنتيجة لهذا إتبعت الجزائر سياسة الإقتراض معتمدة على تكهنات إرتفاع أسعار النفط للفترات اللاحقة لكن حدث العكس إذ إنخفض سعر البترول سنة 1986 مما أدى إلى تقليص عائـدات صادرات المحروقـات، ومن ثم حدوث عجز
في ميزان المدفوعات وعدم القدرة على تسديد الديون وقد تسبب هذا الإنخفاض في خسائر للجزائر قدرها 9 مليار دولار.
2- ضخامة الجهود الإستثمارية

إعتمدت الجزائر منذ السبعينات على سياسة تنموية تعتمد خاصة على القطاع الصناعي الذي تطلب إستثمارات ضخمـة فاقت إمكانيـات التمويل المحليـة، مما أدى بالجزائر إلى اللجوء للقروض الخارجية نظرا لإعتقاد راسمي السياسة الإقتصادية أنه لا يمكن تجاوز مرحلة التخلف التي يعيشها الإقتصاد الجزائري إلا عن طريق إقامة إستثمارات ضخمة، غير أن تمويل هذه الإستثمارات عن طريق
القروض الخارجية جعل من الجهاز الإنتاجي جهازا تابعا للخارج، إذ أن عملية تشغيله تتوقف إلى حد كبير على واردات السلع الأولية والسلع الوسيطة.
3- غياب سياسة سليمة للإقتراض

هناك عدة معايير يمكن من خلالها الحكم بغياب سياسة سليمة للإقتراض في الجزائر ومن أهمها:
- عدم وجود تناسب بين تركيبة العملات الأجنبية المكونة للدين الخارجي وبين نمط التجارة الخارجية، حيث أن صادرات الجزائر تتم بصورة شبه كلية بالدولار الأمريكي ومنه يكفي إنخفاض قيمة الدولار مع ثبات العملات الأخرى حتى يتفاقم حجم الدين الخارجي،
- إرتفاع حصة القروض قصيرة الأجل من إجمالي القروض وما تبعها من شروط قاسية خاصة من حيث إرتفاع أسعار الفائدة فيها،
- زيادة خدمات الدين الخارجي إذ وصلت إلى 307% سنة 1994 في حين لم تتجاوز 57.62% سنة 1987،
- عدم المصداقية في تسيير القروض حيث استعملت نسبة كبيرة منها في تمويل الواردات من السلع الكمالية،
- عدم فعالية الجهاز الإنتاجي إذ أن معظم النتائج التي حققتها مختلف القطاعات الإنتاجية التي مولت بالقروض كانت ضعيفة ما عدا قطاع المحروقات.
ثانيا: تطور المديونية الخارجية الجزائرية
الجدول التالي يوضح مديونية الجزائر:

السنوات_ إجمالي الدين


1990 _28.37


1991_27.87


1992_26.67


1993_25.72


1994_29.48


1995_31.57


1996_33.65


1997_31.22


1998_30.47


1999_28.31


2000_25.26


2001_22.57


2002_22.64


2003_23.35


2004_21.82


2005_16.4


2006_15.5*
_________________________
*تقديرية.
المصدر: بنك الجزائر.
___________________________
مرت المديونية الخارجية للجزائر منذ سنة 1990 إلى غاية سنة 2006 بثلاث مراحل مهمة تتلخص فيما يلي:
1- المرحلة الأولى: ﴿1990-1993﴾

في هذه الفترة إنخفض إجمالي الدين بوتيرة منخفضة إذ إنتقل من 28.37 مليار دولار أمريكي سنة 1990 إلى 25.72 مليار دولار أمريكي سنة 1993، أي ما يعادل نسبة 9.34% إذ تميزت هذه المرحلة بإنخفاض أسعار البترول مما نتج عنه تراجع معدل النمو الإقتصادي وتزايد وتيرة التضخم حيث إرتفع إلى 20% سنة 1993 كما إنخفضت إحتياطيات الجزائر من العملة الصعبة وتجاوزت خدمات المديونية الخارجية 80% من إيراداتها الخارجية، كل هذه التطورات أدت بالجزائر للجوء لصندوق النقد الدولي بغرض الإقتراض حيث حصلت منه على300 مليون وحدة حقوق سحب خاصة في جوان 1991 مما أدى إلى خفض قدرة الجزائر على تسديد ديونها.
2- المرحلة الثانية: ﴿1994-1999﴾

مع بداية سنة 1994 أخذت الجزائر على عاتقها مجهودات كبيرة من أجل التصحيح الهيكلي للإقتصاد، فلجأت لطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي فقدم لها قرض متوسط الأجل بلغ 260 مليون دولار لدعم ميزان المدفوعات مما أدى إلى إرتفاع الديون متوسطة وطويلة الأجل بنسبة 13.18%من سنة 1994 إلى سنة 1996، كما أن إتفاق إعادة الجدولة الذي أبرمته الجزائر مع نادي باريس في ماي 1994 ساهم من جهة في خفض معدل خدمة الدين ليبلغ نسبة 30.9% سنة 1996 بعدما بلغ 47.1% سنة 1994 أي إنخفض بنسبة 34.39%، وساهم من جهة أخرى في خفض ديون الجزائر المقومة بالدولار والين بنسبة مرتفعة بلغت51.96% وذلك بين سنتي 1994 و1996. ومثلت سنة 1997نقطة تحول في وضع المديونية الخارجية للجزائر حيث سجل الدين المتوسط والطويل الأجل
إتجاها تنازليا لتبلغ 28.14 مليار دولار سنة 1999 أي إنخفض بنسبة 15.31% منذ سنة 1996 مما أدى إلى إنخفاض إجمالي الدين بنسبة 15.86%، إلا أن معدل خدمة الدين عرف إرتفاعا ملحوظا سنة 1998 حيث بلغ 47.5% وهذا يرجع من جهة إلى إبرام إتفاق القرض الموسع الذي إمتد من سنة1995 إلى سنة 1998، ومن جهة أخرى إلى إرتفاع ديون الجزائر المقومة بالين وباقي العملات بين سنتي 1997 و1998 بنسبة 14.17% و13.3% على التوالي مقابل إنخفاض ديونها بالدولار بنسبة 6.02% فقط، ومع إرتفاع أسعار البترول سنة 1999 حيث بلغت قيمة البرميل الواحد 17.9% دولار أمريكي إنخفضت نسبة خدمة الدين لتصل إلى 39.1%.
3- المرحلة الثالثة: ﴿2000-2006﴾

سجلت أسعار البترول تحسنا ملحوظا إذ بلغت 28.5 دولار أمريكي للبرميل الواحد سنة 2000 أي إرتفعت بنسبة 37.19% خلال سنة واحدة وهكذا وصل مبلغ الصادرات من المحروقات إلى 21.7 مليار دولار أمريكي مما أدى إلى إنخفاض نسبة المديونية مقابل الصادرات لتصل إلى 19.8%، كما تجاوز الإحتياطي من العملة الصعبة عتبة 10 ملايير دولار غير أن عجز ميزان المدفوعات سنة 2001 دفع الجزائر للإقتراض بهدف تغطية هذا العجز مما أدى إلى إرتفاع ديونها سنة 2002، كما إرتفعت ديونها متوسطة وطويلة الأجل سنة 2003 لتبلغ 23.35 مليار دولار وترجع هذه الزيادة إلى إنخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل بقية العملات الصعبة خاصة مع ظهور الأورو كعملة منافسة له، كما إرتفعت الواردات لتصل إلى 13.3 مليار دولار مقابل 12 مليار دولار سنة 2002 ومع إبرام الجزائر لإتفاق الشراكة الأورومتوسطية مع دول الإتحاد الأوروبي فقد إرتفعت ديونها بالأورو في مقابل الدولار حيث إرتفعت ديونها بالأورو بنسبة 24.48% في حين عرفت نسبة ديونها المقومة بالدولار ثباتا نسبيا إذ بلغت 39% من إجمالي الديون خلال سنتي 2003و2004، وإستمرت المديونية الخارجية الجزائرية في الإنخفاض لتصل إلى حوالي 15.5 مليار دولار في مارس 2006، ومن أهم أسباب هذا الإنخفاض إرتفاع أسعار البترول حيث بلغ سعر البرميل الواحد في 5 مارس 2006 قيمة 73 دولار أي حصول الجزائر على عائدات بالعملات الأجنبية بنحو ستين مليار دولار بفضل صادرات المحروقات التي تشكل نحو 98% من وارداتها.
ثالثا: أعباء المديونية الخارجية على صادرات الجزائر

لقد كان لتزايد المديونية الخارجية وخدماتها أعباء ثقيلة على صادرات الجزائر، ويمكن التعرف على هذه الأعباء من خلال المؤشرين المواليين:
1- نسبة إجمالي الدين إلى إجمالي الصادرات

عرفت هذه النسبة إرتفاعا ملحوظا منذ بداية التسعينات حيث إرتفعت من 211% سنة 1990 إلى 243% سنة 1996، وذلك نتيجة إرتفاع مديونيتها الخارجية بعد الإستدانة المتكررة من صندوق النقد الدولي بالإضافة إلى إنخفاض أسعار البترول ومن ثم إنخفاض إيراداتها من صادرات المحروقات، ثم أخذت هذه النسبة في الإنخفاض لتصل إلى 39.05% و19.8% لسنتي 1999و2000 على التوالي، ويرجع هذا الإنخفاض إلى تسديد الجزائر قدرا معتبرا من ديونها خلال هذه الفترة وكذا إلى إرتفاع أسعار البترول حيث بلغت 28.5 دولار للبرميل الواحد وإلى إرتفاع إحتياطياتها من العملة الصعبة.
2- نسبة خدمة الدين إلى إجمالي الصادرات

إن تفاقم المديونية الخارجية للجزائر ترتب عنه إرتفاع معدلات خدمة ديونها الخارجية إلى إجمالي الصادرات، حيث اتجه هذا المعدل إلى التسارع بشكل كبير حيث قفز من 66.4% سنة 1990 إلى 82.2% سنة 1993 ويدل هذا الإرتفاع على أن خدمة الديون الخارجية قد إلتهمت جزءا كبيرا من حصيلة الصادرات، ثم أخذ هذا المعدل في التراجع منذ سنة 1994 حيث بلغ 47.1% واستمر في الإنخفاض ليصل إلى 19.8% سنة 2000 و17.7% سنة 2003، ويرجع هذا إلى إرتفاع أسعار البترول حيث بلغ سعر البرميل الواحد 28.5 دولار سنة 2000 وبالتالي إرتفعت قيمة الصادرات من المحروقات لتبلغ 21.7 مليار دولار أمريكي لنفس السنة، وقد سجلت هذه النسبة أدنى مستوياتها سنة 2003 حيث بلغت 17.7%.
المطلب الثاني: إتفاقيات الجزائر مع صندوق النقد الدولي

إنضمت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي في 26 سبتمبر 1963 وكانت حصتها تقدر بقيمة 623.1 مليون وحدة حقوق سحب خاصة لترتفع إلى 941.4 مليون وحدة في أوت 1994، وقد لجأت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي في هذه الفترة للحصول على قروض خاصة مع إنخفاض أسعار البترول سنة 1986.
أولا: إتفاق الإستعداد الإئتماني ﴿1989-1991﴾

تميزت فترة الثمانينات بتفاقم أزمة المديونية الخارجية الجزائرية حيث بلغت ديونها الخارجية أكثر من 34 مليار دولار أمريكي، كما تزايد معدل خدمة الديون إلى الصادرات ليبلغ 80% وإرتفعت خدمة الديون من 5 ملايير دولار سنة 1987 إلى 7 ملايير دولار سنة 1989، وفي ظل هذه الظروف لجأت الجزائر إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قروض في إطار إتفاق التثبيت في ماي 1989،
ووافق الصندوق على تقديم 155.7 مليون وحدة سحب خاصة والتي استخدمت كليا في 30 ماي 1990 وما ميز هذا الإتفاق أنه تم في سرية تامة.[2]
تم إبرام الإتفاق الإستعدادي الثاني في 3 جوان 1991 وامتد إلى غاية مارس 1992 ووافق الصندوق بموجبه على تقديم 300 مليون وحدة حقوق سحب خاصة على أربع أقساط، بحيث حدد كل قسط بمبلغ 75 مليون وحدة سحب خاصة وقد سحبت الجزائر ثلاث أقساط: الأول في جوان 1991 والثاني في سبتمبر 1991 والثالث في ديسمبر 1991، ولم يسحب القسط الرابع لعدم إحترام الحكومة محتوى الإتفاقية.
ولقد شهدت الجزائر بين سنتي 1992 و1993 وضعا متأزما إتسم بما يلي:[3]
- ظهور عجز مالي للخزينة قدر بنسبة 9% من الناتج الداخلي الخام مما أدى إلى زيادة حجم الدين العام،
- تدهور شروط التبادل وحدوث إختلال على مستوى ميزان المدفوعات،
- إنخفاض الإيرادات الناتجة عن الصادرات واللجوء للواردات مما أثر سلبا على ميزان المدفوعات،
- إرتفاع قيمة خدمة الدين من 9 مليار دولار سنة 1992 إلى أكثر من 9.05 مليار دولار سنة 1993،
- بلغ معدل التضخم نسبة 32% و20.8% لسنتي 1992 و1993 على التوالي.
ثانيا: إتفاق الإستعداد الإئتماني ﴿ أفريل 1994﴾

لجأت الجزائر سنة 1994 إلى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي للنهوض باقتصادها وتجاوز الأزمة الحادة التي تمر بها، وبالفعل حصلت على إعادة الجدولة الأولى مع نادي باريس في نهاية ماي 1994 في ظل إتفاق تحقيق إستقرار لمدة سنة مع الصندوق، حيث تمت إعادة جدولة ما قيمته 400.4 مليون دولار على مدى 16 سنة منها 4 سنوات معفاة من الدفع، كما قدم الصندوق مبلغ 260 مليون دولار لدعم ميزان المدفوعات وفترة سدادها 5 سنوات وقد ساعدت إعادة الجدولة هذه على خفض قسط خدمة الدين سنة 1994 إلى 4.25 مليار دولار أي إنخفض بنسبة 35.5% بدلا من 96%، كما تم تقليص العجز الكلي في الميزانية العامة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي إلى 44% مقابل5.7% المقدرة في البرنامج الحكومي، ورغم إرتفاع أسعار المحروقات إلا أن أسعار المواد الغذائية إرتفعت بنسبة 40% ويرجع هذا لرفع الدعم الذي كانت تتحمله الخزينة وكذلك تخفيض النفقات


بمبلغ 25.7 مليار دولار.[4]
ثالثا: إتفاق القرض الموسع ﴿ 1995-1998 ﴾

يمتد هذا القرض المتوسط المدة من 1 أفريل 1995 إلى مارس 1998 بمبلغ 1169.28 مليون وحدة حقوق سحب خاصة وهذا ما يعادل 127.8% من حصة الجزائر، وبمجرد الموافقة على هذا الإتفاق قامت الجزائر بسحب القسط الأول وقدره 325.28 مليون وحدة سحب خاصة على أن يتم سحب واستخدام المبلغ المتبقي 844.08 مليون وحدة على أقساط يتم إستنفاذها قبل تاريخ 21 ماي 1998، ومن أهم ما نتج عن إعادة الجدولة هذه إنخفاض قسط خدمة الدين إلى 4.244 مليار دولار أمريكي سنة 1995 وبلغ معدل خدمة الدين 38% وإنخفض إلى 33% سنة 1996، واستمرت هذه النسبة في الإنخفاض لتصل إلى 30% سنة 1997 و19.8% سنة 2000 وزيادة على ذلك فقد بلغت المديونية الخارجية أدنى مستوياتها منذ 10 سنوات حيث بلغت 25.26 مليار دولار أمريكي واستمرت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات في الإنخفاض حيث بلغت 18% سنة 2004، كما تراجع معدل التضخم إلى 6% بعدما وصل إلى 93% سنة 1994.
المراجع:

[1]- مخلوفي عبد السلام،« أزمة المديونية ولجوء الجزائر إلى صندوق النقد الدولي»،www.sarambite.imfo/exp209.rar، بشار، 2005، ص ص: 3- 4.
[2]- الهادي خالدي، المرآة الكاشفة لصندوق النقد الدولي، المطبعة الجزائرية للجرائد والمجلات، الجزائر، 1996، ص: 195.
[3]- مخلوفي عبد السلام، مرجع سابق،2005، ص: 14.
[4] - نفس المرجع، ص ص: 15-16.

spisos
03-03-2009, 18:22
رد إلى karim3900:

• عقود التأمين:

إذا كان هناك عقد تأمين علي الخطر، تقوم هيئة التأمين بتعويض المنشأة عن الأضرار التي أصابتها.
التأمين الذاتيSelf-Insurance:

لن تكتمل مناقشة الاحتفاظ بالخطر بدون ذكر لفظ شائع الاستخدام من جانب مديري الخطر وهو التأمين الذاتي. ومع ذلك فالتأمين الذاتي هو أسم خاطئ، لأنه ليس تأميناً من الناحية الفنية، ولا يتم نقل خطر بحت إلي مؤمن ما. التأمين الذاتي: هو شكل خاص من الاحتفاظ المدروس، والذي يتم فيه الاحتفاظ بجزء أو كل تعرض لخسارة معينة عن طريق المنشأة.
والاسم الأفضل للتأمين الذاتي هو تمويل ذاتيSelf-Funding والذي يعبر بشكل أكثر وضوحاً عن فكرة أن الخسائر يتم تمويلها وتسديدها عن طريق المنشأة.
وقد توجه أصحاب الأعمال بشكل متزايد إلي توفير تأمين الرعاية الصحية الجماعي، وتعويضات إصابات العمل وتأمين الممتلكات والحوادث عن طريق التمويل الذاتي بدلاً من شركات التأمين التقليدية علما منهم بأن استبعاد طرف ثالث(ناقل التأمين) يتيح لهم تخفيض التكاليف دون تخفيض المزايا. أكثر من ذلك، عن طريق اتخاذ دور إداري فعال، يمكن أن يكون أصحاب الأعمال أكثر استجابة لحاجة موظفيهم من الرعاية الصحية.
مزايا التمويل الذاتي (التأمين الذاتي):

يمكن ذكر بعض مزايا التأمين الذاتي فيما يلي:
• توفير أموال.
• توفير مرونة أكثر.
• أكثر حساسية لحاجات الموظفين.
• يوفر تنظيما موحداً لخطط المزايا التي يرعاها أصحاب الأعمال.
• يخلق تحكما أكبر في المطالبات.
• يقلل أو يستبعد الغش أو الظلم.
• يتطلب إجراءات وقائية ذات جودة.
• يقدم فرصة لكسب إحصاءات مطالبات مفيدة.
• يوفر إدارة عصرية وتشغيلا الكترونيا مبدعا لبيانات المطالبات.
ب : نقل الخطر:

سبق لنا الحديث عن طريقة نقل الخطر كطريقة لمواجهة الخطر. تمكن هذه الطريقة من نقل الخطر وتوابعه المالية إلي طرف آخر، وبذلك يتم تمويل الخطر من جانب هذا الطرف الآخر.
في برنامج إدارة الخطر، يكون نقل الخطر مفيدا للمزايا التالية:
• يستطيع مدير الخطر نقل بعض الخسائر المحتملة والتي تكون غير قابلة للتأمين التجاري.
• يتكلف نقل الخطر بغير تأمين عادة أقل من التأمين.
• قد يتم نقل الخطر إلي طرف آخر مدرب يكون في وضع أفضل للتحكم في الخسارة.
ومع ذلك نقل الخطر له عدة عيوب منها:
• قد يفشل نقل الخطر بسبب أن صيغة العقد تكون مبهمة وعدم وجود حالات سابقة مماثلة سبق أن صدر حكم قضائي بشأنها يساعد في تفسير العقد الذي تم تفصيله ليناسب الموقف.
• إذا كان الطرف الذي تم نقل الخطر إليه غير قادر علي سداد الخسارة، فإن المنشأة ستظل مسئولة عن المطالبة.
• قد لا يؤدي نقل الخطر إلي تخفيض التكاليف دائماً.
ج : التأمين:

طريقة التأمين تقع ضمن طرق تخفيض الخطر والتي تشمل أيضا طريقتي الفرز والتنويع وطريقة تجميع الأخطار، ولكن الطريقتين الأخيرتين لا توفران وسيلة لتمويل الخطر (سداد الخسارة عند تحقق الخطر)، بعكس التأمين الذي يؤدي إلي تخفيض الخطر وتوفير وسيلة لتمويله أيضا.
ويكون التأمين مناسباً للأخطار التي يكون احتمال الخسارة لها منخفضاً بينما يكون حجم الخسارة مرتفع.
إذا استخدم مدير الخطر التأمين، فيجب التشديد علي خمسة محاور هي:
• اختيار تغطيات التأمين.
• اختيار المؤمن (هيئة التأمين).
• التفاوض حول البنود.
• نشر المعلومات المتعلقة بتغطيات التأمين.
• المراجعة الدورية.
اختيار تغطيات التأمين:

يجب أن يختار مدير الخطر التغطيات التأمينية المطلوبة. ويجب أن تكون التغطيات المختارة ملائمة للتأمين علي حالات التعرض للخسارة. كما يجب أن يكون لدي مدير الخطر دراية متخصصة لعقود التأمين التجاري علي الممتلكات والمسؤولية. وستتم مناقشة بعض أنواع التأمين التجاري فيما بعد.
كذلك يجب علي مدير الخطر أن يحدد ما إذا كان هناك تحمل وحجم هذا التحمل. ويقصد بالتحمل Deductible، استبعاد المطالبات الصغيرة والمصروفات الإدارية لتسوية هذه المطالبات من التغطية التأمينية، ويؤدي التحمل إلي تخفيض تكلفة التأمين ممثلاً في قيمة قسط التأمين. ويعتبر التحمل شكلاً من الاحتفاظ بالخطر. وعند تحديد حجم التحمل، تقرر المنشأة الاحتفاظ بالجزء الصغير نسبياً من أقصي خسارة ممكنة، ويقوم المؤمن طبيعياً بتسوية أي مطالبات، ويتم سداد الخسائر التي تزيد علي التحمل فقط.
كذلك يقرر مدير الخطر متى تلجأ المنشأة إلي تأمين الفائض. فقد تكون المنشأة قوية مالياً وقد ترغب في الاحتفاظ بجزء أكبر نسبياً من أقصي خسارة ممكنة. في هذه الحالة، لا يساهم المؤمن في الخسارة حتى تزيد الخسارة الفعلية علي المبلغ الذي قررت المنشأة الاحتفاظ به. وقد يتم وضع حد الاحتفاظ عند أقصي خسارة محتملة (ليس أقصي خسارة ممكنة). علي سبيل المثال: قد يقرر مدير الخطر الاحتفاظ بخسارة 1مليون ريال من خسائر حادث حريق فردي يصيب مصنع أقصي خسارة ممكنه له مقدارها 25 مليون ريال، علي هذا يعتبر أن1 مليون ريال هو أقصي خسارة محتملة. إذا تحققت خسارة كلية للمصنع نتيجة حادث حريق، فسوف تستوعب المنشأة أول مليون ريال من الخسارة، والباقي ومقداره 24 مليون ريال ، فسوف يقوم المؤمن بسداده.
اختيار المؤمن:

يجب علي مدير الخطر أن يختار المؤمن (هيئة التأمين)، أو عدة مؤمنين. وهناك عدة عوامل تؤثر في هذا الاختيار منها:
• القوة المالية للمؤمن.
• خدمات إدارة الخطر التي يوفرها المؤمن.
• تكلفة ومدد الحماية التأمينية.
التفاوض حول البنود:

بعد أن يتم اختيار المؤمن أو المؤمنين، يجب أن يتم التفاوض علي بنود العقد. إذا تم استخدام الوثائق، الملاحق، النماذج، المطبوعة والمعدة سابقاً، فيجب أن يتفق مدير الخطر والمؤمن علي المستندات التي ستشكل أساس العقد. إذا تم كتابة وثيقة خاصة للمنشأة، فيحب أن تكون صياغة ومعني الشروط التعاقدية واضحة لكلا الطرفين. بصفة عامة، يجب أن تكون خدمات إدارة الخطر المختلفة التي سوف يوفرها المؤمن منصوصاً عليها بشكل واضح في العقد. أخيراً، إذا كانت المنشأة كبيرة، قد تكون الأقساط قابلة للتفاوض بين الطرفين. وفي العديد من الحالات يتم إدخال وكيل أو سمسار في المفاوضات.
نشر المعلومات المتعلقة بتغطيات التأمين:

يقصد بذلك أن تكون المعلومات المتعلقة بتغطيات التأمين منشورة علي الآخرين في المنشأة. فيجب أن يكون موظفو المنشأة ومديروها علي علم بكل من: تغطيات التأمين، المعدلات المختلفة التي يجب الحفاظ عليها، خدمات إدارة الخطر التي يقدمها المؤمن، التغيرات في مسببات الخطر التي قد تؤدي إلي إيقاف التأمين، تقارير الخسارة. ويجب علي المنشأة الإذعان إلي شروط الوثيقة فيما يتعلق بكيفية تقديم إخطارات المطالبة وكيفية تقديم الإثباتات اللازمة للخسارة.
المراجعة الدورية:

يجب أن تتم مراجعة دورية لبرنامج التأمين. هذه المراجعة تكون مهمة بصفة خاصة عندما تتغير أعمال التشغيل للمنشأة أو إذا اندمجت في منشأة أخري أو ضمت منشأة أخري إليها. وتتضمن المراجعة: تحليلاً لعلاقات الوكيل والسمسار، التغطيات المطلوبة، كفاءة طرق التحكم في الخسارة المقدمة، ما إذا كانت المطالبات تسدد فوراً، كذلك وقبل كل شيء قرار شراء التأمين.
مزايا وعيوب التأمين في برنامج إدارة الخطر:

يحقق التأمين مزايا معينة في برنامج إدارة الخطر منها:

1. تعويض المنشأة عن الخسارة المتحققة، مما يمكنها من الاستمرار في التشغيل، كما يخفض حدة التقلبات في الإيرادات أو يمنعها كلية.
2. تخفيض عدم التأكد، والذي يتيح للمنشأة التوسع الأفقي في خططها. كذلك يتم تخفيض القلق والخوف بالنسبة للمديرين والموظفين، والذي يحسن أدائهم ويرفع إنتاجياتهم.
3. يمكن أن يوفر المؤمن خدمات إدارة خطر ذات قيمة، مثل خدمات التحكم في الخسارة، محللي التعرض للخطر لتعريف الأخطار، وتسوية المطالبات.
كذلك ينطوي استخدام التأمين علي عيوب وتكاليف معينة منها:
1. سداد الأقساط يعتبر تكلفة أساسية، وكما سنري فيما بعد، يتكون القسط من مكون لسداد الخسائر، مبلغ للمصروفات، وهامش للربح والحوادث الطارئة وقد توجد تكاليف أخري تبعا للوضع الفعلي. إذا تم استخدام التأمين، فيجب دفع الأقساط مقدماً، مما يحرم المنشأة من استثمار قيمة القسط أو استخدامه في العمل.
2. ضرورة بذل وقت ومجهود كبيران في التفاوض حول تغطيات التأمين، وبنود التأمين وفي التعاون مع نشاطات التحكم في الخسارة التي يقدمها المؤمن، كذلك في تقديم إثباتات الخسارة للمؤمن بعد الخسارة.
3. قد يقل الحافز لدي مدير الخطر لإتباع طرق التحكم في الخسارة اعتمادا علي وجود التأمين ومن أن المؤمن سوف يقوم بسداد الخسارة، وقد يؤدي هذا الموقف الخاطئ إلي زيادة الحوادث التي تؤدي إلي خسائر أخري ناجمة من تحقق أخطار لا تشملها التغطية التأمينية.

spisos
05-03-2009, 17:51
رد إلى amine 23 :

قانون المالية و المبادئ المتعلقة بالميزانية العامة



الفصـل الأول
قانون المالية والمبادئ المتعلقة بالميزانية

المادة 1
يتوقع قانون المالية لكل سنة مالية مجموع موارد وتكاليف الدولة ويقيمها وينص عليها ويأذن بها ضمن توازن اقتصادي ومالي يحدده القانون المذكور.

المادة 2
يعتبر بحكم هذا النص قانونا للمالية : -قانون المالية للسنة؛ -قوانين المالية المعدلة له؛ -قانون التصفية.

المادة 3
لا يمكن أن يتضمن قانون المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل وكذا مراقبة استعمال الأموال العمومية.

المادة 4
لا يمكن أن تغير خلال السنة أحكام قانون المالية للسنة إلا بقوانين للمالية تسمى "قوانين معدلة".

المادة 6
تبتدئ السنة المالية في فاتح يوليو وتنتهي في 30 يونيو من السنة الموالية.


المادة 7
يمكن أن تلزم التوازن المالي للسنوات المالية اللاحقة الأحكام المتعلقة بالموافقة على الاتفاقيات المالية وبالضمانات التي تمنحها الدولة وبتدبير شؤون الدين العمومي وكذا الدين العمري وبالترخيصات في الالتزام مقدما وباعتمادات الالتزام وبالترخيصات في البرامج.

المادة 8
تدرج المداخيل في حسابات السنة المالية التي يتم خلالها تحصيلها من قبل محاسب عمومي. تدرج النفقات في حسابات السنة المالية التي يؤشر خلالها المحاسبون المكلفون بتخصيص النفقات على الأوامر بالصرف أو الحوالات، ويجب أن تؤدى هذه النفقات من اعتمادات السنة المذكورة أيا كان تاريخ الدين.

المادة 9
يباشر قبض مبلغ الحصائل بكامله دون مقاصة بين المداخيل والنفقات. فمجموع المداخيل يرصد لتنفيذ مجموع النفقات. تدرج جميع المداخيل وجميع النفقات في الميزانية العامة. غير أن بعض المداخيل يمكن إرصادها لبعض النفقات، وتكتسي هذه المرصدات الخاصة شكل حسابات خصوصية للخزينة أو إجراءات محاسبية خاصة ضمن الميزانية العامة والحسابات الخصوصية المذكورة.

الفصـل الثانـي
تحديد موارد الدولة وتكاليفها
القسـم الأول
موارد الدولة

المادة 11
تشتمل موارد الدولة على : -الضرائب والرسوم؛ -حصيلة الغرامات؛ -الأجور عن الخدمات المقدمة والأتاوى؛ -أموال المساعدة والهبات والوصايا؛ -دخول أملاك الدولة؛ -حصيلة بيع المنقولات والعقارات؛ -حصيلة الاستغلالات والمساهمات المالية للدولة وكذا القسط الراجع للدولة من أرباح المؤسسات العمومية؛ -المبالغ المرجعة من القروض والتسبيقات والفوائد المترتبة عليها؛ -حصيلة الاقتراضات؛ -الحصائل المختلفة.


القسـم الثاني
تكاليف الدولـة

المادة 12
تشتمل تكاليف الدولة على : -نفقات الميزانية العامة؛ -نفقات الحسابات الخصوصية للخزينة.

الفصل الثالث
الميزانية العامــــة

المادة 13
تشتمل الميزانية العامة على جزأين، يتعلق الجزء الأول منهما بالموارد ويتعلق الثاني بالنفقات. تشتمل موارد الميزانية العامة على الموارد المشار إليها في المادة 11 أعلاه. تشتمل نفقات الميزانية العامة على نفقات التسيير ونفقات الاستثمار والنفقات المتعلقة بخدمة الدين العمومي.

المادة 14
تشتمل نفقات التسيير على : -مخصصات السلطات العمومية؛ -نفقات الموظفين والأعوان والمعدات المرتبطة بتسيير المرافق العمومية؛ -النفقات المختلفة المتعلقة بتدخل الدولة ولا سيما في المجالات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ -النفقات المتعلقة بالتكاليف المشتركة بما فيها نفقات الدين العمري؛ -النفقات الطارئة والمخصصات الاحتياطية.

المادة 15
تشتمل نفقات الاستثمار على : -المخصصات المرصدة للنفقات الناتجة عن تنفيذ مخططات التنمية الموافق عليها من لدن البرلمان؛ -النفقات غير المقررة في مخطط التنمية والمبرمجة في قانون المالية للحفاظ على الثروات الوطنية أو إعادة تكوينها أو تنميتها. يمكن أن تدرج بعض نفقات الموظفين والأعوان غير المرسمين في نفقات الاستثمار بشرط ألا تتعلق إلا بمستخدمين معينين لتنفيذها عن طريق الوكالة.

المادة 16
تشتمل النفقات المتعلقة بالدين العمومي على النفقات من فوائد وعمولات والنفقات المتعلقة باستهلاكات الدين المتوسط والطويل الأجل.

الفصل الرابع
الحسابات الخصوصية للخزينة

المادة 17
تهدف الحسابات الخصوصية للخزينة : -إما إلى بيان العمليات التي لا يمكن إدراجها بطريقة ملائمة في الميزانية العامة نظرا لطابعها الخاص أو لعلاقة سببية متبادلة بين المدخول والنفقة؛ -وإما إلى بيان عمليات مع الاحتفاظ بنوعها الخاص وضمان استمرارها من سنة مالية إلى أخرى؛ -وإما إلى الاحتفاظ بأثر عمليات تمتد على ما يزيد على سنة دون تمييز بين السنوات المالية. وترتبط هذه العمليات المحاسبية بتطبيق تشريع أو تنظيم أو التزامات تعاقدية للدولة سابقة لإحداث الحساب.

المادة 18
تحدث الحسابات الخصوصية للخزينة بقانون المالية داخل أحد الأصناف المشار إليها في المادة 19 بعده، وينص القانون المذكور على مداخيل هذه الحسابات ويحدد المبلغ الأقصى للنفقات التي يمكن أن تقتطع منها. غير أنه يجوز في حالة الاستعجال والضرورة الملحة أن تحدث خلال السنة المالية حسابات خصوصية جديدة للخزينة بموجب مرسوم تطبيقا لأحكام الفصل 45 من الدستور. ويجب عرض هذه الحسابات الخصوصية الجديدة على البرلمان بقصد المصادقة في أقرب قانون للمالية.

المادة 19
تشتمل الحسابات الخصوصية للخزينة على الأصناف التالية : -الحسابات المرصدة لأمور خصوصية التي تبين فيها المداخيل المرصدة لتمويل صنف معين من النفقات والاستعمال المخصص لهذه المداخيل. ويمكن أن تزود هذه الحسابات بحصيلة رسوم أو أداءات من الميزانية أو مداخيل خاصة؛ -حسابات الانخراط في الهيئات الدولية التي تبين فيها المبالغ المدفوعة والمبالغ المرجعة برسم مشاركة المغرب في الهيئات الدولية، ولا يجوز أن تدرج في هذه الحسابات إلا المبالغ المقرر إرجاعها في حالة الانسحاب؛ -حسابات العمليات النقدية التي تبين حركات الأموال ذات الأصل النقدي؛ -حسابات التسبيقات التي تبين فيها المبالغ المدفوعة في شكل تسبيقات قابلة للإرجاع تنجزها الدولة من موارد الخزينة وتمنح لأجل المصلحة العامة، وتستحق فوائد على هذه التسبيقات التي تساوي مدتها سنتين أو تقل عنهما؛ -حسابات القروض التي تبين فيها المبالغ المدفوعة في شكل قروض تنجزها الدولة من موارد الخزينة وتمنح لأجل المصلحة العامة، وتستحق فوائد على هذه القروض التي تتجاوز مدتها سنتين؛ -حسابات النفقات من المخصصات التي تبين عمليات متعلقة بصنف خاص من النفقات يتم تمويله من مخصصات الميزانية.

المادة 20
تقرر عمليات الحسابات الخصوصية للخزينة ويؤذن فيها وتنفذ طبق نفس الشروط المتعلقة بعمليات الميزانية العامة، ما عدا في حالة استثناءات منصوص عليها في قانون المالية ومع مراعاة الأحكام التالية. يرحل رصيد كل حساب خصوصي من سنة إلى سنة. غير أن الأرباح والخسائر المثبتة برسم سنة مالية معينة في حسابات العمليات النقدية تدرج في المداخيل أو التكاليف بالميزانية العامة على أبعد تقدير خلال السنة الثانية الموالية للسنة التي استخلصت منها. تدرج في المداخيل بالميزانية العامة برسم حصيلة المساهمات المالية الدخول الناتجة عند الاقتضاء عن المبالغ المقيدة بحسابات الانخراط في الهيئات الدولية. تعتبر دائنة على الدوام أرصدة الحسابات المرصدة لأمور خصوصية وحسابات النفقات من المخصصات. الحسابات المرصدة لأمور خصوصية وحسابات النفقات من المخصصات التي لم تترتب عليها نفقات طوال ثلاث سنوات متتابعة، يمكن أن تصفى في نهاية السنة الثالثة، ويدرج رصيدها في المداخيل بالميزانية العامة. يحدد مكشوف حسابات العمليات النقدية بموجب قانون المالية للسنة، وتمسك هذه الحسابات بكفية تبرز النتائج النهائية إن اقتضى الحال. يمنع أن تدرج مباشرة في حساب خصوصي للخزينة النفقات الناتجة عن صرف المرتبات أو التعويضات إلى مستخدمي الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والمنشآت العمومية ما عدا في حالة استثناءات منصوص عليها في قانون المالية.

المادة 21
يدرج في النفقات بالميزانية العامة كل مبلغ مرتبط بتسبيق أو قرض منحته الدولة ولم يتم تحصيله خلال الخمس سنوات الموالية لحلول أجله، وتدرج المبالغ المحتمل تحصيلها فيما بعد في المداخيل بالميزانية المذكورة. الفصـل الخامـس إجراءات محاسبية خاصة المادة 22 تدرج مباشرة في المداخيل بالميزانية العامة أو بالحسابات الخصوصية للخزينة حسب الحالة الأموال المدفوعة من قبل أشخاص معنويين أو طبيعيين للمساهمة مع أموال الدولة في نفقات ذات مصلحة عامة وكذا حصيلة الهبات والوصايا. ويمكن أن يفتح اعتماد بنفس المبلغ إضافة إلى الاعتمادات الممنوحة بموجب قانون المالية. غير أنه إذا تعذر أن تدفع سلفا حصيلة الهبة الممنوحة إلى الميزانية العامة أو الحسابات الخصوصية للخزينة لتيسير الالتزام بالنفقة المتعلقة بها، جاز فتح الاعتمادات اللازمة للالتزام بهذه النفقة وأدائها إضافة إلى الاعتمادات الممنوحة بموجب قانون المالية. يجب أن تكون عمليات إرصاد أموال المساعدة وإجراءات استعمالها مطابقة لما هو متفق عليه مع الطرف الدافع أو الواهب.

المادة 23
يمكن أن يتم فتح اعتمادات من جديد بشأن المداخيل المتأتية من استرجاع الدولة لمبالغ مؤداة بوجه غير قانوني أو بصفة مؤقتة.

الفصل السادس
الترخيصات في البرامج والترخيصات في الالتزام مقدما

المادة 24
لا يمكن أن تترتب على المخططات الموافق عليها من قبل البرلمان التزامات للدولة إلا في نطاق الحدود المعينة في قانون المالية للسنة.

المادة 25
يمكن أن تمنح في شأن نفقات الاستثمار الناتجة عن تنفيذ مخطط التنمية ترخيصات في برامج تحدد التكلفة الإجمالية والقصوى لمشاريع الاستثمار المعتمدة. تشتمل الترخيصات المذكورة على اعتمادات للأداء واعتمادات للالتزام تشكل الحد الأعلى للنفقات المأذون للآمرين بالصرف في الالتزام بها لتنفيذ الاستثمارات المقررة. تشتمل كذلك نفقات الاستثمار غير المقررة في مخطط التنمية والمبرمجة للحفاظ على الثروات الوطنية أو إعادة تكوينها أو تنميتها على اعتمادات للأداء واعتمادات للالتزام. في جميع الحالات تشكل اعتمادات الأداء المضافة إليها عند الاقتضاء الاعتمادات المرحلة وفقا للمادة 46 أدناه وأموال المساعدة المنصوص عليها في المادة 22 أعلاه الحد الأقصى للنفقات الممكن الأمر بصرفها في نطاق السنة المالية.

المادة 26
الاعتمادات المفتوحة برسم نفقات التسيير اعتمادات سنوية. غير أن ترخيصات في الالتزام مقدما يمكن أن تمنح بقانون المالية للسنة في حدود مبلغ أقصى ينص عليه قانون المالية المذكور.


الباب الثاني
تقديم قانون المالية

المادة 27
يشتمل قانون المالية على جزأين. تحصر في الجزء الأول المعطيات العامة للتوازن المالي ويتضمن ما يلي : -الإذن في استخلاص المداخيل العامة وإصدار الاقتراضات؛ -الأحكام المتعلقة بالموارد العمومية التي يمكن أن ينص قانون المالية على إحداثها أو تغييرها أو حذفها؛ -الأحكام المتعلقة بتكاليف الدولة وبالحسابات الخصوصية للخزينة وكذا بمراقبة استعمال الأموال العمومية؛ -التقييم الإجمالي لمداخيل الميزانية العامة وأصناف الحسابات الخصوصية للخزينة؛ -الحدود القصوى لتكاليف الميزانية العامة عن كل باب وللحسابات الخصوصية للخزينة عن كل صنف. تحصر في الجزء الثاني نفقات الميزانية العامة عن كل فصل ونفقات الحسابات الخصوصية للخزينة عن كل حساب.

المادة 28
تقدم موارد الميزانية العامة في فصول منقسمة إن اقتضى الحال إلى مواد وفقرات.

المادة 29
تجمع نفقات الميزانية العامة في ثلاثة أبواب : الباب الأول : نفقات التسيير؛ الباب الثاني : نفقات الاستثمار؛ الباب الثالث : النفقات المتعلقة بخدمة الدين العمومي. تقدم نفقات الميزانية العامة داخل الأبواب في فصول منقسمة إلى مواد وفقرات وسطور حسب وجه تخصيصها أو الغرض منها أو طبيعتها. يقرر فيما يرجع لنفقات التسيير عن كل قطاع وزاري أو مؤسسة فصل للموظفين والأعوان وفصل للمعدات والنفقات المختلفة. ويخصص لنفقات الاستثمار فصل عن كل قطاع وزاري أو مؤسسة.

المادة 30
تقدم النفقات المتعلقة بالدين العمومي في فصلين : -الأول يشتمل على النفقات من فوائد وعمولات المتعلقة بالدين العمومي؛ -الثاني يشتمل على النفقات المتعلقة باستهلاكات الدين العمومي المتوسط والطويل الأجل.

المادة 31
تقدم قوانين المالية المعدلة كلا أو بعضا وفق نفس الكيفية التي يقدم بها قانون المالية للسنة.


البــاب الثالــث
دراسة قوانين المالية والتصويت عليها
الفصـل الأول
دراسة قوانين المالية

المادة 32
يتولى الوزير المكلف بالمالية تحضير مشاريع قوانين المالية تحت سلطة الوزير الأول.

المادة 33
يودع مشروع قانون المالية للسنة بمكتب أحد مجلسي البرلمان قبل نهاية السنة المالية الجارية بسبعين يوما على أبعد تقدير. يشفع المشروع بتقرير تعرض فيه الخطوط العريضة للتوازن الاقتصادي والمالي والنتائج المحصل عليها والآفاق المستقبلية والتغييرات التي أدخلت على المداخيل والنفقات. وتلحق بالتقرير المذكور وثائق تتعلق بنفقات الميزانية العامة وبعمليات الحسابات الخصوصية للخزينة وبمرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة وبالمؤسسات العمومية. يحال المشروع في الحين إلى لجنة تابعة للمجلس المعروض عليه الأمر قصد دراسته.

المادة 34
يبت المجلس المعروض عليه الأمر أولا في مشروع قانون المالية داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لإيداعه. تعرض الحكومة، فور التصويت على المشروع أو عند انصرام الأجل المنصوص عليه في الفقرة السابقة، على المجلس الآخر النص الذي تم إقراره أو النص الذي قدمته في أول الأمر مدخلة عليه إن اقتضى الحال التعديلات المصوت عليها في المجلس المعروض عليه الأمر أولا والمقبولة من طرف الحكومة. يبت المجلس المعروض عليه الأمر ثانيا في المشروع داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لعرض الأمر عليه. إذا لم يتأت إقرار مشروع قانون المالية بعد مناقشة واحدة في كلا المجلسين، يجوز للحكومة أن تعلن حالة الاستعجال وتعمل على اجتماع لجنة ثنائية مختلطة من أعضاء المجلسين يناط بها اقتراح نص بشأن الأحكام التي ما زالت محل خلاف وذلك داخل أجل لا يزيد على سبعة أيام من يوم عرض الحكومة الأمر عليها. تعرض الحكومة النص الذي تقترحه اللجنة الثنائية المختلطة والمقبول من طرفها على المجلسين لإقراره داخل أجل لا يزيد على ثلاثة أيام، ولا يجوز في هذه الحالة قبول أي تعديل إلا بموافقة الحكومة. إذا لم تتمكن اللجنة الثنائية المختلطة من اقتراح نص مشترك أو إذا لم يقر المجلسان النص الذي اقترحته، تعرض الحكومة على مجلس النواب مشروع قانون المالية بعد أن تدخل عليه عند الاقتضاء ما تتبناه من التعديلات المقترحة خلال المناقشة البرلمانية، وفي هذه الحالة لا يمكن لمجلس النواب أن يقر نهائيا النص المعروض عليه إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم.

المادة 35
إذا لم يتم في 30 يونيو، وفقا لأحكام الفصل 50 من الدستور، التصويت على قانون المالية للسنة أو صدور الأمر بتنفيذه بسبب إحالته إلى المجلس الدستوري فإن الحكومة تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية والقيام بالمهام المنوطة بها على أساس ما هو مقترح بالميزانية المعروضة بقصد الموافقة. ويسترسل العمل في هذه الحالة باستخلاص المداخيل طبقا للأحكام التشريعية والتنظيمية الجارية عليها باستثناء المداخيل المقترح إلغاؤها في مشروع قانون المالية، أما المداخيل التي ينص المشروع المذكور على تخفيض مقدارها فتستخلص على أساس المقدار الجديد المقترح. لتطبيق الفقرة السابقة تدرج في مرسوم الأحكام المتعلقة بالمداخيل المقترح إلغاؤها في مشروع قانون المالية وكذا المداخيل التي ينص المشروع المذكور على تخفيض مقدارها، وينتهي العمل بالمرسوم المذكور فور دخول قانون المالية حيز التنفيذ.


الفصـل الثانـي
طريقة التصويت على قانون المالية

المادة 36
لا يجوز في أحد مجلسي البرلمان عرض الجزء الثاني من مشروع قانون المالية للسنة لمناقشته قبل التصويت على الجزء الأول.

المادة 37
يصوت على أحكام قانون المالية مادة فمادة.

المادة 38
يجري في شأن تقديرات المداخيل تصويت إجمالي فيما يخص الميزانية العامة وتصويت عن كل صنف من أصناف الحسابات الخصوصية للخزينة.

المادة 39
يجري في شأن نفقات الميزانية العامة تصويت عن كل باب وعن كل فصل داخل نفس الباب. يصوت على نفقات الحسابات الخصوصية للخزينة بحسب كل صنف من أصناف هذه الحسابات.

المادة 40
تطبيقا لأحكام الفصل 51 من الدستور، يتم بقوة القانون حذف أو رفض المواد الإضافية أو التعديلات الرامية إما إلى تخفيض الموارد العمومية وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود. فيما عدا ذلك يجب أن يتم تعليل كل مادة إضافية أو كل تعديل.


الباب الرابـع
مدى الترخيص البرلماني

المادة 41
لا يجوز الالتزام بالنفقات والأمر بصرفها وأداؤها إلا في حدود الاعتمادات المفتوحة. استثناء من الأحكام السابقة، يمكن أن تتجاوز النفقات التالية المخصصات المقيدة في العناوين المتعلقة بها: -النفقات المتعلقة بالدين العمومي والدين العمري؛ -النفقات المتعلقة بأجور الموظفين والأعوان المحدد عددهم في قانون المالية. غير أن الأحكام النظامية الخاضع لها الموظفون والأعوان والمطبقة في تاريخ دخول قانون المالية حيز التنفيذ تعتمد وحدها في حالة تجاوز يتعلق بالأجور المشار إليها أعلاه.

المادة 42
يفتح فصل خاص غير مرصد لأي مرفق من المرافق تدرج فيه النفقات الطارئة والمخصصات الاحتياطية فيما يتعلق بالباب الأول من الميزانية العامة. يمكن أن تباشر اقتطاعات من الفصل المذكور في أثناء السنة للقيام عن طريق اعتماد إضافي بسد الحاجات المستعجلة أو غير المقررة حين إعداد الميزانية.

المادة 43
يمكن في حالة ضرورة ملحة ذات مصلحة وطنية أن تفتح اعتمادات إضافية بمرسوم في أثناء السنة تطبيقا للفصل 45 من الدستور.

المادة 44
لا يمكن أن ينتج إحداث مناصب أو حذفها إلا عن أحكام واردة في قانون المالية. يمكن أن يتم تحويل المناصب أو إعادة انتشارها خلال السنة وفق الإجراءات المحددة بنص تنظيمي.

المادة 45
يجوز للحكومة أثناء السنة المالية وقف تنفيذ بعض نفقات الاستثمار إذا استلزمت ذلك الظروف الاقتصادية والمالية ويتم إخبار اللجن المختصة في البرلمان.

المادة 46
لا يجوز أن ترحل الاعتمادات المفتوحة في الميزانية العامة برسم سنة مالية إلى السنة الموالية. غير أن اعتمادات الأداء المتوفرة برسم نفقات الاستثمار ترحل وفق الإجراءات المحددة بنص تنظيمي ما لم ينص على خلاف ذلك في قانون المالية. وتضاف إلى اعتمادات الأداء المفتوحة بموجب قانون المالية للسنة.


الباب الخامـس
تصفية الميزانية

المادة 47
يثبت في قانون يسمى "قانون التصفية" المبلغ النهائي للمداخيل المقبوضة والنفقات المأمور بصرفها والمتعلقة بنفس السنة المالية ويحصر فيه حساب نتيجة السنة . يجب أن يودع مشروع القانون المذكور بمكتب أحد مجلسي البرلمان في نهاية السنة الثانية الموالية لسنة تنفيذ قانون المالية على أبعد تقدير. يرفق مشروع القانون المذكور بتقرير يعده المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية وبالتصريح العام بمطابقة حسابات المحاسبين الفردية للحساب العام للمملكة.

spisos
06-03-2009, 14:59
رد إلى oranaise :

تفضلي هذه المعلومات ريثما يتوفر البحث..شكرا على المرور

: دور المؤسسات الإعلامية في المجتمع المعاصر:

وظيفة الإعلام في المجتمع المعاصر:

يقوم الإعلام في المجتمع المعاصر بدور كبير في تنشئة الأفراد، وبخاصة أن تأثيره يصل إلى قطاعات واسعة وعريضة من شرائح المجتمع، وقد ساعد على ذلك سرعة اختصاره للزمان والمكان، وسرعة تجاوبه مع المستجدات العلمية والتكنولوجية، مما يؤدي إلى زيادة الرصيد الثقافي للإنسان، وتيسير عملية تبادل الخبرات البشرية.
وتتوافر في وسائل الإعلام عدة مميزات لا يتمتع بها غيرها من الوسائط التربوية الأخرى، فهي تقدم خبرات ثقافية متنوعة ونماذج سلوكية وطرق معيشة قطاعات عريضة من أفراد المجتمع. كما أنها تنقل إلى الأفراد خبرات ليست في مجال تفاعلاتهم البيئية والاجتماعية المباشرة، وتتعرض وسائل الإعلام لكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يجعلها ذات تأثير كبير على تكوين الرأي العام وتوجيهه، ووسيلة مهمة من وسائل التربية المستمرة (الخطيب، 2004م، 178).
وللإعلام دور بارز وفعال في عملية التنشئة الاجتماعية لما يملك من خصائص تعزز من دوره، منها: جاذبيته التي تثير اهتمامات النشء، وتملأ جانباً كبيراً من وقت فراغهم، خاصة وأنهاتعكس الثقافة العامة للمجتمع، والثقافات الفرعية للفئات الاجتماعية المختلفة، وتحيط الناس علماً بموضوعات وأفكار ووقائع وأخبار ومعلومات ومعارف في جميع جوانب الحياة»، بالإضافة إلى أنها تجذب الجمهور إلى أنماط سلوكية مرغوب فيها، وتحقق له المتعة بوسائل متنوعة على مدار الساعة بما يشبع حاجاته. لقد استطاع الإعلام أن يغزو البيت والشارع والمدرسة ويحدث تغيراً كبيراً في القيم، وإذا لم يواجه ذلك بعملية تربوية منظمة تواكب هذا التطور المذهل، فسوف سيؤدي إلى التخبط والعشوائية بل والضياع في العملية التربوية.
إن تمكن الدول المتقدمة من التحكم في وسائل الإعلام الدولي، ومنها إنشاء الوكالات الدولية للأنباء، بالإضافة إلى الإذاعات الدولية، والصحف والمجلات المنتشرة على نطاق عالمي، وقوة الشبكة العنكبوتية العالمية (الإنترنت) واستخدام الأقمار الصناعية، واختصار المسافات، واختزال الزمن، جعل وسائل الإعلام سلاحاً خطيراً في أيدي القوى الكبرى، وفرض تحدياً للدول النامية والدول الفقيرة للفرار من قيود التبعية الإعلامية

وتمتلك وسائل الإعلام عدة وسائل جماهيرية أهمها: التليفزيون، والإذاعة والإنترنت،، والصحافة الورقية والإلكترونية، والمعارض، والمتاحف والمسرح والسينما والمكتبات وغيرها، وقد كان التطور في هذه الوسائل الإعلامية مذهلاً، جعل المعمورة تقترب وتتداخل عبر شبكة من الاتصالات والأطياف الضوئية، وتتخطى حواجز الزمان والمكان، وأصبح الإعلام أحد محددات السلوك، أو أحد العوامل المؤثرة فيه بقوة. إن القنوات الفضائية، وأضحت وسائل الإعلام الأخرى ذات تأثير لا يُقاوم على سلوك الأطفال (العويني، 1983).

spisos
06-03-2009, 20:23
رد إلى ملاك الجزائر:

التنمية الإدارية

• المقدمة:
• تعريف التنمية الإدارية وأهدافها:
• أسباب زيادة الاهتمام بالتنمية الإدارية:
• برامج التدريب في الدول المتقدمة:
• الفرق بين التدريب والتنمية الإدارية:
• مجالات التنمية الإدارية
• إجراءات التنمية الإدارية:
• تقويم فعالية التنمية الإدارية:



المقدمة:

• التنمية الإدارية تشمل جميع المستويات الإدارية في المنظمة، لأنها تختص بتطوير الطاقات الإدارية لرجال الإدارة الحاليين وتهيئة مدراء المستقبل وتسليحهم بالقدرات التي تمكنهم من تولي المناصب القيادية في المستقبل.
• "تهدف هذه البرامج إلى تنميه المهارات القيادية لدى المديرين،وتنمية القدرة على التفكير الخلاق واتخاذالقرارات الصحيحة"
• أصبح من المؤكدأن المديرين الأكفاء لا يظهرون فجأة أو عرضاً، كذلك لا يمكن توافر القيادات الإدارية عن طريق النمو التلقائي لهذه القيادات، وإنما كنتيجة للتدريب المخطط والجمود المنظمة التي توجه نحو التنمية الإدارية.
• الشرط الأساسي لنجاح هذه البرامج هو" أن يكون لدى المشترك ثقافة وخبرة ودراية سبق أن اكتسبها خلال دراسة الإدارة وممارستها اثناء عمله"

تعريف التنمية الإدارية وأهدافها:

"التنمية الإدارية أو التطوير الإداري هي: "عملية منظمة ومستمرة ،ويتم من خلالها تزويد المديرين الحاليين بالمنظمة، او مديري المستقبل بحصيلة من المعرفة والمهارات والقدرات اللازمة التي تمكنهم من قيادة وإدارة المنظمة حالياً ومستقبلاً بنجاح".
"نشاط مخطط ومستمر يهدف على تطوير السلوك الإداري، وتطوير قدرات المديرين بالمنشاة من خلال المعارف والمهارات التي يكتسبونها من خلال برامج التنميةالإدارية"

أهدافها:

ومن أهم الأهداف:

1- تجنب التقادم الإداري:من خلال تجنب الجمود في عقليات وسلوك المديرين،والتجديد في طرق العمل ، وادوات، وتكنولوجية العمل المستخدمة.
2- تخطيط عملية الإحلال: حيث تسهل عملية التنمية الإدارية عملية الإحلال والترقي للمراكز الوظيفية الأعلى في الهيكل التنظيمي للمنظمة.
"والإحلال يكون إما بسبب الترقية،او الفصل، او الاستقالة، او بلوغ سن التقاعد، أوغير ذلك من الأسباب".
3-إرضاء مطلب النمو الذاتي للأفراد: حيث تحقق أهداف المدراء في الوصول للمراكزالأعلى، والشعور بالإنجاز.

• أسباب زيادة الاهتمام بالتنمية الإدارية:

1- التوسع السريع والضخم في الأعمال بعد الحرب العالمية الثانية.
2- كبر حجم المشروعات وتعقدها.
3- طبيعة الإعدادالعلمي السابق لشغل معظم وظائف الإدارة.
4- طبيعة الوظيفة الإدارية وتأثرها بالعوامل البيئية والظروف العائلية للمدير.
5- زيادة الدور الذي يقوم به شاغلي الوظائف المساعدة.
6- زيادة الطلب على شاغلي الوظائف الإدارية
7- تقادم المعرفة.

برامج التدريب في الدول المتقدمة:

تنقسم برامج التدريب في الدول المتقدمة إلى قسمين:

أولاً:برامج طويلة الأجل: هدفها الإعداد الكامل لمجموعة من المهارات يمكن ان تشمل الوظائف الإدارية في المستويات المختلفةويكون من بينهم مدير المستقبل. وهؤلاء يختارون ممن لديهم طموح واستعداد لتولي الوظائف القيادية.
والمشترك في هذا البرنامج يدرس الطريقة التي تدار بها أوجه النشاط المختلفة في المنظمة التي يعمل بها ( إدارة الإنتاج، إدارة المبيعات، إدارة شؤون الأفراد، الإدارة المالية)على أن تخصص فترة ليست بقصيرة في البرنامج للربط بين السياسات التي ترسم في كل الإدارات السابقة.
ويتميز هذا النوع من البرامج بأنه تفصيلي ويعالج موضوعات متعددة، ويستغرق فترة من الزمن تتراوح بين سنة وسنتين من الدراسة المبنية على التفرغ، بعدها يعود هؤلاء الأشخاص لمنظماتهم لتطبيق ما تعلموه بما يتلاءم مع ظروفهم الخاصة.

ثانياً: البرامج القصيرة الأجل: موجودة في الدول المتقدمة وفيها يتم اختيار المديرين ممن لديهم ثقافة إدارية وخبرة طويلة الأجل.
ويهدف هذا النوع من البرنامج إلى تعريف المديرين بكل جديد في المجالات المختلفة لإدارة الأعمال. وقد تبين أن مشاغل هذه الفئة من العاملين في المنظمات كثيرة بحيث تمنعهم عادة من متابعة كل تقدم أو جديد يحدث في مجالات الإدارة المختلفة.
في الدول النامية الوضع يختلف من ناحيتين:
1- تفتقر الدول النامية أساساً للمهارات الإدارية القادرة على توجيه وإدارة نشاط الأعمال، وهنا يجب اختيار مجموعة من الأشخاص الذين يتوقع أن يشغلوا وظائف إدارية في المستقبل، ويدرس لهم كل ما يتعلق بمجالات الإدارة، وذلك لأن هذه الفئة لاتتوفر لديها الثقافة والخبرة الإدارية، فهم يحتاجون لمعارف ومفاهيم متعمقة في مجالات الإدارة.
2- الوعي الإداري لم يكتمل في الدول النامية ، فوظيفة المدير لم تفهم الفهم الصحيح، والسبب في ذلك أن هذه الدول تركز على التقدم الفني وإقامة المصانع، وهذه نظرية خاطئة حيث يجب ان يسير التقدم الفني والإداري جنباً إلى جنب، ولضمان التقدم الاقتصادي لا بد أن يتوفر للمنظمة "الكفاءات الفنية والإدارية".
3- وبالتالي يشترط لنجاح عملية التنمية الإدارية أن تهدف برامج التدريب إلى إيجاد المهارات الإدارية ، ولن يتحقق هذا إلا إذا كانت البرامج شاملة وتستمر لفترة طويلة لا تقل عن سنة.

الفرق بين التدريب* والتنمية الإدارية*:

كثيراً من الباحثين لا يميزون بين التدريب والتنمية الإدارية،غير أن هناك فريقاً آخر من الباحثين يميز بين العمليتين من حيث طبيعة كل برنامج، وموضوعاته، والمعنيين به، وهذا أيضاً رأي سليم.
غير انه مع تطور الفكر الإداري والتغيرات الهائلة في موارد المنظمات، كان لا بد من وضع الحطوط الفاصلة بين هذين المفهومين:
(*يرى البعض أن التدريب يرتبط بالعمال الفنية أو المهنية، ولكن البعض يرد على ذلك بأن التدريب قد يشمل أيضاً الإداريين من المستوى الأدنى في التنظيم أو الأوسط، وخاصة في إطار الجوانب الفنية لأعمالهم)

العناصر التدريب التنمية الإداريةوالتطوير الإداري
الأهداف كلاهما يسعى لزيادة المهارة والمعرفة والقدرات لدى الأفراد كلاهما يسعى لزيادة المهارة والمعرفة والقدرات لدى الأفراد
الموضوعات يركز عادة على نطاق محدود من المهارات الفنية أو الإدارية(مشغلي معدات الطباعة وزيادة سرعتهم ودقتهم) تتسم بالتوسع والتشعب في المهارات(مدير المطبعة يركز على التخطيط، التنظيم،اتخاذ القرارات،مهارات الاتصال، التحفيز، ومهارات القيادة)
الاستمرارية قد تكون لفترات متقطعة ولتحقيق هدف معين. هي عملية مستمرة سواء كان التطوير داخلياً أو خارجياً ويجب ان لا تتوقف
التنمية الذاتية يقدم عند بروز الحاجة فقط لاتتوقف على البرامج التي تقدمها لهم المنظمة داخلها أو خارجها،فهم مسؤلون عن تنمية أنفسهم وقدراتهم الشخصية
مدة التدريب تميل إلى القصر تميل إلى التطويل
طرق التدريب والتطوير تركز على زيادة تراكم المهارة الفنية للمتدربين تركز على زيادة المهارات الفكرية للإداريين( التخطيط الاستراتيجي، اتخاذ القرارات، العلاقات الخارجية).

مجالات التنمية الإدارية:

هناك احتياجات مختلفة للتطوير والتدريب الإداري،حيث تركز برامج التدريب في المستوى الإداري والإشرافي والأوسط على الجوانب الفنية مثل : تقويم الأداء ، تحديد الأهداف ، اتصالات والانضباط،فإن برامج التطوير للمستوى الإداري الأعلى تركز على الجوانب العامة للمنظمة مثل: التخطيط، واتخاذ القرارات ، وحل المشاكل المالية والانسانية وعلاقات المنظمة مع الخارج ، وبناء فرق العمل الفعالة داخل المنظمة .

إجراءات التنمية الإدارية:

قبل اختيار موضوعات التنمية والتطوير،لا بد من عمل الاجراءات التالية:
أولاً: تقدير احتياجات المنظمة من المديرين:ومعرفة خطط المنظمة في المستقبل من حيث النمو والانكماش.
ثانياً:مراجعة مخزون المهارات:الذي يتمثل في رصيد المهارات البشرية المؤهلة الموجودة الآن عند المنظمة والقابلة للترقية إلى مسؤليات أعلى.و"هذا المخزون عبارة عن سجلات تحتوي على معلومات عن الأفراد تشمل مستوياتهم التعليمية،خبراتهم الوظيفية، المسار الوظيفي وطموحاتهم، ونتائج تقويم الأداء".
ثالثا: تحديد الأشخاص المطلوب تطويرهم وتنميتهم:حيث بعد ذلك يتم تحديد الموضوعات التي سيشملها التطوير ومكان التطوير والتدريب.


تقويم فعالية التنمية الإدارية:

بالرغم من اعتبار التنمية الإدارية استثمار في العنصر البشري ينتج عنه مكاسب للمنظمة،وقدرتها على مواجهة التغيير وإحداثة.إلا أنه لا بد أن تتاكد المنظمات من أن هذه الأموال والجهود ستثمر في تحقيق النتائج المرجوة ، وذلك من خلال الاستراتيجيات التالية:
أولاً: قياس ردود فعل المتدربين.
ثانياً: قياس درجة التعلم.
ثالثاً: قياس درجة التغير في السلوك.
رابعاً: قياس كفاءة المنظمة ككل.

spisos
10-03-2009, 08:00
رد إلى didi27 :

قراءة في تجربة ماليزيا التنموية

المرجع:

عبدالحافظ الصاوي رقم العدد451 الشهر 5 السنة 3. مجلة الوعي الإسلامي – دولة الكويت


التجربة الماليزية جديرة بالتأمل وخصوصاً أنها تتميز بكثير من الدروس التي من الممكن أن تأخذ بها الدول النامية كي تنهض من كبوة التخلف والتبعية. فعلى الرغم من الانفتاح الكبير لماليزيا على الخارج والاندماج في اقتصاديات العولمة، فإنها تحتفظ بهامش كبير من الوطنية الاقتصادية. وخلال نحو عشرين عاماً تبدلت الأمور في ماليزيا من بلد يعتمد بشكل أساسي على تصدير بعض المواد الأولية الزراعية إلى بلد مصدر للسلع الصناعية، في مجالات المعدات والآلات الكهربائية والالكترونيات. فتقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لعام 2001م رصد أهم 30 دولة مصدرة للتقنية العالية، كانت ماليزيا في المرتبة التاسعة متقدمة بذلك عن كل من ايطاليا والسويد والصين. كما كانت تجربتها متميزة في مواجهة أزمة جنوب شرق آسيا الشهيرة التي شهدها العام 1997م، حيث لم تعبأ بتحذيرات الصندوق والبنك الدوليين وأخذت تعالج أزمتها من خلال أجندة وطنية فرضت من خلالها قيوداً صارمة على سياستها النقدية، معطية البنك المركزي صلاحيات واسعة لتنفيذ ما يراه لصالح مواجهة هروب النقد الأجنبي إلى الخارج، واستجلب حصيلة الصادرات بالنقد الأجنبي إلى الداخل وأصبحت عصا التهميش التي يرفعها الصندوق والبنك الدوليين في وجه من يريد أن يخرج عن الدوائر المرسومة بلا فاعلية في مواجهة ماليزيا التي خرجت من كبوتها المالية أكثر قوة خلال عامين فقط، لتواصل مسيرة التنمية بشروطها الوطنية. بينما أندونسيا وتايلاند مثلاً ما زالتا تعانيان أثر الأزمة، من خلال تعاطيهما تعليمات أجندة الصندوق والبنك الدوليين. ونظراً لتفرد التجربة فقد حرصنا على مشاركة المتخصصين الذين تناولوا التجربة بالبحث والدراسة من خلال كتب منشورة وأبحاث علمية شاركوا بها في المؤتمرات العلمية.

العوامل الاقتصادية والسياسية التي ساعدت على نجاح التجربة:

الدكتورة <نعمت مشهور> أستاذة الاقتصاد الإسلامي في كلية التجارة للبنات بجامعة الأزهر ترى أن هناك مجموعة من العوامل ساعدت على نجاح تجربة ماليزيا في التنمية وهي كما يلي:
1. المناخ السياسي لدولة ماليزيا يمثل حالة خاصة بين جيرانها، بل بين الكثير من الدول النامية، حيث يتميز بتهيئة الظروف الملائمة للإسراع بالتنمية الاقتصادية. وذلك أن ماليزيا لم تتعرض لاستيلاء العسكريين على السلطة.
2. يتم اتخاذ القرارات دائماً من خلال المفاوضات المستمرة بين الأحزاب السياسية القائمة على أسس عرقية، ما جعل سياسة ماليزيا توصف بأنها تتميز بأنها ديموقراطية في جميع الأحوال.
3. تنتهج ماليزيا سياسة واضحة ضد التفجيرات النووية، وقد أظهرت ذلك في معارضتها الشديدة لتجارب فرنسا النووية، وحملتها التي أثمرت عن توقيع دول جنوب شرق آسيا العشر المشتركة في <تجمع الأسيان> في العام 1995م على وثيقة إعلان منطقة جنوب شرق آسيا منطقة خالية من السلاح النووي وقد ساعد هذا الأمر على توجيه التمويل المتاح للتنمية بشكل أساسي بدلاً من الإنفاق على التسلح وأسلحة الدمار الشامل.
4. رفض الحكومة الماليزية تخفيض النفقات المخصصة لمشروعات البنية الأساسية، والتي هي سبيل الاقتصاد إلى نمو مستقر في السنوات المقبلة. لذا قد ارتفع ترتيب ماليزيا لتصبح ضمن دول الاقتصاد الخمس الأولى في العالم في مجال قوة الاقتصاد المحلي.
5. انتهجت ماليزيا استراتيجية تعتمد على الذات بدرجة كبيرة من خلال الاعتماد على سكان البلاد الأصليين الذين يمثلون الأغلبية المسلمة للسكان.
6. اهتمام ماليزيا بتحسين المؤشرات الاجتماعية لرأس المال البشري الإسلامي، من خلال تحسين الأحوال المعيشية والتعليمية والصحية للسكان الأصليين، سواء كانوا من أهل البلاد الأصليين أو من المهاجرين إليها من المسلمين الذين ترحب السلطات بتوطينهم.
7. اعتماد ماليزيا بدرجة كبيرة على الموارد الداخلية في توفير رؤوس الأموال اللازمة لتمويل الاستثمارات حيث ارتفاع الادخار المحلي الإجمالي بنسبة 40 % بين سنة 1970م وسنة 1993م، كما زاد الاستثمار المحلي الإجمالي بنسبة 50 % خلال الفترة عينها. ويرى د. محمود عبد الفضيل أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أنه في الوقت الذي تعاني فيه بلدان العالم النامي من مثلث المرض والفقر والجهل، فإن ماليزيا كان لها ثالوث آخر دفع بها إلى التنمية منذ طلع الثمانينيات وهو مثلث النمو والتحديث والتصنيع، باعتبار هذه القضايا الثلاث أوليات اقتصادية وطنية، كما تم التركيز على مفهوم <ماليزيا كشراكة> كما لو كانت شركة أعمال تجمع بين القطاع العام والخاص من ناحية وشراكة تجمع بين الأعراق والفئات الاجتماعية المختلفة التي يتشكل منها المجتمع الماليزي من ناحية أخرى. ويضيف عبد الفضيل أن هناك عوامل أخرى ساعدت على نجاح التجربة التنموية في ماليزيا منها:
• أنها تعاملت مع الاستثمار الأجنبي المباشر بحذر حتى منتصف الثمانينيات، ثم سمحت له بالدخول ولكن ضمن شروط تصب بشكل أساسي في صالح الاقتصاد الوطني منها:
- ألا تنافس السلع التي ينتجها المستثمر الأجنبي الصناعات الوطنية التي تشبع حاجات السوق المحلية.
- أن تصدر الشركة 50 % على الأقل من جملة ما تنتجه.
- الشركات الأجنبية التي يصل رأس مالها المدفوع نحو 2 مليون دولار يسمح لها باستقدام خمسة أجانب فقط لشغل بعض الوظائف في الشركة.
• أيضاً امتلاك ماليزيا لرؤيا مستقبلية للتنمية والنشاط الاقتصادي من خلال خطط خمسية متتابعة ومتكاملة منذ الاستقلال وحتى الآن، بل استعداد ماليزيا المبكر للدخول في القرن الحالي <الواحد والعشرين> من خلال التخطيط لماليزيا 2020م والعمل على تحقيق ما تم التخطيط له.
• وجود درجة عالية من التنوع في البنية الصناعية وتغطيتها لمعظم فروع النشاط الصناعي (الصناعات: الاستهلاكية - الوسيطة -الرأسمالية) وقد كان هذا الأمر كمحصلة لنجاح سياسات التنمية بماليزيا فيمكن اعتباره سبباً ونتيجة في الوقت عينه.
مسيرة التنمية في ماليزيا:

يرصد الدكتور عبد الفضيل تجربة التنمية في ماليزيا من خلال البعد التاريخي ومدى تطور التنمية في هذا البلد فيذكر أنه، بعد أن حصلت ماليزيا على استقلالها في العام 1958م اتجهت استراتيجية التنمية إلى الإحلال محل الواردات في مجال الصناعات الاستهلاكية والتي كانت تسيطر عليها الشركات الأجنبية قبل الاستقلال. إلا أن هذه الاستراتيجية لم تفلح في مجال التنمية المتواصلة نظراً لضيق السوق المحلي وضعف الطلب المحلي. ولم يكن لهذه الاستراتيجية أثر على الطلب على العمالة أو وجود قيمة مضافة عالية. ويبين عبد الفضيل، أن المرحلة الأولى بدأت في عقد السبعينات حيث اتجهت التنمية في ماليزيا للاعتماد على دور كبير للقطاع العام والبدء في التوجه التصديري في عمليات التصنيع• حيث بدأ التركيز على صناعة المكونات الإلكترونية. ولكن هذه الصناعات كانت كثيفة العمالة مما نتج منه تخفيض معدلات البطالة وحدوث تحسن في توزيع الدخول والثروات بين فئات المجتمع الماليزي ولاسيما بين نخبة صينية كانت مسيطرة على مقدرات النشاط الاقتصادي خلال فترات الاحتلال والسكان ذوي الأصل المالايي الذين يشكلون الأغلبية في ماليزيا. أيضاً كان لشركات البترول دور ملموس في دفع السياسات الاقتصادية الجديدة حيث كونت ما يشبه الشركات القابضة للسيطرة على ملكية معظم الشركات التي كانت مملوكة للشركات الإنكليزية والصينية. وقد تحقق لها ذلك مع نهاية عقد السبعينيات. ويوضح عبد الفضيل أن المرحلة الثانية شهدت الخمس سنوات الأولى من عقد الثمانينيات تنفيذ الخطة الماليزية الرابعة والتي ركزت على محورين هما: موجة جديدة من الصناعات التي تقوم بعمليات الإحلال محل الواردات والصناعات الثقيلة في إطار ملكية القطاع العام. بينما الفترة الممتدة من منتصف الثمانينيات وحتى العام 2000م لتشمل المرحلة الثالثة حيث شهدت تنفيذ ثلاث خطط خمسية في ماليزيا. استهدفت تحقيق مجموعة من السياسات لتنشيط عمليات النمو الصناعي وتعميق التوجه التصديري في عمليات التصنيع وأيضاً تحديث البنية الأساسية للاقتصاد الماليزي، وكذلك وجود مزيد من التعاون الاقتصادي الإقليمي في إطار مجموعة بلدان كتلة <الأسيان>، وأخيراً تطوير طبقة من رجال الأعمال الماليزيين من ذوي الأصول المالاوية.

الإسلام وتجربة التنمية في ماليزيا:

تقول الدكتورة <نعمت مشهور> تقوم تجربة التنمية في ماليزيا على أنها تجربة ناجحة وأنها تجربة اتفقت إلى مدى بعيد مع مبادئ وأسس الاقتصاد الإسلامي، وإن لم يتم الإعلان صراحة عن هذا الانتماء. فقد اهتمت ماليزيا بتحقيق التنمية الشاملة لكل من المظاهر الاقتصادية والاجتماعية، مع الموازنة بين الأهداف الكمية والأهداف النوعية، مع الاهتمام بهذه الأخيرة. وتدلل الدكتورة <نعمت مشهور> على ما ذهبت إليه من خلال ما يلي:
• في مجال التنمية المادية عملت ماليزيا على تحقيق العدالة بين المناطق، بحيث لا يتم تنمية منطقة على حساب أخرى، فازدهرت مشروعات البنية الأساسية في كل الولايات، كما اهتمت بتنمية النشاطات الاقتصادية جميعها، فلم يهمل القطاع الزراعي في سبيل تنمية القطاع الصناعي الوليد أو القطاع التجاري الاستراتيجي، وإنما تم إمداده بالتسهيلات والوسائل التي تدعم نموه، وتجعله السند الداخلي لنمو القطاعات الأخرى.
• كما اتفقت التنمية الماليزية مع المبدأ الإسلامي الذي يجعل الإنسان محور النشاط التنموي وأداته، فأكدت تمسكها بالقيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية، مع الاهتمام بتنمية الأغلبية المسلمة لسكان البلاد الأصليين من الملاويين وتشجيعهم على العمل بالقطاعات الإنتاجية الرائدة، فضلاً عن زيادة ملكيتهم لها. كما وفرت لأفراد المجتمع إمكانيات تحصيل العلم في مراحله المختلفة، وتسهيل التمرين والتدريب ورفع مستوى الإنتاجية، وترتيبات الارتفاع بالمستوى الصحي وتوقعات العمر، فنجحت في تحسين مستويات معيشة الأغلبية العظمى من أفراد الشعب كماً ونوعاً، وخصوصاً مع ارتفاع متوسط الدخل الفردي.
• كذلك انتهجت ماليزيا استراتيجية الاعتماد على الذات في الاضطلاع بالعبء التنموي، سواء البشري أو التمويلي، حيث عملت على حشد المدخرات المحلية اللازمة لاستغلال الموارد الإلهية المتاحة.
• أيضاً اهتمت ماليزيا بتجربة تحسين المؤشرات الاجتماعية لرأس المال البشري الإسلامي، سواء كان من أهل البلاد الأصليين أو من المهاجرين إليها من المسلمين الذين ترحب السلطات بتوطينهم، كما أسهم ارتفاع نصيب الملاويين في الملكية المشتركة للثروة في القطاعات الإنتاجية المختلفة، فضلاً عن القطاع المالي والمصرفي، إلى توفير رؤوس الأموال المحلية اللازمة لمختلف أوجه التنمية بصورة متزايدة والتي أسهمت في الإقلال من الديون الخارجية، وما يترتب عليها من زيادة عبء الدين الذي يرهق الموارد اللازمة للتنمية، فضلاً عن العواقب الوخيمة اجتماعياً وسياسياً.
• طبيعة دور الدولة في النشاط الاقتصادي في ماليزيا تتم من خلال القنوات الديموقراطية للشورى المتمثلة في الأحزاب الماليزية المتعددة التي توفر أوسع مشاركة ممكنة للناس في مناقشة جميع القضايا المتعلقة بالمصلحة العامة، ومتابعة السلطة التنفيذية في تطبيقها الجاد لجميع السياسات التي يتم الموافقة عليها.
• التزمت الحكومة الماليزية بالأسلوب الإسلامي السليم في ممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية وتوجيه الموارد، ففي حين عملت على تحويل ملكية مختلف المشروعات الاقتصادية إلى القطاع الخاص، فقد نمت مسؤولية الأفراد وأشركتهم عملياً في تحقيق الأهداف القومية، واحتفظت بسهم خاص في إدارة المؤسسات ذات الأهمية الاجتماعية والاستراتيجية، لعدم التخلي عن دورها في ممارسة الرقابة والإشراف عليها. ومن ناحية أخرى أسهمت الحكومة في التقليل من الآثار السلبية للتحول إلى القطاع الخاص عن طريق منح تأمين ضد البطالة للعاملين في الخدمات التي تم تحويلها إلى القطاع الخاص، مع وعدهم بأجور أعلى في المدى القريب، ولكن يؤخذ على الحكومة تجاهلها للاعتراضات الإسلامية على تحويل الموارد الطبيعية العامة إلى القطاع الخاص بدلاً من إبقائها في إطار الملكية المشتركة للمسلمين تحت مسئولية الدولة ورقابتها. وتؤكد الدكتورة <نعمت مشهور> وجهت نظرها بأن التجربة الماليزية كانت إسلامية من دون وجود لافتة تحدد هذا الانتماء من خلال أن التجربة لفتت أنظار الدارسين الذين تنبأوا بتحول القوة السياسية الإسلامية من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا، حيث يتوقع أن يؤدي الأخذ بالابتكارات التكنولوجية وتحقيق معدلات التنمية العالية، إلى تحويل دولة صغيرة سريعة النمو مثل ماليزيا، إلى أهم وجود إسلامي في العالم على الإطلاق.
التجربة تنقصها الزكاة:

وتشير الدكتورة <نعمت مشهور> إلى أن تبوء ماليزيا لدور بارز في قيادة العالم الإسلامي أمل يمكن أن يصبح حقيقة واقعة إذا ما استكملت الحكومة الماليزية مسئولياتها، فإلى جانب اهتمامها بنشر الدين الإسلامي والدعوة لمختلف أركانه من تشجيع على الذكر وحفظ القرآن الكريم وإقامة المساجد، وإحياء فريضة الصوم في ليالي رمضان، وتكوين مؤسسة الادخار لتيسير أداء فريضة الحج لأكبر عدد من أبناء البلاد، فإن على الدولة أن تهتم بتطبيق فريضة الزكاة، وخصوصاً مع ارتفاع مستويات الدخول الفردية وتزايد الثروات التي تجب فيها الزكاة. ذلك مع حماية الثروات الطبيعية التي وهبها الله تبارك وتعالى لماليزيا، وعدم تعرضها للإبادة والتدمير.
حضور إسلامي ولكن•••!!

الأستاذ <مصطفى الدسوقي> الخبير الاقتصادي بمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر يرى أن تجربة ماليزيا في التنمية لها خصوصية من حيث استفادتها من الظرف التاريخي للصراع العالمي بين الاتحاد السوفيتي ـ قبل سقوطه ـ والولايات المتحدة الأمريكية. حيث ساندت أميركا دول هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية لتكون هذه نموذجاً مغرياً لدول المنطقة التي ركنت إلى الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الاشتراكية. ولكن لابد أن نذكر هنا أن ماليزيا طوعت هذا الاتجاه لتبني نفسها وتوجد اقتصاداً قوياً. حتى مع سيطرة اقتصاديات العولمة وجدنا أن ماليزيا شاركت فيه بقوة، ولكن من منطق المشاركة أخذاً وعطاءً وليس مجرد الحضور كما فعلت كثير من بلدان العالم النامي، وبخاصة البلدان الإسلامية. وبالتالي فإن تكرار نموذج ماليزيا في بلدان العالم الإسلامي لابد أن يأخذ في الاعتبار الظروف التاريخية المصاحبة لهذه البلدان وكذلك وضعها في طبيعة الخريطة السياسية الدولية حالياً. وإن كان يؤخذ على هذه البلدان أنها لم تستفد بشكل مباشر من فترة النظام العالمي ثنائي القطبية.
أما عن تجربة التنمية في ماليزيا ومدى ارتباطها بالإسلام فيذكر <الدسوقي> أن فكر رئيس الوزراء الماليزي قائم على أن النظام الإسلامي لا يوجد به نموذج للتنمية ولكن توجد بالإسلام مجموعة من القيم والأخلاق يستفاد منها في ترشيد النظام الرأسمالي. مثل حث المسلمين على العمل والإتقان والمساواة والعدل والتكافل الاجتماعي. مع الأخذ في الاعتبار أن شخصية رئيس الوزراء الماليزي <مهاتير محمد> من الشخصيات النادرة التي تتمتع بحس سياسي متفرد يتسم بالوطنية والوعي بالأوضاع السياسية العالمية.
ومع ذلك نجد أن ماليزيا تفردت في بعض التطبيقات الإسلامية في المجال الاقتصادي من وجود شركات للتأمين تعمل وفق المنهج الإسلامي ووجود بعض الآليات في سوق المال تعمل وفق المنهج الإسلامي وأيضاً وجود جامعة إسلامية متطورة في ماليزيا تتفاعل مع متطلبات العصر وتخدم قضايا التنمية. كما أن ماليزيا تفردت أيضاً بوجود صندوق الحج القائم على توفير مدخرات الأفراد المشاركين فيه في أعمار مبكرة لكي يؤدي هؤلاء الأفراد الحج عند بلوغهم سناً معينة، ولا شك أن هذه الأموال يتم الاستفادة منها في توظيفها في عمليات التنمية باعتبارها مدخرات إلى حد ما طويلة المدى. ويضيف الدسوقي أن انفصال سنغافورا كان حافزاً على أن يثبت المالاويون ذاتهم وأن يهتموا بالتنمية•
أما عن الملاحظات على تجربة التنمية الماليزية فيرى، الدسوقي، أن هناك نقطتين رئيسيتين تعيبان التجربة الماليزية وهما ارتفاع معدلات الاستيراد كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، والأخرى ارتفاع نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي. مما قد يعرض التجربة لوجود مؤثرات خارجية تجعل الاقتصاد الماليزي يتأثر بها سلباً.
الدروس المستفادة من التجربة الماليزية:

بعد هذا السرد يمكننا أن نخلص إلى مجموعة من الدروس يمكن لبلدان العالم الإسلامي الاستفادة منها وهي:
1. الاهتمام بجوهر الإسلام وتفعيل منظومة القيم التي حض عليها الإسلام في المجال الاقتصادي وغيره ولا داعي لرفع لافتات إسلامية دون وجود مضمون حقيقي لقيم الإسلام.
2. إعمال مبادئ الشورى التي حض عليها الإسلام من خلال نظم ديموقراطية تحترم حقوق الأفراد.
3. في حال وجود عرقيات مختلفة يمكن التوصل إلى اتفاقات تتقاطع فيها دوائر المصالح المختلفة وبذلك يكون التنوع مصدر إنماء لا هدم.
4. الاستفادة من الظروف العالمية السياسية لبناء الاقتصادات الوطنية.
5. الاعتماد على الذات في بناء التجارب التنموية ولن يتحقق هذا إلا في ظل استقرار سياسي واجتماعي.
6. الاستفادة من التكتلات الإقليمية بتقوية الاقتصاديات المشاركة بما يؤدي إلى قوة واستقلال هذه الكيانات في المحيط الدولي.
7. التنمية البشرية ورفع كفاءة رأس المال البشري فالإنسان هو عماد التنمية تقوم به ويجني ثمارها.
8. أهمية تفعيل الأدوات الاقتصادية والمالية الإسلامية في مجال التنمية مثل الزكاة والوقف من خلال وجود مؤسسات تنظم عملها والرقابة على أدائها.
9. أن تتوزع التنمية على جميع مكونات القطر دون القصور على مناطق وإهمال مناطق أخرى، مما يترتب عليه الكثير من المشكلات مثل التكدس السكاني والهجرة إلى المناطق المعنية بالتنمية وتكريس الشعور بالطبقية وسوء توزيع الدخل.
10. اعتبار البعد الزمني من حيث استيعاب التقدم التكنولوجي، وأن المعرفة تراكمية، وأن المشكلات مع الوقت سوف تزول في وجود أداء منضبط بالخطط المرسومة.
11. بخصوص التطبيق لمبادئ وأسس الاقتصاد الإسلامي قد تكون هناك فترات انتقالية لتهيئة المجتمع للتطبيق الكامل ولكن لا يعني ذلك التوقف عن البدء في التطبيق، فمالا يدرك جله لا يترك كله. ويفضل البدء بما تتوافر له الشروط والظروف الملائمة.

بيانات أساسية عن الاقتصاد الماليزي:

• صادرات عالية ومتوسطة التقنية كنسبة من إجمالي صادرات السلع 67.4%.
• معدل الأمية بين البالغين (النسبة المئوية لمن تبلغ أعمارهم 15 سنة أو أكثر) 13 % في العام 1999م.
• ترتيب ماليزيا في دليل التنمية البشرية لعام 2001 م هو <65> (التقرير يشمل <162> دولة من دول العالم).
• عدد السكان في العام 1999م هو 21.8 مليون نسمه.
• المساحة الكلية 329749كم / مربع.
• سكان يستخدمون إمكانيات ملائمة من الصرف الصحي 98% في العام 1999م.
• سكان يستخدمون مصادر مياه محسَّنة النسبة المئوية 95 % في العام 1999م.
• الإنفاق على التعليم كنسبة مئوية من الناتج القومي 4.9 % خلال الفترة 95 ـ 1997م.
• الإنفاق على التعليم كنسبة من مجموع الإنفاق الحكومي 15.4 % خلال الفترة من 95-1997.
• الناتج المحلي الإجمالي في العام 1999م هو 79 مليار دولار.
• نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العام 1999م هو 8209 دولار.
• صادرات السلع والخدمات كنسبة مئوية من الناتج المحلي 122% الإجمالي في العام 1999م.
• واردات السلع والخدمات كنسبة مئوية من الناتج المحلي 97% في العام 1999م.

البيانات الواردة في سياق المقال تم تجميعها بواسطة المحرر من تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأم المتحدة لعام 2001م.

spisos
10-03-2009, 08:22
ردإلى didi27:

التجربة التنموية في دول جنوب شرق آسيا:

وفي منطقة شرق آسيا، لا نزال نتوقع أن يكون النمو على المدى الطويل وتخفيض أعداد الفقراء قويين، على الرغم من الاضطرابات التي شهدتها الأسواق المالية في الآونة الأخيرة. وفي منطقة جنوب آسيا، موطن 35 في المائة من فقراء البلدان النامية، اقتربت معدلات النمو في السنوات العديدة الماضية من نسبة 6 في المائة.
محصلة كل ذلك تدعو الى الاحتفال - ولكن هناك أيضا الكثير الذي يبعث على الأسى. أجل ان الكأس نصف ملآن، ولكنه نصف فارغ. فهناك عدد كبير جـدا من النـاس الذين لا ينعـمون بثـمار النـجاح.
• هنا في منـطقة جنوب شــرق آسـيا، ورغـم ” المعجزة “، حيث مظاهر عدم المساواة بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية وبين ذوي المهارات وغير ذوي المهارات آخذة في الانتشار على نطاق أوسع.


لقد كان نجاح الصين باهرا حقا. فقبل أقل من جيل واحد، كان ثمانية من كل عشرة صينيين يكدحون لكسب أرزاقهم عن طريق فلاحة الأرض مقابل أقل من دولار واحد في اليوم للفرد. ولم يكن واحد من كل ثلاثة بالغين يستطيع القراءة أو الكتابة. ومنذ ذلك الحين، تم انتشال أكثر من 200 مليون شخص من براثن الفقر المدقع وهبطت نسبة الأمية الى أقل من واحد من بين كل عشرة أشخاص. ان الصين هي أكبر بلد مقترض من البنك، وهي واحدة من أهم الدول المساهمة فيه، وتضم أكثر من ربع المتعاملين الذين نخدمهم، ويسرني أن الشراكة بيننا مستمرة في التوطد.

spisos
10-03-2009, 20:58
رد إلى الأصيل:

الإمارات وإيران وقضية الجزر

تمثل إيران أحد أكبر دولة في النظام الإقليمي الفرعي الخليجي من حيث المساحة والسكان والقوة العسكرية (بعد ضرب القوة العربية العراقية) والموارد الاقتصادية، وهي الدولة ذات السواحل الأطول على الخليج، وتمتلك من الجزر في الخليج ما يفوق عددا وأهمية استراتيجية واقتصادية جزر طنب الكبرى والصغرى وأبوموسى المتنازع عليها وبذلك فإن الجزر المتنازع عليها ليست بمثابة حياة أو موت بالنسبة لإيران، ولا يمكن لأي ترتيب أمني في المنطقة (دول مجلس التعاون أو إعلان دمشق أو حتى تحالف مع الغرب) أن يكون ناجحاً إذا لم تكن إيران أحد أطرافه. ومع ذلك فإنه على الرغم من حديث قادة الثورة في عام 1979 عن نيتهم في مراجعة سياسة الشاه الإمبريالية ثم عدولهم عن ذلك نتيجة لأسباب تمثلت في المشكلات الداخلية الحادة واندلاع الحرب العراقية- الإيرانية وما أسفرت عنه من بروز العراق كخصم أقوى في المنطقة إلى تزايد عزلة إيران الدولية، ثم اندلاع أزمة الخليج الثانية مما جعلها غير قادرة على تنفيذ وعودها مما حذا بالبعض إلى القول بأن النوايا والأهداف القومية لإيران لم تتغير بنجاح الثورة ولا بتعاقب الحكومات الإيرانية منذ عام 1979.
ونتيجة لرغبة إيران في استثمار نتائج أزمة الخليج الثانية المتمثلة في الإخلال بتوازن القوى في المنطقة على الصعيدين الإقليمي الفرعي الخليجي والإقليمي واستثمار انقضاء أجل الاتفاقية واستغلال ثغراتها والتي من أهمها أنها لم تنص على مستقبل الجزيرة بعد انتهاء مدة الاتفاقية، كما تبنت إيران الثورة حتى عام 1989 إلى انتهاج سياسة مزدوجة تجاه الإمارات وعملت على التدخل في شؤون الإمارات الداخلية وإلى اشتمال الإمارات في التهديدات الموجهة ضد أقطار الخليج العربي. وتسعي إيران من خلال فرض سيادتها على الجزر العربية إلى تأكيد ملكيتها لثروات هذه الجزر وما تحتويه مياهها الإقليمية المقدرة بـ /12/ ميل بحري تبدأ من نهاية الحدود البرية لهذه الجزر باتجاه الإمارات وبذلك تكون جميع حقول النفط والمخزون النفطي في هذه المياه تابعة في ملكيتها لإيران وتدرك إيران بأن الانقسامات الحادة بين الدول العربية من ناحية وسعي بعض البلدان العربية إلى استرضاء إيران لتحقيق مصالح قطرية أو لأبعاد شبح الخطر الداخل في بلدانها، أو نكالاً في طرف عربي آخر يعد خصماً لإيران، ورغبتها في استثمار الموقف الأمريكي من العراق والوضع الداخلي في الولايات المتحدة ورغبة الأخيرة في استعادة علاقاتها وربما تحالفها مع إيران ورغبة الرئيس خاتمي في إعادة الجسور مع الغرب عموماً ومع الولايات المتحدة خصوصاً لتعزيز مكانته الداخلية ومكانة إيران الإقليمية.
ولكن ما هو موقف دولة الإمارات العربية المتحدة ؟ يتضح للمراقب أن الإمارات حرصت دائماً على سياسة حسن الجوار والدبلوماسية الهادئة في علاقاتها مع إيران وقد سعت دائماً إلى تغليب العقلانية على العاطفة والدعوة إلى حل المسائل العالقة مع دول الجوار بالوسائل السلمية ويتضح للمراقب أن دولة الإمارات كانت سباقة في دعمها لخيار الشعب الإيراني لنظام حكمه، وفي التعاون مع الحكومة الثورية في إيران والمحافظة على علاقات جيدة مع إيران إذ شكلت شريكاً تجارياً هاماً بالنسبة لإيران وحافظة على علاقاتها الدبلوماسية مع طهران في الوقت الذي ساءت فيه العلاقات مع معظم دول الخليج العربي الأخرى، ولم تسع يوماً ما للاصطياد في الماء العكر من خلال استثمار الظروف غير الطبيعية التي مرت بها إيران خلال عقد الثمانينات، ولم تسمح لأيا من الأطراف المتصارعة مع نظام الحكم الجديد في إيران (الولايات المتحدة، العراق، مجاهدي خلق) باستخدام أراضيها ضد إيران على الرغم من استمرار إيران في احتلالها للجزر، ولم تسعى إلى تسخير وسائل إعلامها بكافة أشكاله للإساءة إلى إيران أو النيل من رموزها وقيادتها، ولم تتخذ الإمارات أية خطوات تشريعية ضد الرعايا الإيرانيين أو ضد المنشآت الإيرانية لديها، كما حرصت على التعامل مع الإجراءات الإيرانية الأخيرة بروح من التعقل والدبلوماسية الهادئة على كافة الصعد، وأعلن المجلس الأعلى للاتحاد أن أية اتفاقية معقودة بين أي من الحكومات المحلية ودولة أخرى تعتبر اتفاقية موقعة بين الحكومة الاتحادية وتلك الدولة، وعليه فإن موقف الإمارات ثابتة تجاه قضية الجزر وأن سياساتها ومواقفها من إيران لا يشكل سوى رد فعل على الموقف الإيراني المتشدد بعد أن فشلت محاولات الإمارات لوضع نهاية مرضية للأزمة.
والاحتمالات المتوقعة لتطور الأزمة تؤكد على أن عدم التوصل إلى تسوية سلمية مرضية لطرفي النزاع سيقود إلى تدهور في العلاقات الثنائية بين الإمارات وإيران من ناحية وإلى انحسار في درجة ونوع وكثافة التفاعلات بين إيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من ناحية أخرى. كما سيفرض استمرار الأزمة على دولة الإمارات البحث عن حلفاء في النظام الدولي الجديد، والارتباط باتفاقيات دفاعية وأمنية مشتركة. ومن ناحية ثانية فإنه يمكن لهذه الأزمة أن تساعد على ردم الفجوة القائمة بين البلدان العربية ومد الجسور مع أطراف المعسكر العربي الثاني لإعادة التوازن الإقليمي. كما أن عدم قبول إيران بالتوصل إلى تسوية سلمية سيعيق جهود إيران لتحسين صورتها دولياً وسيفرض على الدول الغربية إثبات مصداقيتها في التعامل مع القضايا الإقليمية مما سيؤثر على التقارب الإيراني- الغربي بصفة عامة. وعلى الرغم من ضعف الدور الذي يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة في حالة عدم قبول إيران بالتحكيم الدولي إذا رغبة الإمارات في عرض قضيتها أمام محكمة العدل الدولية لأن ذلك يتطلب موافقة إيران مسبقاً وهو أمر لن تقبل به إيران قطعاً لقناعتها بأنها لا تملك الأدلة الكافية لإثبات ملكية الجزر، فإن عرض الموضوع على مجلس الأمن لكون استمرار النزاع يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي سيزيد من عزلة إيران الدولية. وإذا كان لدى إيران من البراهين ولأدلة ما يؤكد أحقيتها في الجزر كما أشار أحد مسئوليها مؤخرا في الوقت الذي تتحدث فيه الإمارات عن أن حقها في الجزر تؤكده الحقائق العلمية والوثائق التاريخية والروابط الأنثروبولوجية بين سكان الجزر وأشقائهم في الإمارات فإن على الطرفين القبول بمبدأ تسوية النزاع القائم بينهما حول الجزر في إطار الأخوة الإسلامية والأسرة الخليجية من خلال اللجوء إلى التحكيم الدولي، كما فعلت كل من البحرين وقطر، لوضع نهاية مقبولة لكلا الطرفين تكفل حقوق الجميع وتزيل أحد أهم العقبات الرئيسية أمام تحقيق الاستقرار الإقليمي والانتقال بالعلاقات بين الجانبين العربي والإيراني من التعاون إلى التكامل لأن هناك العديد من مجالات التعاون الاقتصادي الممكنة بين الطرفين (المياه والغذاء والنفط والاستثمار المشترك والتبادل التجاري ... الخ) يؤهلهما لتحقيق تنمية اقتصادية إضافة إلى إمكانية التعاون الأمني والعسكري وإيجاد شفافية في العلاقات العسكرية بين الطرفين مما سينعكس إيجابا على تخفيف حدة التوتر وتقليص الإنفاق العسكري وإبعاد شبح الحرب ومنع التدخلات الأجنبية.
ومع كل ما أوردناه فإننا لا نتوقع مواجهة عسكرية بين الجانبين الإماراتي والإيراني، أو الإيراني والدول العربية أو إيران والدول الحليفة الإمارات، كما أنه لا يمكن أن تبقى المسألة معلقة بعدما وصلت إليه من الإثارة على المستويين السياسي والإعلامي، وعليه فإننا نرى أن إثارة قضية الجزر والحديث عن مواقف الإمارات ومسئوليها بشكل يشوه الحقائق ويزيد من شقة التباعد يهدف إلى تحقيق مأرب خاصة بأصحاب تلك المؤسسات الصحفية واتجاهاتهم السياسية وعلى حكومتي البلدين أن يعملا معا من أجل وضع نهاية مقبولة لكلا الطرفين من خلال التوصل إلى اتفاق ثنائي يكفل للطرفين حقوقهم ويساعد على تحقيق الاستقرار في المنطقة. إذ يشكل التفاهم والحوار وتوفير الأمن والاستقرار والتعايش السلمي وتسوية النزاعات الإقليمية بالطرق السلمية المرتكزات الأساسية لسياسة الإمارات الإقليمية. ويتضح ذلك في الكيفية التي أدارت بها الإمارات أزمتها مع جمهورية إيران الإسلامية حول الجزر الإماراتية الثلاث. وإذا كانت التفاعلات بين الدول لا تكون تعاون مطلق أو صراع مطلق فإن سلوك الإمارات الخارجي إزاء قضية الجزر لا يختلف عن سلوك الدول التي لها خلافات مماثلة كالخلاف المغربي الأسباني حول سبته ومليلة والخلاف الياباني الروسي حول جزر الكوريل والصين ودول جنوب شرق آسيا حول جزر سبارتلي. وفي كل الحالات المشار إليها أعلاه فإن العلاقات الثنائية بين الأطراف المتنازعة متميزة.
يتضح من القراءة السريعة أن الإمارات أدارت أزمتها مع إيران بعقلانية استنادا إلى مبدأ لا إفراط ولا تفريط في التعامل مع قضية الجزر وحشد التأييد الإقليمي والدولي بأسلوب حضاري يقوم على أساس ضرورة تسوية الخلاف بالطرق السلمية. وأصبحت الإمارات اليوم على الرغم من إمكانياتها المحدودة إحدى الدول الرئيسية الفاعلة في النظام الإقليمي الفرعي الخليجي تؤثر فيه كما تتأثر بمجرياته وإن كانت درجة التأثير والتأثر تختلف باختلاف الحدث. وعلى الرغم من الادعاءات الصادرة من جهات غير مسؤولة لا تهدف إلى تطبيع العلاقات بين الإمارات وإيران فقد نجحت الإمارات بفضل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رئيس الدولة ورئيس سلطتها الدبلوماسية من إدارة الأزمة مع إيران حول قضية الجزر إدارة رشيدة تقوم على أساس اعتماد الوسائل السلمية لفض المنازعات الدولية مع التأكيد على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وهو ما يدحض الأطروحات المتطرفة التي تطالعنا بها بعض الصحف بين الحين والآخر والتي لا تهدف إلى تحقيق استقرار ورخاء المنطقة بقدر ما تسعى إلى تحقيق مكاسب آنية. فهل تحرص وسائل الإعلام في كلا البلدين على تقريب وجهات النظر وتمهيد الطريق أمام علاقات إقليمية مستقرة تقوم على أساس الاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى لينعم الجميع في منطقة الخليج العربي بالأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي فهل تتضافر جهود دعاة الاستقرار في المنطقة من العرب والإيرانيين للعمل من أجل إزالة أحد أهم المعوقات الرئيسية ألا وهي قضية الجزر من خلال التسوية السلمية؟ وهل يعمل الإصلاحيون على الدفع بالقضية نحو نهاية مرضية للطرفين؟ وهل يتمكن السيد محمد خاتمي بعد التفويض الشعبي الذي حصل عليه في انتخابات 8 يونيو 2001 لمدة رئاسية ثانية من استكمال الدائرة الخليجية وينجح في إقناع الشعب الإيراني بضرورة تسوية النزاع مع الإمارات حول جزر طنب الكبرى والصغرى وأبوموسى كما فعل السيد رافسنجاني الذي أقنع الإمام الخميني بالقبول بوقف الحرب مع العراق علما بأن مهمة خاتمي أكثر يسرا من مهمة سلفه لأننا لازلنا نتذكر المظاهرات التي خرجت تجوب شوارع إيران احتجاجا على قيام الشاه باحتلال الجزر الإماراتية؟ والله من وراء القصد.

spisos
10-03-2009, 21:25
رد إلى الأصيل:

تمهيد
منذ سنوات والنزاع بين دولة الإمارات وإيران على الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى يشد الباحثين من مختلف أنحاء العالم لعدة أسباب : فمنهم من يرى فيه انعكاساً لتقلبات السياسة الدولية ، ومنهم من يعتقد أنه ترجمة لنزاع تاريخي بين العرب والإيرانيين . وهناك أيضاً من يرى أن موضوع الجزر ما هو إلا ردة فعل لعوامل السياسة الداخلية في كل من إيران والعالم العربي . لكن الواقع أن مسألة الجزر تسترعى الاهتمام لأنها من النزاعات الحدودية القليلة الموثقة توثيقاً جيداً . فكلا الدولتين : الإمارات العربية المتحدة وإيران تستند إلى مصادر رئيسية هي عبارة عن مخطوطات ورسائل وخرائط يعود بعضها إلى أكثر من مئة سنة مما يجعل دراسة الموضوع وكأنه رحلة عبر تاريخ منطقة الخليج يكتشف المرء خلالها وقائع إقليمية ودولية كان لها تأثيرها في صنع تاريخ تلك المنطقة المهمة من العالم .

أهمية الدراسة

لا شك أن استمرار احتلال الجزر الثلاث من قبل إيران هو أهم البؤر التي تؤجج التوتر في المنطقة بين الحين والآخر ، وهذا هو بالتحديد ما دفعنا للقيام بدراسة موضوعية موثقة لهذه القضية الحساسة .
وإذا كنا قد اخترنا هذا الوقت بالذات للكتابة عن موضوع الجزر الثلاث والتي احتلتها إيران في نوفمبر 1971م فذلك لأربعة اعتبارات هامة :
1 - أن إيران وبكل المقاييس هي قوة عظمى في الخليج ولا يمكن الاستغناء عنها في أي إستراتيجية فعالة للمحافظة على الأمن والاستقرار بالمنطقة . ويبدو أن إيران - في الوقت الحاضر - تحاول إعادة النظر في الخريطة الأمنية لمنطقة الخليج .
2 - أن الجغرافيا جعلت من التعاون بين إيران ودول الخليج العربية قدراً لا يمكن الإفلات منه بأي شكل من الأشكال . وقد ساهمت السياسة بنصيبها في هذا الاتجاه حين تمخضت الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 23 مايو 1997م عن فوز الرئيس محمد خاتمي الذي اعتبر - في نظر معظم المحللين - بمثابة بداية مرحلة من تطور إيران من الثورة إلى الدولة . لقد أكدت الفترة الوجيزة من حكمه على صحة تصريحاته المبدئية من أن السياسة الخارجية لإيران ستركز على تحقيق الانفراج وإزالة التوتر في العلاقات مع الدول وخاصة دول الجوار العربية ... فإلى أين أدت هذه التوجهات ؟ هذا ما تثيره الدراسة في طرحها لأسلوب تعامل الحكم الجديد مع قضية الجزر الثلاث .
3 - أن واقع الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة على إثر حرب الخليج الأخيرة قد فرض بحساسياته دوراً حتمياً لدول مجلس التعاون لتخفيف حدة التوتر في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإعادة فتح قنوات الاتصال بينهما ... وتقع قضية الجزر في صلب الموضوعات التي تقف عائقاً في سبيل هذا الانفراج في علاقة إيران بكل من الدول العربية والغربية معاً .
4 - أن الموضوع برمته يحيط به الغموض ويحتاج إلى من يتصدى له بالتوضيح والشرح ... وقد آن الأوان لتقديم هذا التوضيح لقضية هي في الواقع شائكة ولها جذور من الماضي غير القريب .
مشكلة البحث

تسعى الباحثة إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الهامة التي أحاطت بالنزاع الإماراتي - الإيراني حول الجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى) وهي :
أولاً : ما هي الأهمية الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية للجزر الثلاث : أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى ؟
ويقدم الفصل الأول الإجابة على هذا السؤال المبدئي للمشكلة .
ثانياً : ما هي أسباب النزاع حول الجزر الثلاث ؟ وما هي أبعاد المواقف المتباينة للأطراف ذات الصلة بالنزاع : دولة الإمارات العربية المتحدة ، جمهورية إيران الإسلامية ، المملكة المتحدة والدول ذات النفوذ بالمنطقة ؟
ويجيب الفصل الثاني على هذا التساؤل الهام .
ثالثاً : ما هي احتمالات الصراع والتسوية بين طرفي النزاع ؟ وما هي المخاطر التي يتمخض عنها إبقاء المشكلة بدون معالجة ؟ وقد تصدت الباحثة في الفصل الثالث بأسلوب تحليلي موضوعي للإجابة على هذا التساؤل الجوهري .
هدف الدراسة

إن هدف أي دراسة علمية هو محاولة الكشف عن الحقيقة ، والواقع أن قضية الجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) هي موضوع - كما أسلفنا - يحيط به الغموض ويحتاج إلى توضيح وشرح كما أن الجدل الدائر بين مؤيدي الطرفان (الإمارات وإيران) قد تسبب في زيادة الغموض أكثر من توضيح أبعاد النزاع .
لذا فقد هدفت الدراسة إلى تحقيق ما يلي :
أولا : كشف حقيقة النزاع ، وتتبع أسبابه التاريخية استعانة بالوثائق الداعمة والمؤيدة .
ثانيا : إلقاء الضوء على الدوافع الظاهرة والخفية التي أدت تفاعلاتها إلى خلق هذه المشكلة ، وتداعياتها منذ بدايتها حتى وقتنا الحاضر .
منهج الدراسة

تفرض طبيعة الموضوع السياسية حول السيادة على الجزر منهجاً للدراسة محايداً نستعين فيه بالوثائق والمحررات التي سمح بنشرها سواء من حكومات الدول المتنازعة أو الدولة المستعمرة (بريطانيا) ، ومن ناحية أخرى كان للتاريخ دوره في إضفاء طابع الدارسة المبني على عرض متسلسل للأحداث التي أدت الأزمة ... وكأن الاستقراء يتم في هذه الدارسة بعيون من سجلوا تاريخ المنطقة .
أما الاستنباط فهو الركيزة الثانية للمنهج العلمي والذي استخدمته الباحثة للوصول إلى النتائج المنطقية دون تحيز أو إنحياز .
عناصر الدراسة

تتألف الدراسة من ثلاثة فصول كالآتي :
الفصل الأول : الجزر الثلاث ماهيتها وأهميتها :
- جزيرة أبو موسى .
- جزيرة طنب الكبرى .
- جزيرة طنب الصغرى .
الفصل الثاني : تاريخ النزاع حول الجزر الثلاث :
- جذور النزاع .
- احتلال إيران للجزر ومذكرة التفاهم .
- الموقف حول الجزر في الوقت الراهن .
الفصل الثالث : احتمالات الصراع والتسوية .
- المبررات الإيرانية للسيطرة على الجزر .
- المبررات الإماراتية في شأن ملكيتها للجزر الثلاث .
- الوضع القانوني للجزر ومسألة التحكيم .
- احتمالات الصراع والتسوية .
الفصل الأول

الجزر الثلاث : ماهيتها وأهميتها

المقدمة :

على الرغم من وقوع عدد من الموانئ الكبيرة والمدن التجارية على شواطئ الخليج العربي، إلا أن الجزر القائمة فيه وخاصة قبالة مدخله (جزيرتا طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبوموسي) تتمتع بميزات إستراتيجية مهمة مما جعل التركيز على احتوائها والسيطرة عليها هدفاً سعت إليه قوى عديدة في طليعتها إيران إضافة إلى القوى الغازية التي وفدت على المنطقة منذ العصور الماضية .
والجزر الثلاث بموقعها وأهميتها أشبه بالصمام الذي يشرف على الشريان المائي والملاحي الذي يمثله الخليج العربي المرتبط ببحر العرب والمحيط الهندي من جهة الشرق والبحر الأحمر من جهة الغرب .
وقد أثبتت الأحداث التي مرت بالمنطقة منذ السبعينات تزايد الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي ، وكذلك أظهرت هذه الأحداث حرص الدول الكبرى والدول الصناعية على وجه الخصوص بتوطيد علاقاتها بمنطقة الخليج العربي والعمل بكل السبل المتاحة للحفاظ على مصالحها فيها .
والخليج العربي بواقع الحال يمثل إلتقاءاً لطرق المواصلات البحرية لكل من آسيا وأفريقيا وأوروبا ، كما يمثل منطقة التقاء الطرق التجارية المختلفة بين هذه القارات . وتنبع الأهمية الكبرى للخليج وما يتضمنه من جزر من كونه يتحكم بتصدير النفط من مناطق إنتاجه في الدول المطلة عليه إلى الدول المستوردة في أوروبا وأمريكا واليابان . وتشير الإحصائيات إلى أن الولايات المتحدة تستورد من دول الخليج ما يزيد على 60% من احتياجاتها من النفط المستورد ، وتستورد اليابان80% وأوربا الغربية حوالي 50% من احتياجاتهما النفطية من الدول المطلة على الخليج العربي .
وفي دراسة لخبراء الاقتصاد والسياسة في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في جامعة جورج تاون الأمريكية أن 86% من صادرات نفط الشرق الأوسط تمر من مضيق هرمز بشواطئ الجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى) ، وأن هذه النسبة تشكل نصف الطاقة التي تعتمد عليها صناعات العالم واقتصاده وحياته اليومية(1) .
ولقد انعكست الأهمية الاقتصادية للخليج العربي على أهميته الإستراتيجية والعسكرية مما حرك أساطيل الدول ذات المصالح البترولية والتجارية نحو الخليج في محاولات لإقامة قواعد عسكرية بالقرب من مدخله في المحيط الهندي وفي مواقع أخرى ذات صلة بالدول المطلة على الخليج العربي .
خصائص الجزر وأهميتها :

قبل الدخول في تفاصيل حول أهمية كل من الجزر الثلاث يمكن إجمال المميزات التي تتيحها السيطرة على هذه الجزر وامتلاكها في النقاط الآتية : -
1 - موقعها الإستراتيجي الممتاز في مدخل الخليج مما يجعلها تتحكم بحركة السير فيه ومن يسيطر على هذه الجزر يسيطر على مضيق هرمز ويسد منفذ الخليج للداخل والخارج . حيث
وصفت صحيفة لوموند الفرنسية هذه الجزر الثلاث بأنها : "جزر تتحكم في مدخل الخليج العربي"(2) .
2 - قد تستعمل كمراكز للتجمع والوثوب على المناطق القريبة منها على الساحل العربي ، حيث تصلح لإقامة منشآت وقواعد عسكرية عليها .
3 - تتوفر فيها المعادن وخاصة أكسيد الحديد الأحمر .
4 - يتوفر فيها النفط .
5 - تمر بهذه الجزر الممرات البحرية الصالحة للملاحة ولذلك يمكن أن تتحكم في التجارة والنقل .
6 - قد تستخدم كموانئ لرسو السفن ومحطة للتزود بالوقود لأن المياه من حولها عميقة .
7 - تتوفر بها المياه الصالحة للشرب مما يساعد على قيام الزراعة فيها ، كما يوجد بها بعض المراعي .
8 - تقام عليها الفنارات لإرشاد السفن .
9 - يتوفر بالجزر مصائد أسماك ممتازة تحقق دخلاً طيباً للصيادين .
إن الجزر الثلاث لا تقل في أهميتها الإستراتيجية عن مدينة طنجة وجبل طارق في مدخل البحر الأبيض المتوسط ، وعن عدن في مدخل البحر الأحمر ، وإنها في هذه المكانة فقط تقف مشرفة على حركة المرور في الخليج وتتحكم فيها أيضاً .
وسوف نستعرض أهمية الجزر الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية :
جزيرة أبوموسى :

جزيرة صغيرة هادئة تقع عند مدخل الخليج العربي وتطل عليه تماماً كما يقف الحارس الأمين أمام خزائن الذهب الأسود .
تبلغ مساحة الجزيرة نحو 35كم2 ، ويبلغ طولها حوالي 7كم وعرضها 5كم . وهي تبعد بمقدار 67كم عن الساحل الإيراني بينما لا يفصلها عن مدينة الشارقة سوى 43كم (أنظر الخريطة) . يتكون سطح الجزيرة من سهول رملية مغطاة بأعشاب وحشائش ترعى فيها الغزلان ، وتنتشر عليها التلال المنعزلة ، وأعلى منطقة تقع في منتصف الجزيرة ويبلغ ارتفاعها 110 أمتار وهي محاطة بمياه عميقة نسبياً مما يجعلها صالحة لرسو السفن .
توجد بالجزيرة عدة آبار للمياه العذبة حوالي (20بئر) ، وتنتشر فيها زراعة النخيل ، وهي مشهورة بصفة خاصة برواسب أو كسيد الحديد الأحمر المستعمل في صناعة الطلاء المانع للصدأ . وتقع مناجم أو كسيد الحديد الأحمر في الشمال الشرقي من الجزيرة ، وتمتلك شركة "صن فالي كولون كومباني أوف ويك" البريطانية المناجم وفق الامتياز الذي منحه إياها حاكم الشارقة . ومعروف أنه قد تم استغلال مناجم أو كسيد الحديد الأحمر لأول مرة في عام 1934م ، ثم أغلقت خلال سنوات الحرب العالمية الثانية من عام 1940م وحتى عام 1947م . وكانت الشركة تدفع 50 ألف روبية سنوياً لحاكم الشارقة مقابل حقوق التنقيب ، وكان إنتاج الأوكسيد الأحمر آنذاك حوالي 2500 طن في الموسم الجيد . وتعتبر نوعية الأوكسيد الأحمر المنتج من الجزيرة من الصنف النقي حيث لا يحتاج إلى تصفية كثيرة(3) .

إلا أن أهمية الجزيرة بدأت في التزايد مع ظهور النفط بها ، حيث يوجد فيها ثلاثة آبار تقوم باستغلالها شركة "بتس" للنفط والتجارة (Butes Oil and Gas Co.) .
ولإيران بالجزيرة قاعدة عسكرية مجهزة بمروحيات وآليات عسكرية وزوارق سريعة أي ثكنة عسكرية متكاملة بالمعدات والأفراد ، كما أن لها مطارا ًومحطة لتوليد الكهرباء بطاقة 1.6 ميجاوات وبتكلفة قدرها 80 مليون دولار .
كان يقطن الجزيرة - حتى الاحتلال الإيراني لها في عام 1971م - حوالي 1000 نسمة تقريباً جميعهم من أصول عربية إلى جانب 60 عنصراً من العسكر الإيرانيين . ويذكر أحد الصحافيين الذين زاروا الجزيرة في أواخر عام 1979م أن الجزيرة كانت تنقسم فعلياً إلى مجتمعين : مجتمع عسكري إيراني ومجتمع مدني عربي وكان المسجد يضم الجميع من غير تمييز أو تفريق(4) .
ويشتغل بعض السكان المحليين في مناجم الحديد خلال أشهر الشتاء ، أما في موسم الصيف فيقومون بالصيد والملاحة ، ولكن أغلبهم يفضلون العمل في الصيد البحري لما يحققه هذا النشاط المنتج من دخل جيد حيث يبيعون ما يصيدونه إلى السفن العابرة للجزيرة ، كما يبيعون صيدهم في أسواق الشارقة ودبي ، وكانوا في مطلع الستينات يملكون حوالي 25 زورقاً للصيد انكمشت إلى عدد ضئيل جداً بعد عام 1992م بسبب الإجراءات الإيرانية التعسفية ضد سكان الجزيرة من العرب (أنظر الفصل الثاني من الدراسة) .
جزيرة طنب الكبرى :

تقع هذه الجزيرة على بعد (31كم) جنوب غرب جزيرة قشم الإيرانية ، وتبعد عن إمارة رأس الخيمة حوالي (70كم) ، وكلمة طنب تعني في أصلها "التل" ، فهي جزيرة قليلة الارتفاع ، دائرية الشكل يبلغ طول قطرها 4كم ومساحتها حوالي 9كم2 .
وجزيرة طنب الكبرى تقع بعيداً نسبياً عن مدخل الخليج العربي كما أنها أقرب إلى الساحل الإيراني ، لذلك فهي تحتل مكانة هامة في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية ، باعتبارها جزءاً من خط الدفاع الإيراني عند مدخل مضيق هرمز .
ونظراً لموقع الجزيرة على خط سير السفن الداخلة إلى الخليج وكذلك الخارجة منه وهي الخطوط الملاحية للسفن التجارية وناقلات البترول ، فقد قامت الحكومة البريطانية عام 1913م - بموافقة من حاكم رأس الخيمة آنذاك الشيخ سالم بن سلطان القاسمي - ببناء فنار على الجزيرة لإرشاد السفن . كما تتوفر بالجزيرة خامات غنية من الأوكسيد الأحمر ، وبعض آبار المياه العذبة التي تستخدم للشرب والزراعة ، كما تنتشر بها بعض أشجار النخيل . وقد سبق لحكومة رأس الخيمة أن وفرت للسكان (حوالي 200 نسمة) بعض المؤسسات الخدمية ، وينحدر سكان الجزيرة من قبائل جرير وتميم العربية ويمتهنون صيد الأسماك ، وقلة منهم اهتموا بالزراعة ورعاية الماشية .
وهي بالدرجة الأولى جزيرة ذات أهمية إستراتيجية أكثر منها اقتصادية وذلك لعمق المياه حولها وصلاحيتها لأن تكون ميناءاً تنطلق منه قوات الدولة التي تمتلك الجزيرة للسيطرة منها بسهولة على مدخل الخليج العربي .
جزيرة طنب الصغرى :

تقع على بعد 8 أميال إلى الغرب من جزيرة طنب الكبرى ، مثلثة الشكل وارتفاعها حوالي 35 متر عن سطح البحر ، ويبلغ طولها ميل واحد وعرضها ثلاثة أرباع الميل . وهى جزيرة صخرية غير صالحة للسكن .
تلك هي الجزر الثلاث التي يتنازع السيادة عليها اليوم دولتان هما الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إيران الإسلاميتان ... كلتاهما تدعيان حقوقاً لها سواء في الملكية أو السيادة على الجزر الثلاث ... وكلتاهما مصممتان على موقفيهما المتعارض . وقد مرت عشرات السنوات على هذا النزاع دون حسم أو اتفاق مروراً بمحطات اتسمت بالسخونة والاحتدام . وبينما أبدت دولة الإمارات المتحدة استعدادها للتفاوض أو التحكيم ، كان لجمهورية إيران موقفها شبه الثابت برفض التحكيم أو التفاوض .
فما هي قصة النزاع ؟ وكيف بدأ ؟ ومتى ؟ وما هي المراحل التي مرت بها مسألة السيادة على ذه الجزر ؟
هوامش الفصل الأول :

___________________________________
(1) أحمد جلال التدمري : "الجزر العربية الثلاث ، دراسة وثائقية " ، ص 57 .
(2) د. محمد رشيد الفيل : "الأهمية الاستراتيجية للخليج العربي" ، ذات السلاسل ، 1988م ، ص :209.
(3) أحمد جلال التدمري ، مرجع سابق ، ص : 61 .
(4) شوقي رافع : "الثكنة الإيرانية في أبو موسى " ، صوت الكويت ، العدد الصادر في 15/9/1992م ، نقلاً عن وكالة الأنباء الكويتية (كونا تقرير إخباري) .








الفصل الثاني

تاريخ النزاع حول الجزر الثلاث

يجمع المؤرخون الذين تطرقوا لموضوع الجزر الثلاث (أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) بأن أول إدعاء إيراني بملكية هذه الجزر كان في سبتمبر 1887م حينما عادت إمارة لنجة الواقعة على الساحل الشرقي من الخليج العربي إلى السيادة الإيرانية ، وكانت تلك الإمارة تدار حتى هذا التاريخ بواسطة العرب القواسم حكام رأس الخيمة والشارقة .
ولابد للقارئ أن يتعرف باختصار على التاريخ المبكر لهذا الجزء من الخليج قبل المرور بمراحل النزاع الإماراتي الإيراني حول الجزر الثلاث .
جذور النزاع :

يعتبر تاريخ الجزر الثلاث قبل عام 1750م غامضاً إلى حد بعيد فيما يتعلق بالسيادة عليها ، لكن من الواضح أن منطقة الخليج وخصوصاً على الجانب الإيراني كانت تعاني من حالة عدم الاستقرار ، مما شجع الكثير من العرب على ساحل الخليج العربي من السيطرة على بعض الأجزاء في الجانب الإيراني من الخليج ففي عام 1728م استولى عرب القواسم (التسمية التاريخية لعرب رأس الخيمة والشارقة) على "باسيدو" الواقعة على الساحل الإيراني ، وفي عام 1737م تعرضت رأس الخيمة لهجوم إيراني أخضع شيوخها العرب للهيمنة الفارسية ، لكن كل المصادر التاريخية تؤكد على أن هذا الخضوع لم يستمر طويلاً ، وأن فارس لم تحتفظ بأي سيطرة على رأس الخيمة .
وفي عام 1747م وإثر اغتيال الحاكم الإيراني نادر شاه فارس برزت عدة نزاعات داخلية في منطقة بندر عباس وهرمز على الساحل الإيراني ، مما دفع عرب القواسم في رأس الخيمة إلى إرسال قواتهم لمساعدة علي شاه (حاكم بندر عباس) . وقد استمر النزاع ثلاث سنوات سيطر من خلالها فرع من القواسم على لنجة واستقروا فيها . وظل عرب القواسم محتفظين بها حتى عام 1887م حين خلع الفرس آخر حاكم عربي في لنجة ، وكانت لنجة باستثناء عدد من السنين إمارة إيرانية تدار عربياً ، وأصبح شيوخها وبالتدريج رعايا فارسيين يحكمون لنجة نيابة عن حكومة فارس في طهران ويدفعون لها الضرائب (1) .
كانت لنجة مدينة مزدهرة ، ومركزاً تجارياً مهماً إلى أن دخلها الفرس وبدأت أولى محطات النزاع التاريخي على ملكية الجزر الثلاث .
علاقة الجزر بمدينة لنجة الإيرانية :

بعدما استتب الأمر لصالح الجيش الإيراني في لنجة وأقيل حاكمها القاسمي وعين آخر إيراني مكانه ، انطلقت قوة مسلحة بمدفعين إلى جزيرة صري التي تقع على بعد 40 ميلاً إلى الغرب من جزيرة أبوموسى ، ورفعت عليها العلم الإيراني . اعتبر الشاه أن امتداد سلطة طهران إلى مدينة لنجة يستتبع بسط سلطتها على جزيرة صري كون تلك الجزيرة تتبع لنجة إدارياً . وأن كون حكام لنجة هم من العرب لا ينال من صحة اعتقاده بأنهم كانوا دائماً يحكمون المدينة الساحلية كممثلين للحكومة المركزية في طهران (2).

في 28 إبريل 1888م طلب شاه إيران (ناصر الدين) في رسالة إلى السفير البريطاني أن تعترف بريطانيا بسيادة إيران على جزيرة أبوموسى . قال الشاه في ادعائه الأخير أنه طرد القواسم من لنجة وأن المدينة سوف تحكم مباشرة من طهران . ودعم الشاه طلبه بخريطة لمنطقة الخليج كانت البحرية البريطانية وضعتها قبل ذلك بسنتين تظهر فيها جزر الطنب وأبوموسى بألوان إيران . إلا أن الشاه وبخلاف تصرفه تجاه جزيرة صري ، لم يعمد إلى احتلال أبوموسى أو إلى رفع العلم الإيراني عليها . بل اكتفى برفع ادعائه إلى السفارة البريطانية في طهران التي كتبت إلى المفوضية البريطانية في بوشاير تستوضح الأمر ، وكان الرد أن طلب الشاه الجديد ليس له ما يبرره إطلاقاً(3) .
* في عام 1892م أبرمت بريطانيا معاهدة مع شيوخ المنطقة والتي التزمت بموجبها بالدفاع عن ممتلكاتهم من أي اعتداء خارجي ، ولم تغير بريطانيا من موقفها تجاه المطالب الإيرانية بالسيادة على الجزر الثلاث إلا في نهاية الستينات عندما أعلنت عام 1968 عن نيتها في الانسحاب من الخليج بنهاية عام 1971م ، حيث شرعت في القيام ببعض الترتيبات السرية منها وغير السرية لتمهيد الطريق أمام الولايات المتحدة الأمريكية للإسهام في ما سمي بملء الفراغ السياسي والعسكري الذي ستتركه في المنطقة بعد رحيلها (4) .
خلال الفترة الممتدة من 1892م وحتى تاريخ احتلال إيران العسكري للجزر في 1971م حدثت بعض الممارسات الإيرانية سعت فيها إيران لتأكيد سيطرتها على الجزر بشكل أو بآخر .
* في عام 1904م :

قام مسؤولو الجمارك البلجيكيون العاملون لحساب السلطات الإيرانية بإنزال أعلام القواسم ورفع أعلام إيران مكانها ، مما أدى إلى تهديد بريطاني صريح باللجوء إلى القوات البحرية لإنزال أعلام إيران ، مما أجبر السلطات الإيرانية على إنزال أعلامها والانسحاب من الجزر في العام نفسه .
*في عام 1912م :

طلبت بريطانيا إذنا من حاكم رأس الخيمة لتشييد منارة بحرية في جزيرة الطنب الكبرى ، مؤكدة أن وجود المنارة في الجزيرة سوف يثبت أكثر من أي وقت مضى حق القواسم في الجزيرة . وافق حاكم رأس الخيمة على تشييد المنارة لقاء إيجار سنوي .
*في عام 1923م :

أعلنت إيران عن نيتها إثارة النزاع أمام عصبة الأمم ، والدافع لذلك الإعلان لم يكن سياسياً بل كان اقتصادياً بحتاً . وذلك أنه كانت هناك مناقشة على استخراج وتصدير أكسيد الحديد الأحمر بين شركة إيرانية كانت تعمل في هرموز ، وأخرى بريطانية كانت تعمل في جزيرة أبوموسى ، فكان أن طلبت الشركة الإيرانية من حكومتها إحياء ادعائها السيادة على جزيرة أبوموسى وربط ذلك بادعائها السيادة على البحرين ، ورفع الأمر إلى عصبة الأمم . وردت بريطانيا مذكرة الحكومة الإيرانية بموقفها الرافض الذي اتخذته عام 1904م . (أنظر قضية إيران مع البحرين بالملحق رقم 4) .
* في عام 1925م :

عادت المسألة إلى الظهور في خريف هذا العام حين أرسلت سلطات الجمارك الإيرانية زورقاً إلى أبوموسى لفحص الأكسيد الأحمر ونقل كيس منه إلى إيران ، وكان الرد البريطاني حاسماً حين أبلغ ممثلها في طهران الحكومة الإيرانية بأن الإصرار على ادعائها بملكية الجزر سيجعل من الضروري الطلب إلى حكومة الهند (حيث كانت مستعمرة بريطانية) أن ترسل سفينة حربية إلى أبوموسى للحفاظ على حقوق شيخ الشارقة فيها ، مما أدى إلى توقف إجراءات سلطات الجمارك الإيرانية .
والواقع أن الساحة الإيرانية قد شهدت في عام 1925م تغييراً جذرياً استدعى إعادة تقويم للعلاقات الإيرانية - البريطانية . ففي إيران كانت سنة 1909م بداية النهاية لحكم عائلة "القجر" حين اضطر الشاه آنذاك وتحت وطأة ثورة شعبية عارمة للتخلي عن الحكم لصالح ابنه القاصر والفرار إلى روسيا . وفي عام 1925م ظهر رضا خان الذي كان أحد ضباط فرقة الكوزاك وقام بانقلاب عين على أثره رئيساً للوزراء ، ثم توج شاهاً يوم 31 أكتوبر 1925م باسم رضاه شاه بهلوي (وبلهوي هو اسم اللغة التي كان يستخدمها حكام إيران في مخاطباتهم الرسمية قبل الفتح الإسلامي لبلاد فارس) . وقد عمل الشاه الجديد على تقليص نفوذ السلطات الروحية في البلاد عن طريق نشر مبادئ تحض على الولاء للوطن والعائلة الحاكمة . ومن أجل إيجاد روح قومية وتعزيزها رفع الشاه شعار محاربة النفوذ البريطاني الذي رأى فيه الأساس في متاعب إيران السياسية والاقتصادية ، ساعد على هذا التوجه تراجع النفوذ الروسي في إيران على أثر الثورة الشيوعية عام 1917م والتي أعلنت إلغاء كل الامتيازات التي حصل عليها قبل ثورة القياصرة الروس في إيران .
وفي ضوء هذه التغيرات الجذرية على الساحة الإيرانية شرعت بريطانيا وإيران في المفاوضات حول إيجاد صيغة جديدة في العلاقات بينهما بما في ذلك مسألة الجزر الثلاث(5) .
* في عام 1930م :

عرضت إيران فكرة تخليها عن المطالبة بجزيرة أبوموسى لقاء تأكيد سيادتها على جزيرة طنب الكبرى وطنب الصغرى . وأجابت الحكومة البريطانية بأنها لا يمكنها إعطاء بلاد فارس جزيرة لا تملكها بريطانيا ، وهنا عرضت إيران أن تستأجر حكومتها جزيرة طنب الكبرى لقاء مبلغ من المال يدفع لحاكم رأس الخيمة مباشرة . ورفع السفير البريطاني العرض الإيراني إلى حكومته التي أوصت بعرض الأمر على حاكم رأس الخيمة مع بذل أقصى جهد لإقناعه بالموافقة (لاسيما وأن بريطانيا كانت لها مصلحة في موافقة القواسم على هذا العرض حيث ربطت بين موضوع تأجير جزيرة الطنب لإيران لفترة خمسين عاماً بموافقة إيران على تأجير منشآت بحرية عسكرية لبريطانيا في الخليج العربي للفترة ذاتها) .
وبتاريخ 11 مارس 1931م أبرق المقيم البريطاني في الخليج إلى حكومة الهند ما أجاب به سلطان بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة (أنظر الملحق رقم 1) . وضع الشيخ ثمانية شروط من أجل منح موافقته للعرض الإيراني باستئجار جزيرة طنب الكبرى .
وبدى واضحاً من شروط حاكم رأس الخيمة أنه غير مستعد للتنازل عن سيادته على جزيرة طنب الكبرى لقاء أي ثمن وانتهت المفاوضات البريطانية الإيرانية عند هذا الحد وتوقفت نهائياً عام 1933م .
* في عام 1934م :

بتاريخ 29 ديسمبر 1934م أمر حاكم رأس الخيمة بإنزال علمه المرفوع على جزيرة طنب الكبرى ، وسحب عماله هناك ، وكردة فعل على هذا التصرف غير المفهوم آنذاك أصدر القائد العام للقوات البحرية البريطانية أوامره للسفينة الحربية (سلوب) بالبقاء في جزيرة طنب لحين صدور تعليمات أخرى .
ويبدو أن حاكم رأس الخيمة قد أنزل علمه ليجلب انتباه السلطات البريطانية بأنه لم يتسلم إيجار الفنار أسوة بما يتسلمه حاكم الشارقة من إيجار للقاعدة الجوية البريطانية الكائنة في أبي موسى .
وانتهى الأمر بأن تم إعادة رفع العلم بتاريخ 10 إبريل 1935م بضغط بريطاني على حاكم رأس الخيمة .
* في عام 1935م :

قام عدد من المسئولين الإيرانيين بزيارة لطنب الكبرى وأبوموسى مما أدى لقيام طائرات سلاح الجو البريطاني بطلعات استكشافية فوق الجزر استمرت لأسابيع .
بعد هذا التاريخ بدأ النزاع يأخذ منحى آخر تمثل في تبدل اللهجة البريطانية إزاء هذه المسألة ، وذلك بعد تغير الظروف السياسية في المنطقة ، والتراجع الاستراتيجي الذي لحق بها بعد الحرب العالمية الثانية وبروز أهمية منطقة الخليج فيما يتعلق بأهمية استمرار تدفق النفط ، وبعدها الدور الذي لعبته إيران كشرطي للمنطقة ، كل هذه المستجدات أدت إلى أن يكون لبريطانيا مواقف متغيرة عما كان عليه الحال بالنسبة لعلاقتها لطرفي النزاع وعلى النحو الذي سوف يتضح بعد .
* في عام 1955م :

حاولت بريطانيا أن ترعى اتفاقا تعترف الشارقة بمقتضاه بالسيادة الإيرانية على صري ، مقابل اعتراف إيران بملكية الشارقة لأبوموسى ، واستعداد رأس الخيمة لبيع جزيرة طنب لإيران ، إلا أن المحاولة فشلت ولم يكتب لها النجاح ، لقد فضل الشيخ صقر حاكم الشارقة آنذاك تأجير الجزيرتين بدلاً من بيعهما لكنه طلب إيجاراً باهظاً كما كانت له شروطه وأهمها :
أ ) الاحتفاظ بحقوقه النفطية والمعدنية في الجزيرة .
ب) الاحتفاظ بالفنار والسماح للصيادين التابعين له وللزوارق من استخدام الجزيرة .
ج) إلغاء الرسوم الإيرانية على كافة رعاياه هناك (أنظر الملحق رقم 2،3) (6) .
* في أغسطس 1961م :

نزلت طائرة مروحية إيرانية على جزيرة طنب الكبرى ، وقام ملاحوها بالتقاط الصور الفوتوغرافية للفنار والأبنية المجاورة له وسألوا عن أسماء وجنسية الأشخاص الذين يديرون الفنار .
وكان الرد البريطاني واضحاً حاسماً لصالح حاكم رأس الخيمة وذلك في مذكرة احتجاج أرسلها السفير البريطاني في طهران إلى وزارة الخارجية البريطانية جاء فيها : " تم إصدار التعليمات إلى السفارة لجلب انتباه السلطات الإيرانية إلى حقيقة أن هذه الجزيرة هي جزء من إمارة رأس الخيمة . ويدين سكانها بالولاء إلى صاحب السمو حاكم رأس الخيمة الذي يقوم بتعيين وكيلاً له في الجزيرة ، وعلمه مرفوع عليها. وتدير رأس الخيمة الجزيرة منذ عام 1887م ويمارس حاكم تلك الدولة سيادته عليها منذ عام 1921م عندما أصبحت رأس الخيمة مستقلة عن الشارقة (7) .
* في عام 1968م :

أعلنت بريطانيا عن نيتها في الانسحاب من الخليج بنهاية 1971م ، وشرعت بالقيام ببعض الترتيبات السرية منها وغير السرية لملء الفراغ السياسي والعسكري الذي ستتركه في المنطقة بعد رحيلها .
احتلال إيران للجزر ومذكرة التفاهم :

لم تكد معاهدة الحماية التي ربطت بين بريطانيا وأمراء الساحل الجنوبي العربي للخليج تنتهي حتى استولت القوات الإيرانية على جزر طنب وجزء من أبوموسى . وكان حاكم الشارقة قد أعلن قبل يوم واحد من استيلاء إيران على الجزر أي في 29 نوفمبر عام 1971م أنه اضطر إلى التوصل إلى ترتيب مع إيران للتشارك في السيادة على جزيرة أبوموسى في مواجهة التهديد الصريح بالاستيلاء على الجزيرة في حالة عدم قبوله .
والحقيقة إنه لم يكن هناك أي خيار أمام حاكم الشارقة سوى الرضوخ للمطالب الإيرانية ، وخاصة بعدما أوضحت له الحكومة البريطانية بصراحة أنها عاجزة عن الدفاع عن الجزيرة في مواجهة التحركات الإيرانية إذا لم يمكن التوصل لترتيبات محددة قبل حلول موعد رحيلها عن الخليج .
ويلاحظ أن الذي ناقش الصيغة النهائية لتلك المذكرة هو السير ويليام لويس آخر مقيم بريطاني في المنطقة ، ولكن وعلى الجانب الآخر وفيما يخص جزر طنب فلم يرضخ حاكم رأس الخيمة للمطالب الإيرانية مما أدى إلى استيلاء إيران عليها في 30 نوفمبر 1971م حيث تم إجلاء 120 مواطناً من القواسم إلى رأس الخيمة . ومما يجدر ذكره أن الاستيلاء الإيراني على جزر طنب قد تم ورأس الخيمة تحت الحماية البريطانية .
وفيما يلي نص مذكرة التفاهم بين إيران والشارقة الموقعة من الشيخ خالد بن محمد القاسمي في 29/11/1971م :
مع الأخذ في الاعتبار أن كلا من إيران والشارقة قد لا تعتزم التنازل عن مطالبها في أبوموسى ولا الاعتراف بمطالب الأخرى ، سوف يتم تنفيذ المطالب التالية :
1 - سوف تصل قوات إيرانية إلى أبوموسى ، وسوف تحتل مواقع اتفق على تحديدها وفقاً للخريطة المرفقة بهذه المذكرة .
2 - أ ) سوف تكون لإيران السلطة الكاملة داخل المناطق التي سوف تحتلها قواتها وفقاً للمتفق عليه ، كما سيرفع فيها العلم الإيراني .
ب) سوف تحتفظ الشارقة بالسلطة الكاملة على باقي أراضي الجزيرة ، وسيظل علمها مرفوعاً على مركز الشرطة التابع لها لنفس الأسس التي سيرفع فيها العلم الإيراني على مقرات قواتها بالجزيرة .
3 - تعترف كل من إيران والشارقة بامتداد المياه الإقليمية للجزيرة لمسافة 12 ميلاً بحرياً .
4 - تواصل شركة (Butes Gas Oil Company) استغلال الموارد النفطية في أرض الجزيرة ومياهها الإقليمية ، وما تحت قاع البحر في المياه الإقليمية وفقاً للاتفاق الحالي مع الشارقة ، والذي يجب أن توافق عليه إيران ، على أن تدفع نصف الحصة الحكومية من عائدات النفط المستخرج وفقاً لهذا الاتفاق إلى إيران مباشرة ، وتدفع النصف الآخر للشارقة .
5 - سوف يتمتع مواطنو إيران والشارقة بحقوق متساوية في الصيد في المياه الإقليمية لأبوموسى .
6 - سوف يتم التوقيع على اتفاق للمساعدات المالية بين إيران والشارقة (8) .
لقد وجد الشاه في احتلال الجزر مجالاً ليس فقط لعرض قدراته العسكرية ، بل الأهم من ذلك ، إظهار نفسه أمام الدول العربية في مظهر صاحب السلطة والقوة في منطقة الشرق الأوسط مدعوما من الدول الغربية وإسرائيل . ومن ناحية أخرى ، جاء احتلال الجزر كمكافأة قدمتها الدول الغربية للشاه لتخليه عن أطماعه في البحرين .
جاءت الثورة الإيرانية عام 1979م لتطيح بالشاه محمد رضا بهلوي ولترفع الشعارات المعادية للإمبراطورية والصهيونية ومناصرة "المستضعفين في الأرض" ، الأمر الذي بعث الأمل في نفوس الخليجيين ودعاهم للتفاؤل بقرب انتهاء كابوس الأطماع الإيرانية في المنطقة بانتهاج النظام الإيراني الجديد سياسة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير . إلا أن الثورة الإيرانية لم تكتف بالإطاحة بنظام الشاه السابق بل تبنت مبدأ تصدير الثورة ونذرت نفسها لأداء دور عالمي أيديولوجي وسياسي ، وكانت حركات "الإسلام السياسي" في البلاد العربية والإسلامية هي القوة المحلية الضاربة التي اعتمدتها إيران في إستراتيجيتها لتصدير الثورة . كما أن قيادة الثورة الخمينية حذت حذو الشاه الراحل في التمسك بالجزر متسلحة بنفس الحجج التي تسلح بها النظام الإمبراطوري السابق .
لقد انتهى النشاط العسكري الإيراني باحتلال جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى في 30/11/1971م قبل يوم فقط من الانسحاب البريطاني من الخليج . ولعل تصرف الشاه هذا أراد منه تحقيق الأهداف التالية(9) :
1 - التأكيد للولايات المتحدة على مقدرة القوات الإيرانية على استخدام التقنية العسكرية العالية ومقدرة الشاه على التحرك في الخليج .
2 - التأكيد للعرب على دور إيران كقوة رادعة .
3 - وضع اليد على جزر تعتبر بموقعها الاستراتيجي نقطة تحكم وسيطرة على مضيق هرمز والخليج بأكمله .

* في منتصف السبعينات بنى الإيرانيون ميناءاً على الجزء المخصص لهم من أبوموسى وكان قرار الشارقة بعدم بناء ميناء في جزئها من الجزيرة سبباً في أن يستخدم مواطنيها الميناء الإيراني وأن يتعرضوا لإجراءات الدخول الإيرانية .
* في الثمانينات قامت إيران ببرنامج تطويري لأبى موسى تضمن إنشاء مطار وإقامة منشآت جديدة أو القيام بعمليات التجديد . وقام الإيرانيون عام 1987م بالزحف على الجزء الجنوبي من أبوموسى الواقع تحت سلطة الشارقة إثر أنباء عن محاولة انقلاب داخل الأسرة الحاكمة في الشارقة ، ولسبب ما لم يتم الانقلاب المذكور ، وحين اكتشف الإيرانيون ذلك كانوا قد أنزلوا علم الشارقة بالفعل لكنهم أسرعوا بإعادة رفعه والعودة إلى مواقعهم . ولكن منذ ذلك الوقت اتخذت الدوريات العسكرية الإيرانية داخل المناطق الخاضعة للشارقة شكلاً منتظماً ومتكرراً . وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ، قام الإيرانيون ببناء مدرج للطائرات يمتد داخل الجزء المخصص للشارقة .
* لم تجذب تلك الأحداث الأنظار إليها وذلك بسبب الأحداث الكبيرة التي وقعت في الخليج من الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها من غزو عراقي في الكويت . لكن المسألة عادت إلى دائرة الأحداث مرة أخرى أواخر عام 1991م ، عندما طالبت إيران رعايا الدول الأخرى باستخراج تصاريح أمنية إيرانية ، وحين رفضت الإمارات هذا الطلب قامت السلطات الإيرانية بطرد الخبراء الأجانب من الجزيرة في إبريل 1992م .
وتفاقمت الأزمة في أكتوبر 1992م حين منعت إيران عودة المدرسين للمدرسة المحلية الواقعة تحت سلطة الشارقة - وكلهم من جنسيات عربية مختلفة - من العودة إلى الجزيرة ، مما اعتبر خرقاً فاضحاً لمذكرة التفاهم ، ثم أعادتهم للجزيرة في 11 نوفمبر 1992م .
وضع الراهن للجزر :

الواقع أن دولة الإمارات لم تسلم بالاحتلال الإيراني لجزر طنب وسيادتها على أبوموسى ، وإن كانت تستوعب أنها لن تستطيع بمفردها استعادة حقوقها بالقوة ، لكنها لم تتخلى في أي وقت من الأوقات عن حقها في استعادة الجزر .
وأمام تصلب موقف إيران وتمسكها بالجزر الثلاث ورفضها لأي مفاوضات حول هذا الشأن وصلت المساعي المبذولة إلى طريق مسدود ، الأمر الذي دفع المسؤولين في الإمارات العربية إلى طرح موقف جديد محدد يتمثل في المطالبة باللجوء إلى محكمة العدل الدولية للبت في النزاع . وقد عبر الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ، عن هذا الموقف بكلمات بسيطة معبرة : "إذا قدمنا براهيننا وقدموا براهينهم للتحكيم فهذا هو الذي سيقرر الصحيح والباطل منها ، اقصد بذلك اللجوء إلى محكمة العدل الدولية" ، وقد أيدت جميع الدول العربية هذا الموقف كما أيدته معظم دول العالم حتى تلك التي يرتبط بعضها بروابط وثيقة مع إيران (10) .
ويبقى الباب مفتوحاً أمام قضية لم تحسم ونزاع لم يتوصل أطرافه إلى حل ... فما هي احتمالات الصراع ؟ وما هي احتمالات التسوية ؟
هوامش الفصل الثاني :

___________________________________
(1) بعد القضاء على إمارة لنجة في عام 1887م انتقلت إدارة طنب إلى رأس الخيمة بينما ارتبطت أبوموسى بالشارقة ، واستمرت هذه الإدارة المنفصلة عندما توحدت الشارقة ورأس الخيمة مرة أخرى وبصورة مؤقتة خلال الفترة (1900م- 1921م) وإنفصلنا مرة أخرى بعد ذلك إذ أصبحت أبوموسى تابعة لحاكم الشارقة ، وطنب تابعة لحاكم رأس الخيمة الشيخ سلطان بن سالم القاسمي .
أنظر عبدالله عبدالرحمن : "النزاع الإيراني الإماراتي حول الجزر الثلاث: ، العرب اليوم ، العدد الصادر في 1/3/1998م ، ص : 8 .
(2) باسم عجمي : "تاريخ الصراع على الجزر الثلاث " ، الحياة ، العدد الصادر في 23/3/1997م ، ص : 18 .
(3) جدير بالذكر أنه بخلاف جزر الطنب وصري ، لم تكن تربط أبوموسى أي علاقة بمدينة لنجة ، بل كانت الجزيرة تدار مباشرة من قبل قواسم الشارقة ، وبالتالي فإن مد سيطرة طهران إلى المدينة الساحلية لم يشكل مبرراً قانونياً لإدعاء السيادة الإيرانية على تلك الجزيرة .
(4) أنظر : على حميدان : "من الإمبراطورية الشاهنشاهية إلى الجمهورية الإسلامية - الإمارات وإيران والجزر الثلاث ، الشرق الأوسط ، العدد 6774 الصادر في 15/6/1997م ، ص : 21 .والكاتب إماراتي شغل عدة مناصب ديبلوماسية وكان سفيراً لبلاده في الأمم المتحدة عندما احتلت إيران الجزر الثلاث في نوفمبر 1971م .
(5) باسم عجمي ، مرجع سابق ، ص :18 .
(6) أنظر للاطلاع على وثائق أكثر تفصيلاً : د.وليد حمدي الأعظمي ، د. عبداللطيف الخاجة : "النزاع بين دولة الإمارات العربية وإيران حول جزر أبوموسى وطنب الكبرى والصغرى في الوثائق البريطانية " دار الحكمة 1993م .
(7) د. وليد الأعظمي ، مرجع سابق ، ص : 175 .
(8) اتفق على أن تدفع إيران (1.5 مليون) جنيه إسترليني للشارقة إلى حين وصول دخل الشارقة إلى ثلاثة ملايين جنية إسترليني سنوياً .
أنظر : عبدالله عبدالرحمن : "النزاع الإيراني الإماراتي حول الجزر الثلاث" / مقال سابق .
(9) د. محمد رشيد الفيل : "الأهمية الاستراتيجية للخليج العربي" ، مرجع سابق ، ص :197 .
(10) د. علي حميدان " "بين الامبراطورية الشاهنشاهية والجمهورية الإسلامية" ، مرجع سابق ، ص "16 .


الفصل الثالث

النزاع الإماراتي الإيراني حول الجزر الثلاث

"احتمالات الصراع والتسوية"

من التسلسل التاريخي الذي قدمناه في الفصل الثاني يتضح لنا أن هناك لكل من دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية مبرراتهما للاستحواذ على الجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى) . كما أن هناك موقف متلون سياسياً للدول العظمى ذات المصالح الحيوية في المنطقة مثل بريطانيا سابقاً ثم الولايات المتحدة اليوم .
وفيما يلي نعرض تحليلاً للمبررات والمواقف التي اتخذتها الأطراف المعنية بهذا الصراع .

الخاتمة

النزاع حول الجزر هو من النزاعات الحدودية القليلة الموثقة توثيقاً جيداً . ومما لا شك فيه أن الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى) منذ نوفمبر 1971م هو من أهم البؤر التي تؤجج التوتر في المنطقة بين الحين والآخر .
إن أهمية الجزر الثلاث ترجع إلى حقيقة منطقية مؤداها أن الذي يسيطر على الجزر يمكنه التحكم في الخليج العربي ، وأن الذي يتحكم في الخليج فقد تحكم في شريان مائي وملاحي هام يربط بين كل من آسيا وأفريقيا وأوروبا . إن الأهمية الكبرى للخليج وما به من جزر تنبع من كونه الموقع الذي تستورد عن طريقه الولايات المتحدة وأوروبا واليابان أكثر من 60% من احتياجاتها من النفط المستورد من الدول المطلة على الخليج وبصفة عامة تمر 86% من صادرات نفط الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز بشواطئ الجزر الثلاث ، وهو ما يعادل نصف الطاقة التي تعتمد عليها صناعات العالم واقتصاده وحياته اليومية .
وهذه الجزر التي تتحكم في مدخل الخليج العربي بموقعها الاستراتيجي الهام تتمتع بمزايا أخرى عسكرية واقتصادية لا تقل أهمية .. فهي محط أنظار الدول ذات المصالح لمحاولة إقامة القواعد العسكرية عليها ، كما أنها صالحة كموانئ لرسو السفن ومحطات للتزود بالوقود والمياه ، إضافة إلى أن بها ثروات نفطية ومعدنية (أكسيد الحديد الأحمر) لا يستهان بها ، وأخيراً فإن مصائد الأسماك بها تحقق دخلاً طيباً للصيادين .
ولم تتوقف إيران منذ عام 1892م وحتى تاريخ احتلالها للجزر عسكرياً في 30/11/1971م عن الممارسات المتعددة في محاولة منها لتأكيد سيطرتها على تلك الجزر بشكل أو بآخر (كما قامت بنفس المحاولات مع البحرين من قبل) .
وقد اتضح لنا - خلال الدراسة - أن إيران قد عززت موقفها في الجزر الثلاث على مدى التسعينات سواء بمنعها موظفي دولة الإمارات من دخولها إلا بتصريح من السلطات الإيرانية أو فرضها قيود على دخول وخروج السكان ، فضلاً عن قيامها بتعزيز وجودها العسكري في جزيرة أبوموسى وتعيين حاكم عسكري لها بشكل يعني -بطريقة غير مباشرة - حسم موضوع السيادة عليها من جانب واحد دون مراعاة لما ورد في اتفاقيتها مع حاكم الشارقة التي وقعتها في 29/11/1971م (أي قبل يوم واحد من دخول القوات العسكرية الإيرانية إلى الجزيرة في 30/11/1971م) .
ويبدو أن إيران قد اتخذت إجراءاتها في الفترة الأخيرة على أساس مواقف أمنية مبالغ فيها ، إذ اعتقدت أن الوجود الأمريكي المكثف إبان حرب الخليج الثانية وبعدها سينتهي إلى القيام بعملية عسكرية ضد إيران ، وبالتحديد تمكين الإمارات من استعادة تلك الجزر بالقوة وهو ما ثبت مع الوقت أنه غير صحيح .
على الجانب الآخر ترفض دولة الإمارات العربية المتحدة العدوان الإيراني وتستنكره ، بإعتبار أن الاحتلال العسكري للجزر يعد خرقاً لمبادئ وأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة (رقم 2625 الصادر في 1970م في شأن التعاون بين الدول ، ورقم 3314 الصادر في 1974م في شأن تعريف العدوان) . كما أن للإمارات مبرراتها القوية من النواحي القانونية والسياسية والتاريخية التي تؤكد على حقها الأصيل في السيادة على الجزر (أنظر المبحث الثاني في الفصل الثاني) .
وإزاء إصرار الجانب الإيراني على رفض مناقشة إنهاء الاحتلال العسكري لجزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى ورفضه كذلك اقتراح دولة الإمارات إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية فقد بات من المتعذر -حتى الآن- إحراز أي تقدم عبر المفاوضات الثنائية مع البلدين .
أما عن موقف الدول الغربية الكبرى التي كانت لها السيطرة في منطقة الخليج فقد لوحظ أنه وقبل بروز الولايات المتحدة ، كدولة عظمى ذات نفوذ في الخليج ، كانت بريطانيا هي القوة الأولى في المنطقة ، وبالتالي كانت هي المرجع الأساس للخلافات فيها . وهكذا ، فإن أي بحث جدي للنزاع على الجزر كان ولابد أن يعتمد بشكل أساسي على الوثائق البريطانية كمرجع أولي للتدقيق في أصل الخلاف وتطوره على مدى أكثر من 100 سنة .
وقد تبين للباحثة أن الوجود البريطاني في الخليج كان يتلون ويتغير وفقاً لتغير المصالح البريطانية ، وأنه من المؤكد أن نفس معيار المصالح هو الذي يحكم الوجود الأمريكي في المنطقة منذ قيام الولايات المتحدة بسد الفراغ الذي خلفه الانسحاب البريطاني من الخليج في نوفمبر 1971م .
إن بريطانيا التي استمرت في رفض الادعاءات الإيرانية بالسيادة على الجزر الثلاث والتي عقدت مع شيوخ المنطقة معاهدة 1892م للدفاع عن ممتلكاتها ، بريطانيا هي نفسها التي شرعت في عام 1968م بالقيام ببعض الترتيبات السرية منها وغير السرية لملء الفراغ السياسي والعسكري الذي سوف يخلفه انسحابها من الخليج بنهاية 1971م . ولقد اتضح لنا من تصريحات السير جيفري آرثر الذي كان يشغل منصب المعتمد البريطاني في الخليج إبان احتلال إيران للجزر الثلاث أن بريطانيا هي التي أعطت الضوء الأخضر للشاه لاحتلال الجزر الإماراتية تعويضاً له عن تخليه عن البحرين وإنطلاقاً من قناعتها وقناعة الولايات المتحدة بأن إيران الشاهنشاهية هي القوة المنشودة آنذاك للمحافظة على مصالح الغرب في المنطقة .
وحتى اليوم - ولأسباب إستراتيجية واقتصادية - لم يصدر عن الولايات المتحدة أي تصريحات تشير إلى اتخاذها موقفاً رسمياً في شأن الخلاف الإيراني الإماراتي حول الجزر ، مفضلة -في الوقت الحاضر- علاقاتها الخليجية على علاقاتها مع إيران ... وسوف يستمر هذا الموقف حتى مجيء الوقت الذي تتبدل فيه المؤشرات في بورصة المصالح الدولية .
إن الجانب القانوني في الدارسة قد بين بجلاء أن السيادة الفعلية على الجزر الثلاث ترجع إلى دولة الإمارات (إمارتي الشارقة ورأس الخيمة) ذلك أن الاستيلاء (ويقصد به -قانوناً- إدخال دولة من الدول في حيازتها المادية إقليمياً غير مملوك لدولة ما بقصد بسط سيادتها عليه) هو السبيل الذي حصلت به إمارتي الشارقة ورأس الخيمة على الجزر الثلاث منذ العام 1750م وحتى العام 1971م من دون معارضة فعلية من السلطات الإيرانية وقد تعددت مظاهر تلك السيادة التي مارستها الإمارتين على الجزر الثلاث خلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن مثل : رفع علم الإمارات على الجزر الثلاث وإدارة المرافق العامة ، واستيفاء الرسوم الجمركية ... وغيرها إضافة إلى منح الامتيازات واستغلال الموارد الطبيعية .
وعلى الرغم من تكرار دعوة الإمارات العربية المتحدة لاستعدادها وقبولها مبدأ التحكيم الدولي للبت في هذا النزاع (أي بالعرض على محكمة العدل الدولية) ، وتعهدها صراحة بعدم منازعة قرار التحكيم والتقيد به ، فإن الموقف الإيراني ظل رافضاً تماماً لفكرة التحكيم الدولي . ولا يعني ذلك أن إيران لا تملك الحجة ، أو أن موقفها ضعيف ، ولكن إيران التي تملك على الأقل خرائط صادرة عن البحرية البريطانية عام 1887م تظهر الجزر المتنازع عليها بألوان إيرانية ، ترفض لأسباب أخرى غير الفشل في كسب نتيجة النزاع لصالحها .
إن الموقف الإيراني الرسمي في هذا النزاع إنما هو إنعكاس لنمو الشعور القومي لدى الشعب الإيراني الذي أصبح يرى في مسألة الجزر تعبيراً عن هوية مهددة من قبل الدول العربية .
وهناك تفسير آخر لرفض جمهورية إيران الإسلامية عرض النزاع على التحكيم الدولي يقول : أنه لا يجوز عرض النزاع بين شخصين مسلمين على قاض غير مسلم ، كمحكمة العدل الدولية في تشكيلها الحالي ، فهل سوف تنتظر إيران حتى يتم تشكيل محكمة العدل الدولية الإسلامية ؟!
والواقع أنه إذا كان الحل عن طريق اللجوء إلى محكمة العدل الدولية قد اعتبر من قبل إيران طريقاً مسدوداً ومنهجاً مرفوضاً للأسباب التي قدمناها ، فإنه لا يبقى إلا احتمالين أحدهما مستبعد وهو : أن يتفجر النزاع ويتحول إلى صراع مسلح تحاول الإمارات فيه أن تستعيد بالقوة ما أخذ منها بالقوة ، الاحتمال الثاني هو التفاوض المباشر بين الدولتين من أجل الوصول إلى حل سلمي للأزمة ، وهو ما يبدو لنا الاحتمال الأقوى والأكثر واقعية .
إن استبعاد احتمال الصراع والقبول بمبدأ التسوية يدفع بكل من الإمارات وإيران نحو مائدة التفاوض والحوار ، ولكن في المقابل يجب أن يضع الطرفان باعتبارهما أنه لا توجد مفاوضات بدون تقديم تنازلات متبادلة للوصول إلى الحل الذي قد لا يكون الأمثل .
وأخيراً ... يمكن القول أن الإمارات لا تزال تأمل في تسوية ودية تتراوح بين التسوية السياسية والتسوية القضائية وتأمل ألا تتأثر العلاقات بين الدولتين بشكل خطير بسبب هذه الأزمة ، في الوقت الذي يتخذ مجلس التعاون موقفاً حازماً قوامه تأييد موقف الإمارات وإفهام ذلك لإيران .

الملاحق

الملحق رقم (1)

نص خطاب المقيم السياسي البريطاني والقنصل العام في بوشهر
المؤرخ في 11 مايو 1931م
حول شروط حاكم رأس الخيمة لتأجير جزيرة طنب إلى / الحكومة الفارسية(1)
--------------
11 مايو 1931م من /القنصل العام بيسكو إلى حكومة الهند
بوشهر
سيدي ..،
استمراراً لبرقيتي المؤرخة في 23 إبريل 1931م بشأن تأجير جزيرة طنب من قبل حاكم رأس الخيمة للحكومة الفارسية ، أتشرف بأن أرسل لكم صورة من التصريح والبيان الذي أدلى به حاكم رأس الخيمة إلى رئاسة الخليج موضحاً الشروط التي بموجبها سيكون مستعداً لتأجير الجزيرة إلى الفرس .
كما توقعت فإن الشروط التي وضعها الشيخ لتأجير جزيرته صارمة وشاملة إذ سوف تكون الجزيرة عديمة القيمة في ظلها عند تأجيرها من قبل الفرس ، وخاصة الشرط الثالث . وأشار الشيخ في حديثه مع وكيل دار الاعتماد البريطانية بأنه يصر على هذا الشرط خوفاً من وضع الفرس لسفنهم البحرية في جزيرة طنب والقيام بعمليات تفتيش واسعة بحثاً عن زوارق العرب التي تبحر في تلك المنطقة . وإنه يعتقد بأن ذلك سوف لا يزعج جماعته فحسب بل يورطه في مشاكل مع زملائه من الشيوخ .

ونظراً لأن هذه الشروط متعددة ومفصلة وإن محادثات عقد المعاهدة العامة تمر في فترة مرتبكة سأقوم بإرسالها بالبريد الجوي بدلاً من إبراقها .
المخلص
المقدم ايج . في . بيسكو
المقيم السياسي في الخليج الفارسي
بيان يتضمن الشروط المطلوبة من قبل حاكم رأس الخيمة :
1 - يبقى علمي ، العلم القاسمي ، مرفوعاً على الجزيرة كالسابق .
2 - سوف لا يكون المواطنين في الجزيرة خاضعين للسلطات العليا أو للاضطهاد ولا يمكن تطبيق الأوامر بحقهم لحين إحالتها لي ومناقشتها معي .
3 - لا يجوز للسفن التابعة للحكومة الفارسية ، والتي تقوم بالتفتيش بالنيابة عن دوائر الجمارك ، المجيء إلى بحر عمان لتفتيش السفن والزوارق العربية سواء كانت تعود لمواطني أو لجيراننا من شيوخ الساحل المتصالح ، وأن يبقى البحر حراً للملاحة كما كان من قبل . وعند العثور على بضائع وسلع ممنوعة من قبل الحكومة الفارسية على سفن تعود ملكيتها لمواطني يتوجب عليها آنذاك إحالة الموضوع إلى الحكومة البريطانية لمناقشته معي بصدد السفينة وربانها . ولا يجوز للحكومة الفارسية إصدار أوامرها إلى السفينة مباشرة .
4 - إذا ما قام أحد الغواصين المدنيين التابعين لنا باللجوء إلى أحد الموظفين التابعين للحكومة الفارسية المقيمين في الجزيرة يتوجب على ذلك الموظف إعادته إلينا دون الرفض عندما أطلب منه ذلك .
5 - تعفى كافة البضائع والسلع التي يتم إدخالها إلى الجزيرة لمتطلباتي الشخصية من الرسوم وكذلك في حالة إستيراد سكان الجزيرة للمواد الغذائية لاستخدامهم الشخصي .
6 - يدفع بدل الإيجار السنوي لي مقدماً في بداية كل سنة .
7 - إذا ما قررت الحكومة الفارسية رفع العلم الفارسي على دوائرها فيجب رفع ذلك العلم على أعلى البناية وليس على أرض الجزيرة .
8 - يجب تنفيذ هذه الشروط بيني وبين الحكومة الفارسية تحت رعاية وإشراف الحكومة البريطانية .
الملحق رقم (2)

بتاريخ 31 يناير 1955م أرسل وزير الخارجية البريطاني أنطوني إيدن خطاباً إلى وزير البحرية البريطاني يتضمن الحلول المقترحة للتوصل إلى حل المشكلة مع الحكومة الإيرانية حول المطالبة بجزر أبوموسى وطنب الكبرى والصغرى فكتب (2) :
وزارة الخارجية

لندن
31 يناير 1955م .
إلى / وزير البحرية
سيدي ،
بناءً على التعليمات الصادرة من وزير الخارجية السير أنطوني إيدن يسرني أن أبلغكم بأنه يقوم في الوقت الحاضر بدراسة إمكانية التوصل إلى حل النزاعات الإقليمية في الخليج الفارسي مع الحكومة الإيرانية .
إن لجنة اللوردات في وزارة البحرية تعلم بأن إيران تطالب بجزر البحرين وطنب الكبرى والصغرى وأبوموسى . كما وأن حاكم الشارقة في الوقت نفسه يطالب بجزيرة صري بالرغم من أن القوات الإيرانية احتلتها منذ عدة سنوات مضت . وقد سببت هذه النزاعات إحراجاً للحكومة البريطانية منذ سبعين سنة مضت . ويري السير أنطوني إيدن بعض الفائدة من حل كافة النزاعات

العالقة مع إيران إذا ما أمكن ذلك دون إلحاق الضرر بالمصالح البريطانية أو بمصالح حكام دول الخليج التي كانت تحت الحماية البريطانية . كما وأن هناك سبباً آخر لمحاولة التوصل إلى حل في هذا الوقت بالذات إذ أن وزير الخارجية الإيراني الحالي السيد انتظام رجل دولة بمواصفات جيدة غير عادية في تلك البلاد . إذ أنه أشار لسفير حكومة صاحبة الجلالة في طهران بأنه سيكون مسروراً للتنازل نهائياً عن المطالبة الإيرانية بالبحرين إذا ما تمكن من الحصول على تنازل بالمقابل يرضي إيران بهذا الحل السياسي ويجعله مقبولاً .
- إن الشكل الوحيد لمثل هذا الحل الذي يبدو للسير أنطوني إيدن بأنه يبعث على الأمل هو :
(أ) قيام حاكم رأس الخيمة ببيع جزر طنب الكبرى والصغرى إلى إيران مقابل سعر يتم التفاوض عليه .
(ب) تخلي حاكم الشارقة عن حقه الشرعي بالمطالبة بجزيرة صري .
(ج) تتخلى إيران عن مطالبتها بجزر أبو موسى والبحرين إن أمكن ويبدو أن مثل هذا الحل أمر منطقي من الناحية الجغرافية حيث ستترك لإيران الجزر المتنازع عليها فقط التي تقع على مسافة قريبة من الساحل الإيراني .
وسيتم تنفيذ ذلك إذا ما كان الحكام راغبين في ذلك .
- سوف يكون السير أنطوني إيدن مسروراً للاطلاع على وجهات نظر اللوردات بهذا الصدد .
- كما أنه يرحب في الوقت نفسه بوجهات نظرهم حيال المقترح الذي طرحه وزير الخارجية الإيراني بصدد تحقيق بعض التعاون بين البحرية الملكية البريطانية والبحرية الإيرانية في "حراسة مياه الخليج الفارسي" . ولم يشرح السيد انتظام ما يعنيه من ذلك ويبدو أنه بالغ في المهمات التي تقوم بها البحرية الملكية البريطانية في الخليج .
وبهذا الصدد أرسل إليكم مقتطفاً من خطاب المقيم السياسي البريطاني في الخليج الفارسي مع مذكرة معدة بالتعاون مع دائرة خدمات الإنارة للخليج الفارسي . ويبدو من هذه التعليمات أنه لا مجال هناك لتحقيق هذه "الحراسة المشتركة" . ويعتقد السير أنطوني إيدن بأنه إذا ما تم التوصل إلى تحقيق التسوية الإقليمية مع إيران فإنه سوف لا يكون هناك أي سبب للاعتراض من قبل حكومة صاحب الجلالة وحكام دول الخليج على زيارات السفن الحربية الإيرانية وأنه بالإمكان قيام بعض التعاون الرمزي في حراسة الخليج لتحقيق رغبات وزير الخارجية الإيراني . وسيكون السير أنطوني إيدن مسروراً إذا ما درس اللوردات هذه القضية في ضوء ذلك .
خادمكم المطيع
ليزلي فراي
الملحق رقم (3)

وفيما يلي ردود فعل حاكم الشارقة تجاه المقترحات التي طرحها عليه الوكيل السياسي البريطاني في الشارقة بصدد التنازل عن حقوقه في جزيرة صري (3) .
الوكالة السياسية
دول الساحل المتصالح
دبي
25 مارس 1955م
رقم 55/4/1041
إلى / المقيم السياسي ، أف ، بي ، ريتشاردز
دار الرئاسة البريطانية
البحرين
لقد ثبت أن التقويم الوارد بخطابي رقم 55/2/1041 بشأن موقف (الشيخ) صقر حاكم الشارقة حيال جزيرة صري لم يكن متفائلاً . ويقول الحاكم بأنه مستعد للتنازل عن صري إذا ما كان الإيرانيون مستعدين للتنازل عن مطالبتهم بأبوموسى .
ويبدو أن صقر في الوقت الحاضر مسروراً بذلك ولم يشر إلى موضوع إحتمال التعويض المالي . وعاجلاً أو آجلاً سيسمع بأنه تمت مفاتحة حاكم رأس الخيمة حول الموضوع للتنازل عن جزيرة طنب مقابل التعويض بالمال إذ من المحتمل أن يتبدل موقفه آنذاك .

نقلاً عن : د. وليد الأعظمي : مرجع سابق ، ص ص : 164 - 165 .
- وعندما تمت مفاتحة صقر حاكم رأس الخيمة حول بيع الجزيرتين العائدتين له أظهر رغبته بالفكرة وقال بأنه مستعد للبيع . ثم غير رأيه وقال إنه يفضل تأجيرها .
- وعندما تم الاستفسار منه عن الثمن الذي يطلبه أجاب (الشيخ) صقر بأنه لا يقبل بأقل من 50 مليون روبية كما وأنه يطلب ما يلي :
( أ) الاحتفاظ بحقوقه النفطية والمعدنية في الجزيرة .
(ب) الاحتفاظ بالفنار والسماح للصيادين التابعين له وللزوارق من إستخدام الجزيرة .
(ج) إلغاء الرسوم الإيرانية على كافة رعاياه هناك .
- فتم إخبار (الشيخ) صقر بأن الإيرانيين سيماطلون على السعر كما وأنهم سيجدون الشرط الوارد في (ج) غير معقول .وتم الاقتراح أخيراً على الشيخ لكي ينتظر رد فعل الإيرانيين تجاه مطالبه دون إلزام نفسه في الوقت الحاضر بأي التزام .
- وبالرغم من صعوبة الشروط التي وضعها الحاكم إلا أنه أصبح هناك أمل ، بعد قبول فكرة البيع ، لتقديم عرض جيد يغري الحاكم إذا ما كان بالإمكان إقناع الإيرانيين لتقديم مثل ذلك العرض . وإنني أقترح بأنه في الوقت الذي نحجب فيه عن الإيرانيين معرفة الثمن الذي يطلبه (الشيخ) صقر فإننا مع ذلك نقول بأن هذا هو الثمن الذي يطلبه للتفاوض حول الموضوع بالرغم من أن قوله بأنه سعر عادل فيه شيء من المبالغة وقد يكون سعراً باهظاً .
سي . أم . بيري . جوردون
الملحق رقم (4)

قصة إيران مع البحرين
اعتمدنا على الوقائع التاريخية فسنجد بأن المطالبة الإيرانية بجزر البحرين كانت أكثر جدية من مطالبتها بالجزر الإماراتية الثلاث ، ويمكن اختصار ذلك بالشكل التالي : مطالبة إيران بالسيادة على البحرين ترتكز على واقع احتلالها للجزيرة في الفترة الواقعة ما بين عام 1622م وعام 1783م ، وفي عام 1783م استطاع تحالف قبائل العتوب العربية أن يطرد الإيرانيين من البحرين وقد استمر حكم أحفادهم ، آل خليفة للجزيرة حتى يومنا هذا .
وقد بدأت المطالبة الإيرانية الجدية بالبحرين في العقد الثالث من القرن الحالي وبالتحديد في 1927م عندما وقع الملك عبدالعزيز آل سعود معاهدة مع الحكومة البريطانية في جدة يتعهد فيها بالحفاظ على علاقات صداقة وسلام مع الكويت والبحرين وشيوخ قطر وإمارات ساحل عمان التي كانت تربطها ببريطانيا معاهدات خاصة ، وقد احتجت إيران لدى حكومة بريطانيا على ذكر البحرين في المعاهدة مدعية بأن البحرين هي ملكية إيرانية ويجب حذف ما ورد في المعاهدة من إشارة إليها .
ولم تكتف إيران بذلك بل قامت بإرسال نسخة من احتجاجها على الحكومة البريطانية إلى الأمين العام لعصبة الأمم مطالبة إياه بتوزيعها على أعضاء العصبة للاطلاع ، كما أنها عمدت منذ أوائل الخمسينات إلى فرض الجنسية الإيرانية على البحرينيين الذي يذهبون إلى إيران لزيارة الأماكن المقدسة الشيعية ، بل على كل بحريني يدخل إلى الأراضي الإيرانية .
وفي 11 نوفمبر 1957م اتخذت الحكومة الإيرانية قرار بضم البحرين إليها إدارياً وأسمتها "المقاطعة الرابعة عشرة" وكما هو الحال بالنسبة لجزر الإمارات الثلاث استمرت الحكومة البريطانية في رفض ادعاءات إيران بملكيتها للبحرين حتى نهاية الستينات عندما قررت الانسحاب من الخليج بنهاية 1971م ، وفي 1970م تمخضت المشاورات بين إيران وبريطانيا والولايات المتحدة عن إقناع شاه إيران بالتخلي عن مطالبته بالبحرين على أن يتم ذلك بشكل يحفظ ماء الوجه للامبراطور الإيراني ، وهكذا قامت بعثة تابعة للأمم المتحدة في السنة نفسها (1970م) بزيارة البحرين واستطلاع رأي البحرينيين في ما إذا كانوا يفضلون الاستقلال أو الانضمام إلى إيران ، وقد اختار الشعب البحريني الاستقلال طاوياً بذلك صفحة بغيضة من الخلاف بين العرب وإيران(4) .
___________________________________
(1) Ibid, Enclosure 2 in No.1, Consul - General Biscoe to Government of India , Bushire 11 May 1931.
نقلاً عن : د. وليد حمدي الأعظمي : "النزاع بين دولة الإمارات العربية وإيران حول جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى في الوثائق البريطانية " ، دار الحكمة ، 1993م ، ص : 92 .
(2) F 0371/114640/ Fo to the secretary of the Admiralty , 31 January 1955.
نقلاً عن : د. وليد الأعظمي : مرجع سابق ، ص ص : 162 - 165 .
(3) F 0371/144640 , Political Agency , Trucial States Dubai , 25 March 1955.
(4) د.على حميدان ، مقال سابق ، ص :12 .

spisos
12-03-2009, 10:56
رد إلى مريومة 87:

هاذا الدستور يفيدك كثيرا في بحثك...خذي منه بعض النقاط المهمة المتعلقة بالتنظيم السياسي و الإيداري:


الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
دستور 1976

تـمـهـيد
لقد استعاد الشعب الجزائري استقلاله بعد كفاح طويل، و حرب تحريرية خاضها بقيادة جبهة التحرير الوطني و جيش التحرير الوطني، فكانت حربا ضارية سيخلدها التاريخ ملحمة من ملاحمه الكبرى التي ميزت انبعاث شعوب العالم الثالث. و منذ الاستقلال اندفع الشعب الجزائري بكل حزم، في بناء الدولة و تشييد مجتمع جديد، أساسه القضاء على استغلال الإنسان للإنسان، و غايته ازدهار شخصية الفرد و ترقية الجماهير الشعبية، في إطار الاختيار الاشتراكي.
إن المصادقة الشعبية على الميثاق الوطني في استفتاء 27 يونيو 1976، قد أتاحت من جديد، فرصة أخرى، للثورة الجزائريــة كــي تحـدد مذهبها و ترسم استراتيجيتها على ضوء الاختيار الاشتراكي الذي لا رجــعــة فيه. و من هنا ينطلق الشعب الجزائري في مسيرته نحو الرقي، و هو يتصور بوضوح المجتمع الذي يعتزم تشييده.
و يمثل الدستور أحد الأهداف الكبرى المسطرة في الميثاق الوطني. فإعـداده و تطبيقه استمرار و تتمة لذلك العمل الذي تواصل، دون كلل، منذ التصحيح التاريخي في 19 يونيو 1965، من أجل أن تقيم الأمة دولة منظمة على أساس عصري ديمقراطي، و في سبيل ترجمة الأفكار التقدمية إلى إنجازات ملموسة نطبع الحياة اليومية، و تدفع محتوى الثورة الشعبية، بما تخلقه من حركية في الفكر و العمل، نحو الارتباط النهائي بالاشتراكية.
و تقوم دعائم الدولة الجزائرية التي استعادت كامل سيادتها، على مشاركة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية و خوضها النضال من أجل التنمية التي تستهدف خلق القاعدة المادية للاشتراكية، بعد أن تم تحرير الاقتصاد الوطني من كل تسلط إمبريالي. و بهذا يعمل الشعب الجزائري في جميع الميادين، كل يوم أكثر، لتوسيع جبهة نضاله، و تعزيز مسيرته نحو الرقي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي.
إن الجزائر تحتل اليوم مكانة بارزة على المستوى الدولي، بفضل الإشعاع العالمي لثورة فاتح نوفمبر 1954. و بفضل الاحترام الذي استطاعت بلادنا أن تكتسبه بوقوفها إلى جانب القضايا العادلة في العالم. كما أنها قد فرضت نفسها، بما بذلته، على المستوى الداخلي، من جهد جاد يتمثل في التنظيم و التنمية، ذلك الجهد الذي يتميز بتوخي العدالة في توزيع الدخل القومي و استخدامه، وبالسعي لترقية الجماهير التي عانت الاستغلال الاستعماري، و مظالم النظام الموروث عن الماضي، أكثر من غيرها.
إن تنظيم مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي سيحدد للحزب قوانينه الأساسية و يعطيه هيئاته القيادية، لتتويج لهذا الجهد المبذول من أجل إقامة مؤسسات للأمة "تخلد بعد الأحداث و زوال الرجال" كما جاء في بيان 19 يونيو 1965.
و هكذا يتم الوفاء، على أكمل وجه، بالعهد المشهود الذي أخذ أمام الشعب يوم 19 يونيو 1965، في ظل استمرار و توطيد المثل النبيلة التي كانت منذ البداية، محركا لثورة الأول من نوفمبر 1954 العظيمة.
الباب الأول

المبادئ الأساسية لتنظيم المجتمع الجزائري

الفصل الأول
الجمهورية

المادة 1 : الجزائر جمهورية ديمقراطية شعبية، و هي وحدة لا تتجزأ. الدولة الجزائرية دولة اشتراكية.
المادة 2 : الإسلام دين الدولة.
المادة 3 : اللغة العربية هي اللغة الوطنية و الرسمية.
تعمل الدولة على تعميم استعمال اللغة الوطنية في المجال الرسمي.
المادة 4 : عاصمة الجمهورية مدينة الجزائر.
النشيد الوطني و خاصيات العلم و خاتم الدولة، يحددها القانون.
المادة 5 : السيادة الوطنية ملك للشعب، يمارسها عن طريق الاستفتاء أو بواسطة ممثليه المنتخبين.
المادة 6 : الميثاق الوطني هو المصدر الأساسي لسياسة الأمة و قوانين الدولة.
و هو المصدر الإيديولوجي و السياسي المعتمـــد لـمؤسسات الــحزب و الدولة على جميع المستويات.
الميثاق الوطني مرجع أساسي أيضا لأي تأويل لأحكام الدستور.
المادة 7 : المجلس الشعبي هو المؤسسة القاعدية للدولة، و الإطار الذي يتم فيه التعبير عن الإرادة الشعبية و تتحقق فيه الديمقراطية.
كما أنه القاعدة الأساسية للامركزية و لمساهمة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية على جميع المستويات.
المادة 8 : تمثل المجالس الشعبية المنتخبة، بحكم محتواها البشري، القوى الاجتماعية للثورة.
تتكون الأغلبية، ضمن المجالـــس الــشعبية المنتــخــبة، من العمال و الفلاحين
يعتبر عاملا كل شخص يعيش من حاصل عمله الـيدوي أو الــفكري و لا يستخدم لمصلحته الخاصة غيره من العمال أثناء ممارسة نشاطه المهني.
المادة 9 : يجب أن تتوفر في ممثلي الشعب مقايــيس الكــفاءة و النــزاهــة و الالتزام يتنافى تمثيل الشعب مع الثراء أو امتلاك مصالح مالية.
الفصل الثاني
الاشتراكية
المادة 10 : الاشتراكية اختيار الشعب الذي لا رجعة فيه، كما عبر عن ذلك بكامل السيادة في الميثاق الوطني. و هي السبيل الوحيد الكفيل باستكمال الاستقلال الوطني.
مفهوم الاشتراكية، طبقا لما ورد في الميثاق الوطني نصا و روحا، هو تعميق لثورة فاتح نوفمبر 1954 و نتيجة منطقية لها.
الثورة الجزائرية ثورة اشتراكية تستهدف إزالة استغلال الإنسان للإنسان، شعارها : "من الشعب و إلى الشعب".
المادة 11 : تتوخى الاشتراكية تحقيــق تطــور البلاد، و تحويـل العمال و الفلاحين إلى منتخبين واعين و مسئولين، و نــشر الــعدالة الاجتماعية، و توفير أسباب تفتح شخصية المواطن.
تحدد الثورة الاشتراكية خطوط عملها الأساسية للتعجيل بترقية الإنسان إلى مستوى من العيش يتلاءم و ظروف الحياة العصرية، و تمكين الجزائر من إرساء قاعدة اجتماعية اقتصاديــة متحررة مــن الاستغلال و التخلف.
سيحظى النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ترتكز عليه الاشتراكية بالتطوير المستمر، بحيث يستفيد من مزايا الرقى العلمي و التقني.
المادة 12 : ترمي الاشتراكية إلى تحقيق أهداف ثلاثة :
1- دعم الاستقلال الوطني .
2- إقامة مجتمع متحرر من استغلال الإنسان للإنسان.
3- ترقية الإنسان و توفير أسباب تفتح شخصيته و ازدهارها.
و تعود إلى مؤسسات الحزب و الدولة مهمة تحقيق هذه الأهداف المتكاملة المتلازمة.
المادة 13 : يشكل تحقيق اشتراكية وسائل الإنتاج قاعدة أساسية للاشتراكية، و تمثل ملكية الدولة أعلى أشكال الملكية الاجتماعية.
المادة 14 : تحدد ملكية الدولة بأنها الملكية المحوزة من طرف المجموعة الوطنية التي تمثلها الدولة.
و تـشـمل هــذه الملكية، بكيفية لا رجعة فيها : الأراضي الرعوية، و الأراضي المؤممة، زراعية كانت أو قابلة للزراعة، و الغابات، و المياه، وما في باطن الأرض، و المنــاجم، و المـقالع، و المصادر الطبيعية للطاقة، و للثروات المعدنية الطبيعية و الحيّة للجرف القاري و للمنطقة الاقتصادية الخاصة.
تعد أيضا أملاكا للدولة بشكل لا رجعة فيه، كل المؤسسات و البنوك و مؤسسات التأمين و المنشآت المؤممة، و مؤسسات النقل بالسكك الحديدية و النقل البحري و الجوي، و الموانئ، و وسائل المواصلات و البريد و البرق و الهاتف، و التلفزة و الإذاعة، و الوسائل الرئيسية للنقل البري، و مجموع المصانع و المؤسسات و المنشآت الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي أقامتها الدولة أو تقيمها أو تطورها، أو التي اكتسبتها أو تكتسبها.
يـشـمل احتكار الدولة، بصفة لا رجعة فيها، التجارة الخارجية و تجارة الجملة.
يـمـارس هـذا الاحتكار في إطـار الـقـانون.
المادة 15 : على المؤسسات الاشتراكية التي تكلفها الدولة باستثمار أو استغلال أو تنمية جزء من ممتلكاتها أن تذكر في موازنتها وفقا لأحكام القانون، قيمة الأصول المعادلة لقيمة الممتلكات الموضوعة تحت تصرفها.
يتم استخلاف قيمة هذه الأصول، و عند الاقتضاء إعادة تقييمها، حسب القواعد و الطرق المحددة في التشريع.
المادة 16 : الملكية الفردية ذات الاستعمال الشخصي أو العائلي مضمونة.
الملكية الخاصة غير الاستغلالية، كما يعرفها القانون، جزء لا يتجزأ من التنظيم الاجتماعي الجديد.
الملكية الخاصة، لا سيما في الميدان الاقتصادي، يجب أن تساهم في تنمية البلاد و أن تكون ذات منفعة اجتماعية. و هي مضمونة في إطار القانون.
حـق الإرث مـضـمـون.
المادة 17 : لا يتم نزع الملكية إلا في إطار القانون.
و يترتب عنه أداء تعويض عادل و منصف.
لا تجوز معارضة إجراء نزع الملكية للصالح العام بحجة أية اتفاقية دولية.
المادة 18 : تشكل الثورة الثقافية و الثورة الزراعـية و الـثورة الــصــناعية، و التوازن الجهوي، و الأساليب الاشتراكية للتسيير، المحاور الأساسية لبناء الاشتراكية.
المادة 19 : تستهدف الثورة الثقافية على الخصوص :
أ) التأكيد على الشخصية الوطنية و تحقيق التطور الثقافي.
ب) رفع مستوى التعليم و مستوى الكفاءة التقنية للأمة.
جـ) اعتماد أسلوب حياتي ينسجم مع الأخلاق الإسلامية و مبادئ الثورة الاشتراكية مثلما يحددها الميثاق الوطني.
د) حفز الجماهير لتعبئها و تنظيمها للكفاح من أجل التطوير الاجتماعي و الاقتصادي للبلاد و الدفاع عن مكاسب الثورة الاشتراكية.
هـ) ضمان اكتساب وعي اجتماعي و القيام بعمل ملائم كفيل بتغيير البنايات البالية و المجحفة في المجتمع.
و) مكافحة الآفات الاجتماعية و مساوئ البيروقراطية.
ز) القضاء على السلوك الإقطاعي، و الجهوية، و مــحاباة الأقارب، و كل الانحرافات المضادة للثورة.
المادة 20 : تخلق الثورة الزراعية نموذجا جديدا لمجتمع ينبئ بجزائر تتطور كل جهاتها من مدن و أرياف، بكيفية منسجمة.
تستهدف الثورة الزراعية :
أ) تقويض الأركان المادية و المفاهيم المعادية للمجتمع، المتمثلة في استغلال الإنسان للإنسان.
ب) تحطيم قيود النظام الاقتصادي البائد القائم على التعبئة و الاستغلال.
جـ) بناء العلاقات الاجتماعية في الوسط الريفي على قواعد جديدة.
د) محو الفوارق بين المدن و الأرياف و خاصة ببناء القرى الاشتراكية.
هـ) جعل العمل المنتج قاعدة أساسية للنظام الاقتصادي و الاجتماعي في الأرياف.
المادة 21 : تستهدف الثورة الصناعية، بالإضافة إلى الإنماء الاقتصادي، تغيير الإنسان و رفع مستواه التقني و العلمي و إعادة تشكيل بنية المجتمع و هي تعمل في نفس الوقت على تحويل وجه البلاد.
تندرج الثورة الصناعية ضمن منظور اشتراكي يعطيها مدلولها العميــق و أبعادها السياسية.
المادة 22 : سياسة التوازن الجهوي اختيار أساسي. و هي ترمي إلى محو الفوارق الجهوية، و بالدرجة الأولى، إلى ترقية البلديات الأكثر حرمانا من أجل تأمين تنمية وطنية منسجمة.
المادة 23 : تشكل الأساليب الاشتراكية لتسيير المؤسسات عاملا لترقية العمال. و هم يتحملون، بمساهمتهم في التسيير، مسئوليات حقيقية بوصفهم منتجين واعين حقوقهم و واجباتهم.
المادة 24 : يرتكز المجتمع على العمل، و ينبذ التطفل نبذا جذريا، و يحكمه المبدأ الاشتراكي القائل : " من كل حسب مقدرته و لكل حسب عمله".
العمل شرط أساسي لتنمية البلاد، و هو المصدر الذي يضمن به المواطن وسائل عيشه.
يتم توظيف العمل حسب متطلبات الاقتصاد و المجتمع، و طبقا لاختيار العامل، و بناء على قدراته و مؤهلاته.
الفصل الثالث

الدولة

المادة 25 : تمارس سيادة الدولة الجزائرية على مجموع ترابهــا الوطــني، و على مجالها الجوي، و على مياهها الإقليمية.
كما تمارس سيادة الدولة على كل الوارد المختلفة الموجودة على كل سطح جرفها القاري أو في باطنه، و في منطقتها الاقتصادية الخاصة بها.
المادة 26 : تستمد الدولة سلطتها من الإرادة الشعبية.
و هي في خدمة الشعب وحده. و تستمد علة وجودها، و فاعليتها من تقبل الشعب لها.
المادة 27 : الدولة ديمقراطية في أهدافها و في تسييرها.
إن المساهمة النشيطة للشعب في التشييد الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي، و في تسيير الإدارة و مراقبة الدولة، هي ضرورة تفرضها الثورة.
المادة 28 : هدف الدولة الاشتراكية الجزائرية هو التغيير الجذري للمجتمع، على أساس مبادئ التنظيم الاشتراكي.
المادة 29 :تعمل الدولة على تغيير علاقات الإنتاج، و تسيير الاقتصاد الوطني، و تضمن تنمية على أساس تخطيط علمي المفهوم، ديمقراطي التصميم، حتمي التنفيذ.
تنظم الدولة الإنتاج و تحدد توزيع الدخل القومي، و هي العنصر الأساسي في تحويل الاقتصاد و مجموع العلاقات الاجتماعية.
المادة 30 : يجب أن يضمن المخطط الوطني التنمية المتكاملة و المنسجمة لكل جهات البلاد و في كل قطاعات النشاط، و يحقق استخداما فعالا لكل القوى المنتجة، و مزيدا للدخل القومي، و توزيعه توزيعا عادلا، و كذلك رفع مستوى حياة الشعب الجزائري.
المادة 31 : يتم إعداد المخطط الوطني بكيفية ديمقراطية.
يساهم الشعب في ذلك بواسطة مجالسه المنتخبة على المستوى البلدي و الولائي، و الوطني، و بواسطة مجالس العمال و المنظمات الجماهيرية.
يخضع تطبيق المخطط الوطني لمبدأ اللامركزية مع مراعاة التنسيق المركزي على مستوى الهيئات العليا للحزب و الدولة.
المادة 32 : تنشئ الدولة، لتسيير ممتلكات المجموعة الوطنية، مؤسسات يتلاءم تطور نشاطها مع مصالح الشعب و أهداف المخطط الوطني.
تحقق المؤسسات، طبقا لاتجاهات المخطط الوطني، تراكما ماليا لصالح الممتلكات الموضوعة تحت تصرفها، و لصالح المجموعة الوطنية.
المادة 33 : الدولة مسؤولة عن ظروف حياة كل مواطن.
فهي تكفل استيفاء حاجياته المادية و المعنوية، و بخاصة متطلباته المتعلقة بالكرامة و الأمن.
و هـي تستهـدف تـحرير المواطن من الاستغلال و البطـالـة و المرض و الجهل.
تتـكفـل الـدولـة بـحـمايـة مواطنـيها في الخارج.
المادة 34 : يستند تنظيم الدولة إلى مبدأ اللامركزية القائم على ديمقراطية المؤسسات و المشاركة الفعلية للجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية.
المادة 35 : تعتمد سياسة اللامركزية على توزيع حكيم للصلاحيات و المهام حسب تقسيم منطقي للمسئولية داخل إطار وحدة الدولة.
تستهدف سياسة اللامركزية منح المجموعات الإقليمية الوسائل البشـرية و المادية، و المسئولية التي تؤهلها للقيام بنفسها بمهام تنمية المنطقة التابعة لها كمجهود مكمل لما تقوم به الأمة.
المادة 36 : المجموعات الإقليمية هي الولاية و البلدية.
البلدية هي المجمــوعة الإقليـمـية السياسية و الإدارية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في القاعدة. الـتـنظيـم الإقليمي و التقـسيم الإداري للبلاد خاضعان للقانون.
المادة 37 : ليست وظائف الدولة امتيازا بل هي تكليف.
على أعوان الدولة أن يأخذوا بعين الاعتبار مصالح الشعب و المنفعة العامة ليس غير، و لا يمكن بحال من الأحوال، أن تصبح ممارسة الوظائف العمومية مصدرا للثراء، و لا وسيلة لخدمة المصالح الخاصة.
المادة 38 : تتاح المسئوليات في الدولة للمواطنين الذين تتوفر فيهم مقاييس الكفاءة و النزاهة و الالتزام، و يعيشون من أجرتهم ليس غير، و لا يتعاطون، بصفة مباشرة أو عن طريق وسطاء، أي نشاط آخر يدر عليهم مالا.
الفصل الرابع
الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و المواطن

المادة 39 : تضمن الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و المواطنين.
كل المواطنين متساوون في الحقوق و الواجبات.
يلغى كل تمييز قائم على أحكام مسبقة تتعلق بالجنس أو العرق أو الحرفة.
المادة 40 : القانون واحد بالنسبة للجميع، أن يحمي أو يكره أو يعاقب.
المادة 41 : تكفل الدولة المساواة لكل المواطنين، وذلك بإزالة العقبات ذات الطابع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي التي تحد في الواقع من المساواة بين المواطنين و تعق أزدها الإنسان، و تحول دون المشاركة الفعلية لكل المواطنين في التنظيم السياسي، و الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي.
المادة 42 : يضمن الدستور كل الحقوق السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية للمرأة الجزائرية.
المادة 43 :الجنسية الجزائرية معرفة بالقانون.
شروط اكتساب هذه الجنسية والاحتفاظ بها أو فقدها أو إسقاطها، محددة بالقانون.
المادة 44 : وظـائـف الــدولة و المؤسسات التابعة لها متاحة لكل المواطنين، و هي في متناولهم بالتساوي و بدون أي شرط ماعدا الشروط المتعلقة بالاستحقاق و الأهلية.
المادة 45 : لا تجريم إلا بقانون صادر قبل ارتكاب العمل الإجرامي.
المادة 46 : كل فرد يعتبر بريئا، في نظر القانون، حتى يثبت القضاء إدانته طبقا للضمانات التي يفرضها القانون.
المادة 47 : يترتب عن الخطأ القضائي تعويض من الدولة.
يحدد القانون ظروف التعويض و كيفيته.
المادة 48 : تضمن الدولة حصانة الفرد.
المادة 49 : لا يجوز انتهاك حرمــة حـياة المواطن الـخاصــة و لا شرفــه، و القانون يصونهما.
سرية المراسلات و المواصلات الخاصة بكل إشكالها مضمونة.
المادة 50 : تضمن الدولة حرمة السكن. لا تفتيش إلا بمقتضى القانون و في حدوده.
لا تفتيش إلا بأمر مكتوب صادر عن السلطة القضائية المختصة.
المادة 51 : لا يتابع أحد و لا يلقى عليه القبض أو يحبس إلا في الحالات المحددة بالقانون و طبقا للإشكال التي نص عليها.
المادة 52 : في مادة التحريات الجزائية، لا يمكن أن تتجاوز مدة التوقيف للنظر 48 ساعة.
لا يمكن تمديد مدة التوقيف للنظر إلا بصفة استثنائية و وفقا للشروط المحددة بالقانون.
عند انتهاء مدة التوقيف للنظر يلزم إجراء فحص طبي على الشخص الموقوف إن طلب ذلك، على أن يعلم بإمكانية هذا الإجراء.
المادة 53 : لا مساس بحرية المعتقد و لا بحرية الرأي.
المادة 54 : حرية الابتكار الفكري و الفني و العلمي للمواطن مضمونة في إطار القانون.
حرية التأليف محمية بالقانون.
المادة 55 : حرية التعبير والاجتماع مضمونة، و لا يمكن التذرع بها لضرب أسس الثورة الاشتراكية.
تمارس هذه الحرية مع مراعاة أحكام المادة 73 من الدستور.
المادة 56 : حرية إنشاء الجمعيات معترف بها، و تمارس في إطار القانون.
المادة 57 : لكل مواطن يتمتع بكامل حقوقه المدنية و السياسية، حق التنقل بكل حرية في أي ناحية من التراب الوطني.
حق الخروج من التراب الوطني مضمون في نطاق القانون.
المادة 58 : يعد كل مواطن تتوفر في الشروط القانونية، ناخبا و قابلا للانتخاب عليه.
المادة 59 : حق العمل مضمون طبقا للمادة 24 من الدستور.
يمارس العامل وظيفته الإنتاجية باعتبارها واجبا و شرفا.
الحق في أخذ حصة من الدخل القومي مرهون بإلزامية العمل.
تخضع الأجور للمبدأ القائل : " التساوي في العمل يستلزم التساوي في الأجر"، و تحدد طبقا لنوعية العمل المنجز فعلا و لحجمه.
السعي وراء تحسين الإنتاجية هدف دائم للمجتمع الاشتراكي.
يمكن أن يتم التشجيع على العمل و الإنتاجية بواسطة حوافز معنوية، و بنظام ملائم قائم على الترغيب المادي، سواء على المستوى الجماعي أو الفردي.
المادة 60 : حق الانخراط في النقابة معترف به لجميع العمال، و يمارس في إطار القانون.
المادة 61 : تخضع علاقات العمل في القطاع الاشتراكي لأحكـام الـقــوانـين و التنظيمات المتعلقة بالأساليب الاشتراكية للتسيير.
في القطاع الخاص، حق الإضراب معترف به، و ينظم القانون ممارسته.
المادة 62 : تضمن الدولة أثناء العمل الحق في الحماية، و الأمن و الوقاية الصحية.
المادة 63 : الحق في الراحة مضمون.
يحدد القانون كيفية ممارسته.
المادة 64 : تكفل الدولة، في نطاق القانون، ظروف معيشة المواطنين الذين لم يبلغوا بعد سن العمل و الذين لا يستطيعون القيام به، و الذين عجزوا عنه نهائيا.
المادة 65 : الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، و تحظى بحماية الدولــة و المجتمع.
تحمي الدولة الأمومة، و الطفولة، و الشبيبة، و الشيخوخة، بواسطة سياسة و مؤسسات ملائمة.
المادة 66 : لكل مواطن الحق في التعلم.
* التعليم مجاني و هو إجباري بالنسبة لمدة المدرسة الأساسية في إطار الشروط المحددة بالقانون.
* تضمن الدولة التطبيق المتساوي لحق التعليم.
* تنظم الدولة التعليم.
* تــسـهر الـدولة علـى أن تكـــون أبواب التعليم و التكوين المهني و الثقافة مفتوحة بالتساوي أمام الجميع.
المادة 67 : لكل المواطنين الحق في الرعاية الصحية.
و هذا الحق مضمون عن طريق توفير خدمات صحية عامة و مجانية، و بتوسيع مجال الطب الوقائي، و التحسين الدائم لظروف العيش و العمل، و كذلك عن طريق ترقية التربية البدنية و الرياضية و وسائل الترفيه.
المادة 68 : يحظى كل أجنبي يقيم بصفة قانونية على التراب الوطني، بالحماية المخولة للأفراد و الأموال، طبقا للقانون و مراعاة لتقاليد الشعب الجزائري في الضيافة.
المادة 69 : لا يسلم أحد خارج التراب الوطني إلا بناء على قانون تسليم المجرمين وتطبيقا لأحكامه.
المادة 70 : لا يمكن بحال من الأحوال تسليم أو رد لاجئ سياسي يتمتع قانونا بحق اللجوء.
المادة 71 : يعاقب القانون على المخالفات المرتكبة ضد الحقوق و الحريــات و على كل مساس بالسلامة البدنية أو المعنوية للإنسان.
المادة 72 : يعاقب القانون على التعسف في استعمال السلطة.
تضمن الدولة مساعدة المواطن من أجل الدفاع عن حريته و حصانة ذاته.
المادة 73 : يحدد القانون شروط إسقاط الحقوق و الحريات الأساسية لكل من يستعملها قصد المساس بالدستور أو بالمصالح الرئيسية للمجموعة الوطنية، أو بوحدة الشعب و التراب الوطني، أو بالأمن الداخلي و الخارجي للدولة، أو بالثورة الاشتراكية.
الفصل الخامس

واجبات المواطن
المادة 74 : على كل شخص احترام الدستور، والامتثال لقوانــين الجمهورية و تنظيماتها.
لا يعذر أحد بجهل القانون.
المادة 75 : يجب على كل مواطن أن يحمي، بعمله و سلوكه، الملكية العمومية و مصالح المجموعة الوطنية، و يحترم مكتسبات الثورة الاشتراكية، و يعمل حسب مقدرته لرفع مستوى معيشة الشعب.
المادة 76 : التزام المواطن إزاء الوطن و مساهمته في الدفاع عنه من واجباته الدائمة.
على كل مواطن أن يؤدي بإخلاص واجباته تجاه المجموعة الوطنية.
المادة 77 : على كل مواطن حماية و صــيانة استقلال الوطن و سيــادتــه و سلامة ترابه.
يعاقب القانون بكل صرامة، على الخيانة و التجسس و الالتحاق بالعدو، و على كل الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة.
المادة 78 : كل المواطنين متساوون في أداء الضريبة. و على كل واحد أن يساهم، حسب إمكانياته، و في إطار القانون، في النفقات العمومية، لسد الحاجيات الاجتماعية للشعب و لتنمية البلاد و الحفاظ على أمنها.
لا يجوز إحداث أية ضريبة، أو جباية، أو رسم أو أي حق، بأثر رجعي.
المادة 79 : ينص القانون على واجب الآبــاء في تربيــة أبنائهــم و حمايتهم و على واجب الأبناء في معاونة آبائهم و مساعدتهم.
المادة 80 : على كل مواطن أن يتحلى بالانضباط المدني و يحترم حقوق الآخرين و حرياتهم و كرامتهم.
المادة 81 : على المرأة أن تشارك كامـل المشـاركة في التشييــد الاشتراكي و التنمية الوطنية.
الفصل السادس
الجيش الوطني الشعبي
المادة 82 : تتمثل المهمة الدائمة للجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني و درع الثورة، في المحافظة على استقلال الوطن و سيادته، و القيام بتأمين الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد و سلامتها، و حماية مجالها الــجوي و مســاحتها الترابية و مياهها الإقليمية و جرفها القاري و منطقتها الاقتصادية الخاصة بها.
يساهم الجيش الوطني الشعبي، باعتباره أداة الثورة في تنمية البلاد و تشييد الاشتراكية.
المادة 83 : العنصر الشعبي عامل حاسم في الدفاع الوطني.
الجيش الوطني الشعبي هو الجهاز الدائم للدفاع، الذي يتمحور حوله تنظيم الدفاع الوطني و دعمه.
المادة 84 : الخدمة الوطنية واجب و شرف.
لقد تأسست الخدمة الوطنية، تلبية لمتطلبات الدفاع الوطني و تأمين الترقية الاجتماعية و الثقافية لأكبر عدد ممكن، و للمساهمة في تنمية البلاد.
المادة 85 : يحظى المجاهدون و أولو الحق من ذويهم بحماية خاصة من طرف الدولة.
ضمان الحقوق الخاصة بالمجاهدين و أولي الحق من ذويهم، و الحفاظ على كرامتهم، فرض على الدولة و المجتمع.
الفصل السابع
مبادئ السياسة الخارجية

المادة 86 : تتبنى الجمهورية الجزائرية المبادئ و الأهداف التي تتضمنها مواثيق الأمم المتحدة و منظمة الوحدة الإفريقية و الجامعة العربية.
المادة 87 : تندرج وحدة الشعوب العربية في وحدة مصير هذه الشعوب.
تلتزم الجزائر، كلما تهيأت الظروف الملائمة لقيام وحدة مبنية على تحرير الجماهير الشعبية، باعتماد صيغ للوحدة أو للاتحاد أو للاندماج، كفيلة بالتلبية الكاملة للمطامح المشروعة و العميقة للشعوب العربية.
وحدة الشعوب المغربية المستهدفة صالح الجماهير الشعبية، تتجسد كاختيار أساسي للثورة الجزائرية.
المادة 88 : تحقيق أهداف منظمة الوحدة الإفريقية و تشجيع الوحدة بين شعوب القارة يشكلان مطلبا تاريخيا و يندرجان كخط دائم في سياسة الثورة الجزائرية.
المادة 89 : تمتنع الجمهورية الجزائرية، طبقا لمواثيق الأمم المتحدة و منظمة الوحدة الإفريقية و الجامعة العربية، عن الالتجاء إلى الحرب قصد المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى و حريتها.
و تبذل جهدها لحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية.
المادة 90 : وفاء لمبادئ عدم الانحياز و أهدافه، تناضل الجزائر من أجل السلم، و التعايش السلمي، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
المادة 91 : لا يجوز البتة، التنازل عن أي جزء من التراب الوطني.
المادة 92 : يشكــل الكفــاح ضــد الاستعمار، و الاستعمار الجديد، و الإمبريالية، و التمييز العنصري، محورا أساسيا للثورة.
يشكل تضامن الجزائر مع كل الشعوب في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية، في كفاحها من أجل تحررها السياسي و الاقتصادي، من أجل حقها في تقرير المصير و الاستقلال، بعدا أساسيا للسياسة الوطنية.
المادة 93 : يشكل دعم التعاون الدولي و تنمية العلاقات الودية بين الدول، على أساس المساواة، و المصلحة المتبادلة، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية، مبدأين أساسيين للسياسة الوطنية.
الباب الثاني
السلطة و تنظيمها

الفصل الأول
الوظيفة السياسية

المادة 94 : يقوم النظام التأسيسي الجزائري على مبدأ الحزب الواحد.
المادة 95 : جبهة التحرير الوطني هي الحزب الواحد في البلاد.
جبهة التحرير الوطني هي الطليعة المؤلفة من المواطنين الأكثر وعيا، الذين تحدوهم المثل العليا للوطنية و الاشتراكية، و الذين يتحدون بكل حرية ضمنها، طبقا للشروط المنصوص عليها في القوانين الأساسية للحزب.
مناضلو الحزب المختارون على الخصوص من بين العمال، و الفلاحين و الشباب، يصبون إلى تحقيق هدف واحد و إلى مواصلة عمل واحد غايته القصوى انتصار الاشتراكية.
المادة 96 : مؤسسات الحزب و كيفية تسييرها محددة بالقوانين الأساسية لجبهة التحرير الوطني.
المادة 97 : جبهة التحرير الوطني هي القـــوة الطلائــعيــة لقيــادة الشعب و تنظيمه من أجل تجسيم أهداف الثورة الاشتراكية.
تشكل جبهة التحرير الوطني دليل الثورة الاشتراكية و القوة المسيرة للمجتمع. و هــي أداة الـثــورة الاشتراكية في مــجـالات الــقـيـادة و التخطيط و التنشيط.
تسهر جبهة التحرير الوطني على التعبئة الدائمة للشعب، و ذلك بالتربية العقائدية للجماهير و تنظيمها و تأطيرها من أجل تشييد المجتمع الاشتراكي.
المادة 98 : تتجسد قيادة البلاد في وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولة.
و في إطار هذه الوحدة، فإن قيادة الحزب هي التي توجه السياسة العامة للبلاد.
المادة 99 : ترتكز المؤسسات السياسية المنتخبة، في جميع المستويات، على مبدأ الجماعية في المداولة، و الأغلبية في القرار، و الوحدة في التنفيذ.
يتطلب تطبيق هذا المبدأ، على نطاق المؤسسات الحزبية، الوحدة في العقيدة و الإرادة، و الانسجام في العمل.
المادة 100 : المنظمات الجماهيرية، بإشراف الحزب و مراقبته، مكلفة بتعبئة أوسع فئات الشعب لتحقيق كبريات المهام السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي تتوقف عليها تنمية البلاد و النجاح في بناء الاشتراكية.
المــنـظمات الجــمــاهيرية مكلفة، دون غيرها، بمهمة تنظيم العمال و الفلاحين و الشباب و النــسـاء، و العمل على تعميق وعيهم لمسئولياتهم و للدور المتعاظم الذي يجب أن يضطلعوا به في بناء الوطن.
المادة 101 : تعمل أجهزة الحزب و أجهزة الـــدولة في إطــارين منــفصلين و بوسائل مختلفة من أجل تحقيق أهداف واحدة.
لا يمكن أن تتداخل اختصاصات كل منهما أو تختلط ببعضها.
يقوم التنظيم السياسي للبلاد على التكامل في المهام بين أجهزة الحزب و أجهزة الدولة.
المادة 102 : الوظائف الحاسمة في الدولة تسند إلى أعضاء من قيادة الحزب.
المادة 103 : العلاقات بيت أجهزة الحزب و أجهزة الدولة خاضعة لأحكام الدستور.
الفصل الثاني
الوظيفة التنفيذية

المادة 104 : يضطلع بقيادة الوظيفة التنفيذية رئيس الجمهورية، و هو رئيس الدولة.
المادة 105 : ينتخب رئيس الجمهورية عن طريــق الاقتراع الـــعام المباشر و السري.
يتم انتخاب المرشح بالأغلبية المطلقة من الناخبين المسجلين.
يقترح المرشح من طرف جبهة التحرير الوطني، و يمارس مؤتمرها مباشرة هذه الصلاحية ابتداء من انعقاد أول مؤتمر لها اثر دخول هذا الدستور حيز التنفيذ.
يحدد القانون الإجراءات الأخرى للانتخابات الرئاسية.
المادة 106 : يمارس رئيس الجمهورية السلطة السامية في النطاق المبيّن في الدستور.
المادة 107 : لا يؤهل أن ينتخب لرئاسة الجمهورية إلا من كانت له الجنسية الجزائرية أصلا، و يدين بالإسلام، و قد بلغ من العمر أربعين سنة (40) كاملة يوم الانتخاب، و يتمتع بكامل حقوقه المدنية و السياسية.
المادة 108 : المدة الرئاسية ست سنوات.
يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية.
المادة 109 : يــتقــلد رئــيس الجمهورية مهامه في الأسبوع الموالي لانتخابه، و يؤدي اليمين أمام الشــعــب و بمــحــضـر كل الهيئات العليا في الحزب و الدولة.
المادة 110 : يؤدي رئيس الجمهورية اليمين حسب النص الآتي :
"وفاء للتضحيات الكبرى و لأرواح شهداء ثورتنا المقدسة أقسم بالله العلي العظيم أن أحترم الدين الإسلامي و أمجده، و أن أحتــــرم الميثاق الوطني و الدستور، و كل قوانين الجمهورية و أحميها، و أن أحترم الاختيار الاشتراكي الذي لا رجعة فيه، و أن أحافظ على سلامة التــــراب الوطني و حدة الشعب و الأمة، و أن أحمي الحقوق و الحريات الأساسية للشعب و أعمل بدون هوادة على تطوره و سعادته، و أن أسعى بكل قواي من أجل تحقيق المثل العليا للعدالة و الحرية و السلم في العالم".
المادة 111 : يضطلع رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى السلطات المخولة له بنص هذا الدستور، بالسلطات و الصلاحيات الآتية :
1- يمثل الدولة داخل البلاد و خارجها.
2- يجسد وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولة.
3- يحمي الدستور.
4- يتولى القيادة العليا لجميع القوات المسلحة للجمهورية.
5- يتولى مسئولية الدفاع الوطني.
6- يقرر طبقا للميثاق الوطني و لأحكام الدستور، السياسة العامة للأمة في المجالين الداخلي و الخارجي، و يقوم بقيادتها و تنفيذها.
7- يحدد صلاحيات أعضاء الحكومة طبقا لأحكام الدستور.
8- يترأس مجلس الوزراء.
9- يترأس الاجتماعات المشتركة لأجهزة الحزب و الدولة.
10- يضطلع بالسلطة التنظيمية.
11- يسهر على تنفيذ القوانين و التنظيمات.
12- يعين الموظفين المدنيين و العسكريين، طبقا للقانون.
13- له حق إصدار العفو و حق إلغاء العقوبات أو تخفيضها و كذلك حق إزالة كل النتائج القانونية، أيا كانت طبيعتها، و المترتبة على الأحكام التي تصدرها المحاكم.
14- يمكن له أن يعمد لاستفتاء الشعب في كل القضايا ذات الأهمية الوطنية.
15- يمكن له أن يفوض جزءا من صلاحياته لنائب رئــيس الــجمــهــورية و للوزير الأول مع مراعاة أحكام المادة 116 من الدستور.
16- يعين سفراء الجمهورية و المفوضين فوق العادة للخارج و ينهي مهامهم، و يتسلم أوراق اعتماد الممثلين الدبلوماسيين الأجانب، و أوراق إنهاء مهامهم.
17- يبرم المعاهدات الدولية و يصادق عليها وفقا لأحكام الدستور.
18- يقلد أوسمة الدولة و نياشينها و ألقابها الشرفية.

المادة 112 : يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين نائبا لرئيس الجمهورية يساعده و يعينه في مهامه.
المادة 113 : يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة.
يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين وزيرا أول.
المادة 114 : تمارس الحكومة الوظيفة التنفيذية بقيادة رئيس الجمهورية.
الوطني وجوبا، و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
المادة 115 : نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول و أعضاء الحكومة مسئولون أثناء ممارسة كل منهم لمهامه، أمام رئيس الجمهورية.
المادة 116 : لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يفرض رئيس الجمهورية سلطته في تعيين نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول و أعضاء الحكومة، أو إعفائهم من مهامهم، و لا في إجراء استفتاء، أو في حل المجلس الشعبي الوطني، أو تنظيم انتخابات تشريعية مسبقة، و لا في تطبيق الأحكام المنصوص عليها في المواد 119 إلى 124 من الدستور، و كذلك السلطات الواردة في الفقرات من 4 إلى 9 و الفقرة 13 من المادة 111 من الدستور.
المادة 117 : في حالة وفاة رئيس الجمهورية أو استقالته، يجتمع المجلس الشعبي الوطني، وجوبا، و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
يتولى رئيس المجلس الشعبي الوطني مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها خمسة و أربعون يوما ( 45 ) تنظم خلالها انتخابات رئاسية. ولا يحق لرئيس المجلس الشعبي الوطني أن يكون مرشحا لرئاسة الجمهورية.
يستدعى مؤتمر استثنائي للحزب قصد تعيين المرشح لرئاسة الجمهورية.
يمارس رئيس الجمهورية المنتخب مهامه طبقا لأحكام المادة 108 من الدستور.
المادة 118 : لا يمكن حل أو تعديل الحكومة القائمة إبان وفاة أو استقالة رئيس الجمهورية إلى أن يتسلم رئيس الجمهورية الجديد مهامه.
لا يمكن أثناء فترة الخمسة و الأربعين يوما ( 45 ) المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة 117 من الدستور، تطبيق أحكام المادتين 112 و 113 و لا أحكام الفقرات 7 و 13 و 14 من المادة 111 و لا أحكام المادتين 123 و 163 من الدستور.
لا يمكن أثناء نفس الفترة، إنهاء مهام نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول.
كما لا يمكن تطبيق أحكام المواد 120 و 121 و 122 و 124 من الدستور إلا بموافقة المجلس الشعبي الوطني مع الاستشارة المسبقة لقيادة الحزب.
المادة 119 : في حالة الضرورة الملحة، يقرر رئيس الجمهورية، في اجتماع لهيئات الحزب العليا و الحكومة، حالة الطوارئ أو الحصار، و يتخذ كل الإجراءات اللازمة لاستتباب الوضع.
المادة 120 : إذا كانت البلاد مهددة بخطر وشيك الوقوع على مؤسساتها، أو على استقلالها، أو سلامة ترابها، يقرر رئيس الجمهورية الحالة الاستثنائية.
يــتــدخل مــثــل هــذا الإجراء أثناء اجتماع الهيئات العليا للحزب و الحكومة.
تخول الحالة الاستثنائية لرئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات الخاصة التي تتطلبها المحافظة على استقلال الأمة و مؤسسات الجمهورية.
يجتمع المجلس الشعبي الوطني، وجوبا، باستدعاء من رئيسه.
تنتهي الحالة الاستثنائية حسب نفس الأشكال، و بناء على نفس الإجراءات المذكورة أعلاه التي أدت إلى تقريرها.
المادة 121 : يقرر رئيس الجمهورية التعبئة العامة.
المادة 122 : في حالة وقوع عدوان فعلي أو وشيك الحصول، حسبما نصت عليه الترتيبات الملائمة لميثاق الأمم المتحدة، يعلن رئيس الجمهورية الحرب، بعد استشارة هيأة الحزب القيادية و اجتماع الحكومة و الاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن.
يجتمع المجلس الشعبي الوطني، بحكم القانون.
يوجه رئيس الجمهورية خطابا للأمة يعلمها بذلك.
المادة 123 : يوقف العمل بالدستور مدة حالة الحرب و يتولى رئيس الدولة جميع السلطات.
المادة 124 : يوافق رئيس الجمهورية على الهدنة و السلم.
تقدم اتفاقيات الهدنة و معاهدات السلم، فورا، إلى الموافقة الصريحة للهيئة القيادية للحزب طبقا لقانونه الأساسي. كما تعرض على المجلس الشعبي الوطني، طبقا لأحكام المادة 158 من الدستور.
المادة 125 : يؤسس مجلس أعلى للأمن برئاسة رئيس الجمهورية، مهمته تقديم الآراء حول كل القضايا المتعلقة بالأمن الوطني، إلى رئيس الجمهورية.
يحدد رئيس الجمهورية طرق تنظيم المجلس الأعلى للأمن و تسييره.
الفصل الثالث
الوظيفة التشريعية
المادة 126 : يمارس الوظيفة التشريعية مجلس واحد يسمى المجلس الشعبي الوطني.
للمجلس الشعبي الوطني، في نطاق اختصاصاته، سلطة التشريع بكامل السيادة.
يعد المجلس الشعبي الوطني القوانين و يصوت عليها.
المادة 127 : تتمثل المهمة الأساسية للمجلس الشعبي الوطني، ضمن اختصاصاته، في العمل للدفاع عن الثورة الإشتراكية و تعزيزها.
يستلهم المجلس الشعبي الوطني، في نشاطه التشريعي، مبادئ الميثاق الوطني و يطبقها.
المادة 128 : ينتخب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، بناء على ترشيح من قيادة الحزب، عن طريق الاقتراع العام المباشر و السري.
المادة 129 : ينتخب المجلس الشعبي الوطني لمدة خمس سنوات.
لا يمكن تمديد فترة هذه النيابة إلا في ظروف خطيرة للغاية لا تسمح بإجراء انتخابات عادية. و تثبت هذه الحالة بمقتضى قرار من المجلس الشعبي الوطني، بناء على اقتراح من رئيس الجمهورية.
المادة 130 : يحدد القانون طرق انتـخــاب النــواب، و بــخاصة عـــددهم، و شروط قابليتهم للانتخاب، و حالات التنافي مع شروط العضوية في المجلس.
يجب أن يكون تأليف المجلس الشعبي الوطني مطابقا لأحكام المادتين 8 و 9 من الدستور.
المادة 131 : إثبات صحة الانتخابات التشريعية من اختصاص المجلس الشعبي الوطني.
الفصل في النزاع الناشئ عن الانتخابات التشريعية من اختصاص المجلس الأعلى.
المادة 132 : النيابة في المجلس الشعبي الوطني ذات طابع وطني.
المادة 133 : النيابة في المجلس الشعبي الوطني قابلة للتجديد.
المادة 134 : كل نائب لا يستوفي شروط النيابة أو أصبح غير مستوف لها، يتعرض لإسقاط صفته النيابية.
يقرر المجلس الشعبي الوطني هذا الإسقاط بأغلبية أعضائه.
المادة 135 : النائب مسئول أمام زملائه الذين يمكنهم عزله إذا خان ثقة الشعب فيه أو اقترف عملا مخلا بوظيفته.
يحدد القانون الحالات التي يتعرض فيها النائب للعزل، و يقر المجلس الشعبي الوطني العزل بأغلبية أعضائه، بقطع النظر عما قد يحدث من متابعات أخرى حسب التشريع العادي.
المادة 136 : يحدد القانون الظروف التي يمكن فيها للمجلس الشعبي الوطني قبول استقالة أحد أعضائه.
المادة 137 : الحصانة النيابية معترف بها للنائب أثناء نيابته.
لا يمكن متابعة أي نائب أو إلقاء القبض عليه، و بصفة عامة، لا يمكن رفع دعوى مدنية أو جزائية ضده بسبب ما أبداه من آراء أو ما تلفظ به من كلام أو بسبب تصويته أثناء ممارسته للنيابة.
المادة 138 : لا تجوز متابعة أي نائب بسبب عمل جنائي إلا بإذن من المجلس الشعبي الوطني الذي يقرر رفع الحصانة بأغلبية أعضائه.
المادة 139 : في حالة تلبس النائب بجنحة أو جريمة، يخطر مكتب المجلس الشعبي الوطني فورا. و يكتسب قوة القانون كل قرار يتخذه مكتب المجلس لضمان الاحترام لمبدأ الحصانة النيابية، إن اقتضى الأمر.
المادة 140 : يحدد القانون شروط استخلاف النائب في حالة شغور مقعده.
المادة 141 : تبتدئ الفترة التشريعية، وجوبا، في اليوم الثامن الموالي لتاريخ انتخاب المجلس الشعبي الوطني، تحت رئاسة أكبر النواب سنا و بمساعده أصغر نائبين منهم.
ينتخب المجلس مكتبه و يشكل لجانه.
المادة 142 : ينتخب رئيس المجلس الشعبي الوطني للفترة التشريعية.
المادة 143 : يحدد القانون المبادئ العامة المتعلقة بتنظيم المجلس الشعبي الوطني وتسييره، و كذا ميزانية المجلس و التعويضات التي تدفع إلى أعضائه.
يعد المجلس الشعبي الوطني لائحة تنظيمه الداخلي.
المادة 144 : جلسات المجلس الشعبي الوطني علانية.
و تدون المداولات في محاضر تنشر طبقا لما يقرره القانون، و يجوز للمجلس الشعبي الوطني أن يعقد جلسات مغلقة بطلب من رئيسه أو من أغلبية أعضائه الحاضرين أو بطلب من الحكومة.
المادة 145 : يشكل المجلس الشعبي الوطني لجانه في نطاق لائحة تنظيمه الداخلي.
المادة 146 : يجتمع المجلس الشعبي الوطني في دورتين عاديتين كل سنة، مدة كل دورة ثلاثة أشهر على الأكثر.
لجان المجلس الشعبي الوطني لجان دائمة.
المادة 147 : يمكن استدعاء المجلس الشعبي الوطني للاجتماع في دورة استثنائية بمبادرة من رئيس الجمهورية أو بطلب من ثلثي أعضاء المجلس.
تختتم الدورة الاستثنائية بمجرد ما يستفيد المجلس الشعبي الوطني جدول الأعمال الذي استدعي من أجله.
المادة 148 : المبادرة بالقوانين حق لرئيس الجمهورية، كما أنها حق لأعضاء المجلس الشعبي الوطني.
تكون اقتراحات القوانين قابلة للنقاش إذا قدمها عشرون نائبا.
تقدم مشاريع القوانين من الحكومة إلى مكتب المجلس الشعبي الوطني.
المادة 149 : لا يقبل اقتراح أي قانون مضمونه أو نتيجته تخفيض الموارد العمومية أو زيادة النفقات العمومية إلا إذا كان مرفوقا بتدابير تستهدف رفع مداخيل الدولة أو توفير مبالغ مالية في فصل آخر من النفقات العمومية، تكون مساوية، على الأقل، للمبالغ المقترح تغييرها.
المادة 150 : يجوز للمجالس الشعبية البلدية و للمجالس الشعبية للولايات، أن ترفع التماسا إلى الحكومة التي يعود إليها النظر لصياغته في مشروع قانون.
المادة 151 : يشرّع المجلس الشعبي الوطني في المجالات التي خولها له الدستور.
تدخل كذلك في مجال القانون :
1.الحقوق و الواجبات الأساسية للأفراد، و بخاصة نظام الحريات العمومية و حماية الحريات الفردية و واجبات المواطنين في إطار متطلبات الدفاع الوطني.
2. القواعد العامة المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية و قانون الأسرة، و بخاصة الزواج و الطلاق و البنوة و الأهلية و المواريث.
3. ظروف الاستقرار المتعلقة بالأفراد.
4. التشريع الأساسي الخاص بالجنسية.
5. القواعد العامة المتعلقة بمركز الأجانب.
6. القواعد العامة المتعلقة بالتنظيم القضائي.
7.القواعد العامة للقانون الجزائي و الإجراءات الجزائية و بخاصة تحديد الجنايات و الجنح، و العقوبات المناسبة لها، و العفو الشامل، و تسليم المجرمين.
8. القواعد العامة لقانون الإجراءات المدنية و طرق التنفيذ.
9. النظام العام للالتزامات المدنية و التجارية.
10. القواعد العامة المتعلقة بنظام الانتخابات.
11. التنظيم الإقليمي و التقسيم الإداري للبلاد.
12. المبادئ الأساسية للسياسة الاقتصادية و الاجتماعية.
13. تحديد سياسة التربية، و سياسة الشباب.
14. الخطوط الأساسية للسياسة الثقافية.
15. إقرار المخطط الوطني.
16.التصويت على ميزانية الدولة.
17.إحداث الضرائــب و الـجــبايــات و الرسوم و الحقوق بجميع أنواعها و تحديد وعائها و نسبها.
18. القواعد العامة للنظام الجمركي.
19.القواعد العامة المتعلقة بنظام البنوك و القرض و التأمين.
20. القواعد العامة المتــعــلقة بالصحة العمومية، و السكان، و قانون العمل و الضمان الاجتماعي.
21. القواعد العامة المتعلقة بحماية المجاهدين و أولي الحق من ذويهم.
22. الخطوط العريضة لسياسة الإعمار الإقليمي، و البيئة، و نوعية الحياة، و حماية الحيوانات و النباتات.
23. حماية التراث الثقافي و التاريخي و المحافظة عليه.
24. النظام العام للغابات.
25. النظام العام للمياه.
26.إنشاء أوسمة الدولة و نياشينها و وضع ألقابها الشرفية.
المادة 152 : يندرج تطبيق القانون في المجال التنظيمي.
كل المسائل، ماعدا تلك التي يختص بها القانون، هي من المجال التنظيمي.
المادة 153 : لرئيس الجمهورية أن يشرّع، فيما بين دورة و أخرى للمجلس الشعبي الوطني، عن طريق إصدار أوامر تعرض على موافقة المجلس الشعبي الوطني في أول دورة مقبلة.
المادة 154 : يصدر رئيس الجمهورية القوانين في أجل ثلاثين يوما (30) ابتداء من تاريخ تسليمها له.
المادة 155 : لرئيس الجمهورية سلطة طلب إجراء مداولة ثانية حول قانون تم التصويت عليه، و ذلك في ظرف ثلاثين (30) من تاريخ إقراره.
و في هذه الحالة لا يتم إقرار القانون إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس الشعبي الوطني.
المادة 156 : يوجه رئيس الجمهورية، مرة في السنة، خطابا إلى المجلس الشعبي الوطني، حول وضع الأمة.
المادة 157 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني، بطلب من رئيس الجمهورية، أو من رئيسه، أن يفتح مناقشة حول السياسة الخارجية.
يمكن، عند اقتضاء، أن تفضي هذه المناقشة إلى إصدار لائحة من المجلس الشعبي الوطني تبلغ بواسطة رئيسه إلى رئيس الجمهورية.
المادة 158 : تتم مصادقـــة رئيس الجمهورية على المعاهـــدات الســـياسية و المعاهدات التي تعدل محتوى القانون، بعد الموافقة الصريحة عليها من المجلس الشعبي الوطني.
المادة 159 : المعاهدات الدولية التي صادق عليها رئيس الجمهورية طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور، تكتسب قوة القانون.
المادة 160 : إذا حصل تناقض بين أحكام المعاهدة أو جزء منها و الدستور، لا يؤذن بالمصادقة عليها إلا بعد تعديل الدستور.
المادة 161 : يمكن لأعضاء المجلس الشعبي الوطني استجواب الحكومة حول قضايا الساعة.
يمكن للجان المجلس الشعبي الوطني أن تستمع إلى أعضاء الحكومة.
المادة 162 : يمكن لأعضاء المجلس الشعبي الوطني أن يوجهوا كتابة فقط، أي سؤال إلى أي عضو من الحكومة، و ينبغي لهذا العضو أن يجيب كتابة في ظرف خمسة عشر يوما (15).
يتم نشر نص الأسئلة و الأجوبة طبقا لنفس الشروط التي يخضع لها نشر محاضر مناقشات المجلس الشعبي الوطني.
المادة 163 : لرئيس الجمهورية أن يقرر، في اجتماع يضم الهيئة القيادية للحزب و الحكومة، حل المجلس الشعبي الوطني أو إجراء انتخابات مسبقة له.
تنظم الانتخابات التشريعية الجديدة في ظرف ثلاثة أشهر.
الفصل الرابع
الوظيفة القضائية
المادة 164 : يضمن القضاء للجميع، و لكل واحد، المحافظة المشروعة على حرياتهم و حقوقهم الأساسية.
المادة 165 : الكل سواسية أمام القضاء، و هو في متناول الجميع و تصدر أحكام القضاء وفقا للقانون وسعيا إلى تحقيق العدل و القسط.
المادة 166 : يساهم القــضاء في الدفاع عن مكتســـبات الــثـــورة الاشتراكية و حماية مصالحها.
المادة 167 : يصدر القضاء أحكامه باسم الشعب.
المادة 168 : سلطة إصدار الأحكام من اختصاص القضاة، و يمكن أن يعينهم في ذلك مساعدون شعبيون طبقا لأحكام القانون.
المادة 169 : تخضع العقوبات الجزائية إلى مبدأي الشرعية و الشخصية.
المادة 170 : تعلل الأحكام القضائية و ينطق بها في الجلسات العلانية.
المادة 171 : على كل أجهزة الدولة المختصة أن تقوم، في كل وقت و في كل مكان و في كل الظروف، بتنفيذ أحكام القضاء.
المادة 172 : لا يخضع القاضي إلا للقانون.
المادة 173 : يساهم القاضي في الدفاع عن الثورة الاشتراكية و حمايتها.
القاضي محمي من كل أشكال الضغوط و التدخلات و المناورات التي قد تضر بأداء مهمته أو تمس احترام نزاهته.
المادة 174 : القاضي مسؤول أمام المجلس الأعلى للقضاء عن كيفية قيامه بمهمته، و ذلك حسب الأشكال المنصوص عليها في القانون.
المادة 175 : القانون يحمي المتقاضي من أي تعسف أو أي انحراف قد يصدر عن القاضي.
المادة 176 : حق الدفاع معترف به.
حق الدفاع مضمون في القضايا الجزائية.
المادة 177 : يشكل المجلس الأعلى، في جميع مجالات القانون الهيئة المقومة لأعمال المجالس القضائية و المحاكم.
يضمن المجلس الأعلى توحيد الاجتهاد في العمل القضائي في جميع أنحاء البلاد و يسهر على احترام القانون.
المادة 178 : ينظر المجلس الأعلى في قضايا الطعن في النصوص التنظيمية.
المادة 179 : يحدد القانون كيفــية تنظـــيم المجلــس الأعلى و طرق تسييره و مجالات صلاحياته.
المادة 180 : مهمة المجلس الأعلى للقضاء تقديم الآراء إلى رئيس الجمهورية طبقا للأحكام و الحالات الواردة في المادة 182 من الدستور.
المادة 181 : يرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للقضاء.
يتولى وزير العدل نيابة رئاسة المجلس.
يحدد القانون تأليف المجلس الأعلــى للقــضاء و طــرق تسيـــيـــره و صلاحياته الأخرى.
المادة 182 : يبدي المجلس الأعلى للقضاء رأيا استشاريا قبل ممارسة رئيس الجمهورية حق العفو.
يقر المجلس الأعلى للقضاء، طبقا للأحكام التي يحددها القانون، تعيين القضاة و نقلهن و سير سلمهم الوظيفي، و يساهم في مراقبة انضباطهم.
الفصل الخامس
وظيفة المراقبة
المادة 183 : وظيفة المراقبة عامل رئيسي في مسيرة الثورة. و هي تندرج في التنظيم المنسجم الذي تتميز به الدولة الاشتراكية. و تمارس المراقبة في إطار منظم، و يترتب عنها الجزاء.
المادة 184 : تستهدف المراقبة ضمان تسيير حسن لأجهزة الدولة في نطاق احترام الميثاق الوطني و الدستور و قوانين البلاد.
مهمة المراقبة هي التحري في الظــروف التي يتــم فيــها استخــدام و تسيير الوسائـــل البـــشرية و الماديــة مــن طرف الأجــهــزة الإداريــة و الاقتصادية للدولة، و كذا تـــدارك النقــص و التقصــير و الانحراف، و التمكين من قمع الاختلاس و كل الأعمال الإجرامية ضد الثورة الوطنية، و بالتالي ضمان تسيير البلاد في إطار النظام و الوضوح و المنطق.
تستهدف المراقبة أخيرا، التحقق مــن التــطــابق بين أعمال الإدارة و التشريع و أوامر الدولة.
المادة 185 : تمارس المراقبة بواسطة مؤسسات وطنية ملائمة و بأجهزة دائمة للدولة.
تتحقق المراقبة، في مدلولها الشعبي، و استجابة لمتطلبات الديمقراطية الاشتراكية، من خلال المؤسسات المنتخبة على جميع المستويات : المجلس الشعبي الوطني، المجالس الشعبية للولايات، المجالس الشعبية للبلديات و مجالس العمال.
المادة 186 : تمارس الأجهزة القيادية في الحزب و الدولة، المراقبة السياسية المنوطة بها، و ذلك طبقا للميثاق الوطني و لأحكام الدستور.
تمارس الأشكال الأخرى للمراقبة، على جميع المستويات و القطاعات في إطار الأحكام الخاصة بهذا الشأن و الواردة في الدستور و التشريع.
المادة 187 : تقدم الحكومة في نهاية كل سنة مالية، إلى المجلس الشعبي الوطني عرضا حول استعمال الاعتمادات المالية التي أقرها بالنسبة للسنة المالية المعنية.
تختتم السنة المالية، على مستوى المجلس الشعبي الوطني بالتصويت على قانون يتحدد بمقتضاه ضبط ميزانية السنة المالية المنصرمة.
المادة 188 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني، في نطاق اختصاصاته، أن ينشئ، في أي وقت، لجنة تحقيق في أية قضية ذات مصلحة عامة.
يعين المجلس الشعبي الوطني أعضاء لجنة التحقيق من النواب.
يحدد القانون طرق تسيير هذه اللجنة.
المادة 189 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني أن يراقب المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها.
يحدد القانون طرق ممارسة المراقبة و كذا الإجراءات التي قد تترتب عن نتائجها.
المادة 190 : يؤسس مجلس محاسبة مكلف بالمراقبة اللاحقة لجميع النفقات العمومية للدولة و الحزب و المجموعات المحلية و الجهوية و المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها.
يرفع مجلس المحاسبة تقريرا سنويا إلى رئيس الجمهورية.
يحدد القانون قواعد تنظيم هذا المجلس و طرق تسييره و جزاء تحقيقاته.
الفصل السادس
الوظيفة التأسيسية
المادة 191 : لرئيس الجمهورية حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور في نطاق الأحكام الواردة في هذا الفصل.
المادة 192 : يقر المجلس الشعبي الوطني مشروع قانون التعديل الدستوري بأغلبية ثلثي أعضائه.
المادة 193 : إذا تعلق مشروع قانون التعديل بالأحكام الخاصة بتعديل الدستور، فمن الضروري أن يتم الإقرار بأغلبية ثلاثة أرباع المجلس الشعبي الوطني.
لا تسرى هذه الأحكام على المادة 195 من الدستور، التي لا تقبل أي تعديل.
المادة 194 : لا يمكن الشروع في إجراء أي تعديل أو مواصلته، إذا ما كان هناك مساس بسلامة التراب الوطني.
المادة 195 : لا يمكن لأي مشروع لتعديل الدستور أن يمس :
1. بالصفة الجمهورية للحكم.
2. بدين الدولة.
3. بالاختيار الاشتراكي.
4. بالحريات الأساسية للإنسان و المواطن.
5. بمبدأ التصويت عن طريق الاقتراع العام المباشر و السري.
6. بسلامة التراب الوطني.
المادة 196 : يصدر رئيس الجمهورية القانون المتعلق بالتعديل الدستوري.
الباب الثالث
أحكام مختلفة
المادة 197 : تتخذ الإجراءات التشريعية الضرورية تنصيب الهيئات المنصوص عليها في الدستور، بأوامر صادرة عن رئيس مجلس الثورة و رئيس مجلس الوزراء أثناء اجتماع لمجلس الثورة و مجلس الوزراء.
المادة 198 : لا يمس سريان مفعول الدستور بسلطات الهيئات القائمة ما دامت المؤسسات المماثلة لها و المنصوص عليها في الدستور لم تنصب بعد.
ملحق 1
قانون رقم 79-06 مؤرخ في 12 شعبان عام 1399هـ الموافق 7 يوليو ســنة 1979 يتـــضــمـن الــتعديل الدستوري.
إن رئيس الجمهورية،
- بعد الإطلاع على الأمر رقم 76-97 المؤرخ في 30 ذي القعدة عام 1396 الموافق 22 نوفمبر سنة 1976 و المتضمن إصدار دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- و بعد الإطلاع على الدستور، و لاسيما المواد 191 و 192 و 196 و 105 و 108 و 110 و 111-15 و 112 و 113 و 115 و 116 و 117 و 118 و 197 و 198 و 199.
- و بناء على ما أقره المجلس الشعبي الوطني.
يصدر القانون المتضمن التعديل الدستوري التالي نصه :
المادة الأولى : تعدل الفقرة الثالثة من المادة 105 من الدستور و تصاغ على النحو التالي.
" و يقترحه مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني وفقا لقانونه الأساسي".
المادة 2 : تعدل المادة 108 من الدستور و تصاغ على النحو التالي :
"المدة الرئاسية خمس (05) سنوات.
يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية ".
المادة 3: يضاف في آخر المادة IIO :
" والله على ما أقول شهيد "
المادة 4 : تعدل المادة 111( الفقرة15) من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يمكن له أن يفوض جزءا من صلاحياته إلى نائب أو نواب رئيس الجمهورية..." (والباقي بدون تغيير) .
المادة 5 : تعدل المادة 112 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين نائيا له أو أكثر يعينونه ويساعدونه في مهامه".
المادة 6 : " تعدل المادة 113 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة ومن بينهم وزيرا أول يساعده في تنسيق النشاط الحكومي وفي تطبيق للقرارات المتخذة في مجلس الوزراء.
ويمارس الوزير الأول اختصاصاته في نطاق الصلاحيات التي يفوضها إليه رئيس الجمهورية طبقا للمادة 111 ( الفقرة 15 ) من الدستور".
المادة 7 : تعدل المادة 115 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" نائب أو نواب رئيس الجمهورية ... " ( والباقي بدون تغيير ).
المادة 8 : تعدل المادة 116 من الدستور وتصاغ على النحو التالي:
" لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يفوض رئيس الجمهورية سلطته في تعيين نائب أو نواب رئيس الجمهورية .... أو إعفائهم من مهامهم ..."(و الباقي بدون تغيير )
المادة 9 : تعدل المادة 117 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير مزمن ، تجتمع اللجنة المركزية للحزب وجوبا ، وبعد التأكد من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الكفيلة بذلك ، تقترح بأغلبية ثلثي أعضائها على المجلس الشعبي الوطني التصريح بحالة المانع.
" يعلن المجلس الشعبي الوطني ثبوت مانع رئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي أعضائه، ويكلف رئيسه بأن يتولى رئاسة الدولة بالنيابة لمدة أقصاها خمسة و أربعون ( 45 ) يوما وأن يمارس صلاحياته مع مراعاة أحكام المادة 118 من الدستور.
و في حالة استمرار المانع، بعد انقضاء خمسة و أربعين ( 45 ) يوما، يعلن الشغور بالاستقالة بحكم القانون، حسب الطريقة المنصوص عليها أعلاه و طبقا لأحكام الفقرات التالية من هذه المادة.
" في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته، يجتمع المجلس الشعبي الوطني وجوبا و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
يتولى رئيس المجلس الشعبي الوطني، مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها خمســة و أربعون(45) يوما، تنظم خلالها انتخابات رئاسية.
و لا يحق لرئيس المجلس الشعبي الوطني أن يكون مرشحا لرئاسة الجمهورية.
يقترح مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني، المرشح لرئاسة الجمهورية طبقا لقانونه الأساسي.
يمارس رئيس الجمهورية المنتخب مهامه طبقا لأحكام المادة 108 من الدستور.
المادة 10 : تعدل الفقرتان الثانية و الثالثة من المادة 118 الدستور و تصاغان كما يلي :
" لا يمكن أثناء فترتي الخمسة و الأربعين (45) يوما، المشار إليها في الفقرتين الثانية و الخامسة من المادة 117 من الدستور.."(و الباقي بدون تغيير).
"لا يمكن أثناء نفس الفترتين، إنهاء مهام نائب أو نواب رئيس الجمهورية"..) (و الباقي بدون تغيير).
المادة 11 : تلغي المادتان 197 و 198 الدستور.
المادة 12 : تضاف إلى الدستور ( الباب الــثالث - أحكــام مختلفة) مادة 197 و تصاغ على النحو التالي :
"ينطبق الإجراء المنصوص عليه في المادة 108 (الفقرة الأولى) على المدة الرئاسية التي تعقب انعقاد المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني".
المادة 13 : تصبح المادة 199 هي المادة 198 من الدستور.
المادة 14 : ينشر هذا القانون المتضمن التعديل الدستوري في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
حــرر بالجــزائر في 12 شعبان عام 1399 الموافق 7 يـوليو سنة 1979.
الشاذلي بن جديد .
ملحق رقم 2
قانون رقم 80-01 مؤرخ في 24 صفر عام 1400 الموافق 12 ينايـــر سنة 1980 يتضمن التعديل الدستوري.
إن رئيس الجمهورية،
- بعد الإطلاع على الأمر رقم76-97 المؤرخ في 30 ذي القعدة عام 1396 الموافق 22 نوفمبر 1976 و المتضمن إصدار دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
و بعد الإطلاع على الدستور، و لاسيما المواد 190 و 191 و 192 و 196.
و بناء على ما أقره المجلس الشعبي الوطني.
يصدر القانون المتضمن التعديل الدستوري الآتي نصه :
المادة الأولى : تعدل الفقرة الأولى من المادة 190 من الدستور، كما يلي :
المادة 190 : "يؤسس مجلس محاسبة مكلف بمراقبة مـالـية الدولة و الحزب و المجموعات المحلية و المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها".
(الباقي بدون تغيير)
المادة 2 : ينشر هذا القانون المتضمن التعديل الدستوري في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
حــرر بالجزائر في 24 صفر عـام 1400 الموافـق 12 ينـاير سنة 1980
الشاذلي بن جديد.

spisos
12-03-2009, 10:58
رد إلى مريومة 87:

هاذا الدستور يفيدك كثيرا في بحثك...خذي منه بعض النقاط المهمة المتعلقة بالتنظيم السياسي و الإيداري:


الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
دستور 1976

تـمـهـيد
لقد استعاد الشعب الجزائري استقلاله بعد كفاح طويل، و حرب تحريرية خاضها بقيادة جبهة التحرير الوطني و جيش التحرير الوطني، فكانت حربا ضارية سيخلدها التاريخ ملحمة من ملاحمه الكبرى التي ميزت انبعاث شعوب العالم الثالث. و منذ الاستقلال اندفع الشعب الجزائري بكل حزم، في بناء الدولة و تشييد مجتمع جديد، أساسه القضاء على استغلال الإنسان للإنسان، و غايته ازدهار شخصية الفرد و ترقية الجماهير الشعبية، في إطار الاختيار الاشتراكي.
إن المصادقة الشعبية على الميثاق الوطني في استفتاء 27 يونيو 1976، قد أتاحت من جديد، فرصة أخرى، للثورة الجزائريــة كــي تحـدد مذهبها و ترسم استراتيجيتها على ضوء الاختيار الاشتراكي الذي لا رجــعــة فيه. و من هنا ينطلق الشعب الجزائري في مسيرته نحو الرقي، و هو يتصور بوضوح المجتمع الذي يعتزم تشييده.
و يمثل الدستور أحد الأهداف الكبرى المسطرة في الميثاق الوطني. فإعـداده و تطبيقه استمرار و تتمة لذلك العمل الذي تواصل، دون كلل، منذ التصحيح التاريخي في 19 يونيو 1965، من أجل أن تقيم الأمة دولة منظمة على أساس عصري ديمقراطي، و في سبيل ترجمة الأفكار التقدمية إلى إنجازات ملموسة نطبع الحياة اليومية، و تدفع محتوى الثورة الشعبية، بما تخلقه من حركية في الفكر و العمل، نحو الارتباط النهائي بالاشتراكية.
و تقوم دعائم الدولة الجزائرية التي استعادت كامل سيادتها، على مشاركة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية و خوضها النضال من أجل التنمية التي تستهدف خلق القاعدة المادية للاشتراكية، بعد أن تم تحرير الاقتصاد الوطني من كل تسلط إمبريالي. و بهذا يعمل الشعب الجزائري في جميع الميادين، كل يوم أكثر، لتوسيع جبهة نضاله، و تعزيز مسيرته نحو الرقي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي.
إن الجزائر تحتل اليوم مكانة بارزة على المستوى الدولي، بفضل الإشعاع العالمي لثورة فاتح نوفمبر 1954. و بفضل الاحترام الذي استطاعت بلادنا أن تكتسبه بوقوفها إلى جانب القضايا العادلة في العالم. كما أنها قد فرضت نفسها، بما بذلته، على المستوى الداخلي، من جهد جاد يتمثل في التنظيم و التنمية، ذلك الجهد الذي يتميز بتوخي العدالة في توزيع الدخل القومي و استخدامه، وبالسعي لترقية الجماهير التي عانت الاستغلال الاستعماري، و مظالم النظام الموروث عن الماضي، أكثر من غيرها.
إن تنظيم مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي سيحدد للحزب قوانينه الأساسية و يعطيه هيئاته القيادية، لتتويج لهذا الجهد المبذول من أجل إقامة مؤسسات للأمة "تخلد بعد الأحداث و زوال الرجال" كما جاء في بيان 19 يونيو 1965.
و هكذا يتم الوفاء، على أكمل وجه، بالعهد المشهود الذي أخذ أمام الشعب يوم 19 يونيو 1965، في ظل استمرار و توطيد المثل النبيلة التي كانت منذ البداية، محركا لثورة الأول من نوفمبر 1954 العظيمة.
الباب الأول

المبادئ الأساسية لتنظيم المجتمع الجزائري

الفصل الأول
الجمهورية

المادة 1 : الجزائر جمهورية ديمقراطية شعبية، و هي وحدة لا تتجزأ. الدولة الجزائرية دولة اشتراكية.
المادة 2 : الإسلام دين الدولة.
المادة 3 : اللغة العربية هي اللغة الوطنية و الرسمية.
تعمل الدولة على تعميم استعمال اللغة الوطنية في المجال الرسمي.
المادة 4 : عاصمة الجمهورية مدينة الجزائر.
النشيد الوطني و خاصيات العلم و خاتم الدولة، يحددها القانون.
المادة 5 : السيادة الوطنية ملك للشعب، يمارسها عن طريق الاستفتاء أو بواسطة ممثليه المنتخبين.
المادة 6 : الميثاق الوطني هو المصدر الأساسي لسياسة الأمة و قوانين الدولة.
و هو المصدر الإيديولوجي و السياسي المعتمـــد لـمؤسسات الــحزب و الدولة على جميع المستويات.
الميثاق الوطني مرجع أساسي أيضا لأي تأويل لأحكام الدستور.
المادة 7 : المجلس الشعبي هو المؤسسة القاعدية للدولة، و الإطار الذي يتم فيه التعبير عن الإرادة الشعبية و تتحقق فيه الديمقراطية.
كما أنه القاعدة الأساسية للامركزية و لمساهمة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية على جميع المستويات.
المادة 8 : تمثل المجالس الشعبية المنتخبة، بحكم محتواها البشري، القوى الاجتماعية للثورة.
تتكون الأغلبية، ضمن المجالـــس الــشعبية المنتــخــبة، من العمال و الفلاحين
يعتبر عاملا كل شخص يعيش من حاصل عمله الـيدوي أو الــفكري و لا يستخدم لمصلحته الخاصة غيره من العمال أثناء ممارسة نشاطه المهني.
المادة 9 : يجب أن تتوفر في ممثلي الشعب مقايــيس الكــفاءة و النــزاهــة و الالتزام يتنافى تمثيل الشعب مع الثراء أو امتلاك مصالح مالية.
الفصل الثاني
الاشتراكية
المادة 10 : الاشتراكية اختيار الشعب الذي لا رجعة فيه، كما عبر عن ذلك بكامل السيادة في الميثاق الوطني. و هي السبيل الوحيد الكفيل باستكمال الاستقلال الوطني.
مفهوم الاشتراكية، طبقا لما ورد في الميثاق الوطني نصا و روحا، هو تعميق لثورة فاتح نوفمبر 1954 و نتيجة منطقية لها.
الثورة الجزائرية ثورة اشتراكية تستهدف إزالة استغلال الإنسان للإنسان، شعارها : "من الشعب و إلى الشعب".
المادة 11 : تتوخى الاشتراكية تحقيــق تطــور البلاد، و تحويـل العمال و الفلاحين إلى منتخبين واعين و مسئولين، و نــشر الــعدالة الاجتماعية، و توفير أسباب تفتح شخصية المواطن.
تحدد الثورة الاشتراكية خطوط عملها الأساسية للتعجيل بترقية الإنسان إلى مستوى من العيش يتلاءم و ظروف الحياة العصرية، و تمكين الجزائر من إرساء قاعدة اجتماعية اقتصاديــة متحررة مــن الاستغلال و التخلف.
سيحظى النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ترتكز عليه الاشتراكية بالتطوير المستمر، بحيث يستفيد من مزايا الرقى العلمي و التقني.
المادة 12 : ترمي الاشتراكية إلى تحقيق أهداف ثلاثة :
1- دعم الاستقلال الوطني .
2- إقامة مجتمع متحرر من استغلال الإنسان للإنسان.
3- ترقية الإنسان و توفير أسباب تفتح شخصيته و ازدهارها.
و تعود إلى مؤسسات الحزب و الدولة مهمة تحقيق هذه الأهداف المتكاملة المتلازمة.
المادة 13 : يشكل تحقيق اشتراكية وسائل الإنتاج قاعدة أساسية للاشتراكية، و تمثل ملكية الدولة أعلى أشكال الملكية الاجتماعية.
المادة 14 : تحدد ملكية الدولة بأنها الملكية المحوزة من طرف المجموعة الوطنية التي تمثلها الدولة.
و تـشـمل هــذه الملكية، بكيفية لا رجعة فيها : الأراضي الرعوية، و الأراضي المؤممة، زراعية كانت أو قابلة للزراعة، و الغابات، و المياه، وما في باطن الأرض، و المنــاجم، و المـقالع، و المصادر الطبيعية للطاقة، و للثروات المعدنية الطبيعية و الحيّة للجرف القاري و للمنطقة الاقتصادية الخاصة.
تعد أيضا أملاكا للدولة بشكل لا رجعة فيه، كل المؤسسات و البنوك و مؤسسات التأمين و المنشآت المؤممة، و مؤسسات النقل بالسكك الحديدية و النقل البحري و الجوي، و الموانئ، و وسائل المواصلات و البريد و البرق و الهاتف، و التلفزة و الإذاعة، و الوسائل الرئيسية للنقل البري، و مجموع المصانع و المؤسسات و المنشآت الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي أقامتها الدولة أو تقيمها أو تطورها، أو التي اكتسبتها أو تكتسبها.
يـشـمل احتكار الدولة، بصفة لا رجعة فيها، التجارة الخارجية و تجارة الجملة.
يـمـارس هـذا الاحتكار في إطـار الـقـانون.
المادة 15 : على المؤسسات الاشتراكية التي تكلفها الدولة باستثمار أو استغلال أو تنمية جزء من ممتلكاتها أن تذكر في موازنتها وفقا لأحكام القانون، قيمة الأصول المعادلة لقيمة الممتلكات الموضوعة تحت تصرفها.
يتم استخلاف قيمة هذه الأصول، و عند الاقتضاء إعادة تقييمها، حسب القواعد و الطرق المحددة في التشريع.
المادة 16 : الملكية الفردية ذات الاستعمال الشخصي أو العائلي مضمونة.
الملكية الخاصة غير الاستغلالية، كما يعرفها القانون، جزء لا يتجزأ من التنظيم الاجتماعي الجديد.
الملكية الخاصة، لا سيما في الميدان الاقتصادي، يجب أن تساهم في تنمية البلاد و أن تكون ذات منفعة اجتماعية. و هي مضمونة في إطار القانون.
حـق الإرث مـضـمـون.
المادة 17 : لا يتم نزع الملكية إلا في إطار القانون.
و يترتب عنه أداء تعويض عادل و منصف.
لا تجوز معارضة إجراء نزع الملكية للصالح العام بحجة أية اتفاقية دولية.
المادة 18 : تشكل الثورة الثقافية و الثورة الزراعـية و الـثورة الــصــناعية، و التوازن الجهوي، و الأساليب الاشتراكية للتسيير، المحاور الأساسية لبناء الاشتراكية.
المادة 19 : تستهدف الثورة الثقافية على الخصوص :
أ) التأكيد على الشخصية الوطنية و تحقيق التطور الثقافي.
ب) رفع مستوى التعليم و مستوى الكفاءة التقنية للأمة.
جـ) اعتماد أسلوب حياتي ينسجم مع الأخلاق الإسلامية و مبادئ الثورة الاشتراكية مثلما يحددها الميثاق الوطني.
د) حفز الجماهير لتعبئها و تنظيمها للكفاح من أجل التطوير الاجتماعي و الاقتصادي للبلاد و الدفاع عن مكاسب الثورة الاشتراكية.
هـ) ضمان اكتساب وعي اجتماعي و القيام بعمل ملائم كفيل بتغيير البنايات البالية و المجحفة في المجتمع.
و) مكافحة الآفات الاجتماعية و مساوئ البيروقراطية.
ز) القضاء على السلوك الإقطاعي، و الجهوية، و مــحاباة الأقارب، و كل الانحرافات المضادة للثورة.
المادة 20 : تخلق الثورة الزراعية نموذجا جديدا لمجتمع ينبئ بجزائر تتطور كل جهاتها من مدن و أرياف، بكيفية منسجمة.
تستهدف الثورة الزراعية :
أ) تقويض الأركان المادية و المفاهيم المعادية للمجتمع، المتمثلة في استغلال الإنسان للإنسان.
ب) تحطيم قيود النظام الاقتصادي البائد القائم على التعبئة و الاستغلال.
جـ) بناء العلاقات الاجتماعية في الوسط الريفي على قواعد جديدة.
د) محو الفوارق بين المدن و الأرياف و خاصة ببناء القرى الاشتراكية.
هـ) جعل العمل المنتج قاعدة أساسية للنظام الاقتصادي و الاجتماعي في الأرياف.
المادة 21 : تستهدف الثورة الصناعية، بالإضافة إلى الإنماء الاقتصادي، تغيير الإنسان و رفع مستواه التقني و العلمي و إعادة تشكيل بنية المجتمع و هي تعمل في نفس الوقت على تحويل وجه البلاد.
تندرج الثورة الصناعية ضمن منظور اشتراكي يعطيها مدلولها العميــق و أبعادها السياسية.
المادة 22 : سياسة التوازن الجهوي اختيار أساسي. و هي ترمي إلى محو الفوارق الجهوية، و بالدرجة الأولى، إلى ترقية البلديات الأكثر حرمانا من أجل تأمين تنمية وطنية منسجمة.
المادة 23 : تشكل الأساليب الاشتراكية لتسيير المؤسسات عاملا لترقية العمال. و هم يتحملون، بمساهمتهم في التسيير، مسئوليات حقيقية بوصفهم منتجين واعين حقوقهم و واجباتهم.
المادة 24 : يرتكز المجتمع على العمل، و ينبذ التطفل نبذا جذريا، و يحكمه المبدأ الاشتراكي القائل : " من كل حسب مقدرته و لكل حسب عمله".
العمل شرط أساسي لتنمية البلاد، و هو المصدر الذي يضمن به المواطن وسائل عيشه.
يتم توظيف العمل حسب متطلبات الاقتصاد و المجتمع، و طبقا لاختيار العامل، و بناء على قدراته و مؤهلاته.
الفصل الثالث

الدولة

المادة 25 : تمارس سيادة الدولة الجزائرية على مجموع ترابهــا الوطــني، و على مجالها الجوي، و على مياهها الإقليمية.
كما تمارس سيادة الدولة على كل الوارد المختلفة الموجودة على كل سطح جرفها القاري أو في باطنه، و في منطقتها الاقتصادية الخاصة بها.
المادة 26 : تستمد الدولة سلطتها من الإرادة الشعبية.
و هي في خدمة الشعب وحده. و تستمد علة وجودها، و فاعليتها من تقبل الشعب لها.
المادة 27 : الدولة ديمقراطية في أهدافها و في تسييرها.
إن المساهمة النشيطة للشعب في التشييد الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي، و في تسيير الإدارة و مراقبة الدولة، هي ضرورة تفرضها الثورة.
المادة 28 : هدف الدولة الاشتراكية الجزائرية هو التغيير الجذري للمجتمع، على أساس مبادئ التنظيم الاشتراكي.
المادة 29 :تعمل الدولة على تغيير علاقات الإنتاج، و تسيير الاقتصاد الوطني، و تضمن تنمية على أساس تخطيط علمي المفهوم، ديمقراطي التصميم، حتمي التنفيذ.
تنظم الدولة الإنتاج و تحدد توزيع الدخل القومي، و هي العنصر الأساسي في تحويل الاقتصاد و مجموع العلاقات الاجتماعية.
المادة 30 : يجب أن يضمن المخطط الوطني التنمية المتكاملة و المنسجمة لكل جهات البلاد و في كل قطاعات النشاط، و يحقق استخداما فعالا لكل القوى المنتجة، و مزيدا للدخل القومي، و توزيعه توزيعا عادلا، و كذلك رفع مستوى حياة الشعب الجزائري.
المادة 31 : يتم إعداد المخطط الوطني بكيفية ديمقراطية.
يساهم الشعب في ذلك بواسطة مجالسه المنتخبة على المستوى البلدي و الولائي، و الوطني، و بواسطة مجالس العمال و المنظمات الجماهيرية.
يخضع تطبيق المخطط الوطني لمبدأ اللامركزية مع مراعاة التنسيق المركزي على مستوى الهيئات العليا للحزب و الدولة.
المادة 32 : تنشئ الدولة، لتسيير ممتلكات المجموعة الوطنية، مؤسسات يتلاءم تطور نشاطها مع مصالح الشعب و أهداف المخطط الوطني.
تحقق المؤسسات، طبقا لاتجاهات المخطط الوطني، تراكما ماليا لصالح الممتلكات الموضوعة تحت تصرفها، و لصالح المجموعة الوطنية.
المادة 33 : الدولة مسؤولة عن ظروف حياة كل مواطن.
فهي تكفل استيفاء حاجياته المادية و المعنوية، و بخاصة متطلباته المتعلقة بالكرامة و الأمن.
و هـي تستهـدف تـحرير المواطن من الاستغلال و البطـالـة و المرض و الجهل.
تتـكفـل الـدولـة بـحـمايـة مواطنـيها في الخارج.
المادة 34 : يستند تنظيم الدولة إلى مبدأ اللامركزية القائم على ديمقراطية المؤسسات و المشاركة الفعلية للجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية.
المادة 35 : تعتمد سياسة اللامركزية على توزيع حكيم للصلاحيات و المهام حسب تقسيم منطقي للمسئولية داخل إطار وحدة الدولة.
تستهدف سياسة اللامركزية منح المجموعات الإقليمية الوسائل البشـرية و المادية، و المسئولية التي تؤهلها للقيام بنفسها بمهام تنمية المنطقة التابعة لها كمجهود مكمل لما تقوم به الأمة.
المادة 36 : المجموعات الإقليمية هي الولاية و البلدية.
البلدية هي المجمــوعة الإقليـمـية السياسية و الإدارية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في القاعدة. الـتـنظيـم الإقليمي و التقـسيم الإداري للبلاد خاضعان للقانون.
المادة 37 : ليست وظائف الدولة امتيازا بل هي تكليف.
على أعوان الدولة أن يأخذوا بعين الاعتبار مصالح الشعب و المنفعة العامة ليس غير، و لا يمكن بحال من الأحوال، أن تصبح ممارسة الوظائف العمومية مصدرا للثراء، و لا وسيلة لخدمة المصالح الخاصة.
المادة 38 : تتاح المسئوليات في الدولة للمواطنين الذين تتوفر فيهم مقاييس الكفاءة و النزاهة و الالتزام، و يعيشون من أجرتهم ليس غير، و لا يتعاطون، بصفة مباشرة أو عن طريق وسطاء، أي نشاط آخر يدر عليهم مالا.
الفصل الرابع
الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و المواطن

المادة 39 : تضمن الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و المواطنين.
كل المواطنين متساوون في الحقوق و الواجبات.
يلغى كل تمييز قائم على أحكام مسبقة تتعلق بالجنس أو العرق أو الحرفة.
المادة 40 : القانون واحد بالنسبة للجميع، أن يحمي أو يكره أو يعاقب.
المادة 41 : تكفل الدولة المساواة لكل المواطنين، وذلك بإزالة العقبات ذات الطابع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي التي تحد في الواقع من المساواة بين المواطنين و تعق أزدها الإنسان، و تحول دون المشاركة الفعلية لكل المواطنين في التنظيم السياسي، و الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي.
المادة 42 : يضمن الدستور كل الحقوق السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية للمرأة الجزائرية.
المادة 43 :الجنسية الجزائرية معرفة بالقانون.
شروط اكتساب هذه الجنسية والاحتفاظ بها أو فقدها أو إسقاطها، محددة بالقانون.
المادة 44 : وظـائـف الــدولة و المؤسسات التابعة لها متاحة لكل المواطنين، و هي في متناولهم بالتساوي و بدون أي شرط ماعدا الشروط المتعلقة بالاستحقاق و الأهلية.
المادة 45 : لا تجريم إلا بقانون صادر قبل ارتكاب العمل الإجرامي.
المادة 46 : كل فرد يعتبر بريئا، في نظر القانون، حتى يثبت القضاء إدانته طبقا للضمانات التي يفرضها القانون.
المادة 47 : يترتب عن الخطأ القضائي تعويض من الدولة.
يحدد القانون ظروف التعويض و كيفيته.
المادة 48 : تضمن الدولة حصانة الفرد.
المادة 49 : لا يجوز انتهاك حرمــة حـياة المواطن الـخاصــة و لا شرفــه، و القانون يصونهما.
سرية المراسلات و المواصلات الخاصة بكل إشكالها مضمونة.
المادة 50 : تضمن الدولة حرمة السكن. لا تفتيش إلا بمقتضى القانون و في حدوده.
لا تفتيش إلا بأمر مكتوب صادر عن السلطة القضائية المختصة.
المادة 51 : لا يتابع أحد و لا يلقى عليه القبض أو يحبس إلا في الحالات المحددة بالقانون و طبقا للإشكال التي نص عليها.
المادة 52 : في مادة التحريات الجزائية، لا يمكن أن تتجاوز مدة التوقيف للنظر 48 ساعة.
لا يمكن تمديد مدة التوقيف للنظر إلا بصفة استثنائية و وفقا للشروط المحددة بالقانون.
عند انتهاء مدة التوقيف للنظر يلزم إجراء فحص طبي على الشخص الموقوف إن طلب ذلك، على أن يعلم بإمكانية هذا الإجراء.
المادة 53 : لا مساس بحرية المعتقد و لا بحرية الرأي.
المادة 54 : حرية الابتكار الفكري و الفني و العلمي للمواطن مضمونة في إطار القانون.
حرية التأليف محمية بالقانون.
المادة 55 : حرية التعبير والاجتماع مضمونة، و لا يمكن التذرع بها لضرب أسس الثورة الاشتراكية.
تمارس هذه الحرية مع مراعاة أحكام المادة 73 من الدستور.
المادة 56 : حرية إنشاء الجمعيات معترف بها، و تمارس في إطار القانون.
المادة 57 : لكل مواطن يتمتع بكامل حقوقه المدنية و السياسية، حق التنقل بكل حرية في أي ناحية من التراب الوطني.
حق الخروج من التراب الوطني مضمون في نطاق القانون.
المادة 58 : يعد كل مواطن تتوفر في الشروط القانونية، ناخبا و قابلا للانتخاب عليه.
المادة 59 : حق العمل مضمون طبقا للمادة 24 من الدستور.
يمارس العامل وظيفته الإنتاجية باعتبارها واجبا و شرفا.
الحق في أخذ حصة من الدخل القومي مرهون بإلزامية العمل.
تخضع الأجور للمبدأ القائل : " التساوي في العمل يستلزم التساوي في الأجر"، و تحدد طبقا لنوعية العمل المنجز فعلا و لحجمه.
السعي وراء تحسين الإنتاجية هدف دائم للمجتمع الاشتراكي.
يمكن أن يتم التشجيع على العمل و الإنتاجية بواسطة حوافز معنوية، و بنظام ملائم قائم على الترغيب المادي، سواء على المستوى الجماعي أو الفردي.
المادة 60 : حق الانخراط في النقابة معترف به لجميع العمال، و يمارس في إطار القانون.
المادة 61 : تخضع علاقات العمل في القطاع الاشتراكي لأحكـام الـقــوانـين و التنظيمات المتعلقة بالأساليب الاشتراكية للتسيير.
في القطاع الخاص، حق الإضراب معترف به، و ينظم القانون ممارسته.
المادة 62 : تضمن الدولة أثناء العمل الحق في الحماية، و الأمن و الوقاية الصحية.
المادة 63 : الحق في الراحة مضمون.
يحدد القانون كيفية ممارسته.
المادة 64 : تكفل الدولة، في نطاق القانون، ظروف معيشة المواطنين الذين لم يبلغوا بعد سن العمل و الذين لا يستطيعون القيام به، و الذين عجزوا عنه نهائيا.
المادة 65 : الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، و تحظى بحماية الدولــة و المجتمع.
تحمي الدولة الأمومة، و الطفولة، و الشبيبة، و الشيخوخة، بواسطة سياسة و مؤسسات ملائمة.
المادة 66 : لكل مواطن الحق في التعلم.
* التعليم مجاني و هو إجباري بالنسبة لمدة المدرسة الأساسية في إطار الشروط المحددة بالقانون.
* تضمن الدولة التطبيق المتساوي لحق التعليم.
* تنظم الدولة التعليم.
* تــسـهر الـدولة علـى أن تكـــون أبواب التعليم و التكوين المهني و الثقافة مفتوحة بالتساوي أمام الجميع.
المادة 67 : لكل المواطنين الحق في الرعاية الصحية.
و هذا الحق مضمون عن طريق توفير خدمات صحية عامة و مجانية، و بتوسيع مجال الطب الوقائي، و التحسين الدائم لظروف العيش و العمل، و كذلك عن طريق ترقية التربية البدنية و الرياضية و وسائل الترفيه.
المادة 68 : يحظى كل أجنبي يقيم بصفة قانونية على التراب الوطني، بالحماية المخولة للأفراد و الأموال، طبقا للقانون و مراعاة لتقاليد الشعب الجزائري في الضيافة.
المادة 69 : لا يسلم أحد خارج التراب الوطني إلا بناء على قانون تسليم المجرمين وتطبيقا لأحكامه.
المادة 70 : لا يمكن بحال من الأحوال تسليم أو رد لاجئ سياسي يتمتع قانونا بحق اللجوء.
المادة 71 : يعاقب القانون على المخالفات المرتكبة ضد الحقوق و الحريــات و على كل مساس بالسلامة البدنية أو المعنوية للإنسان.
المادة 72 : يعاقب القانون على التعسف في استعمال السلطة.
تضمن الدولة مساعدة المواطن من أجل الدفاع عن حريته و حصانة ذاته.
المادة 73 : يحدد القانون شروط إسقاط الحقوق و الحريات الأساسية لكل من يستعملها قصد المساس بالدستور أو بالمصالح الرئيسية للمجموعة الوطنية، أو بوحدة الشعب و التراب الوطني، أو بالأمن الداخلي و الخارجي للدولة، أو بالثورة الاشتراكية.
الفصل الخامس

واجبات المواطن
المادة 74 : على كل شخص احترام الدستور، والامتثال لقوانــين الجمهورية و تنظيماتها.
لا يعذر أحد بجهل القانون.
المادة 75 : يجب على كل مواطن أن يحمي، بعمله و سلوكه، الملكية العمومية و مصالح المجموعة الوطنية، و يحترم مكتسبات الثورة الاشتراكية، و يعمل حسب مقدرته لرفع مستوى معيشة الشعب.
المادة 76 : التزام المواطن إزاء الوطن و مساهمته في الدفاع عنه من واجباته الدائمة.
على كل مواطن أن يؤدي بإخلاص واجباته تجاه المجموعة الوطنية.
المادة 77 : على كل مواطن حماية و صــيانة استقلال الوطن و سيــادتــه و سلامة ترابه.
يعاقب القانون بكل صرامة، على الخيانة و التجسس و الالتحاق بالعدو، و على كل الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة.
المادة 78 : كل المواطنين متساوون في أداء الضريبة. و على كل واحد أن يساهم، حسب إمكانياته، و في إطار القانون، في النفقات العمومية، لسد الحاجيات الاجتماعية للشعب و لتنمية البلاد و الحفاظ على أمنها.
لا يجوز إحداث أية ضريبة، أو جباية، أو رسم أو أي حق، بأثر رجعي.
المادة 79 : ينص القانون على واجب الآبــاء في تربيــة أبنائهــم و حمايتهم و على واجب الأبناء في معاونة آبائهم و مساعدتهم.
المادة 80 : على كل مواطن أن يتحلى بالانضباط المدني و يحترم حقوق الآخرين و حرياتهم و كرامتهم.
المادة 81 : على المرأة أن تشارك كامـل المشـاركة في التشييــد الاشتراكي و التنمية الوطنية.
الفصل السادس
الجيش الوطني الشعبي
المادة 82 : تتمثل المهمة الدائمة للجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني و درع الثورة، في المحافظة على استقلال الوطن و سيادته، و القيام بتأمين الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد و سلامتها، و حماية مجالها الــجوي و مســاحتها الترابية و مياهها الإقليمية و جرفها القاري و منطقتها الاقتصادية الخاصة بها.
يساهم الجيش الوطني الشعبي، باعتباره أداة الثورة في تنمية البلاد و تشييد الاشتراكية.
المادة 83 : العنصر الشعبي عامل حاسم في الدفاع الوطني.
الجيش الوطني الشعبي هو الجهاز الدائم للدفاع، الذي يتمحور حوله تنظيم الدفاع الوطني و دعمه.
المادة 84 : الخدمة الوطنية واجب و شرف.
لقد تأسست الخدمة الوطنية، تلبية لمتطلبات الدفاع الوطني و تأمين الترقية الاجتماعية و الثقافية لأكبر عدد ممكن، و للمساهمة في تنمية البلاد.
المادة 85 : يحظى المجاهدون و أولو الحق من ذويهم بحماية خاصة من طرف الدولة.
ضمان الحقوق الخاصة بالمجاهدين و أولي الحق من ذويهم، و الحفاظ على كرامتهم، فرض على الدولة و المجتمع.
الفصل السابع
مبادئ السياسة الخارجية

المادة 86 : تتبنى الجمهورية الجزائرية المبادئ و الأهداف التي تتضمنها مواثيق الأمم المتحدة و منظمة الوحدة الإفريقية و الجامعة العربية.
المادة 87 : تندرج وحدة الشعوب العربية في وحدة مصير هذه الشعوب.
تلتزم الجزائر، كلما تهيأت الظروف الملائمة لقيام وحدة مبنية على تحرير الجماهير الشعبية، باعتماد صيغ للوحدة أو للاتحاد أو للاندماج، كفيلة بالتلبية الكاملة للمطامح المشروعة و العميقة للشعوب العربية.
وحدة الشعوب المغربية المستهدفة صالح الجماهير الشعبية، تتجسد كاختيار أساسي للثورة الجزائرية.
المادة 88 : تحقيق أهداف منظمة الوحدة الإفريقية و تشجيع الوحدة بين شعوب القارة يشكلان مطلبا تاريخيا و يندرجان كخط دائم في سياسة الثورة الجزائرية.
المادة 89 : تمتنع الجمهورية الجزائرية، طبقا لمواثيق الأمم المتحدة و منظمة الوحدة الإفريقية و الجامعة العربية، عن الالتجاء إلى الحرب قصد المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى و حريتها.
و تبذل جهدها لحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية.
المادة 90 : وفاء لمبادئ عدم الانحياز و أهدافه، تناضل الجزائر من أجل السلم، و التعايش السلمي، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
المادة 91 : لا يجوز البتة، التنازل عن أي جزء من التراب الوطني.
المادة 92 : يشكــل الكفــاح ضــد الاستعمار، و الاستعمار الجديد، و الإمبريالية، و التمييز العنصري، محورا أساسيا للثورة.
يشكل تضامن الجزائر مع كل الشعوب في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية، في كفاحها من أجل تحررها السياسي و الاقتصادي، من أجل حقها في تقرير المصير و الاستقلال، بعدا أساسيا للسياسة الوطنية.
المادة 93 : يشكل دعم التعاون الدولي و تنمية العلاقات الودية بين الدول، على أساس المساواة، و المصلحة المتبادلة، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية، مبدأين أساسيين للسياسة الوطنية.
الباب الثاني
السلطة و تنظيمها

الفصل الأول
الوظيفة السياسية

المادة 94 : يقوم النظام التأسيسي الجزائري على مبدأ الحزب الواحد.
المادة 95 : جبهة التحرير الوطني هي الحزب الواحد في البلاد.
جبهة التحرير الوطني هي الطليعة المؤلفة من المواطنين الأكثر وعيا، الذين تحدوهم المثل العليا للوطنية و الاشتراكية، و الذين يتحدون بكل حرية ضمنها، طبقا للشروط المنصوص عليها في القوانين الأساسية للحزب.
مناضلو الحزب المختارون على الخصوص من بين العمال، و الفلاحين و الشباب، يصبون إلى تحقيق هدف واحد و إلى مواصلة عمل واحد غايته القصوى انتصار الاشتراكية.
المادة 96 : مؤسسات الحزب و كيفية تسييرها محددة بالقوانين الأساسية لجبهة التحرير الوطني.
المادة 97 : جبهة التحرير الوطني هي القـــوة الطلائــعيــة لقيــادة الشعب و تنظيمه من أجل تجسيم أهداف الثورة الاشتراكية.
تشكل جبهة التحرير الوطني دليل الثورة الاشتراكية و القوة المسيرة للمجتمع. و هــي أداة الـثــورة الاشتراكية في مــجـالات الــقـيـادة و التخطيط و التنشيط.
تسهر جبهة التحرير الوطني على التعبئة الدائمة للشعب، و ذلك بالتربية العقائدية للجماهير و تنظيمها و تأطيرها من أجل تشييد المجتمع الاشتراكي.
المادة 98 : تتجسد قيادة البلاد في وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولة.
و في إطار هذه الوحدة، فإن قيادة الحزب هي التي توجه السياسة العامة للبلاد.
المادة 99 : ترتكز المؤسسات السياسية المنتخبة، في جميع المستويات، على مبدأ الجماعية في المداولة، و الأغلبية في القرار، و الوحدة في التنفيذ.
يتطلب تطبيق هذا المبدأ، على نطاق المؤسسات الحزبية، الوحدة في العقيدة و الإرادة، و الانسجام في العمل.
المادة 100 : المنظمات الجماهيرية، بإشراف الحزب و مراقبته، مكلفة بتعبئة أوسع فئات الشعب لتحقيق كبريات المهام السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي تتوقف عليها تنمية البلاد و النجاح في بناء الاشتراكية.
المــنـظمات الجــمــاهيرية مكلفة، دون غيرها، بمهمة تنظيم العمال و الفلاحين و الشباب و النــسـاء، و العمل على تعميق وعيهم لمسئولياتهم و للدور المتعاظم الذي يجب أن يضطلعوا به في بناء الوطن.
المادة 101 : تعمل أجهزة الحزب و أجهزة الـــدولة في إطــارين منــفصلين و بوسائل مختلفة من أجل تحقيق أهداف واحدة.
لا يمكن أن تتداخل اختصاصات كل منهما أو تختلط ببعضها.
يقوم التنظيم السياسي للبلاد على التكامل في المهام بين أجهزة الحزب و أجهزة الدولة.
المادة 102 : الوظائف الحاسمة في الدولة تسند إلى أعضاء من قيادة الحزب.
المادة 103 : العلاقات بيت أجهزة الحزب و أجهزة الدولة خاضعة لأحكام الدستور.
الفصل الثاني
الوظيفة التنفيذية

المادة 104 : يضطلع بقيادة الوظيفة التنفيذية رئيس الجمهورية، و هو رئيس الدولة.
المادة 105 : ينتخب رئيس الجمهورية عن طريــق الاقتراع الـــعام المباشر و السري.
يتم انتخاب المرشح بالأغلبية المطلقة من الناخبين المسجلين.
يقترح المرشح من طرف جبهة التحرير الوطني، و يمارس مؤتمرها مباشرة هذه الصلاحية ابتداء من انعقاد أول مؤتمر لها اثر دخول هذا الدستور حيز التنفيذ.
يحدد القانون الإجراءات الأخرى للانتخابات الرئاسية.
المادة 106 : يمارس رئيس الجمهورية السلطة السامية في النطاق المبيّن في الدستور.
المادة 107 : لا يؤهل أن ينتخب لرئاسة الجمهورية إلا من كانت له الجنسية الجزائرية أصلا، و يدين بالإسلام، و قد بلغ من العمر أربعين سنة (40) كاملة يوم الانتخاب، و يتمتع بكامل حقوقه المدنية و السياسية.
المادة 108 : المدة الرئاسية ست سنوات.
يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية.
المادة 109 : يــتقــلد رئــيس الجمهورية مهامه في الأسبوع الموالي لانتخابه، و يؤدي اليمين أمام الشــعــب و بمــحــضـر كل الهيئات العليا في الحزب و الدولة.
المادة 110 : يؤدي رئيس الجمهورية اليمين حسب النص الآتي :
"وفاء للتضحيات الكبرى و لأرواح شهداء ثورتنا المقدسة أقسم بالله العلي العظيم أن أحترم الدين الإسلامي و أمجده، و أن أحتــــرم الميثاق الوطني و الدستور، و كل قوانين الجمهورية و أحميها، و أن أحترم الاختيار الاشتراكي الذي لا رجعة فيه، و أن أحافظ على سلامة التــــراب الوطني و حدة الشعب و الأمة، و أن أحمي الحقوق و الحريات الأساسية للشعب و أعمل بدون هوادة على تطوره و سعادته، و أن أسعى بكل قواي من أجل تحقيق المثل العليا للعدالة و الحرية و السلم في العالم".
المادة 111 : يضطلع رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى السلطات المخولة له بنص هذا الدستور، بالسلطات و الصلاحيات الآتية :
1- يمثل الدولة داخل البلاد و خارجها.
2- يجسد وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولة.
3- يحمي الدستور.
4- يتولى القيادة العليا لجميع القوات المسلحة للجمهورية.
5- يتولى مسئولية الدفاع الوطني.
6- يقرر طبقا للميثاق الوطني و لأحكام الدستور، السياسة العامة للأمة في المجالين الداخلي و الخارجي، و يقوم بقيادتها و تنفيذها.
7- يحدد صلاحيات أعضاء الحكومة طبقا لأحكام الدستور.
8- يترأس مجلس الوزراء.
9- يترأس الاجتماعات المشتركة لأجهزة الحزب و الدولة.
10- يضطلع بالسلطة التنظيمية.
11- يسهر على تنفيذ القوانين و التنظيمات.
12- يعين الموظفين المدنيين و العسكريين، طبقا للقانون.
13- له حق إصدار العفو و حق إلغاء العقوبات أو تخفيضها و كذلك حق إزالة كل النتائج القانونية، أيا كانت طبيعتها، و المترتبة على الأحكام التي تصدرها المحاكم.
14- يمكن له أن يعمد لاستفتاء الشعب في كل القضايا ذات الأهمية الوطنية.
15- يمكن له أن يفوض جزءا من صلاحياته لنائب رئــيس الــجمــهــورية و للوزير الأول مع مراعاة أحكام المادة 116 من الدستور.
16- يعين سفراء الجمهورية و المفوضين فوق العادة للخارج و ينهي مهامهم، و يتسلم أوراق اعتماد الممثلين الدبلوماسيين الأجانب، و أوراق إنهاء مهامهم.
17- يبرم المعاهدات الدولية و يصادق عليها وفقا لأحكام الدستور.
18- يقلد أوسمة الدولة و نياشينها و ألقابها الشرفية.

المادة 112 : يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين نائبا لرئيس الجمهورية يساعده و يعينه في مهامه.
المادة 113 : يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة.
يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين وزيرا أول.
المادة 114 : تمارس الحكومة الوظيفة التنفيذية بقيادة رئيس الجمهورية.
الوطني وجوبا، و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
المادة 115 : نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول و أعضاء الحكومة مسئولون أثناء ممارسة كل منهم لمهامه، أمام رئيس الجمهورية.
المادة 116 : لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يفرض رئيس الجمهورية سلطته في تعيين نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول و أعضاء الحكومة، أو إعفائهم من مهامهم، و لا في إجراء استفتاء، أو في حل المجلس الشعبي الوطني، أو تنظيم انتخابات تشريعية مسبقة، و لا في تطبيق الأحكام المنصوص عليها في المواد 119 إلى 124 من الدستور، و كذلك السلطات الواردة في الفقرات من 4 إلى 9 و الفقرة 13 من المادة 111 من الدستور.
المادة 117 : في حالة وفاة رئيس الجمهورية أو استقالته، يجتمع المجلس الشعبي الوطني، وجوبا، و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
يتولى رئيس المجلس الشعبي الوطني مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها خمسة و أربعون يوما ( 45 ) تنظم خلالها انتخابات رئاسية. ولا يحق لرئيس المجلس الشعبي الوطني أن يكون مرشحا لرئاسة الجمهورية.
يستدعى مؤتمر استثنائي للحزب قصد تعيين المرشح لرئاسة الجمهورية.
يمارس رئيس الجمهورية المنتخب مهامه طبقا لأحكام المادة 108 من الدستور.
المادة 118 : لا يمكن حل أو تعديل الحكومة القائمة إبان وفاة أو استقالة رئيس الجمهورية إلى أن يتسلم رئيس الجمهورية الجديد مهامه.
لا يمكن أثناء فترة الخمسة و الأربعين يوما ( 45 ) المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة 117 من الدستور، تطبيق أحكام المادتين 112 و 113 و لا أحكام الفقرات 7 و 13 و 14 من المادة 111 و لا أحكام المادتين 123 و 163 من الدستور.
لا يمكن أثناء نفس الفترة، إنهاء مهام نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول.
كما لا يمكن تطبيق أحكام المواد 120 و 121 و 122 و 124 من الدستور إلا بموافقة المجلس الشعبي الوطني مع الاستشارة المسبقة لقيادة الحزب.
المادة 119 : في حالة الضرورة الملحة، يقرر رئيس الجمهورية، في اجتماع لهيئات الحزب العليا و الحكومة، حالة الطوارئ أو الحصار، و يتخذ كل الإجراءات اللازمة لاستتباب الوضع.
المادة 120 : إذا كانت البلاد مهددة بخطر وشيك الوقوع على مؤسساتها، أو على استقلالها، أو سلامة ترابها، يقرر رئيس الجمهورية الحالة الاستثنائية.
يــتــدخل مــثــل هــذا الإجراء أثناء اجتماع الهيئات العليا للحزب و الحكومة.
تخول الحالة الاستثنائية لرئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات الخاصة التي تتطلبها المحافظة على استقلال الأمة و مؤسسات الجمهورية.
يجتمع المجلس الشعبي الوطني، وجوبا، باستدعاء من رئيسه.
تنتهي الحالة الاستثنائية حسب نفس الأشكال، و بناء على نفس الإجراءات المذكورة أعلاه التي أدت إلى تقريرها.
المادة 121 : يقرر رئيس الجمهورية التعبئة العامة.
المادة 122 : في حالة وقوع عدوان فعلي أو وشيك الحصول، حسبما نصت عليه الترتيبات الملائمة لميثاق الأمم المتحدة، يعلن رئيس الجمهورية الحرب، بعد استشارة هيأة الحزب القيادية و اجتماع الحكومة و الاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن.
يجتمع المجلس الشعبي الوطني، بحكم القانون.
يوجه رئيس الجمهورية خطابا للأمة يعلمها بذلك.
المادة 123 : يوقف العمل بالدستور مدة حالة الحرب و يتولى رئيس الدولة جميع السلطات.
المادة 124 : يوافق رئيس الجمهورية على الهدنة و السلم.
تقدم اتفاقيات الهدنة و معاهدات السلم، فورا، إلى الموافقة الصريحة للهيئة القيادية للحزب طبقا لقانونه الأساسي. كما تعرض على المجلس الشعبي الوطني، طبقا لأحكام المادة 158 من الدستور.
المادة 125 : يؤسس مجلس أعلى للأمن برئاسة رئيس الجمهورية، مهمته تقديم الآراء حول كل القضايا المتعلقة بالأمن الوطني، إلى رئيس الجمهورية.
يحدد رئيس الجمهورية طرق تنظيم المجلس الأعلى للأمن و تسييره.
الفصل الثالث
الوظيفة التشريعية
المادة 126 : يمارس الوظيفة التشريعية مجلس واحد يسمى المجلس الشعبي الوطني.
للمجلس الشعبي الوطني، في نطاق اختصاصاته، سلطة التشريع بكامل السيادة.
يعد المجلس الشعبي الوطني القوانين و يصوت عليها.
المادة 127 : تتمثل المهمة الأساسية للمجلس الشعبي الوطني، ضمن اختصاصاته، في العمل للدفاع عن الثورة الإشتراكية و تعزيزها.
يستلهم المجلس الشعبي الوطني، في نشاطه التشريعي، مبادئ الميثاق الوطني و يطبقها.
المادة 128 : ينتخب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، بناء على ترشيح من قيادة الحزب، عن طريق الاقتراع العام المباشر و السري.
المادة 129 : ينتخب المجلس الشعبي الوطني لمدة خمس سنوات.
لا يمكن تمديد فترة هذه النيابة إلا في ظروف خطيرة للغاية لا تسمح بإجراء انتخابات عادية. و تثبت هذه الحالة بمقتضى قرار من المجلس الشعبي الوطني، بناء على اقتراح من رئيس الجمهورية.
المادة 130 : يحدد القانون طرق انتـخــاب النــواب، و بــخاصة عـــددهم، و شروط قابليتهم للانتخاب، و حالات التنافي مع شروط العضوية في المجلس.
يجب أن يكون تأليف المجلس الشعبي الوطني مطابقا لأحكام المادتين 8 و 9 من الدستور.
المادة 131 : إثبات صحة الانتخابات التشريعية من اختصاص المجلس الشعبي الوطني.
الفصل في النزاع الناشئ عن الانتخابات التشريعية من اختصاص المجلس الأعلى.
المادة 132 : النيابة في المجلس الشعبي الوطني ذات طابع وطني.
المادة 133 : النيابة في المجلس الشعبي الوطني قابلة للتجديد.
المادة 134 : كل نائب لا يستوفي شروط النيابة أو أصبح غير مستوف لها، يتعرض لإسقاط صفته النيابية.
يقرر المجلس الشعبي الوطني هذا الإسقاط بأغلبية أعضائه.
المادة 135 : النائب مسئول أمام زملائه الذين يمكنهم عزله إذا خان ثقة الشعب فيه أو اقترف عملا مخلا بوظيفته.
يحدد القانون الحالات التي يتعرض فيها النائب للعزل، و يقر المجلس الشعبي الوطني العزل بأغلبية أعضائه، بقطع النظر عما قد يحدث من متابعات أخرى حسب التشريع العادي.
المادة 136 : يحدد القانون الظروف التي يمكن فيها للمجلس الشعبي الوطني قبول استقالة أحد أعضائه.
المادة 137 : الحصانة النيابية معترف بها للنائب أثناء نيابته.
لا يمكن متابعة أي نائب أو إلقاء القبض عليه، و بصفة عامة، لا يمكن رفع دعوى مدنية أو جزائية ضده بسبب ما أبداه من آراء أو ما تلفظ به من كلام أو بسبب تصويته أثناء ممارسته للنيابة.
المادة 138 : لا تجوز متابعة أي نائب بسبب عمل جنائي إلا بإذن من المجلس الشعبي الوطني الذي يقرر رفع الحصانة بأغلبية أعضائه.
المادة 139 : في حالة تلبس النائب بجنحة أو جريمة، يخطر مكتب المجلس الشعبي الوطني فورا. و يكتسب قوة القانون كل قرار يتخذه مكتب المجلس لضمان الاحترام لمبدأ الحصانة النيابية، إن اقتضى الأمر.
المادة 140 : يحدد القانون شروط استخلاف النائب في حالة شغور مقعده.
المادة 141 : تبتدئ الفترة التشريعية، وجوبا، في اليوم الثامن الموالي لتاريخ انتخاب المجلس الشعبي الوطني، تحت رئاسة أكبر النواب سنا و بمساعده أصغر نائبين منهم.
ينتخب المجلس مكتبه و يشكل لجانه.
المادة 142 : ينتخب رئيس المجلس الشعبي الوطني للفترة التشريعية.
المادة 143 : يحدد القانون المبادئ العامة المتعلقة بتنظيم المجلس الشعبي الوطني وتسييره، و كذا ميزانية المجلس و التعويضات التي تدفع إلى أعضائه.
يعد المجلس الشعبي الوطني لائحة تنظيمه الداخلي.
المادة 144 : جلسات المجلس الشعبي الوطني علانية.
و تدون المداولات في محاضر تنشر طبقا لما يقرره القانون، و يجوز للمجلس الشعبي الوطني أن يعقد جلسات مغلقة بطلب من رئيسه أو من أغلبية أعضائه الحاضرين أو بطلب من الحكومة.
المادة 145 : يشكل المجلس الشعبي الوطني لجانه في نطاق لائحة تنظيمه الداخلي.
المادة 146 : يجتمع المجلس الشعبي الوطني في دورتين عاديتين كل سنة، مدة كل دورة ثلاثة أشهر على الأكثر.
لجان المجلس الشعبي الوطني لجان دائمة.
المادة 147 : يمكن استدعاء المجلس الشعبي الوطني للاجتماع في دورة استثنائية بمبادرة من رئيس الجمهورية أو بطلب من ثلثي أعضاء المجلس.
تختتم الدورة الاستثنائية بمجرد ما يستفيد المجلس الشعبي الوطني جدول الأعمال الذي استدعي من أجله.
المادة 148 : المبادرة بالقوانين حق لرئيس الجمهورية، كما أنها حق لأعضاء المجلس الشعبي الوطني.
تكون اقتراحات القوانين قابلة للنقاش إذا قدمها عشرون نائبا.
تقدم مشاريع القوانين من الحكومة إلى مكتب المجلس الشعبي الوطني.
المادة 149 : لا يقبل اقتراح أي قانون مضمونه أو نتيجته تخفيض الموارد العمومية أو زيادة النفقات العمومية إلا إذا كان مرفوقا بتدابير تستهدف رفع مداخيل الدولة أو توفير مبالغ مالية في فصل آخر من النفقات العمومية، تكون مساوية، على الأقل، للمبالغ المقترح تغييرها.
المادة 150 : يجوز للمجالس الشعبية البلدية و للمجالس الشعبية للولايات، أن ترفع التماسا إلى الحكومة التي يعود إليها النظر لصياغته في مشروع قانون.
المادة 151 : يشرّع المجلس الشعبي الوطني في المجالات التي خولها له الدستور.
تدخل كذلك في مجال القانون :
1.الحقوق و الواجبات الأساسية للأفراد، و بخاصة نظام الحريات العمومية و حماية الحريات الفردية و واجبات المواطنين في إطار متطلبات الدفاع الوطني.
2. القواعد العامة المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية و قانون الأسرة، و بخاصة الزواج و الطلاق و البنوة و الأهلية و المواريث.
3. ظروف الاستقرار المتعلقة بالأفراد.
4. التشريع الأساسي الخاص بالجنسية.
5. القواعد العامة المتعلقة بمركز الأجانب.
6. القواعد العامة المتعلقة بالتنظيم القضائي.
7.القواعد العامة للقانون الجزائي و الإجراءات الجزائية و بخاصة تحديد الجنايات و الجنح، و العقوبات المناسبة لها، و العفو الشامل، و تسليم المجرمين.
8. القواعد العامة لقانون الإجراءات المدنية و طرق التنفيذ.
9. النظام العام للالتزامات المدنية و التجارية.
10. القواعد العامة المتعلقة بنظام الانتخابات.
11. التنظيم الإقليمي و التقسيم الإداري للبلاد.
12. المبادئ الأساسية للسياسة الاقتصادية و الاجتماعية.
13. تحديد سياسة التربية، و سياسة الشباب.
14. الخطوط الأساسية للسياسة الثقافية.
15. إقرار المخطط الوطني.
16.التصويت على ميزانية الدولة.
17.إحداث الضرائــب و الـجــبايــات و الرسوم و الحقوق بجميع أنواعها و تحديد وعائها و نسبها.
18. القواعد العامة للنظام الجمركي.
19.القواعد العامة المتعلقة بنظام البنوك و القرض و التأمين.
20. القواعد العامة المتــعــلقة بالصحة العمومية، و السكان، و قانون العمل و الضمان الاجتماعي.
21. القواعد العامة المتعلقة بحماية المجاهدين و أولي الحق من ذويهم.
22. الخطوط العريضة لسياسة الإعمار الإقليمي، و البيئة، و نوعية الحياة، و حماية الحيوانات و النباتات.
23. حماية التراث الثقافي و التاريخي و المحافظة عليه.
24. النظام العام للغابات.
25. النظام العام للمياه.
26.إنشاء أوسمة الدولة و نياشينها و وضع ألقابها الشرفية.
المادة 152 : يندرج تطبيق القانون في المجال التنظيمي.
كل المسائل، ماعدا تلك التي يختص بها القانون، هي من المجال التنظيمي.
المادة 153 : لرئيس الجمهورية أن يشرّع، فيما بين دورة و أخرى للمجلس الشعبي الوطني، عن طريق إصدار أوامر تعرض على موافقة المجلس الشعبي الوطني في أول دورة مقبلة.
المادة 154 : يصدر رئيس الجمهورية القوانين في أجل ثلاثين يوما (30) ابتداء من تاريخ تسليمها له.
المادة 155 : لرئيس الجمهورية سلطة طلب إجراء مداولة ثانية حول قانون تم التصويت عليه، و ذلك في ظرف ثلاثين (30) من تاريخ إقراره.
و في هذه الحالة لا يتم إقرار القانون إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس الشعبي الوطني.
المادة 156 : يوجه رئيس الجمهورية، مرة في السنة، خطابا إلى المجلس الشعبي الوطني، حول وضع الأمة.
المادة 157 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني، بطلب من رئيس الجمهورية، أو من رئيسه، أن يفتح مناقشة حول السياسة الخارجية.
يمكن، عند اقتضاء، أن تفضي هذه المناقشة إلى إصدار لائحة من المجلس الشعبي الوطني تبلغ بواسطة رئيسه إلى رئيس الجمهورية.
المادة 158 : تتم مصادقـــة رئيس الجمهورية على المعاهـــدات الســـياسية و المعاهدات التي تعدل محتوى القانون، بعد الموافقة الصريحة عليها من المجلس الشعبي الوطني.
المادة 159 : المعاهدات الدولية التي صادق عليها رئيس الجمهورية طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور، تكتسب قوة القانون.
المادة 160 : إذا حصل تناقض بين أحكام المعاهدة أو جزء منها و الدستور، لا يؤذن بالمصادقة عليها إلا بعد تعديل الدستور.
المادة 161 : يمكن لأعضاء المجلس الشعبي الوطني استجواب الحكومة حول قضايا الساعة.
يمكن للجان المجلس الشعبي الوطني أن تستمع إلى أعضاء الحكومة.
المادة 162 : يمكن لأعضاء المجلس الشعبي الوطني أن يوجهوا كتابة فقط، أي سؤال إلى أي عضو من الحكومة، و ينبغي لهذا العضو أن يجيب كتابة في ظرف خمسة عشر يوما (15).
يتم نشر نص الأسئلة و الأجوبة طبقا لنفس الشروط التي يخضع لها نشر محاضر مناقشات المجلس الشعبي الوطني.
المادة 163 : لرئيس الجمهورية أن يقرر، في اجتماع يضم الهيئة القيادية للحزب و الحكومة، حل المجلس الشعبي الوطني أو إجراء انتخابات مسبقة له.
تنظم الانتخابات التشريعية الجديدة في ظرف ثلاثة أشهر.
الفصل الرابع
الوظيفة القضائية
المادة 164 : يضمن القضاء للجميع، و لكل واحد، المحافظة المشروعة على حرياتهم و حقوقهم الأساسية.
المادة 165 : الكل سواسية أمام القضاء، و هو في متناول الجميع و تصدر أحكام القضاء وفقا للقانون وسعيا إلى تحقيق العدل و القسط.
المادة 166 : يساهم القــضاء في الدفاع عن مكتســـبات الــثـــورة الاشتراكية و حماية مصالحها.
المادة 167 : يصدر القضاء أحكامه باسم الشعب.
المادة 168 : سلطة إصدار الأحكام من اختصاص القضاة، و يمكن أن يعينهم في ذلك مساعدون شعبيون طبقا لأحكام القانون.
المادة 169 : تخضع العقوبات الجزائية إلى مبدأي الشرعية و الشخصية.
المادة 170 : تعلل الأحكام القضائية و ينطق بها في الجلسات العلانية.
المادة 171 : على كل أجهزة الدولة المختصة أن تقوم، في كل وقت و في كل مكان و في كل الظروف، بتنفيذ أحكام القضاء.
المادة 172 : لا يخضع القاضي إلا للقانون.
المادة 173 : يساهم القاضي في الدفاع عن الثورة الاشتراكية و حمايتها.
القاضي محمي من كل أشكال الضغوط و التدخلات و المناورات التي قد تضر بأداء مهمته أو تمس احترام نزاهته.
المادة 174 : القاضي مسؤول أمام المجلس الأعلى للقضاء عن كيفية قيامه بمهمته، و ذلك حسب الأشكال المنصوص عليها في القانون.
المادة 175 : القانون يحمي المتقاضي من أي تعسف أو أي انحراف قد يصدر عن القاضي.
المادة 176 : حق الدفاع معترف به.
حق الدفاع مضمون في القضايا الجزائية.
المادة 177 : يشكل المجلس الأعلى، في جميع مجالات القانون الهيئة المقومة لأعمال المجالس القضائية و المحاكم.
يضمن المجلس الأعلى توحيد الاجتهاد في العمل القضائي في جميع أنحاء البلاد و يسهر على احترام القانون.
المادة 178 : ينظر المجلس الأعلى في قضايا الطعن في النصوص التنظيمية.
المادة 179 : يحدد القانون كيفــية تنظـــيم المجلــس الأعلى و طرق تسييره و مجالات صلاحياته.
المادة 180 : مهمة المجلس الأعلى للقضاء تقديم الآراء إلى رئيس الجمهورية طبقا للأحكام و الحالات الواردة في المادة 182 من الدستور.
المادة 181 : يرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للقضاء.
يتولى وزير العدل نيابة رئاسة المجلس.
يحدد القانون تأليف المجلس الأعلــى للقــضاء و طــرق تسيـــيـــره و صلاحياته الأخرى.
المادة 182 : يبدي المجلس الأعلى للقضاء رأيا استشاريا قبل ممارسة رئيس الجمهورية حق العفو.
يقر المجلس الأعلى للقضاء، طبقا للأحكام التي يحددها القانون، تعيين القضاة و نقلهن و سير سلمهم الوظيفي، و يساهم في مراقبة انضباطهم.
الفصل الخامس
وظيفة المراقبة
المادة 183 : وظيفة المراقبة عامل رئيسي في مسيرة الثورة. و هي تندرج في التنظيم المنسجم الذي تتميز به الدولة الاشتراكية. و تمارس المراقبة في إطار منظم، و يترتب عنها الجزاء.
المادة 184 : تستهدف المراقبة ضمان تسيير حسن لأجهزة الدولة في نطاق احترام الميثاق الوطني و الدستور و قوانين البلاد.
مهمة المراقبة هي التحري في الظــروف التي يتــم فيــها استخــدام و تسيير الوسائـــل البـــشرية و الماديــة مــن طرف الأجــهــزة الإداريــة و الاقتصادية للدولة، و كذا تـــدارك النقــص و التقصــير و الانحراف، و التمكين من قمع الاختلاس و كل الأعمال الإجرامية ضد الثورة الوطنية، و بالتالي ضمان تسيير البلاد في إطار النظام و الوضوح و المنطق.
تستهدف المراقبة أخيرا، التحقق مــن التــطــابق بين أعمال الإدارة و التشريع و أوامر الدولة.
المادة 185 : تمارس المراقبة بواسطة مؤسسات وطنية ملائمة و بأجهزة دائمة للدولة.
تتحقق المراقبة، في مدلولها الشعبي، و استجابة لمتطلبات الديمقراطية الاشتراكية، من خلال المؤسسات المنتخبة على جميع المستويات : المجلس الشعبي الوطني، المجالس الشعبية للولايات، المجالس الشعبية للبلديات و مجالس العمال.
المادة 186 : تمارس الأجهزة القيادية في الحزب و الدولة، المراقبة السياسية المنوطة بها، و ذلك طبقا للميثاق الوطني و لأحكام الدستور.
تمارس الأشكال الأخرى للمراقبة، على جميع المستويات و القطاعات في إطار الأحكام الخاصة بهذا الشأن و الواردة في الدستور و التشريع.
المادة 187 : تقدم الحكومة في نهاية كل سنة مالية، إلى المجلس الشعبي الوطني عرضا حول استعمال الاعتمادات المالية التي أقرها بالنسبة للسنة المالية المعنية.
تختتم السنة المالية، على مستوى المجلس الشعبي الوطني بالتصويت على قانون يتحدد بمقتضاه ضبط ميزانية السنة المالية المنصرمة.
المادة 188 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني، في نطاق اختصاصاته، أن ينشئ، في أي وقت، لجنة تحقيق في أية قضية ذات مصلحة عامة.
يعين المجلس الشعبي الوطني أعضاء لجنة التحقيق من النواب.
يحدد القانون طرق تسيير هذه اللجنة.
المادة 189 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني أن يراقب المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها.
يحدد القانون طرق ممارسة المراقبة و كذا الإجراءات التي قد تترتب عن نتائجها.
المادة 190 : يؤسس مجلس محاسبة مكلف بالمراقبة اللاحقة لجميع النفقات العمومية للدولة و الحزب و المجموعات المحلية و الجهوية و المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها.
يرفع مجلس المحاسبة تقريرا سنويا إلى رئيس الجمهورية.
يحدد القانون قواعد تنظيم هذا المجلس و طرق تسييره و جزاء تحقيقاته.
الفصل السادس
الوظيفة التأسيسية
المادة 191 : لرئيس الجمهورية حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور في نطاق الأحكام الواردة في هذا الفصل.
المادة 192 : يقر المجلس الشعبي الوطني مشروع قانون التعديل الدستوري بأغلبية ثلثي أعضائه.
المادة 193 : إذا تعلق مشروع قانون التعديل بالأحكام الخاصة بتعديل الدستور، فمن الضروري أن يتم الإقرار بأغلبية ثلاثة أرباع المجلس الشعبي الوطني.
لا تسرى هذه الأحكام على المادة 195 من الدستور، التي لا تقبل أي تعديل.
المادة 194 : لا يمكن الشروع في إجراء أي تعديل أو مواصلته، إذا ما كان هناك مساس بسلامة التراب الوطني.
المادة 195 : لا يمكن لأي مشروع لتعديل الدستور أن يمس :
1. بالصفة الجمهورية للحكم.
2. بدين الدولة.
3. بالاختيار الاشتراكي.
4. بالحريات الأساسية للإنسان و المواطن.
5. بمبدأ التصويت عن طريق الاقتراع العام المباشر و السري.
6. بسلامة التراب الوطني.
المادة 196 : يصدر رئيس الجمهورية القانون المتعلق بالتعديل الدستوري.
الباب الثالث
أحكام مختلفة
المادة 197 : تتخذ الإجراءات التشريعية الضرورية تنصيب الهيئات المنصوص عليها في الدستور، بأوامر صادرة عن رئيس مجلس الثورة و رئيس مجلس الوزراء أثناء اجتماع لمجلس الثورة و مجلس الوزراء.
المادة 198 : لا يمس سريان مفعول الدستور بسلطات الهيئات القائمة ما دامت المؤسسات المماثلة لها و المنصوص عليها في الدستور لم تنصب بعد.
ملحق 1
قانون رقم 79-06 مؤرخ في 12 شعبان عام 1399هـ الموافق 7 يوليو ســنة 1979 يتـــضــمـن الــتعديل الدستوري.
إن رئيس الجمهورية،
- بعد الإطلاع على الأمر رقم 76-97 المؤرخ في 30 ذي القعدة عام 1396 الموافق 22 نوفمبر سنة 1976 و المتضمن إصدار دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- و بعد الإطلاع على الدستور، و لاسيما المواد 191 و 192 و 196 و 105 و 108 و 110 و 111-15 و 112 و 113 و 115 و 116 و 117 و 118 و 197 و 198 و 199.
- و بناء على ما أقره المجلس الشعبي الوطني.
يصدر القانون المتضمن التعديل الدستوري التالي نصه :
المادة الأولى : تعدل الفقرة الثالثة من المادة 105 من الدستور و تصاغ على النحو التالي.
" و يقترحه مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني وفقا لقانونه الأساسي".
المادة 2 : تعدل المادة 108 من الدستور و تصاغ على النحو التالي :
"المدة الرئاسية خمس (05) سنوات.
يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية ".
المادة 3: يضاف في آخر المادة IIO :
" والله على ما أقول شهيد "
المادة 4 : تعدل المادة 111( الفقرة15) من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يمكن له أن يفوض جزءا من صلاحياته إلى نائب أو نواب رئيس الجمهورية..." (والباقي بدون تغيير) .
المادة 5 : تعدل المادة 112 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين نائيا له أو أكثر يعينونه ويساعدونه في مهامه".
المادة 6 : " تعدل المادة 113 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة ومن بينهم وزيرا أول يساعده في تنسيق النشاط الحكومي وفي تطبيق للقرارات المتخذة في مجلس الوزراء.
ويمارس الوزير الأول اختصاصاته في نطاق الصلاحيات التي يفوضها إليه رئيس الجمهورية طبقا للمادة 111 ( الفقرة 15 ) من الدستور".
المادة 7 : تعدل المادة 115 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" نائب أو نواب رئيس الجمهورية ... " ( والباقي بدون تغيير ).
المادة 8 : تعدل المادة 116 من الدستور وتصاغ على النحو التالي:
" لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يفوض رئيس الجمهورية سلطته في تعيين نائب أو نواب رئيس الجمهورية .... أو إعفائهم من مهامهم ..."(و الباقي بدون تغيير )
المادة 9 : تعدل المادة 117 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير مزمن ، تجتمع اللجنة المركزية للحزب وجوبا ، وبعد التأكد من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الكفيلة بذلك ، تقترح بأغلبية ثلثي أعضائها على المجلس الشعبي الوطني التصريح بحالة المانع.
" يعلن المجلس الشعبي الوطني ثبوت مانع رئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي أعضائه، ويكلف رئيسه بأن يتولى رئاسة الدولة بالنيابة لمدة أقصاها خمسة و أربعون ( 45 ) يوما وأن يمارس صلاحياته مع مراعاة أحكام المادة 118 من الدستور.
و في حالة استمرار المانع، بعد انقضاء خمسة و أربعين ( 45 ) يوما، يعلن الشغور بالاستقالة بحكم القانون، حسب الطريقة المنصوص عليها أعلاه و طبقا لأحكام الفقرات التالية من هذه المادة.
" في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته، يجتمع المجلس الشعبي الوطني وجوبا و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
يتولى رئيس المجلس الشعبي الوطني، مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها خمســة و أربعون(45) يوما، تنظم خلالها انتخابات رئاسية.
و لا يحق لرئيس المجلس الشعبي الوطني أن يكون مرشحا لرئاسة الجمهورية.
يقترح مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني، المرشح لرئاسة الجمهورية طبقا لقانونه الأساسي.
يمارس رئيس الجمهورية المنتخب مهامه طبقا لأحكام المادة 108 من الدستور.
المادة 10 : تعدل الفقرتان الثانية و الثالثة من المادة 118 الدستور و تصاغان كما يلي :
" لا يمكن أثناء فترتي الخمسة و الأربعين (45) يوما، المشار إليها في الفقرتين الثانية و الخامسة من المادة 117 من الدستور.."(و الباقي بدون تغيير).
"لا يمكن أثناء نفس الفترتين، إنهاء مهام نائب أو نواب رئيس الجمهورية"..) (و الباقي بدون تغيير).
المادة 11 : تلغي المادتان 197 و 198 الدستور.
المادة 12 : تضاف إلى الدستور ( الباب الــثالث - أحكــام مختلفة) مادة 197 و تصاغ على النحو التالي :
"ينطبق الإجراء المنصوص عليه في المادة 108 (الفقرة الأولى) على المدة الرئاسية التي تعقب انعقاد المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني".
المادة 13 : تصبح المادة 199 هي المادة 198 من الدستور.
المادة 14 : ينشر هذا القانون المتضمن التعديل الدستوري في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
حــرر بالجــزائر في 12 شعبان عام 1399 الموافق 7 يـوليو سنة 1979.
الشاذلي بن جديد .
ملحق رقم 2
قانون رقم 80-01 مؤرخ في 24 صفر عام 1400 الموافق 12 ينايـــر سنة 1980 يتضمن التعديل الدستوري.
إن رئيس الجمهورية،
- بعد الإطلاع على الأمر رقم76-97 المؤرخ في 30 ذي القعدة عام 1396 الموافق 22 نوفمبر 1976 و المتضمن إصدار دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
و بعد الإطلاع على الدستور، و لاسيما المواد 190 و 191 و 192 و 196.
و بناء على ما أقره المجلس الشعبي الوطني.
يصدر القانون المتضمن التعديل الدستوري الآتي نصه :
المادة الأولى : تعدل الفقرة الأولى من المادة 190 من الدستور، كما يلي :
المادة 190 : "يؤسس مجلس محاسبة مكلف بمراقبة مـالـية الدولة و الحزب و المجموعات المحلية و المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها".
(الباقي بدون تغيير)
المادة 2 : ينشر هذا القانون المتضمن التعديل الدستوري في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
حــرر بالجزائر في 24 صفر عـام 1400 الموافـق 12 ينـاير سنة 1980
الشاذلي بن جديد.

spisos
12-03-2009, 11:09
رد إلى مريومة 87:

هاذا الدستور يفيدك كثيرا في بحثك...خذي منه بعض النقاط المهمة المتعلقة بالتنظيم السياسي و الإيداري:


الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
دستور 1976

تـمـهـيد
لقد استعاد الشعب الجزائري استقلاله بعد كفاح طويل، و حرب تحريرية خاضها بقيادة جبهة التحرير الوطني و جيش التحرير الوطني، فكانت حربا ضارية سيخلدها التاريخ ملحمة من ملاحمه الكبرى التي ميزت انبعاث شعوب العالم الثالث. و منذ الاستقلال اندفع الشعب الجزائري بكل حزم، في بناء الدولة و تشييد مجتمع جديد، أساسه القضاء على استغلال الإنسان للإنسان، و غايته ازدهار شخصية الفرد و ترقية الجماهير الشعبية، في إطار الاختيار الاشتراكي.
إن المصادقة الشعبية على الميثاق الوطني في استفتاء 27 يونيو 1976، قد أتاحت من جديد، فرصة أخرى، للثورة الجزائريــة كــي تحـدد مذهبها و ترسم استراتيجيتها على ضوء الاختيار الاشتراكي الذي لا رجــعــة فيه. و من هنا ينطلق الشعب الجزائري في مسيرته نحو الرقي، و هو يتصور بوضوح المجتمع الذي يعتزم تشييده.
و يمثل الدستور أحد الأهداف الكبرى المسطرة في الميثاق الوطني. فإعـداده و تطبيقه استمرار و تتمة لذلك العمل الذي تواصل، دون كلل، منذ التصحيح التاريخي في 19 يونيو 1965، من أجل أن تقيم الأمة دولة منظمة على أساس عصري ديمقراطي، و في سبيل ترجمة الأفكار التقدمية إلى إنجازات ملموسة نطبع الحياة اليومية، و تدفع محتوى الثورة الشعبية، بما تخلقه من حركية في الفكر و العمل، نحو الارتباط النهائي بالاشتراكية.
و تقوم دعائم الدولة الجزائرية التي استعادت كامل سيادتها، على مشاركة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية و خوضها النضال من أجل التنمية التي تستهدف خلق القاعدة المادية للاشتراكية، بعد أن تم تحرير الاقتصاد الوطني من كل تسلط إمبريالي. و بهذا يعمل الشعب الجزائري في جميع الميادين، كل يوم أكثر، لتوسيع جبهة نضاله، و تعزيز مسيرته نحو الرقي الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي.
إن الجزائر تحتل اليوم مكانة بارزة على المستوى الدولي، بفضل الإشعاع العالمي لثورة فاتح نوفمبر 1954. و بفضل الاحترام الذي استطاعت بلادنا أن تكتسبه بوقوفها إلى جانب القضايا العادلة في العالم. كما أنها قد فرضت نفسها، بما بذلته، على المستوى الداخلي، من جهد جاد يتمثل في التنظيم و التنمية، ذلك الجهد الذي يتميز بتوخي العدالة في توزيع الدخل القومي و استخدامه، وبالسعي لترقية الجماهير التي عانت الاستغلال الاستعماري، و مظالم النظام الموروث عن الماضي، أكثر من غيرها.
إن تنظيم مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي سيحدد للحزب قوانينه الأساسية و يعطيه هيئاته القيادية، لتتويج لهذا الجهد المبذول من أجل إقامة مؤسسات للأمة "تخلد بعد الأحداث و زوال الرجال" كما جاء في بيان 19 يونيو 1965.
و هكذا يتم الوفاء، على أكمل وجه، بالعهد المشهود الذي أخذ أمام الشعب يوم 19 يونيو 1965، في ظل استمرار و توطيد المثل النبيلة التي كانت منذ البداية، محركا لثورة الأول من نوفمبر 1954 العظيمة.
الباب الأول

المبادئ الأساسية لتنظيم المجتمع الجزائري

الفصل الأول
الجمهورية

المادة 1 : الجزائر جمهورية ديمقراطية شعبية، و هي وحدة لا تتجزأ. الدولة الجزائرية دولة اشتراكية.
المادة 2 : الإسلام دين الدولة.
المادة 3 : اللغة العربية هي اللغة الوطنية و الرسمية.
تعمل الدولة على تعميم استعمال اللغة الوطنية في المجال الرسمي.
المادة 4 : عاصمة الجمهورية مدينة الجزائر.
النشيد الوطني و خاصيات العلم و خاتم الدولة، يحددها القانون.
المادة 5 : السيادة الوطنية ملك للشعب، يمارسها عن طريق الاستفتاء أو بواسطة ممثليه المنتخبين.
المادة 6 : الميثاق الوطني هو المصدر الأساسي لسياسة الأمة و قوانين الدولة.
و هو المصدر الإيديولوجي و السياسي المعتمـــد لـمؤسسات الــحزب و الدولة على جميع المستويات.
الميثاق الوطني مرجع أساسي أيضا لأي تأويل لأحكام الدستور.
المادة 7 : المجلس الشعبي هو المؤسسة القاعدية للدولة، و الإطار الذي يتم فيه التعبير عن الإرادة الشعبية و تتحقق فيه الديمقراطية.
كما أنه القاعدة الأساسية للامركزية و لمساهمة الجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية على جميع المستويات.
المادة 8 : تمثل المجالس الشعبية المنتخبة، بحكم محتواها البشري، القوى الاجتماعية للثورة.
تتكون الأغلبية، ضمن المجالـــس الــشعبية المنتــخــبة، من العمال و الفلاحين
يعتبر عاملا كل شخص يعيش من حاصل عمله الـيدوي أو الــفكري و لا يستخدم لمصلحته الخاصة غيره من العمال أثناء ممارسة نشاطه المهني.
المادة 9 : يجب أن تتوفر في ممثلي الشعب مقايــيس الكــفاءة و النــزاهــة و الالتزام يتنافى تمثيل الشعب مع الثراء أو امتلاك مصالح مالية.
الفصل الثاني
الاشتراكية
المادة 10 : الاشتراكية اختيار الشعب الذي لا رجعة فيه، كما عبر عن ذلك بكامل السيادة في الميثاق الوطني. و هي السبيل الوحيد الكفيل باستكمال الاستقلال الوطني.
مفهوم الاشتراكية، طبقا لما ورد في الميثاق الوطني نصا و روحا، هو تعميق لثورة فاتح نوفمبر 1954 و نتيجة منطقية لها.
الثورة الجزائرية ثورة اشتراكية تستهدف إزالة استغلال الإنسان للإنسان، شعارها : "من الشعب و إلى الشعب".
المادة 11 : تتوخى الاشتراكية تحقيــق تطــور البلاد، و تحويـل العمال و الفلاحين إلى منتخبين واعين و مسئولين، و نــشر الــعدالة الاجتماعية، و توفير أسباب تفتح شخصية المواطن.
تحدد الثورة الاشتراكية خطوط عملها الأساسية للتعجيل بترقية الإنسان إلى مستوى من العيش يتلاءم و ظروف الحياة العصرية، و تمكين الجزائر من إرساء قاعدة اجتماعية اقتصاديــة متحررة مــن الاستغلال و التخلف.
سيحظى النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ترتكز عليه الاشتراكية بالتطوير المستمر، بحيث يستفيد من مزايا الرقى العلمي و التقني.
المادة 12 : ترمي الاشتراكية إلى تحقيق أهداف ثلاثة :
1- دعم الاستقلال الوطني .
2- إقامة مجتمع متحرر من استغلال الإنسان للإنسان.
3- ترقية الإنسان و توفير أسباب تفتح شخصيته و ازدهارها.
و تعود إلى مؤسسات الحزب و الدولة مهمة تحقيق هذه الأهداف المتكاملة المتلازمة.
المادة 13 : يشكل تحقيق اشتراكية وسائل الإنتاج قاعدة أساسية للاشتراكية، و تمثل ملكية الدولة أعلى أشكال الملكية الاجتماعية.
المادة 14 : تحدد ملكية الدولة بأنها الملكية المحوزة من طرف المجموعة الوطنية التي تمثلها الدولة.
و تـشـمل هــذه الملكية، بكيفية لا رجعة فيها : الأراضي الرعوية، و الأراضي المؤممة، زراعية كانت أو قابلة للزراعة، و الغابات، و المياه، وما في باطن الأرض، و المنــاجم، و المـقالع، و المصادر الطبيعية للطاقة، و للثروات المعدنية الطبيعية و الحيّة للجرف القاري و للمنطقة الاقتصادية الخاصة.
تعد أيضا أملاكا للدولة بشكل لا رجعة فيه، كل المؤسسات و البنوك و مؤسسات التأمين و المنشآت المؤممة، و مؤسسات النقل بالسكك الحديدية و النقل البحري و الجوي، و الموانئ، و وسائل المواصلات و البريد و البرق و الهاتف، و التلفزة و الإذاعة، و الوسائل الرئيسية للنقل البري، و مجموع المصانع و المؤسسات و المنشآت الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي أقامتها الدولة أو تقيمها أو تطورها، أو التي اكتسبتها أو تكتسبها.
يـشـمل احتكار الدولة، بصفة لا رجعة فيها، التجارة الخارجية و تجارة الجملة.
يـمـارس هـذا الاحتكار في إطـار الـقـانون.
المادة 15 : على المؤسسات الاشتراكية التي تكلفها الدولة باستثمار أو استغلال أو تنمية جزء من ممتلكاتها أن تذكر في موازنتها وفقا لأحكام القانون، قيمة الأصول المعادلة لقيمة الممتلكات الموضوعة تحت تصرفها.
يتم استخلاف قيمة هذه الأصول، و عند الاقتضاء إعادة تقييمها، حسب القواعد و الطرق المحددة في التشريع.
المادة 16 : الملكية الفردية ذات الاستعمال الشخصي أو العائلي مضمونة.
الملكية الخاصة غير الاستغلالية، كما يعرفها القانون، جزء لا يتجزأ من التنظيم الاجتماعي الجديد.
الملكية الخاصة، لا سيما في الميدان الاقتصادي، يجب أن تساهم في تنمية البلاد و أن تكون ذات منفعة اجتماعية. و هي مضمونة في إطار القانون.
حـق الإرث مـضـمـون.
المادة 17 : لا يتم نزع الملكية إلا في إطار القانون.
و يترتب عنه أداء تعويض عادل و منصف.
لا تجوز معارضة إجراء نزع الملكية للصالح العام بحجة أية اتفاقية دولية.
المادة 18 : تشكل الثورة الثقافية و الثورة الزراعـية و الـثورة الــصــناعية، و التوازن الجهوي، و الأساليب الاشتراكية للتسيير، المحاور الأساسية لبناء الاشتراكية.
المادة 19 : تستهدف الثورة الثقافية على الخصوص :
أ) التأكيد على الشخصية الوطنية و تحقيق التطور الثقافي.
ب) رفع مستوى التعليم و مستوى الكفاءة التقنية للأمة.
جـ) اعتماد أسلوب حياتي ينسجم مع الأخلاق الإسلامية و مبادئ الثورة الاشتراكية مثلما يحددها الميثاق الوطني.
د) حفز الجماهير لتعبئها و تنظيمها للكفاح من أجل التطوير الاجتماعي و الاقتصادي للبلاد و الدفاع عن مكاسب الثورة الاشتراكية.
هـ) ضمان اكتساب وعي اجتماعي و القيام بعمل ملائم كفيل بتغيير البنايات البالية و المجحفة في المجتمع.
و) مكافحة الآفات الاجتماعية و مساوئ البيروقراطية.
ز) القضاء على السلوك الإقطاعي، و الجهوية، و مــحاباة الأقارب، و كل الانحرافات المضادة للثورة.
المادة 20 : تخلق الثورة الزراعية نموذجا جديدا لمجتمع ينبئ بجزائر تتطور كل جهاتها من مدن و أرياف، بكيفية منسجمة.
تستهدف الثورة الزراعية :
أ) تقويض الأركان المادية و المفاهيم المعادية للمجتمع، المتمثلة في استغلال الإنسان للإنسان.
ب) تحطيم قيود النظام الاقتصادي البائد القائم على التعبئة و الاستغلال.
جـ) بناء العلاقات الاجتماعية في الوسط الريفي على قواعد جديدة.
د) محو الفوارق بين المدن و الأرياف و خاصة ببناء القرى الاشتراكية.
هـ) جعل العمل المنتج قاعدة أساسية للنظام الاقتصادي و الاجتماعي في الأرياف.
المادة 21 : تستهدف الثورة الصناعية، بالإضافة إلى الإنماء الاقتصادي، تغيير الإنسان و رفع مستواه التقني و العلمي و إعادة تشكيل بنية المجتمع و هي تعمل في نفس الوقت على تحويل وجه البلاد.
تندرج الثورة الصناعية ضمن منظور اشتراكي يعطيها مدلولها العميــق و أبعادها السياسية.
المادة 22 : سياسة التوازن الجهوي اختيار أساسي. و هي ترمي إلى محو الفوارق الجهوية، و بالدرجة الأولى، إلى ترقية البلديات الأكثر حرمانا من أجل تأمين تنمية وطنية منسجمة.
المادة 23 : تشكل الأساليب الاشتراكية لتسيير المؤسسات عاملا لترقية العمال. و هم يتحملون، بمساهمتهم في التسيير، مسئوليات حقيقية بوصفهم منتجين واعين حقوقهم و واجباتهم.
المادة 24 : يرتكز المجتمع على العمل، و ينبذ التطفل نبذا جذريا، و يحكمه المبدأ الاشتراكي القائل : " من كل حسب مقدرته و لكل حسب عمله".
العمل شرط أساسي لتنمية البلاد، و هو المصدر الذي يضمن به المواطن وسائل عيشه.
يتم توظيف العمل حسب متطلبات الاقتصاد و المجتمع، و طبقا لاختيار العامل، و بناء على قدراته و مؤهلاته.
الفصل الثالث

الدولة

المادة 25 : تمارس سيادة الدولة الجزائرية على مجموع ترابهــا الوطــني، و على مجالها الجوي، و على مياهها الإقليمية.
كما تمارس سيادة الدولة على كل الوارد المختلفة الموجودة على كل سطح جرفها القاري أو في باطنه، و في منطقتها الاقتصادية الخاصة بها.
المادة 26 : تستمد الدولة سلطتها من الإرادة الشعبية.
و هي في خدمة الشعب وحده. و تستمد علة وجودها، و فاعليتها من تقبل الشعب لها.
المادة 27 : الدولة ديمقراطية في أهدافها و في تسييرها.
إن المساهمة النشيطة للشعب في التشييد الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي، و في تسيير الإدارة و مراقبة الدولة، هي ضرورة تفرضها الثورة.
المادة 28 : هدف الدولة الاشتراكية الجزائرية هو التغيير الجذري للمجتمع، على أساس مبادئ التنظيم الاشتراكي.
المادة 29 :تعمل الدولة على تغيير علاقات الإنتاج، و تسيير الاقتصاد الوطني، و تضمن تنمية على أساس تخطيط علمي المفهوم، ديمقراطي التصميم، حتمي التنفيذ.
تنظم الدولة الإنتاج و تحدد توزيع الدخل القومي، و هي العنصر الأساسي في تحويل الاقتصاد و مجموع العلاقات الاجتماعية.
المادة 30 : يجب أن يضمن المخطط الوطني التنمية المتكاملة و المنسجمة لكل جهات البلاد و في كل قطاعات النشاط، و يحقق استخداما فعالا لكل القوى المنتجة، و مزيدا للدخل القومي، و توزيعه توزيعا عادلا، و كذلك رفع مستوى حياة الشعب الجزائري.
المادة 31 : يتم إعداد المخطط الوطني بكيفية ديمقراطية.
يساهم الشعب في ذلك بواسطة مجالسه المنتخبة على المستوى البلدي و الولائي، و الوطني، و بواسطة مجالس العمال و المنظمات الجماهيرية.
يخضع تطبيق المخطط الوطني لمبدأ اللامركزية مع مراعاة التنسيق المركزي على مستوى الهيئات العليا للحزب و الدولة.
المادة 32 : تنشئ الدولة، لتسيير ممتلكات المجموعة الوطنية، مؤسسات يتلاءم تطور نشاطها مع مصالح الشعب و أهداف المخطط الوطني.
تحقق المؤسسات، طبقا لاتجاهات المخطط الوطني، تراكما ماليا لصالح الممتلكات الموضوعة تحت تصرفها، و لصالح المجموعة الوطنية.
المادة 33 : الدولة مسؤولة عن ظروف حياة كل مواطن.
فهي تكفل استيفاء حاجياته المادية و المعنوية، و بخاصة متطلباته المتعلقة بالكرامة و الأمن.
و هـي تستهـدف تـحرير المواطن من الاستغلال و البطـالـة و المرض و الجهل.
تتـكفـل الـدولـة بـحـمايـة مواطنـيها في الخارج.
المادة 34 : يستند تنظيم الدولة إلى مبدأ اللامركزية القائم على ديمقراطية المؤسسات و المشاركة الفعلية للجماهير الشعبية في تسيير الشؤون العمومية.
المادة 35 : تعتمد سياسة اللامركزية على توزيع حكيم للصلاحيات و المهام حسب تقسيم منطقي للمسئولية داخل إطار وحدة الدولة.
تستهدف سياسة اللامركزية منح المجموعات الإقليمية الوسائل البشـرية و المادية، و المسئولية التي تؤهلها للقيام بنفسها بمهام تنمية المنطقة التابعة لها كمجهود مكمل لما تقوم به الأمة.
المادة 36 : المجموعات الإقليمية هي الولاية و البلدية.
البلدية هي المجمــوعة الإقليـمـية السياسية و الإدارية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في القاعدة. الـتـنظيـم الإقليمي و التقـسيم الإداري للبلاد خاضعان للقانون.
المادة 37 : ليست وظائف الدولة امتيازا بل هي تكليف.
على أعوان الدولة أن يأخذوا بعين الاعتبار مصالح الشعب و المنفعة العامة ليس غير، و لا يمكن بحال من الأحوال، أن تصبح ممارسة الوظائف العمومية مصدرا للثراء، و لا وسيلة لخدمة المصالح الخاصة.
المادة 38 : تتاح المسئوليات في الدولة للمواطنين الذين تتوفر فيهم مقاييس الكفاءة و النزاهة و الالتزام، و يعيشون من أجرتهم ليس غير، و لا يتعاطون، بصفة مباشرة أو عن طريق وسطاء، أي نشاط آخر يدر عليهم مالا.
الفصل الرابع
الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و المواطن

المادة 39 : تضمن الحريات الأساسية و حقوق الإنسان و المواطنين.
كل المواطنين متساوون في الحقوق و الواجبات.
يلغى كل تمييز قائم على أحكام مسبقة تتعلق بالجنس أو العرق أو الحرفة.
المادة 40 : القانون واحد بالنسبة للجميع، أن يحمي أو يكره أو يعاقب.
المادة 41 : تكفل الدولة المساواة لكل المواطنين، وذلك بإزالة العقبات ذات الطابع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي التي تحد في الواقع من المساواة بين المواطنين و تعق أزدها الإنسان، و تحول دون المشاركة الفعلية لكل المواطنين في التنظيم السياسي، و الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي.
المادة 42 : يضمن الدستور كل الحقوق السياسية و الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية للمرأة الجزائرية.
المادة 43 :الجنسية الجزائرية معرفة بالقانون.
شروط اكتساب هذه الجنسية والاحتفاظ بها أو فقدها أو إسقاطها، محددة بالقانون.
المادة 44 : وظـائـف الــدولة و المؤسسات التابعة لها متاحة لكل المواطنين، و هي في متناولهم بالتساوي و بدون أي شرط ماعدا الشروط المتعلقة بالاستحقاق و الأهلية.
المادة 45 : لا تجريم إلا بقانون صادر قبل ارتكاب العمل الإجرامي.
المادة 46 : كل فرد يعتبر بريئا، في نظر القانون، حتى يثبت القضاء إدانته طبقا للضمانات التي يفرضها القانون.
المادة 47 : يترتب عن الخطأ القضائي تعويض من الدولة.
يحدد القانون ظروف التعويض و كيفيته.
المادة 48 : تضمن الدولة حصانة الفرد.
المادة 49 : لا يجوز انتهاك حرمــة حـياة المواطن الـخاصــة و لا شرفــه، و القانون يصونهما.
سرية المراسلات و المواصلات الخاصة بكل إشكالها مضمونة.
المادة 50 : تضمن الدولة حرمة السكن. لا تفتيش إلا بمقتضى القانون و في حدوده.
لا تفتيش إلا بأمر مكتوب صادر عن السلطة القضائية المختصة.
المادة 51 : لا يتابع أحد و لا يلقى عليه القبض أو يحبس إلا في الحالات المحددة بالقانون و طبقا للإشكال التي نص عليها.
المادة 52 : في مادة التحريات الجزائية، لا يمكن أن تتجاوز مدة التوقيف للنظر 48 ساعة.
لا يمكن تمديد مدة التوقيف للنظر إلا بصفة استثنائية و وفقا للشروط المحددة بالقانون.
عند انتهاء مدة التوقيف للنظر يلزم إجراء فحص طبي على الشخص الموقوف إن طلب ذلك، على أن يعلم بإمكانية هذا الإجراء.
المادة 53 : لا مساس بحرية المعتقد و لا بحرية الرأي.
المادة 54 : حرية الابتكار الفكري و الفني و العلمي للمواطن مضمونة في إطار القانون.
حرية التأليف محمية بالقانون.
المادة 55 : حرية التعبير والاجتماع مضمونة، و لا يمكن التذرع بها لضرب أسس الثورة الاشتراكية.
تمارس هذه الحرية مع مراعاة أحكام المادة 73 من الدستور.
المادة 56 : حرية إنشاء الجمعيات معترف بها، و تمارس في إطار القانون.
المادة 57 : لكل مواطن يتمتع بكامل حقوقه المدنية و السياسية، حق التنقل بكل حرية في أي ناحية من التراب الوطني.
حق الخروج من التراب الوطني مضمون في نطاق القانون.
المادة 58 : يعد كل مواطن تتوفر في الشروط القانونية، ناخبا و قابلا للانتخاب عليه.
المادة 59 : حق العمل مضمون طبقا للمادة 24 من الدستور.
يمارس العامل وظيفته الإنتاجية باعتبارها واجبا و شرفا.
الحق في أخذ حصة من الدخل القومي مرهون بإلزامية العمل.
تخضع الأجور للمبدأ القائل : " التساوي في العمل يستلزم التساوي في الأجر"، و تحدد طبقا لنوعية العمل المنجز فعلا و لحجمه.
السعي وراء تحسين الإنتاجية هدف دائم للمجتمع الاشتراكي.
يمكن أن يتم التشجيع على العمل و الإنتاجية بواسطة حوافز معنوية، و بنظام ملائم قائم على الترغيب المادي، سواء على المستوى الجماعي أو الفردي.
المادة 60 : حق الانخراط في النقابة معترف به لجميع العمال، و يمارس في إطار القانون.
المادة 61 : تخضع علاقات العمل في القطاع الاشتراكي لأحكـام الـقــوانـين و التنظيمات المتعلقة بالأساليب الاشتراكية للتسيير.
في القطاع الخاص، حق الإضراب معترف به، و ينظم القانون ممارسته.
المادة 62 : تضمن الدولة أثناء العمل الحق في الحماية، و الأمن و الوقاية الصحية.
المادة 63 : الحق في الراحة مضمون.
يحدد القانون كيفية ممارسته.
المادة 64 : تكفل الدولة، في نطاق القانون، ظروف معيشة المواطنين الذين لم يبلغوا بعد سن العمل و الذين لا يستطيعون القيام به، و الذين عجزوا عنه نهائيا.
المادة 65 : الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، و تحظى بحماية الدولــة و المجتمع.
تحمي الدولة الأمومة، و الطفولة، و الشبيبة، و الشيخوخة، بواسطة سياسة و مؤسسات ملائمة.
المادة 66 : لكل مواطن الحق في التعلم.
* التعليم مجاني و هو إجباري بالنسبة لمدة المدرسة الأساسية في إطار الشروط المحددة بالقانون.
* تضمن الدولة التطبيق المتساوي لحق التعليم.
* تنظم الدولة التعليم.
* تــسـهر الـدولة علـى أن تكـــون أبواب التعليم و التكوين المهني و الثقافة مفتوحة بالتساوي أمام الجميع.
المادة 67 : لكل المواطنين الحق في الرعاية الصحية.
و هذا الحق مضمون عن طريق توفير خدمات صحية عامة و مجانية، و بتوسيع مجال الطب الوقائي، و التحسين الدائم لظروف العيش و العمل، و كذلك عن طريق ترقية التربية البدنية و الرياضية و وسائل الترفيه.
المادة 68 : يحظى كل أجنبي يقيم بصفة قانونية على التراب الوطني، بالحماية المخولة للأفراد و الأموال، طبقا للقانون و مراعاة لتقاليد الشعب الجزائري في الضيافة.
المادة 69 : لا يسلم أحد خارج التراب الوطني إلا بناء على قانون تسليم المجرمين وتطبيقا لأحكامه.
المادة 70 : لا يمكن بحال من الأحوال تسليم أو رد لاجئ سياسي يتمتع قانونا بحق اللجوء.
المادة 71 : يعاقب القانون على المخالفات المرتكبة ضد الحقوق و الحريــات و على كل مساس بالسلامة البدنية أو المعنوية للإنسان.
المادة 72 : يعاقب القانون على التعسف في استعمال السلطة.
تضمن الدولة مساعدة المواطن من أجل الدفاع عن حريته و حصانة ذاته.
المادة 73 : يحدد القانون شروط إسقاط الحقوق و الحريات الأساسية لكل من يستعملها قصد المساس بالدستور أو بالمصالح الرئيسية للمجموعة الوطنية، أو بوحدة الشعب و التراب الوطني، أو بالأمن الداخلي و الخارجي للدولة، أو بالثورة الاشتراكية.
الفصل الخامس

واجبات المواطن
المادة 74 : على كل شخص احترام الدستور، والامتثال لقوانــين الجمهورية و تنظيماتها.
لا يعذر أحد بجهل القانون.
المادة 75 : يجب على كل مواطن أن يحمي، بعمله و سلوكه، الملكية العمومية و مصالح المجموعة الوطنية، و يحترم مكتسبات الثورة الاشتراكية، و يعمل حسب مقدرته لرفع مستوى معيشة الشعب.
المادة 76 : التزام المواطن إزاء الوطن و مساهمته في الدفاع عنه من واجباته الدائمة.
على كل مواطن أن يؤدي بإخلاص واجباته تجاه المجموعة الوطنية.
المادة 77 : على كل مواطن حماية و صــيانة استقلال الوطن و سيــادتــه و سلامة ترابه.
يعاقب القانون بكل صرامة، على الخيانة و التجسس و الالتحاق بالعدو، و على كل الجرائم المرتكبة ضد أمن الدولة.
المادة 78 : كل المواطنين متساوون في أداء الضريبة. و على كل واحد أن يساهم، حسب إمكانياته، و في إطار القانون، في النفقات العمومية، لسد الحاجيات الاجتماعية للشعب و لتنمية البلاد و الحفاظ على أمنها.
لا يجوز إحداث أية ضريبة، أو جباية، أو رسم أو أي حق، بأثر رجعي.
المادة 79 : ينص القانون على واجب الآبــاء في تربيــة أبنائهــم و حمايتهم و على واجب الأبناء في معاونة آبائهم و مساعدتهم.
المادة 80 : على كل مواطن أن يتحلى بالانضباط المدني و يحترم حقوق الآخرين و حرياتهم و كرامتهم.
المادة 81 : على المرأة أن تشارك كامـل المشـاركة في التشييــد الاشتراكي و التنمية الوطنية.
الفصل السادس
الجيش الوطني الشعبي
المادة 82 : تتمثل المهمة الدائمة للجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني و درع الثورة، في المحافظة على استقلال الوطن و سيادته، و القيام بتأمين الدفاع عن الوحدة الترابية للبلاد و سلامتها، و حماية مجالها الــجوي و مســاحتها الترابية و مياهها الإقليمية و جرفها القاري و منطقتها الاقتصادية الخاصة بها.
يساهم الجيش الوطني الشعبي، باعتباره أداة الثورة في تنمية البلاد و تشييد الاشتراكية.
المادة 83 : العنصر الشعبي عامل حاسم في الدفاع الوطني.
الجيش الوطني الشعبي هو الجهاز الدائم للدفاع، الذي يتمحور حوله تنظيم الدفاع الوطني و دعمه.
المادة 84 : الخدمة الوطنية واجب و شرف.
لقد تأسست الخدمة الوطنية، تلبية لمتطلبات الدفاع الوطني و تأمين الترقية الاجتماعية و الثقافية لأكبر عدد ممكن، و للمساهمة في تنمية البلاد.
المادة 85 : يحظى المجاهدون و أولو الحق من ذويهم بحماية خاصة من طرف الدولة.
ضمان الحقوق الخاصة بالمجاهدين و أولي الحق من ذويهم، و الحفاظ على كرامتهم، فرض على الدولة و المجتمع.
الفصل السابع
مبادئ السياسة الخارجية

المادة 86 : تتبنى الجمهورية الجزائرية المبادئ و الأهداف التي تتضمنها مواثيق الأمم المتحدة و منظمة الوحدة الإفريقية و الجامعة العربية.
المادة 87 : تندرج وحدة الشعوب العربية في وحدة مصير هذه الشعوب.
تلتزم الجزائر، كلما تهيأت الظروف الملائمة لقيام وحدة مبنية على تحرير الجماهير الشعبية، باعتماد صيغ للوحدة أو للاتحاد أو للاندماج، كفيلة بالتلبية الكاملة للمطامح المشروعة و العميقة للشعوب العربية.
وحدة الشعوب المغربية المستهدفة صالح الجماهير الشعبية، تتجسد كاختيار أساسي للثورة الجزائرية.
المادة 88 : تحقيق أهداف منظمة الوحدة الإفريقية و تشجيع الوحدة بين شعوب القارة يشكلان مطلبا تاريخيا و يندرجان كخط دائم في سياسة الثورة الجزائرية.
المادة 89 : تمتنع الجمهورية الجزائرية، طبقا لمواثيق الأمم المتحدة و منظمة الوحدة الإفريقية و الجامعة العربية، عن الالتجاء إلى الحرب قصد المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى و حريتها.
و تبذل جهدها لحل النزاعات الدولية بالطرق السلمية.
المادة 90 : وفاء لمبادئ عدم الانحياز و أهدافه، تناضل الجزائر من أجل السلم، و التعايش السلمي، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
المادة 91 : لا يجوز البتة، التنازل عن أي جزء من التراب الوطني.
المادة 92 : يشكــل الكفــاح ضــد الاستعمار، و الاستعمار الجديد، و الإمبريالية، و التمييز العنصري، محورا أساسيا للثورة.
يشكل تضامن الجزائر مع كل الشعوب في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية، في كفاحها من أجل تحررها السياسي و الاقتصادي، من أجل حقها في تقرير المصير و الاستقلال، بعدا أساسيا للسياسة الوطنية.
المادة 93 : يشكل دعم التعاون الدولي و تنمية العلاقات الودية بين الدول، على أساس المساواة، و المصلحة المتبادلة، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية، مبدأين أساسيين للسياسة الوطنية.
الباب الثاني
السلطة و تنظيمها

الفصل الأول
الوظيفة السياسية

المادة 94 : يقوم النظام التأسيسي الجزائري على مبدأ الحزب الواحد.
المادة 95 : جبهة التحرير الوطني هي الحزب الواحد في البلاد.
جبهة التحرير الوطني هي الطليعة المؤلفة من المواطنين الأكثر وعيا، الذين تحدوهم المثل العليا للوطنية و الاشتراكية، و الذين يتحدون بكل حرية ضمنها، طبقا للشروط المنصوص عليها في القوانين الأساسية للحزب.
مناضلو الحزب المختارون على الخصوص من بين العمال، و الفلاحين و الشباب، يصبون إلى تحقيق هدف واحد و إلى مواصلة عمل واحد غايته القصوى انتصار الاشتراكية.
المادة 96 : مؤسسات الحزب و كيفية تسييرها محددة بالقوانين الأساسية لجبهة التحرير الوطني.
المادة 97 : جبهة التحرير الوطني هي القـــوة الطلائــعيــة لقيــادة الشعب و تنظيمه من أجل تجسيم أهداف الثورة الاشتراكية.
تشكل جبهة التحرير الوطني دليل الثورة الاشتراكية و القوة المسيرة للمجتمع. و هــي أداة الـثــورة الاشتراكية في مــجـالات الــقـيـادة و التخطيط و التنشيط.
تسهر جبهة التحرير الوطني على التعبئة الدائمة للشعب، و ذلك بالتربية العقائدية للجماهير و تنظيمها و تأطيرها من أجل تشييد المجتمع الاشتراكي.
المادة 98 : تتجسد قيادة البلاد في وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولة.
و في إطار هذه الوحدة، فإن قيادة الحزب هي التي توجه السياسة العامة للبلاد.
المادة 99 : ترتكز المؤسسات السياسية المنتخبة، في جميع المستويات، على مبدأ الجماعية في المداولة، و الأغلبية في القرار، و الوحدة في التنفيذ.
يتطلب تطبيق هذا المبدأ، على نطاق المؤسسات الحزبية، الوحدة في العقيدة و الإرادة، و الانسجام في العمل.
المادة 100 : المنظمات الجماهيرية، بإشراف الحزب و مراقبته، مكلفة بتعبئة أوسع فئات الشعب لتحقيق كبريات المهام السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي تتوقف عليها تنمية البلاد و النجاح في بناء الاشتراكية.
المــنـظمات الجــمــاهيرية مكلفة، دون غيرها، بمهمة تنظيم العمال و الفلاحين و الشباب و النــسـاء، و العمل على تعميق وعيهم لمسئولياتهم و للدور المتعاظم الذي يجب أن يضطلعوا به في بناء الوطن.
المادة 101 : تعمل أجهزة الحزب و أجهزة الـــدولة في إطــارين منــفصلين و بوسائل مختلفة من أجل تحقيق أهداف واحدة.
لا يمكن أن تتداخل اختصاصات كل منهما أو تختلط ببعضها.
يقوم التنظيم السياسي للبلاد على التكامل في المهام بين أجهزة الحزب و أجهزة الدولة.
المادة 102 : الوظائف الحاسمة في الدولة تسند إلى أعضاء من قيادة الحزب.
المادة 103 : العلاقات بيت أجهزة الحزب و أجهزة الدولة خاضعة لأحكام الدستور.
الفصل الثاني
الوظيفة التنفيذية

المادة 104 : يضطلع بقيادة الوظيفة التنفيذية رئيس الجمهورية، و هو رئيس الدولة.
المادة 105 : ينتخب رئيس الجمهورية عن طريــق الاقتراع الـــعام المباشر و السري.
يتم انتخاب المرشح بالأغلبية المطلقة من الناخبين المسجلين.
يقترح المرشح من طرف جبهة التحرير الوطني، و يمارس مؤتمرها مباشرة هذه الصلاحية ابتداء من انعقاد أول مؤتمر لها اثر دخول هذا الدستور حيز التنفيذ.
يحدد القانون الإجراءات الأخرى للانتخابات الرئاسية.
المادة 106 : يمارس رئيس الجمهورية السلطة السامية في النطاق المبيّن في الدستور.
المادة 107 : لا يؤهل أن ينتخب لرئاسة الجمهورية إلا من كانت له الجنسية الجزائرية أصلا، و يدين بالإسلام، و قد بلغ من العمر أربعين سنة (40) كاملة يوم الانتخاب، و يتمتع بكامل حقوقه المدنية و السياسية.
المادة 108 : المدة الرئاسية ست سنوات.
يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية.
المادة 109 : يــتقــلد رئــيس الجمهورية مهامه في الأسبوع الموالي لانتخابه، و يؤدي اليمين أمام الشــعــب و بمــحــضـر كل الهيئات العليا في الحزب و الدولة.
المادة 110 : يؤدي رئيس الجمهورية اليمين حسب النص الآتي :
"وفاء للتضحيات الكبرى و لأرواح شهداء ثورتنا المقدسة أقسم بالله العلي العظيم أن أحترم الدين الإسلامي و أمجده، و أن أحتــــرم الميثاق الوطني و الدستور، و كل قوانين الجمهورية و أحميها، و أن أحترم الاختيار الاشتراكي الذي لا رجعة فيه، و أن أحافظ على سلامة التــــراب الوطني و حدة الشعب و الأمة، و أن أحمي الحقوق و الحريات الأساسية للشعب و أعمل بدون هوادة على تطوره و سعادته، و أن أسعى بكل قواي من أجل تحقيق المثل العليا للعدالة و الحرية و السلم في العالم".
المادة 111 : يضطلع رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى السلطات المخولة له بنص هذا الدستور، بالسلطات و الصلاحيات الآتية :
1- يمثل الدولة داخل البلاد و خارجها.
2- يجسد وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولة.
3- يحمي الدستور.
4- يتولى القيادة العليا لجميع القوات المسلحة للجمهورية.
5- يتولى مسئولية الدفاع الوطني.
6- يقرر طبقا للميثاق الوطني و لأحكام الدستور، السياسة العامة للأمة في المجالين الداخلي و الخارجي، و يقوم بقيادتها و تنفيذها.
7- يحدد صلاحيات أعضاء الحكومة طبقا لأحكام الدستور.
8- يترأس مجلس الوزراء.
9- يترأس الاجتماعات المشتركة لأجهزة الحزب و الدولة.
10- يضطلع بالسلطة التنظيمية.
11- يسهر على تنفيذ القوانين و التنظيمات.
12- يعين الموظفين المدنيين و العسكريين، طبقا للقانون.
13- له حق إصدار العفو و حق إلغاء العقوبات أو تخفيضها و كذلك حق إزالة كل النتائج القانونية، أيا كانت طبيعتها، و المترتبة على الأحكام التي تصدرها المحاكم.
14- يمكن له أن يعمد لاستفتاء الشعب في كل القضايا ذات الأهمية الوطنية.
15- يمكن له أن يفوض جزءا من صلاحياته لنائب رئــيس الــجمــهــورية و للوزير الأول مع مراعاة أحكام المادة 116 من الدستور.
16- يعين سفراء الجمهورية و المفوضين فوق العادة للخارج و ينهي مهامهم، و يتسلم أوراق اعتماد الممثلين الدبلوماسيين الأجانب، و أوراق إنهاء مهامهم.
17- يبرم المعاهدات الدولية و يصادق عليها وفقا لأحكام الدستور.
18- يقلد أوسمة الدولة و نياشينها و ألقابها الشرفية.

المادة 112 : يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين نائبا لرئيس الجمهورية يساعده و يعينه في مهامه.
المادة 113 : يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة.
يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين وزيرا أول.
المادة 114 : تمارس الحكومة الوظيفة التنفيذية بقيادة رئيس الجمهورية.
الوطني وجوبا، و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
المادة 115 : نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول و أعضاء الحكومة مسئولون أثناء ممارسة كل منهم لمهامه، أمام رئيس الجمهورية.
المادة 116 : لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يفرض رئيس الجمهورية سلطته في تعيين نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول و أعضاء الحكومة، أو إعفائهم من مهامهم، و لا في إجراء استفتاء، أو في حل المجلس الشعبي الوطني، أو تنظيم انتخابات تشريعية مسبقة، و لا في تطبيق الأحكام المنصوص عليها في المواد 119 إلى 124 من الدستور، و كذلك السلطات الواردة في الفقرات من 4 إلى 9 و الفقرة 13 من المادة 111 من الدستور.
المادة 117 : في حالة وفاة رئيس الجمهورية أو استقالته، يجتمع المجلس الشعبي الوطني، وجوبا، و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
يتولى رئيس المجلس الشعبي الوطني مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها خمسة و أربعون يوما ( 45 ) تنظم خلالها انتخابات رئاسية. ولا يحق لرئيس المجلس الشعبي الوطني أن يكون مرشحا لرئاسة الجمهورية.
يستدعى مؤتمر استثنائي للحزب قصد تعيين المرشح لرئاسة الجمهورية.
يمارس رئيس الجمهورية المنتخب مهامه طبقا لأحكام المادة 108 من الدستور.
المادة 118 : لا يمكن حل أو تعديل الحكومة القائمة إبان وفاة أو استقالة رئيس الجمهورية إلى أن يتسلم رئيس الجمهورية الجديد مهامه.
لا يمكن أثناء فترة الخمسة و الأربعين يوما ( 45 ) المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة 117 من الدستور، تطبيق أحكام المادتين 112 و 113 و لا أحكام الفقرات 7 و 13 و 14 من المادة 111 و لا أحكام المادتين 123 و 163 من الدستور.
لا يمكن أثناء نفس الفترة، إنهاء مهام نائب رئيس الجمهورية و الوزير الأول.
كما لا يمكن تطبيق أحكام المواد 120 و 121 و 122 و 124 من الدستور إلا بموافقة المجلس الشعبي الوطني مع الاستشارة المسبقة لقيادة الحزب.
المادة 119 : في حالة الضرورة الملحة، يقرر رئيس الجمهورية، في اجتماع لهيئات الحزب العليا و الحكومة، حالة الطوارئ أو الحصار، و يتخذ كل الإجراءات اللازمة لاستتباب الوضع.
المادة 120 : إذا كانت البلاد مهددة بخطر وشيك الوقوع على مؤسساتها، أو على استقلالها، أو سلامة ترابها، يقرر رئيس الجمهورية الحالة الاستثنائية.
يــتــدخل مــثــل هــذا الإجراء أثناء اجتماع الهيئات العليا للحزب و الحكومة.
تخول الحالة الاستثنائية لرئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات الخاصة التي تتطلبها المحافظة على استقلال الأمة و مؤسسات الجمهورية.
يجتمع المجلس الشعبي الوطني، وجوبا، باستدعاء من رئيسه.
تنتهي الحالة الاستثنائية حسب نفس الأشكال، و بناء على نفس الإجراءات المذكورة أعلاه التي أدت إلى تقريرها.
المادة 121 : يقرر رئيس الجمهورية التعبئة العامة.
المادة 122 : في حالة وقوع عدوان فعلي أو وشيك الحصول، حسبما نصت عليه الترتيبات الملائمة لميثاق الأمم المتحدة، يعلن رئيس الجمهورية الحرب، بعد استشارة هيأة الحزب القيادية و اجتماع الحكومة و الاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن.
يجتمع المجلس الشعبي الوطني، بحكم القانون.
يوجه رئيس الجمهورية خطابا للأمة يعلمها بذلك.
المادة 123 : يوقف العمل بالدستور مدة حالة الحرب و يتولى رئيس الدولة جميع السلطات.
المادة 124 : يوافق رئيس الجمهورية على الهدنة و السلم.
تقدم اتفاقيات الهدنة و معاهدات السلم، فورا، إلى الموافقة الصريحة للهيئة القيادية للحزب طبقا لقانونه الأساسي. كما تعرض على المجلس الشعبي الوطني، طبقا لأحكام المادة 158 من الدستور.
المادة 125 : يؤسس مجلس أعلى للأمن برئاسة رئيس الجمهورية، مهمته تقديم الآراء حول كل القضايا المتعلقة بالأمن الوطني، إلى رئيس الجمهورية.
يحدد رئيس الجمهورية طرق تنظيم المجلس الأعلى للأمن و تسييره.
الفصل الثالث
الوظيفة التشريعية
المادة 126 : يمارس الوظيفة التشريعية مجلس واحد يسمى المجلس الشعبي الوطني.
للمجلس الشعبي الوطني، في نطاق اختصاصاته، سلطة التشريع بكامل السيادة.
يعد المجلس الشعبي الوطني القوانين و يصوت عليها.
المادة 127 : تتمثل المهمة الأساسية للمجلس الشعبي الوطني، ضمن اختصاصاته، في العمل للدفاع عن الثورة الإشتراكية و تعزيزها.
يستلهم المجلس الشعبي الوطني، في نشاطه التشريعي، مبادئ الميثاق الوطني و يطبقها.
المادة 128 : ينتخب أعضاء المجلس الشعبي الوطني، بناء على ترشيح من قيادة الحزب، عن طريق الاقتراع العام المباشر و السري.
المادة 129 : ينتخب المجلس الشعبي الوطني لمدة خمس سنوات.
لا يمكن تمديد فترة هذه النيابة إلا في ظروف خطيرة للغاية لا تسمح بإجراء انتخابات عادية. و تثبت هذه الحالة بمقتضى قرار من المجلس الشعبي الوطني، بناء على اقتراح من رئيس الجمهورية.
المادة 130 : يحدد القانون طرق انتـخــاب النــواب، و بــخاصة عـــددهم، و شروط قابليتهم للانتخاب، و حالات التنافي مع شروط العضوية في المجلس.
يجب أن يكون تأليف المجلس الشعبي الوطني مطابقا لأحكام المادتين 8 و 9 من الدستور.
المادة 131 : إثبات صحة الانتخابات التشريعية من اختصاص المجلس الشعبي الوطني.
الفصل في النزاع الناشئ عن الانتخابات التشريعية من اختصاص المجلس الأعلى.
المادة 132 : النيابة في المجلس الشعبي الوطني ذات طابع وطني.
المادة 133 : النيابة في المجلس الشعبي الوطني قابلة للتجديد.
المادة 134 : كل نائب لا يستوفي شروط النيابة أو أصبح غير مستوف لها، يتعرض لإسقاط صفته النيابية.
يقرر المجلس الشعبي الوطني هذا الإسقاط بأغلبية أعضائه.
المادة 135 : النائب مسئول أمام زملائه الذين يمكنهم عزله إذا خان ثقة الشعب فيه أو اقترف عملا مخلا بوظيفته.
يحدد القانون الحالات التي يتعرض فيها النائب للعزل، و يقر المجلس الشعبي الوطني العزل بأغلبية أعضائه، بقطع النظر عما قد يحدث من متابعات أخرى حسب التشريع العادي.
المادة 136 : يحدد القانون الظروف التي يمكن فيها للمجلس الشعبي الوطني قبول استقالة أحد أعضائه.
المادة 137 : الحصانة النيابية معترف بها للنائب أثناء نيابته.
لا يمكن متابعة أي نائب أو إلقاء القبض عليه، و بصفة عامة، لا يمكن رفع دعوى مدنية أو جزائية ضده بسبب ما أبداه من آراء أو ما تلفظ به من كلام أو بسبب تصويته أثناء ممارسته للنيابة.
المادة 138 : لا تجوز متابعة أي نائب بسبب عمل جنائي إلا بإذن من المجلس الشعبي الوطني الذي يقرر رفع الحصانة بأغلبية أعضائه.
المادة 139 : في حالة تلبس النائب بجنحة أو جريمة، يخطر مكتب المجلس الشعبي الوطني فورا. و يكتسب قوة القانون كل قرار يتخذه مكتب المجلس لضمان الاحترام لمبدأ الحصانة النيابية، إن اقتضى الأمر.
المادة 140 : يحدد القانون شروط استخلاف النائب في حالة شغور مقعده.
المادة 141 : تبتدئ الفترة التشريعية، وجوبا، في اليوم الثامن الموالي لتاريخ انتخاب المجلس الشعبي الوطني، تحت رئاسة أكبر النواب سنا و بمساعده أصغر نائبين منهم.
ينتخب المجلس مكتبه و يشكل لجانه.
المادة 142 : ينتخب رئيس المجلس الشعبي الوطني للفترة التشريعية.
المادة 143 : يحدد القانون المبادئ العامة المتعلقة بتنظيم المجلس الشعبي الوطني وتسييره، و كذا ميزانية المجلس و التعويضات التي تدفع إلى أعضائه.
يعد المجلس الشعبي الوطني لائحة تنظيمه الداخلي.
المادة 144 : جلسات المجلس الشعبي الوطني علانية.
و تدون المداولات في محاضر تنشر طبقا لما يقرره القانون، و يجوز للمجلس الشعبي الوطني أن يعقد جلسات مغلقة بطلب من رئيسه أو من أغلبية أعضائه الحاضرين أو بطلب من الحكومة.
المادة 145 : يشكل المجلس الشعبي الوطني لجانه في نطاق لائحة تنظيمه الداخلي.
المادة 146 : يجتمع المجلس الشعبي الوطني في دورتين عاديتين كل سنة، مدة كل دورة ثلاثة أشهر على الأكثر.
لجان المجلس الشعبي الوطني لجان دائمة.
المادة 147 : يمكن استدعاء المجلس الشعبي الوطني للاجتماع في دورة استثنائية بمبادرة من رئيس الجمهورية أو بطلب من ثلثي أعضاء المجلس.
تختتم الدورة الاستثنائية بمجرد ما يستفيد المجلس الشعبي الوطني جدول الأعمال الذي استدعي من أجله.
المادة 148 : المبادرة بالقوانين حق لرئيس الجمهورية، كما أنها حق لأعضاء المجلس الشعبي الوطني.
تكون اقتراحات القوانين قابلة للنقاش إذا قدمها عشرون نائبا.
تقدم مشاريع القوانين من الحكومة إلى مكتب المجلس الشعبي الوطني.
المادة 149 : لا يقبل اقتراح أي قانون مضمونه أو نتيجته تخفيض الموارد العمومية أو زيادة النفقات العمومية إلا إذا كان مرفوقا بتدابير تستهدف رفع مداخيل الدولة أو توفير مبالغ مالية في فصل آخر من النفقات العمومية، تكون مساوية، على الأقل، للمبالغ المقترح تغييرها.
المادة 150 : يجوز للمجالس الشعبية البلدية و للمجالس الشعبية للولايات، أن ترفع التماسا إلى الحكومة التي يعود إليها النظر لصياغته في مشروع قانون.
المادة 151 : يشرّع المجلس الشعبي الوطني في المجالات التي خولها له الدستور.
تدخل كذلك في مجال القانون :
1.الحقوق و الواجبات الأساسية للأفراد، و بخاصة نظام الحريات العمومية و حماية الحريات الفردية و واجبات المواطنين في إطار متطلبات الدفاع الوطني.
2. القواعد العامة المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية و قانون الأسرة، و بخاصة الزواج و الطلاق و البنوة و الأهلية و المواريث.
3. ظروف الاستقرار المتعلقة بالأفراد.
4. التشريع الأساسي الخاص بالجنسية.
5. القواعد العامة المتعلقة بمركز الأجانب.
6. القواعد العامة المتعلقة بالتنظيم القضائي.
7.القواعد العامة للقانون الجزائي و الإجراءات الجزائية و بخاصة تحديد الجنايات و الجنح، و العقوبات المناسبة لها، و العفو الشامل، و تسليم المجرمين.
8. القواعد العامة لقانون الإجراءات المدنية و طرق التنفيذ.
9. النظام العام للالتزامات المدنية و التجارية.
10. القواعد العامة المتعلقة بنظام الانتخابات.
11. التنظيم الإقليمي و التقسيم الإداري للبلاد.
12. المبادئ الأساسية للسياسة الاقتصادية و الاجتماعية.
13. تحديد سياسة التربية، و سياسة الشباب.
14. الخطوط الأساسية للسياسة الثقافية.
15. إقرار المخطط الوطني.
16.التصويت على ميزانية الدولة.
17.إحداث الضرائــب و الـجــبايــات و الرسوم و الحقوق بجميع أنواعها و تحديد وعائها و نسبها.
18. القواعد العامة للنظام الجمركي.
19.القواعد العامة المتعلقة بنظام البنوك و القرض و التأمين.
20. القواعد العامة المتــعــلقة بالصحة العمومية، و السكان، و قانون العمل و الضمان الاجتماعي.
21. القواعد العامة المتعلقة بحماية المجاهدين و أولي الحق من ذويهم.
22. الخطوط العريضة لسياسة الإعمار الإقليمي، و البيئة، و نوعية الحياة، و حماية الحيوانات و النباتات.
23. حماية التراث الثقافي و التاريخي و المحافظة عليه.
24. النظام العام للغابات.
25. النظام العام للمياه.
26.إنشاء أوسمة الدولة و نياشينها و وضع ألقابها الشرفية.
المادة 152 : يندرج تطبيق القانون في المجال التنظيمي.
كل المسائل، ماعدا تلك التي يختص بها القانون، هي من المجال التنظيمي.
المادة 153 : لرئيس الجمهورية أن يشرّع، فيما بين دورة و أخرى للمجلس الشعبي الوطني، عن طريق إصدار أوامر تعرض على موافقة المجلس الشعبي الوطني في أول دورة مقبلة.
المادة 154 : يصدر رئيس الجمهورية القوانين في أجل ثلاثين يوما (30) ابتداء من تاريخ تسليمها له.
المادة 155 : لرئيس الجمهورية سلطة طلب إجراء مداولة ثانية حول قانون تم التصويت عليه، و ذلك في ظرف ثلاثين (30) من تاريخ إقراره.
و في هذه الحالة لا يتم إقرار القانون إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس الشعبي الوطني.
المادة 156 : يوجه رئيس الجمهورية، مرة في السنة، خطابا إلى المجلس الشعبي الوطني، حول وضع الأمة.
المادة 157 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني، بطلب من رئيس الجمهورية، أو من رئيسه، أن يفتح مناقشة حول السياسة الخارجية.
يمكن، عند اقتضاء، أن تفضي هذه المناقشة إلى إصدار لائحة من المجلس الشعبي الوطني تبلغ بواسطة رئيسه إلى رئيس الجمهورية.
المادة 158 : تتم مصادقـــة رئيس الجمهورية على المعاهـــدات الســـياسية و المعاهدات التي تعدل محتوى القانون، بعد الموافقة الصريحة عليها من المجلس الشعبي الوطني.
المادة 159 : المعاهدات الدولية التي صادق عليها رئيس الجمهورية طبقا للأحكام المنصوص عليها في الدستور، تكتسب قوة القانون.
المادة 160 : إذا حصل تناقض بين أحكام المعاهدة أو جزء منها و الدستور، لا يؤذن بالمصادقة عليها إلا بعد تعديل الدستور.
المادة 161 : يمكن لأعضاء المجلس الشعبي الوطني استجواب الحكومة حول قضايا الساعة.
يمكن للجان المجلس الشعبي الوطني أن تستمع إلى أعضاء الحكومة.
المادة 162 : يمكن لأعضاء المجلس الشعبي الوطني أن يوجهوا كتابة فقط، أي سؤال إلى أي عضو من الحكومة، و ينبغي لهذا العضو أن يجيب كتابة في ظرف خمسة عشر يوما (15).
يتم نشر نص الأسئلة و الأجوبة طبقا لنفس الشروط التي يخضع لها نشر محاضر مناقشات المجلس الشعبي الوطني.
المادة 163 : لرئيس الجمهورية أن يقرر، في اجتماع يضم الهيئة القيادية للحزب و الحكومة، حل المجلس الشعبي الوطني أو إجراء انتخابات مسبقة له.
تنظم الانتخابات التشريعية الجديدة في ظرف ثلاثة أشهر.
الفصل الرابع
الوظيفة القضائية
المادة 164 : يضمن القضاء للجميع، و لكل واحد، المحافظة المشروعة على حرياتهم و حقوقهم الأساسية.
المادة 165 : الكل سواسية أمام القضاء، و هو في متناول الجميع و تصدر أحكام القضاء وفقا للقانون وسعيا إلى تحقيق العدل و القسط.
المادة 166 : يساهم القــضاء في الدفاع عن مكتســـبات الــثـــورة الاشتراكية و حماية مصالحها.
المادة 167 : يصدر القضاء أحكامه باسم الشعب.
المادة 168 : سلطة إصدار الأحكام من اختصاص القضاة، و يمكن أن يعينهم في ذلك مساعدون شعبيون طبقا لأحكام القانون.
المادة 169 : تخضع العقوبات الجزائية إلى مبدأي الشرعية و الشخصية.
المادة 170 : تعلل الأحكام القضائية و ينطق بها في الجلسات العلانية.
المادة 171 : على كل أجهزة الدولة المختصة أن تقوم، في كل وقت و في كل مكان و في كل الظروف، بتنفيذ أحكام القضاء.
المادة 172 : لا يخضع القاضي إلا للقانون.
المادة 173 : يساهم القاضي في الدفاع عن الثورة الاشتراكية و حمايتها.
القاضي محمي من كل أشكال الضغوط و التدخلات و المناورات التي قد تضر بأداء مهمته أو تمس احترام نزاهته.
المادة 174 : القاضي مسؤول أمام المجلس الأعلى للقضاء عن كيفية قيامه بمهمته، و ذلك حسب الأشكال المنصوص عليها في القانون.
المادة 175 : القانون يحمي المتقاضي من أي تعسف أو أي انحراف قد يصدر عن القاضي.
المادة 176 : حق الدفاع معترف به.
حق الدفاع مضمون في القضايا الجزائية.
المادة 177 : يشكل المجلس الأعلى، في جميع مجالات القانون الهيئة المقومة لأعمال المجالس القضائية و المحاكم.
يضمن المجلس الأعلى توحيد الاجتهاد في العمل القضائي في جميع أنحاء البلاد و يسهر على احترام القانون.
المادة 178 : ينظر المجلس الأعلى في قضايا الطعن في النصوص التنظيمية.
المادة 179 : يحدد القانون كيفــية تنظـــيم المجلــس الأعلى و طرق تسييره و مجالات صلاحياته.
المادة 180 : مهمة المجلس الأعلى للقضاء تقديم الآراء إلى رئيس الجمهورية طبقا للأحكام و الحالات الواردة في المادة 182 من الدستور.
المادة 181 : يرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للقضاء.
يتولى وزير العدل نيابة رئاسة المجلس.
يحدد القانون تأليف المجلس الأعلــى للقــضاء و طــرق تسيـــيـــره و صلاحياته الأخرى.
المادة 182 : يبدي المجلس الأعلى للقضاء رأيا استشاريا قبل ممارسة رئيس الجمهورية حق العفو.
يقر المجلس الأعلى للقضاء، طبقا للأحكام التي يحددها القانون، تعيين القضاة و نقلهن و سير سلمهم الوظيفي، و يساهم في مراقبة انضباطهم.
الفصل الخامس
وظيفة المراقبة
المادة 183 : وظيفة المراقبة عامل رئيسي في مسيرة الثورة. و هي تندرج في التنظيم المنسجم الذي تتميز به الدولة الاشتراكية. و تمارس المراقبة في إطار منظم، و يترتب عنها الجزاء.
المادة 184 : تستهدف المراقبة ضمان تسيير حسن لأجهزة الدولة في نطاق احترام الميثاق الوطني و الدستور و قوانين البلاد.
مهمة المراقبة هي التحري في الظــروف التي يتــم فيــها استخــدام و تسيير الوسائـــل البـــشرية و الماديــة مــن طرف الأجــهــزة الإداريــة و الاقتصادية للدولة، و كذا تـــدارك النقــص و التقصــير و الانحراف، و التمكين من قمع الاختلاس و كل الأعمال الإجرامية ضد الثورة الوطنية، و بالتالي ضمان تسيير البلاد في إطار النظام و الوضوح و المنطق.
تستهدف المراقبة أخيرا، التحقق مــن التــطــابق بين أعمال الإدارة و التشريع و أوامر الدولة.
المادة 185 : تمارس المراقبة بواسطة مؤسسات وطنية ملائمة و بأجهزة دائمة للدولة.
تتحقق المراقبة، في مدلولها الشعبي، و استجابة لمتطلبات الديمقراطية الاشتراكية، من خلال المؤسسات المنتخبة على جميع المستويات : المجلس الشعبي الوطني، المجالس الشعبية للولايات، المجالس الشعبية للبلديات و مجالس العمال.
المادة 186 : تمارس الأجهزة القيادية في الحزب و الدولة، المراقبة السياسية المنوطة بها، و ذلك طبقا للميثاق الوطني و لأحكام الدستور.
تمارس الأشكال الأخرى للمراقبة، على جميع المستويات و القطاعات في إطار الأحكام الخاصة بهذا الشأن و الواردة في الدستور و التشريع.
المادة 187 : تقدم الحكومة في نهاية كل سنة مالية، إلى المجلس الشعبي الوطني عرضا حول استعمال الاعتمادات المالية التي أقرها بالنسبة للسنة المالية المعنية.
تختتم السنة المالية، على مستوى المجلس الشعبي الوطني بالتصويت على قانون يتحدد بمقتضاه ضبط ميزانية السنة المالية المنصرمة.
المادة 188 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني، في نطاق اختصاصاته، أن ينشئ، في أي وقت، لجنة تحقيق في أية قضية ذات مصلحة عامة.
يعين المجلس الشعبي الوطني أعضاء لجنة التحقيق من النواب.
يحدد القانون طرق تسيير هذه اللجنة.
المادة 189 : يمكن للمجلس الشعبي الوطني أن يراقب المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها.
يحدد القانون طرق ممارسة المراقبة و كذا الإجراءات التي قد تترتب عن نتائجها.
المادة 190 : يؤسس مجلس محاسبة مكلف بالمراقبة اللاحقة لجميع النفقات العمومية للدولة و الحزب و المجموعات المحلية و الجهوية و المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها.
يرفع مجلس المحاسبة تقريرا سنويا إلى رئيس الجمهورية.
يحدد القانون قواعد تنظيم هذا المجلس و طرق تسييره و جزاء تحقيقاته.
الفصل السادس
الوظيفة التأسيسية
المادة 191 : لرئيس الجمهورية حق المبادرة باقتراح تعديل الدستور في نطاق الأحكام الواردة في هذا الفصل.
المادة 192 : يقر المجلس الشعبي الوطني مشروع قانون التعديل الدستوري بأغلبية ثلثي أعضائه.
المادة 193 : إذا تعلق مشروع قانون التعديل بالأحكام الخاصة بتعديل الدستور، فمن الضروري أن يتم الإقرار بأغلبية ثلاثة أرباع المجلس الشعبي الوطني.
لا تسرى هذه الأحكام على المادة 195 من الدستور، التي لا تقبل أي تعديل.
المادة 194 : لا يمكن الشروع في إجراء أي تعديل أو مواصلته، إذا ما كان هناك مساس بسلامة التراب الوطني.
المادة 195 : لا يمكن لأي مشروع لتعديل الدستور أن يمس :
1. بالصفة الجمهورية للحكم.
2. بدين الدولة.
3. بالاختيار الاشتراكي.
4. بالحريات الأساسية للإنسان و المواطن.
5. بمبدأ التصويت عن طريق الاقتراع العام المباشر و السري.
6. بسلامة التراب الوطني.
المادة 196 : يصدر رئيس الجمهورية القانون المتعلق بالتعديل الدستوري.
الباب الثالث
أحكام مختلفة
المادة 197 : تتخذ الإجراءات التشريعية الضرورية تنصيب الهيئات المنصوص عليها في الدستور، بأوامر صادرة عن رئيس مجلس الثورة و رئيس مجلس الوزراء أثناء اجتماع لمجلس الثورة و مجلس الوزراء.
المادة 198 : لا يمس سريان مفعول الدستور بسلطات الهيئات القائمة ما دامت المؤسسات المماثلة لها و المنصوص عليها في الدستور لم تنصب بعد.
ملحق 1
قانون رقم 79-06 مؤرخ في 12 شعبان عام 1399هـ الموافق 7 يوليو ســنة 1979 يتـــضــمـن الــتعديل الدستوري.
إن رئيس الجمهورية،
- بعد الإطلاع على الأمر رقم 76-97 المؤرخ في 30 ذي القعدة عام 1396 الموافق 22 نوفمبر سنة 1976 و المتضمن إصدار دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
- و بعد الإطلاع على الدستور، و لاسيما المواد 191 و 192 و 196 و 105 و 108 و 110 و 111-15 و 112 و 113 و 115 و 116 و 117 و 118 و 197 و 198 و 199.
- و بناء على ما أقره المجلس الشعبي الوطني.
يصدر القانون المتضمن التعديل الدستوري التالي نصه :
المادة الأولى : تعدل الفقرة الثالثة من المادة 105 من الدستور و تصاغ على النحو التالي.
" و يقترحه مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني وفقا لقانونه الأساسي".
المادة 2 : تعدل المادة 108 من الدستور و تصاغ على النحو التالي :
"المدة الرئاسية خمس (05) سنوات.
يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية ".
المادة 3: يضاف في آخر المادة IIO :
" والله على ما أقول شهيد "
المادة 4 : تعدل المادة 111( الفقرة15) من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يمكن له أن يفوض جزءا من صلاحياته إلى نائب أو نواب رئيس الجمهورية..." (والباقي بدون تغيير) .
المادة 5 : تعدل المادة 112 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين نائيا له أو أكثر يعينونه ويساعدونه في مهامه".
المادة 6 : " تعدل المادة 113 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة ومن بينهم وزيرا أول يساعده في تنسيق النشاط الحكومي وفي تطبيق للقرارات المتخذة في مجلس الوزراء.
ويمارس الوزير الأول اختصاصاته في نطاق الصلاحيات التي يفوضها إليه رئيس الجمهورية طبقا للمادة 111 ( الفقرة 15 ) من الدستور".
المادة 7 : تعدل المادة 115 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" نائب أو نواب رئيس الجمهورية ... " ( والباقي بدون تغيير ).
المادة 8 : تعدل المادة 116 من الدستور وتصاغ على النحو التالي:
" لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يفوض رئيس الجمهورية سلطته في تعيين نائب أو نواب رئيس الجمهورية .... أو إعفائهم من مهامهم ..."(و الباقي بدون تغيير )
المادة 9 : تعدل المادة 117 من الدستور وتصاغ على النحو التالي :
" إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير مزمن ، تجتمع اللجنة المركزية للحزب وجوبا ، وبعد التأكد من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الكفيلة بذلك ، تقترح بأغلبية ثلثي أعضائها على المجلس الشعبي الوطني التصريح بحالة المانع.
" يعلن المجلس الشعبي الوطني ثبوت مانع رئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي أعضائه، ويكلف رئيسه بأن يتولى رئاسة الدولة بالنيابة لمدة أقصاها خمسة و أربعون ( 45 ) يوما وأن يمارس صلاحياته مع مراعاة أحكام المادة 118 من الدستور.
و في حالة استمرار المانع، بعد انقضاء خمسة و أربعين ( 45 ) يوما، يعلن الشغور بالاستقالة بحكم القانون، حسب الطريقة المنصوص عليها أعلاه و طبقا لأحكام الفقرات التالية من هذه المادة.
" في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته، يجتمع المجلس الشعبي الوطني وجوبا و يثبت حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية.
يتولى رئيس المجلس الشعبي الوطني، مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها خمســة و أربعون(45) يوما، تنظم خلالها انتخابات رئاسية.
و لا يحق لرئيس المجلس الشعبي الوطني أن يكون مرشحا لرئاسة الجمهورية.
يقترح مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني، المرشح لرئاسة الجمهورية طبقا لقانونه الأساسي.
يمارس رئيس الجمهورية المنتخب مهامه طبقا لأحكام المادة 108 من الدستور.
المادة 10 : تعدل الفقرتان الثانية و الثالثة من المادة 118 الدستور و تصاغان كما يلي :
" لا يمكن أثناء فترتي الخمسة و الأربعين (45) يوما، المشار إليها في الفقرتين الثانية و الخامسة من المادة 117 من الدستور.."(و الباقي بدون تغيير).
"لا يمكن أثناء نفس الفترتين، إنهاء مهام نائب أو نواب رئيس الجمهورية"..) (و الباقي بدون تغيير).
المادة 11 : تلغي المادتان 197 و 198 الدستور.
المادة 12 : تضاف إلى الدستور ( الباب الــثالث - أحكــام مختلفة) مادة 197 و تصاغ على النحو التالي :
"ينطبق الإجراء المنصوص عليه في المادة 108 (الفقرة الأولى) على المدة الرئاسية التي تعقب انعقاد المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني".
المادة 13 : تصبح المادة 199 هي المادة 198 من الدستور.
المادة 14 : ينشر هذا القانون المتضمن التعديل الدستوري في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
حــرر بالجــزائر في 12 شعبان عام 1399 الموافق 7 يـوليو سنة 1979.
الشاذلي بن جديد .
ملحق رقم 2
قانون رقم 80-01 مؤرخ في 24 صفر عام 1400 الموافق 12 ينايـــر سنة 1980 يتضمن التعديل الدستوري.
إن رئيس الجمهورية،
- بعد الإطلاع على الأمر رقم76-97 المؤرخ في 30 ذي القعدة عام 1396 الموافق 22 نوفمبر 1976 و المتضمن إصدار دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
و بعد الإطلاع على الدستور، و لاسيما المواد 190 و 191 و 192 و 196.
و بناء على ما أقره المجلس الشعبي الوطني.
يصدر القانون المتضمن التعديل الدستوري الآتي نصه :
المادة الأولى : تعدل الفقرة الأولى من المادة 190 من الدستور، كما يلي :
المادة 190 : "يؤسس مجلس محاسبة مكلف بمراقبة مـالـية الدولة و الحزب و المجموعات المحلية و المؤسسات الاشتراكية بجميع أنواعها".
(الباقي بدون تغيير)
المادة 2 : ينشر هذا القانون المتضمن التعديل الدستوري في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
حــرر بالجزائر في 24 صفر عـام 1400 الموافـق 12 ينـاير سنة 1980
الشاذلي بن جديد.

spisos
12-03-2009, 11:12
رد إلى مريومة:

خصوصية بيئة الإدارة المحلية الجزائرية :

من أجل المعرفة العملية لعلاقة تخلف البيئة السياسية و الإدارية و الإجتماعية و الثقافية بعجز بناء الحكم الصالح للإدارة المحلية في الجزائر، يمكن مقاربة الموضوع من خلال التطرق إلى خصائص الحكم السيئ أو غير الصالح ( Poor Governance ) ـ و هذا حتى يسهل علينا معرفة أسباب إستمرارية العجز في التوصل إلى عمل تنموي إداري شامل في الجزائر، و من ثمة تحديد آليات معالجتها ـ هذه الخصائص تتمثل في:
1 ـ الحكم الذي يفشــل في الفصل الواضح بين المصالح الخاصة و المصلحة العامة، وبين المال العام و الخاص، و يتجه بشكل دائم إلى إستخدام الموارد العامة أو إستغلالها لصالح مصلحة خاصة.
2 ـ الحكم الذي ينقصه الإطار القانوني، و لايطبق مفهوم حكم القانون.
3 ـ الحكم الذي لديه عدد كبير من المعوقات القانونية و الإجرائية أمام الإستثمار الإنتاجي بما يدفع نحو أنشطة الربح الريعي و المضاربات.
4 ـ الحكم الذي يتميز بوجود أولويات تتعارض مع التنمية و تدفع نحو الهدر في الموارد المتاحة و سوء إستخدامها.
5 ـ الحكم الذي يتميز بوجود قاعدة ضيقة و مغلقة و غير شفافة للمعلومات ، و لعملية صنع القرار بشكل عام ، و عمليات وضع السياسات بشكل خاص .
6 ـ الحكم الذي يتميز بوجود الفساد و إنتشار آلياته بما في ذلك القيم التي تتسامح مع الفساد(11).
وإذا كانت هذه الخصائص تشترك فيها معظم مناطق العالم، فإن الدول العربية و من بينها الجزائر تعد إدارة الحكم فيها أضعف من كل مناطق العالم الأخرى. و هذا ما بينته دراسة البنك الدولي وتقرير التنمية الإنسانية العربية.
وبناءا على هذه الخصوصيات التي يثبت واقع المجتمعات المستضعفة صحتها، فإنه لا يصعب على من يراقب العمل التنموي الإداري في الجزائر أن يلاحظ مدى فشل الحكومات المتعاقبة وعجزها منذ الإستقلال 1962 إلى اليوم في تهيئة بيئة ملائمة لبناء حكم صالح، ومدى تخلف نسقها السياسي والإداري و عجزه في مواجهة الضغوطات الإنمائية، و في تحقيق طموحات المواطنين و تلبية إحتياجاتهم بالمستوى المطلوب.
على هذا الأساس، و في محاولة لرسم إطار واضح و محدد حول خصوصية بيئة الإدارة المحلية الجزائرية، يمكن أن أوضح أن جميع هذه الخصوصيات ترتبط أساسا بمشكلة التخلف السياسي والإداري (12). وبطئ عملية المشاركة الديمقراطية الأمر الذي أدى إلى وضع حدود للقوة و النفوذ النسبي للمؤسسات الديمقراطية كالمجالس الشعبية المنتخبة ومؤسسات المجتمع المدني. و في ظل هذا الإختلال البنيوي والوظيفي في توازن السلطات و ضعف النمو السياسي، نمت العديد من مظاهر الأمراض المكتبية " Bureaupathologie « وبخاصة إستشراء الفساد الإداري.
و هذا ما اعترف به خطاب السلطة إذ جاء فيه : " ... أن محاربة ما تفشى من ممارسات من مثل الفساد و الرشوة و المحاباة و التدخلات أضحى حتمية " (13) ، كون هذه الممارسات تشكل السبب الرئيسي لتباطـئ الإدارة و سوء تنظيمها و التي تقوض أركان العمل التنموي السياسي الشامل و تأتي على ثقة المواطن . لدا فمن الضروري "... وضع حدّ للسلوكات البيروقراطية التي تجمد المبادرات و تلحق وخيم الضرر بإقتصاد البلاد والتنمية المحلية، ... وغياب الشفافية والتواصل، الذي يتناقض والحاجة إلى إدارة ناجعة، في خدمة المواطنين و الإصغاء لإنشغالاتهم، فالكسل والرشوة والآفات الإجتماعية والضياع والتسيب، كلها تنتشر يوما بعد يوم، و تنتشر بخطورة... " (14).
هذا بالإضافة إلى قناعة المواطن الجزائري وإدراكه المتزايد بأن الفساد مستشر في الأجهزة الإدارية المحلية. ومهيئة لإنتشار أوسع لهذه الظاهرة في ظل التغييب المستمر للشفافية، والمساءلة، والرقابة، وحكم القانون. كل هذا يدفعنا للتساؤل عن ماذا قدمت السلطات المحلية للمواطن ؟ و ما قيمة التكلفة التي دفعتها الخزينة العامة على تلك الخدمات ؟ ثم أن المشاريع الكبرى تنفق فيها الأموال الطائلة ثم تتوقف لأبسط الأسباب، و منها مشاريع إنعاش الإقتصاد، و القضاء على البطالة، و منها عقود الصفقات العامة. وكم كلفت القرارات الخاطئة الخزينة العامة ؟ وكم ضيعت الإدارة المحلية من فرص منذ الإستقلال سنة 1962 إلى اليوم 2008 للتنمية وفي مجالات مختلفة إنعكست آثارها على الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية وعلى العلاقة بين المواطن و أجهزة الإدارة العامة ؟ وما هو مبرر وجود أجهزة ومؤسسات تكاليفها أكبر بكثير من عائداتها ؟ و هل تحولت السلطة و المسؤولية في الجزائر من إعتبار أنها تكليف فأصبحت ترقية و تشريف ؟ و من مسؤولية وواجبات إلى حقوق وإمتيازات ؟ وفي كل ذلك لماذا لا تحاسب القيادة البيروقراطية على نتائج عملهم فتحسب لهم أو عليهم ؟
كل هذه الأسئلة و غيرها التي يطرحها العام و الخاص تحتاج إلى إجابة علمية تصحح مسار العمل التنموي الإداري، و تنقية الجهاز البيروقراطي من الإنحراف و الفساد.
وما يعمق من شعور المواطنين بتفشي الفساد في الأجهزة الإدارية المحلية هو أن الخطاب الرسمي لم ينفك بالإعتراف بالفساد، و الوعود بالقضاء عليه، و لكن من دون جدوى، فاقتصرت حملات المكافحة على التضحية أحيانا ببعض الكوادر الإدارية الولائية والوزارية كوسيلة لإمتصاص الغضب، مما يشكل إعترافا حكوميا ضمنيا بإنتشار الفساد وتغلغله في رموز الحكم نفسه. إذ جاء في نص خطاب رئيس الجمهورية الموجه للأمة: «... إن الدولة مريضة معتلة، إنها مريضة في إدارتها، مريضة بممارسة المحاباة، مريضة بالمحسوبية، والتعسف بالنفوذ والسلطة، وعدم جدوى الطعون والتظلمات، مريضة بالإمتيازات التي لا رقيب لها ولا حسيب، مريضة بتبذير الموارد العامة، و نهبها بلا ناه ولا رادع، كلها أعراض أضعفت الروح المدنية لدى الأفراد والجماعات، وأبعدت القدرات.... وهجرت الكفاءات، ونفرت أصحاب الضمائر الحية، والإستقامة، وحالت بينهم، وبين الإسهام في تدبير الشؤون العامة، وشوهت مفهوم الدولة، وغاية الخدمة العمومية ما بعده تشويه... « (15).
كذلك ما يعزز إدراك المواطن بوجود الفساد على مستوى الإدارة العامة بشكل عام والمحلية بشكل خاص، هو تردي واقع هذه الإدارة، و التي كانت في حد ذاتها هدفا لعمليات الإصلاح الإداري، إذ سنت ترسانة من القوانين لإصلاح الإدارة المحلية منذ الإستقلال إلى اليوم ، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في فعالية هذا الجهاز، خاصة عندما قامت الدولة بمراجعة سياساتها الإقتصادية حيث سنت ترسانة من القوانين والتشريعات الجديدة ،و تخصيص أموال هائلة للإستثمار في ظل غياب المراقبة الفعالة للمال العام. كلها أسباب ساهمت في إنتشار الفساد الموجود في إدارة الدولة، والتي هيأت الوضع لإنتشار الفساد الكبير، خاصة سياسات الخصخصة التي شجعت عليها المؤسسات المالية الدولية، والتي خلقت طبقة جديدة من المقربين من مراكز القرار، و من ذوي المصالح المشتركة.
فعلى الرغم من وجود دوافع القوى الداخلية و الخارجية لإحداث التغيير في السياسات والقوانين حتى تتماشى والتحولات الإجتماعية الكبرى، إلا أن بيئة الإدارة المحلية ما زالت تعتمد في تعاملها مع البيئات الأخرى الإجتماعية والإقتصادية بالإرث الإداري والتنظيمي الموروث، وسلوك القيادة البيروقراطية ما زال يستند على الأسلوب التقليدي القائم على سد الثغرات، و إتخاذ شكل رد الفعل في التعامل مع الأوضاع الجديدة. عوض الإعتماد على مدخل إدارة التغيير. كل هذا أنتج الرداءة و الفساد لواقع الإدارة المحلية، هذا الواقع الذي يتلخص في:
1 ـ غياب المخطط الهيكلي العام، وعدم وضوح السياسات العامة للإدارة المحلية، مما أنتج إزدواجية
وتضاربا بين المسؤوليات أدّيا إلى تكبيـل الجهاز الإداري .
2 ـ تضخم حجم العمالة في الوحدات المحلية وانخفاض مستوى أدائها، ومن شأن هذا أن يعقد الإجراءات الإدارية، و يضعف التواصل مع المواطنين، بالإضافة إلى كونه يعد هدرا لموارد الدولة.
3 ـ عدم المساواة و تكافؤ الفرص الناتج عن المحسوبية و الوساطة، و عدم وضع المواطن في صلب إهتمام الإدارة.
4 ـ ضعف التدريب الإداري و عدم إنتظامه.
5 ـ تسييس موظفي الجهاز الإداري المحلي، الأمر الذي أدى إلى ضعف إهتماماتهم بتنمية قدراتهم ومعارفهم الإدارية.
6 ـ الإعتماد على الحلول المعدة مسبقا، و تقبل كل ما هو جديد دون مراجعة تجديد، ودون إعتبار الإختلاف في الظروف والبيئة الثقافية والإجتماعية والسياسية و الإقتصادية. لذلك لا بد من توفير الأصالة التي لا تستغني في جوهرها عن الإبتكارInnovation وعن الخلق و الإبداع Creativity لأن الإبتكار والإبداع عنصرا الأصالة، وهما في جوهرهما يشكلان توليد التجديد في ضوء الظروف والمستجدات البيئية.
7 ـ بطئ حركة القوانين والتشريعات، وغياب المعايير العلمية مقارنة بالتغيرات والتطورات المجتمعية والعالمية والإدارية.
8 ـ عدم القدرة على تغيير السلوك والقيم السلبية نتيجة وجود قوى تقاوم التغيير، الأمر الذي أدى إلى شيوع الفساد في الوسط الإداري المحلي، وغلبة المصالح الشخصية على المصالح العامة و ضعف الرقابة الإدارية.
9 ـ إخفاء حقيقة الإخفاقات وعدم الإعتراف بالمشكلات أمام الرأي العام، و هذا الإخفاء يعتبر عاملا سلبيا في وجه برامج و خطط و إستراتيجيات محاربة الفساد.
10ـ إنتشار المظاهر السلبية في المؤسسات الإدارية المحلية، نتيجة إنحسار المد القيمي الأخلاقي وتحلل العاملين فيها من القيم المهنية والأخلاق الوظيفية التي توجه سلوكهم وتحكم قراراتهم وترشد تصرفاتهم الرسمية وغير الرسمية.
11ـ التهرب من المسؤولية، وانتشار أساليب الإتكال ، والتهرب من الواجبات لإعتقادهم بأنهم يعملون، وغيرهم يجني الثمار، وهذا ما يؤدي إلى إنعدام روح المبادرة و الإبتكار.
12 ـ الظاهرة الأخرى التي لا تقل خطورة عن سابقتها تتمثل في إسهام العديد من المؤسسات الإدارية المحلية في التخفيف من وطأة القيم الإيجابية الأصيلة المستمدة من التراث الحضاري للأمة، والتواطؤ مع الممارسات السلوكية الشاذة والمنحرفة التي تقترفها العناصر الضعيفة التي إستطاعت أن تقفز إلى المواقع القيادية بأساليب ملتوية و غير مشروعة (17). إن شيوع هذه الممارسات ما هو إلا إستمرار لقيم متأصلة و مكتسبة من ثقافة إدارية إستعمارية من جهة، وإلى عدم تجديد الإدارة وتحديثها من جهة ثانية، إضافة إلى ذلك الفراغ السياسي والإيديولوجي الذي تمر به البلاد حاليا إذ أن غياب العامل السياسي والإيديولوجي الذي يستطيع فرض رقابة شديدة على البيروقراطية ويوجهها ليجعل هذه الأخيرة تتحرك في نوع من الفراغ الجزئي.
13ـ غياب الرقابة الفعالة في الإدارة المحلية الجزائرية أدى إلى تفشي الظواهر السلبية للبيروقراطية كالفساد الإداري، والرشوة، والمحسوبية، والوصولية، والتحايل على القوانين، والغيابات غير الشرعية، وإحتقار العمل كقيمة حضارية.
14ـ التناقض الكبير بين الوضع الرسمي والواقع، ويتجلى هذا في الظهور بما يجب أن تكون عليه الأمور خلافا لما هو عليه الواقع . والغريب أن يتم إخفاء هذه الفجوة بين التوقعات و الحقائق عن طريق إصدار القوانين التي لا يتم تطبيقها، والعمل بتنظيمات تتعلق بشؤون التوظيف، ولكن يتم تجاوزها، والإعلان عن تفويض صلاحيات إدارية مع إبقاء رقابـة المركز محكمة، و حصر حق إتخاذ القرارات فيه، وإصدار التقارير بأن النتائج قد حققت الأهداف المرجوة بينما الحقيقة أن النتائج لم تتحقق إلا جزئيا.
15ـ تجاهل دور المجالس الشعبية المحلية في حل قضايا أساسية مثل البطالة، وتنظيم الأسرة، ومحو الأمية، وحماية البيئة...
وعليه، فإن مع إقتران هذا الكم الهائل من المظاهر السلبية للأجهزة الإدارية المحلية بضعف أجهزة الرقابة و المساءلة في المجالس الشعبية المنتخبة. ومع إنتشار الفساد والمفسدين، فإن العمل الشريف الجاد يفقد قيمته بل إن القانون نفسه يفقد هيبته وإحترامه. ذلك أن بترسّخ الفساد فإنه يعمل على حماية نفسه و ذلك بإبقاء كل الهياكل التي أنتجته على حالها ، فلا تغيير في القوانين ولا تعديل في اللوائح ولا تطوير في السياسات ، لذلك نجد أن المسؤولين المحليين غير مبالين بالتغيير و ذلك ضمان لإستمرار مناخ وثقافة الفساد اللذان يضمنان لهم إستغلال النفوذ . هذه الثقافة التي ترسخت في المجتمع الجزائري عامة، والجهاز الإداري خاصة ما تزال تتسع دائرتها، و تتشابك حلقاتها، وتترابط آلياتها بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل، الأمر الذي أصبح يهدد مسار العمل التنموي السياسي والإداري ومستقبل المجتمع الجزائري في الصميم.
لعل حجم مشكلة الفساد في الأجهزة الإدارية المحلية الجزائرية، و مخاطر تشعبها وتفاقمها تستدعي تفعيل آليات لمحاصرة الظاهرة والقضاء على تداعياتها السلبية على عملية بناء قدرات الإدارة المحلية، وفق إستراتيجية شاملة واضحة متكاملة بعيدة المدى، وليس إجراءات ظرفية قائمة على التغيير الشكلي والتي تكون أقرب إلى إدارة الفساد.

spisos
12-03-2009, 11:17
رد إلى مريومة:

1- التنظيم الترابي للبلاد: التظيم الإداري:

حيث حرصت الدولة على الإتجاه بالخريطة الإدارية للبلاد، نحو أطر أكثر تحديدا وخصوصية، حتى تستوعب الواقع الجديد للتهيئة العمرانية، الذي إزداد كثافة وتعقيدا بحيث تصبح الحدود الإدارية حدود إقتصادية ووظيفية، تغطي حيز عمرانيا منسجما، تتيح له في ظل خطة تنمية مناسبة أكبر قدر ممكن من النمو والإزدهار، وهكذا قامت الدولة بإجراء تقسيمات إدارية جديدة عامي 74- 84 ، كنتيجة لملاحقة التغيرات السكانية والإقتصادية المستجدة، وذلك قصد تكييف الخريطة الإدارية للوطن، مع الحقائق الإقتصادية السائدة، والمعطيات السكانية في البلاد وتشكيلات المدن.
وبذلك إرتفع عدد الولايات الجزائرية، من 26 ولاية عام 1970 إلى 31 ولاية عام 1974 وإلى 84 عام 1984، بحيث أصبحت الولايات الجزائرية تشكل كيانات عمرانية ووظيفية منسجمة ومتقاربة من حيث الإمكانات والموارد، وقد روعي في هذه التقسيمات تقليص مساحات ولايات كبريات المدن الجزائرية حتى لا تؤثر بهيمنتها الطاغية، على نمو الولايات الجديدة.
وقد أدى ظهور عوالم إدارية جديدة من الولايات المستحدثة، في الأقاليم الداخلية التي تعاني من الهامشية والتبعية، إلى خلق تكافؤ من حيث شبكة العمران والإستيطان البشري، وعمل على تحقيق التوازن المطلوب في العلاقات بين الأقاليم، حيث إستفادت هذه الأخيرة بفضل الترقية الإدارية، من وظائف سياسية وإدارية، ومن إجراءات هامة في الميدان الإقتصادي والإستثمارات في البنية التحتية، رفع من كفاءة هذا الإقليم، لتصل إلى المستوى المطلوب الذي تتحول فيه إلى مراكز للخدمة المحلية، أو الإقليمية أو حتى الجهوية.
وهكذا إستخدمت الخريطة الإدارية كأداة رسمية لنشر التنمية، وخلق واقع إقتصادي جديد يتماشى والأسس الجديدة، لإستراتجية التهيئة العمرانية في إطار النهوض بالإمكانات المحلية وضمان أنسب إطار ممكن وضمان أنسب إطار ممكن، لتحقيق أهداف التنمية.
وقد تمخضت هذه العملية، عن ظهور تحسن واضح في مستوى التجهيز، وإنشاء المرافق في المناطق المحرومة، كالهضاب العليا والصحراء وفي المناطق التي إستفادت بالدرجة الأولى، من ترقية العديد من مدنها، إلى رتبة عاصمة ولاية.

spisos
12-03-2009, 17:59
رد إلى المعرفة:

هاهو بحثك الأخت:

التحرك نحو الليبرالية السياسية في الجزائر:الإصلاح الإقتصادي:

المقدمة:

لقد فتحت الجزائر في بداية الثمانينات المجال للقطاع الخاص، ثم باشرت مجموعة من الإصلاحات السياسية و الإقتصادية، بفعل الضغوطات الداخلية المرتبطة بصراع النخـــب والحساسيات السياسية في السلطة، و بعوامل خارجية مرتبطة بانهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية، و إرتفاع المديونية الخارجية.
إلا أنه بعد التجربة القصيرة لعملية التحرك نحو الليبرالية السياسية تم اجهاضها والتراجع عنها و بالمقابل أبقي على الليبرالية الإقتصادية.
و عليه لماذا كانت عملية التحرك نحو الليبرالية السياسية قصيرة و غير مستمـــرة وبالمقابل تم الإبقاء على عملية التحرك نحو الليبرالية الإقتصادية التي إستمرت، وتم تحملهـا بالرغم من الآثار السلبية التي تركتها ، خصوصا على الفئات الإجتماعية المحرومة ؟ و ماهي المعوقات التي واجهت هذه العملية- عملية التحرك نحو الليبرالية السياسية-؟
إن تناول هذه الدراسة سوف تتم من خلال التطرق لتحديد مفاهيم الليبرالية السياسيــة و الإقتصادية، ثم سأتناول في الإنفتاح السياسي الذي عرفته الجزائر بالتطرق للإصلاحــات السياسية التي تمت، ثم للتحول الإقتصادي و للإصلاحات الإقتصادية التي تمت. ثم سأتطـرق للعوائق التي واجهت هذا التحرك نحو الليبرالية السياسة، و المتمثلة في العنف السياســـي، و غياب الثقافة السياسية الديمقراطية، و بجانب هذا، غياب طبقة بورجوازية تقود هــــذا التحرك، و كذا غياب مجتمع مدني قوي، و أخيرا الريع النفطي الذي إستخدم كمورد سياسـي من قبل السلطة لتفادي التمثيل السياسي الشعبي.


أولا:تحديد مفهومي الليبرالية السياسية و الإقتصادية:

أ-الليبرالية السياسية:

يقصد بمصطلح الليبرالية السياسية كل حركة أو تطور من نظام قائم على أقل مشاركـة سياسية، أو أقل محاسبة سياسية إلى آخر أكثر منهما.
و هو يستدعي الدمقرطة، و الإنتقال نحو النظام الديمقراطي، وكذا اجراءات لتجــاوز بعض الرقابات السياسية أو منح حقوق سياسية أكثر.
و تستدعي الليبرالية السياسية توسيع المجال العام، من خلال الإعتراف و حمايــــة الحريات المدنية و السياسية .

ب-الليبرالية الإقتصادية:

تعد الليبرالية الإقتصادية عملية أوسع من الخوصصة ، وهي تعني تقليص التدخـــل المباشر للدولة في النشاطات الإقتصادية، وتشجيع للقطاع الخاص، و تحرير التجـــــارة الخارجية . و هذه تستدعي ليس فقط تخفيض في الحواجز الجمركية بالنسبة لإستيراد البضائع والسلع، بل أيضا وضع سياسات لتجسيد ذلك.
و هذا التوجه يعود إلى الإقتصاد النيوكلاسيكي، و كذا الليبراليين الجدد، الذين اعتقـدوا أنه من الضروري ترك السوق لوحده يتحكم في العرض و الطلب، بعيدا عن تدخل الدولة.
و يبرز دور الليبرالية الإقتصادية من ثلاثة جوانب:
1-سوف تسمح بزيادة مدخلات جديدة من موارد جديدة من الإستثمار.
2- سوف تعطي ديناميكية قوية للإقتصاد، وتجعل السوق يلعب دورا كبيرا، و إعطـاء دور كبير للمبادرة الفردية، مما يؤدي الى زيادة أكثر في إنتاج الثروة. و إلى اقتصاد مفتوح.
3- و فتحه ليس فقط للمقاولين المحليين، بل أيضا للمنافسة الدولية، و سوف تخلق المهـارات التنافسية، كما تؤدي الى تقوية المسار الإقتصادي، و تعزز من النمو الإقتصادي.

ثانيا:الإنفتاح السياسي:

لقد أدت أحداث أكتوبر إلى تغيير الوجه السياسي للجزائر. فأطلق المسار السياســـي السريع الذي استمر ثلاثة سنوات قبل أن يوقف في جانفي 1992م . و في ظرف ثلاثة سنوات عرفت الجزائر تجربة خاصة و استثنائية من الحرية السياسية في العالم العربي.

و أثارت أحداث أكتوبر 1988م حركة نحو الليبرالية السياسية. ففي خطابه للأمة في 10 أكتوبر1988م وعد الرئيس الشاذلي بن جديد باجراء مجموعة من الإصلاحات السياسية، و أعلن في13 أكتوبر1988م على استفتاء وطني في 3 نوفمبر1988م، و الذي بموجبه اقترح اعادة تنظيم السلطة التنفيذية، من خلال تقوية وظيفة الوزير الأول، الذي أصبح مؤهلا علـى ادارة الشؤون العامة و العادية، و في أن يكون مسؤولا أمام المجلس الشعبي الوطني.
و قد تمثلت الإصلاحات السياسية التي تمت في التعديل الدستوري ل 1988م في:
1-تدعيم موقف رئيس الجمهورية في مواجهة المعارضين للإصلاحات التي بادر بها، و هذا بعد أن منحته المادة 5 من دستور 1976 م سلطة الرجوع مباشرة إلى الشعب الذي هو صاحب السيادة، و يمارسها عن طرق الإستفتاء، مما يبعده عن الضغوطات التي يمكـن أن يتلقاها من الجيش أو الحزب.
2-اعادة تنظيم السلطة التنفيذية، حيث أصبحت ثنائية بين رئيس الجمهورية و رئيـس الحكومة، وعلى أن يقدم هذا الأخير برنامجه أمام البرلمان، و يكون مسؤولا أمامه.
3-إلغاء القاعدة التي تقضي بأن رئيس الجمهورية يجسد وحدة القيادة السياسية للحـزب و الدولة.
4-فصل الدولة عن الحزب، مما جعل رئيس الجمهورية يتمتع باستقلالية في القيــام بالإصلاحات التي وعد بها.
5-إنهاء الدور السياسي للجيش و إلغاء النص الذي كان يعطيه دورا في بنـــــاء الإشتراكية، و أصبحت مهمته تقتصر فقط على الدفاع عن البلاد و وحدة أراضي البلد.
و قد تم هذا في ظل تدهور الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية للأفراد، بفعل انهيــار أسعار النفط في الأسواق الدولية، و بشكل أدى الى فقدان النظام للمشروعية السياسيـــة،
و عجز عن خلق مشروعية سياسية جديدة.
و ان كانت هذه الإصلاحات السياسية ناتجة عن الصراع الذي عرفته النخبة الجزائرية داخل السلطة بين المحافظين و الإصلاحيين. الأوائل كانوا معارضين لكل انفتاح سياســـي و اقتصادي. و أما الطرف الثاني فهو مؤيد للإصلاحات السياسية و الإقتصادية بقيادة مولـود حمروش الذي اعتبر أن الإصلاحات الإقتصادية بدون اصلاحات سياسية، و في ظل نظــام الأحادية الحزبية، سوف يكون مآله الفشل . و بالمقابل نجد أن المحافظين المستفدين مــن الريع ، و من الوضع القائم رفضوا هذه الإصلاحات. كما ترتبط بانعكاسات انهيار أسعار النفط على الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية الداخلية.


فأدخلت النخبة الحاكمة البلد في عملية التحرك نحو الليبرالية السياسية بغرض وضع حد للنظام السياسي، و للأحادية الحزبية، و فتح المجال للتنظيمات الحزبية و انشاء الجمعيــات. و تتجلى على العموم الإصلاحات السياسية التي أتى بها دستور1989م في:
1-السماح بالتعددية السياسية من خلال المادة 40 من الدستور التي تنص على انشــــاء الجمعيات ذات الطابع السياسي، ثم صدر القانون العضوي بها في 5 جويلية 1989م.
2-إعطاء ضمانات دستورية فيما يتعلق بالحقوق المرتبطة بالشخص.
3-إلغاء النص على أن رئيس الجمهورية يجسد وحدة القيادة السياسية للحزب و الدولـــة، و إلغاء النص على أن رئيس الدولة يعين الحكومة، و يحدد سياستها.
4-تقليص محدود لصلاحيات رئيسالجمهورية الذي تنازل عن حقه في المبادرة بتقديم القوانين إلى البرلمان حيث انتقل هذا الحق إلى رئيس الحكومة.
5-استحداث عدد من النصوص في مجال حقوق الإنسان والحريات و التي شكلت الفصــل الرابع من الدستور.
6-التأكيد على استقلالية السلطة القضائية و حماية القاضي ضد أي شكل من أشكال التدخـل أو الضغط، كما تم النص لأول مرة على استقلالية القضاء في المادة 29 من الدستور، و إقامة مجلس دستوري وظيفته حماية الدستور بموجب المادة 153 من الدستور.
7-إنهاء الدور السياسي للجيش، إذ نص الدستور على انحصار مسؤولية الجيش في حفــظ الإستقرار و السيادة الوطنية و الدفاع عن حدود البلاد.
و من هذه الإصلاحات السياسية لم تعد جبهة التحرير الوطني حزبا وحيدا مهيمنا علـى الساحة السياسية، و تحررت من ممارسة المسؤوليات المباشرة في مختلف أجهزة الدولــة، خصوصا الإدارية منها. و سمح الدستور الجديد بالإنفتاح السياسي، و أعطى ضمانــــات للحريات الفردية؛ كالحق في التعبير، و انشاء الجمعيات، و الحق في الإضراب .
و قد تجسدت الليبرالية السياسية من فيفري 1989م إلى جوان 1991م ، و خاصة فـي عهد حكومة مولود حمروش من سبتمبر1989م إلى جوان1991م.، فانسحب الجيش في هـذه الفترة من السياسة و من ادارة شؤون البلاد.
و في مارس 1989م انسحب ضباط الجيش من اللجنة المركزية لجبهة التحريــــر الوطني، و تخلى الرئيس الشاذلي بن جديد عن منصب وزير الدفاع الوطني لصالح اللــواء خالد نزار في جويلية 1990م، و من رئاسة حزب جبهة التحرير الوطني في جوان 1991م.
و قد تعززت حماية الحريات الفردية بعد مصادقة البرلمان على اتفاقية الأمم المتحـدة ضد التعذيب، و مصادقة الجزائر على العديد من الإتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و الإعتراف بالرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان.
و ترك المجال للمجتمع المدني لكي ينظم نفسه، فظهر عدد كبير من الجمعيات، و سمح بحرية الصحافة و الإعلام.
و اذا كان الإنفتاح السياسي قد سمح بظهور عدد محدود للأحزاب السياسية القــادرة على التعبئة السياسية ، و بظهور صحافة حرة و تعددية. إلا أنه بمقابل هذا لم يدم هـــذا "الإنفجار الكبير" للديمقراطية كما يسميه دال ايكلمان Dale Eickelman طويلا، حيث لــم يحمل العناصر التي يمكن أن يكون لها تأثيرا على النظام السياسي لاحقا، مما جعل نتائجــه محدودة، دون أن تؤدي إلى تغيير كبير للنظام السياسي الجزائري، و للخريطة السياسية.
ان هذا التغيير كان محدودا، و يتعلق الأمر فقط بتكتيك استعملته السلطة في التنـازل المؤقت للمجال السياسي للأحزاب السياسية و الجمعيات، بفعل المطالب و الضغوطات التـي أثقلت النظام السياسي الجزائري، و بدون أن يكون هناك دعم و سند له من جهة. و كذا لعدم التوافق بين قدرات النظام السياسي الإستخراجية و التوزيعية من جهة ثانية.
و يرى في هذا الباحث الأمريكي ج.ب.أنتليس أن تبني الليبرالية السياسية، يعود إلــى فشل السياسة الإقتصادية المتبعة، و لأحداث 5 أكتوبر1988م. كما أن الرئيس الشاذلي بــن جديد كان يعتبر أن تفادي أكتوبر جديد يتم من خلال الإنفتاح السياسي، بغرض توسيع القاعدة الإجتماعية للنظام السياسي، و ادراج مجموعات سياسية معارضة.
لذا فالهدف من هذه الليبرالية هو منح المجموعات المعارضة مجالا سياسيا لتخفيــف الضغط على النظام، كما اعتبرت كوسيلة لمنع تقويض الرقابة النهائية للنظام السياسي.

ثالثا:الإصلاحات الإقتصادية:

مع مجيء الرئيس الشاذلي بن جديد في بداية الثمانينات ، تم تبني سياسة الإنفتاح علـى غرار العديد من الدول العربية الأخرى ، بشكل سمح ببروز القطاع الخاص ، و باعــادة النظر في الخيار الإقتصادي السابق، من خلال برنامج معارضة و مواجهة النــــــدرة Programme anti-pénurie، و الذي خصص له حوالي 500 مليون فرنك فرنسي، لإقتناء السلع والبضائع الإستهلاكية ، على حساب العملية الإنتاجية. كما ظهرت وزارة الصناعات الخفيفة التي هي من ميزات الإقتصاد الليبرالي الرأسمالي، و هذا بجانب وزارة الصناعــات الثقيلة التي حظيت بالأهمية منذ مجيء الرئيس هواري بومدين.
و إنفتح الخطاب السياسي الرسمي أكثر على القطاع الخاص، وأعاد الإعتبار له، و ذلك من خلال قانون 82-11 الذي وضع ترخيصا مسبقا و إجباريا لكل مشروع خاص.
و قد شكل هذا القانون أول إنفتاح ليبرالي في الجانب الإقتصادي للمبادرة الخاصـــة للقطاع الخاص . و قد استتبع هذا القانون بانشاء الديوان الوطني المكلف بالتوجيه و المتابعـة و تنسيق الإستثمارات الإقتصادية الوطنية الخاصة.
ثم صدر القانون رقم 82-13  المتعلق بانشاء و سير المؤسسات الإقتصاديــــة المختلطة و الذي سمح بشراكة المؤسسات العمومية الجزائرية مع الإستثمارات الخارجيــة و التي حدد مشاركتها برأس مال الدولة ب51 % و الطرف الأجنبي ب 49 %.
و قد ازدادت مكانة القطاع الخاص في هذه الفترة، حيث بلغ عدد المؤسسات الخاصـة في 1982م 12000 مؤسسة خاصة، تشغل حوالي 120500 عامـل، أي ما يمثل ربع عمال القطاع الصناعي في البلد . و تشغل المؤسسات الخاصة التـي يتجاوز عدد عمالها 20 أكثـر من 32 آلف عامل.
و في عام 1988م صدر قانون 88-25 الذي حل محل قانون 82-13 و الذي وضـع إجراءات لتوجيه لاستثمارات القطاع الخاص، و هذا في ظل الأزمة الإقتصادية التـــي عرفتها الجزائر، و الناتجة عن انهيار أسعار النفط.
كما و ضع من خلال قانون 88-01 الصادر في1 جانفي 1988م حدا للمؤسســـات الإشتراكية ذات الطابع الإقتصادي، و أسست المؤسسات العمومية الإقتصادية. وقد أخذت هذه المؤسسات شكل مؤسسة ذات أسهم، أو مؤسسة ذات المسؤولية المحدودة ، و هو شكل موجود أكثر في الدول الغربية الرأسمالية كفرنسا.
و قد تم هذا في وقت اشرف غازي حيدوسي الذي كان مستشارا برئاسة الجمهورية،
على لجنة تولت دراسة الإقتصاد الجزائري،و تمثلت مهمتها في ايجاد حلول للأزمــــة الإقتصادية الجزائرية. و توصلت إلى نتائج نشرت في "كراريس الإصلاح"، و وجدت صدى لدى الأمين العام السابق برئاسة الجمهورية مولود حمروش، الذي بدأ في تجسيدها لما عيـن رئيسا للحكومة، و أعطى دفعا قويا للإصلاحات الإقتصادية بغرض التحول نحو اقتصـــاد السوق.
و قد ألح هذا الأخير على اشراك كل الفاعلين في الإصلاحات الإقتصادية، من نقابــة الإتحاد العام للعمال الجزائريين، و الإتحاد الوطني للمقاولين الجزائريين . و كان هدفــه وضع حد لرقابة الدولة للإقتصاد.
كما حرص على خوصصة المؤسسات العمومية، و تبنى مبدأ "إما أن تمر أم تحلça passe ou ça casse "، كما أصدر رئيس الحكومة مولود حمروش قانون النقد و القرض في مارس1990م، و الذي ميز بين القطاعين المالي و النقدي، واستقل بنك الجزائر عـن وزارة المالية، أي السلطة النقدية عن السلطة السياسية.
و تم تخفيض قيمة الدينار الجزائري، مقارنة بالعملات الأجنبية، بشكل يحدد قيمتهــا الحقيقية، و هذا بغرض تحويلها إلى عملة قابلة للتحويل.
كما بدأ في وضع حدا لإحتكار الدولة للتجارة الخارجية في أوت 1990م، ثم ألغـــي الإحتكار في فيفري 1991م.
وفيما يتعلق بالقيود على الإستثمارات الخارجية، فقد سمح قانون النقد و القــــرض للإستثمار الخاص المحلي و الأجنبي من الإستثمار بحرية. و فضلا عن هذا أدخل النظام الحر للأسعار.
إلا أن تحرير الإقتصاد و تجسيد الإصلاحات الإقتصادية لم يتم بصفة نهائية و بـدون صعوبات ، خاصة بعد اقالة رئيس الحكومة مولود حمروش من رئاسة الحكومة في جــوان 1991م، حيث فتح المجال للبورجوازية الكومبرادورية أو الطفيلية لإستغلال الفترة الإنتقاليـة بغرض تشكيل الثروة، مع تأجيل كل تجسيد للإصلاحات الإقتصادية، و هو ما تم فعلا ، حيث أنه منذ تلك الفترة و لغاية 2008 م مازال التحدث عن تطبيقها، أي تطبيق الإصلاحـــات
و عموما ، فالسياسة الليبرالية الإقتصادية بدأت مع الرئيس الشاذلي بن جديد، ثـــم تعززت أكثر في فترة التسعينات بعد التوقيع على اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، و قــد سمحت بنشوء قطاع خاص، و لكنه مرتبط أكثر بالدولة، و لا يتمتع باستقلالية مطلقة، و بدون أن يكون له وجود سياسي ثقيل، و هو لا يعارض السلطة،و هو يتغذى بجزء كبير منه مـن الريع النفطي.
و عموما ، هنالك دائما اصرار من قبل النخب المتداولة على الحكم على مواصلة مسار الليبرالية الإقتصادية، و هذا بسبب الضغوطات التي يمارسها المستثمرين الخواص المحلييـن و الأجانب.

رابعا: عوائق التحرك نحو الليبرالية السياسية:

لقد عارضت عملية التحرك نحو الليبرالية السياسية مجموعة من العراقيل، دفعـــت بالسلطة الى التراجع عنها و تتمثل هذه العرقيل في:
أ-العنف السياسي :

لقد انعكس العنف السياسي الذي عرفته الجزائر في بداية التسعينات بعد الغاء الإنتخابات التشريعية سلبا على المسار الديمقراطي، و أعلنت حالة الطوارئ في 9 فيفـــري 1992 م لمجابهة أعمال العنف السياسي، الذي ازداد أكثر فأكثر لاحقا، و استهدف مؤسسات و رمـوز الدولة، و المؤسسات الإقتصادية، وقوات الأمن المشتركة، و التصفيات الجسدية أيضا للأفراد، حتى تجاوز عدد الضحايا أكثر من 100آلف قتيل.
و أمام هذه الوضعية، أصبح من الصعوبة العودة الى المسار الديمقراطي، لكــــون الظروف السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للبلد لا تسمح بذلك.
و قد أثرت حالة الطوارئ من ناحية على الحريات الفردية و الجماعية، فأصبحـــت المسيرات و التجمعات السياسية التي تعد أشكالا للتعبير السياسي الحر ممنوعة، و تراجــع أيضا نشاط الأحزاب السياسية و دورها.
و من ناحية أخرى، أثرت حالة الطوارئ على المجتمع المدني، على أساس أن وجوده يرتبط بوجود الديمقراطية.

ب-غياب الثقافة السياسية الديمقراطية:

توصف الجزائر عموما بأنها دولة مستقرة حتي أواخر السبعينات. إلا أنه مع بدايـة الثمانينات تغيرت الوضعية، حيث دخلت في مرحلة اللإستقرار سياسي، و تجلى ذلك مـــع أحداث الربيع الأمازيغي في 1980م، ثم أحداث سطيف و قسنطينة في 1986م، ثم أحــداث أكتوبر 1988م، و أخيرا بداية العنف السياسي في بداية التسعينات و لغاية اليوم.
و اعتبر العديد من الباحثين أن هذا يعود للثقافة السياسية للنخبة الحاكمة التي هي مختلفة عن الثقافة السياسية للأفراد الجزائريين. إذ الإيديولوجية اللائكية للنخبة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية لم تلق الدعم من قبل الجماهير المتشبعة بالثقافة العربية الإسلاميــــة، خصوصا بعد التعريب الذي انتشر في المدرسة الجزائرية، و كذا النشاط الذي قامت بـــه الحركة الإسلامية، و اعتبرت فيه النخبة على أنها متغربة و غريبة عن المجتمع، و دعت إلى رفض هذه النخبة الحاكمة و على عدم التعبير عن الولاء لها.
و مهما يكن، فما يميز الثقافة السياسية في الدول العربية، بما فيها الجزائر، هو أنهــا ترتكز على القوة، و على رفض الطرف الأخر، و الرأي الأخر، و تعيد انتاج النظام التسلطي و تعززه، و تمنع ظهور و بروز الحكم الديمقراطي.
و من جانب آخر الإرتكاز على التسلط و تبني الوصاية الأبوية على المجتمع ككــل. و يجد هذا مرجعيته في ما يسميه الباحث هشام شرابي بالأبوية المستحدثة. وهي ترتكز علـى علاقات السلطة والخضوع و التبعية و نظام الولاء في بنية للعلاقات الإجتماعية.
فالعلاقات الإجتماعية الداخلية في العائلة العربية تقوم على التسلط ، و على تهيئة الفرد للخضوع و طاعة الطفل منذ فترة الصغر، و على عدم السماح له بالنقاش مما يجعل الفــرد يضيع في أسرته، و يتعود على الإتكال على من هو أكبر منه سنا كالأخ الأكبر و رب العائلة و الرئيس.
فهذا التسلط والخضوع يجعل الفرد متعودا على سلوك معنوي بطريقة آلية بعيدا عن استخدام العقل،و عن الإرادة في تغيير الوضع الاجتماعي القائم، مما يسمح لرب العائلة من أن يفرض السيطرة أكثر.
أما التبعية فهي تشكل نظام قيم و تشكل اجتماعي، و تلعب العائلة دورا كبيرا فـي تعويد الطفل و تغذيته بقيم التبعية و مواقفها.
أما عن الولاء، فان الفرد يتجه الى التعبير عن ولائه ليس للوطن و الأمة و للسلطــة المركزية، بل للعائلة و القبيلة، مما يضعف الشعور الوطني و الإنتماء الى مجتمع معيـن، و يقوي بالمقابل الولاء الضيق، مما ينعكس على الثقافة السياسية، حيث تبرز الثقافات السياسية الفرعية، مما يشكل خطرا على وحدة البلد الموحد ، و هو أمر عانته نوعا ما الجزائر بعــد الإستقلال، من حيث الصراع بين التعبير عن الولاء للولايات التاريخية ، خصوصا الثالثـة و الرابعة، و التعبير عن الولاء للسلطة المركزية الجديدة، التي قادها جيش الحدود.
كما يرى هشام شرابي أن العجز، والإتكالية، و الخضوع تعود لدور التنشئة الإجتماعية العائلية، و هي عناصر تلقى التعبير و التجسيد في الفرد العربي في علاقاته مع من هو فـي مرتبة أعلى، مما يجعل للفرد مجالا ضيقا في ابراز ذاتيته و نفسه، و في التعبير عن رأيه.
و يرى هشام شرابي أن هذه العناصر لا تتلاءم مع الحداثة ومع الديمقراطية.
و دائما في هذا الإطار، فالحياة الإجتماعية حسب المفكر محمد الزاهي المغربي، تمثـل نسقا دائما للعلاقات المتبادلة و المرتكزة على التسلط و الإكراه، و الرضوخ و الأبوية. و هذه نجدها في العائلة العربية من الأصغر الى الأكبر.
و ينتقل هذا السلوك الفردي القائم في المجال الإجتماعي العائلي إلى المجال السياسـي، من حيث الممارسات السياسية، و سير السلطة، و العلاقات السياسية بين مختلف القـــوى السياسية و السلطة من ناحية، و بين هذه و الأفراد من ناحية ثانية.
و يترتب عن هذا أن الفرد يقبل بمكانته في النظام السياسي القائم و يرضى بــــه ، و يفوض صنع القرارات و تسيير الشؤون العامة للحكام عوض أن يشارك هو بفاعليــة ، و يقبل بتفوق هؤلاء و بالسلطة القائمة حتى و إن كانت تسلطية.
و تاريخيا ففد كان للبنى الإجتماعية التقليدية و القائمة على السلطة الأبوية تأثيرا على الدولة الحديثة، حيث اجتمعت و امتزجت مع البنى السياسي . فالباحث و اتربـــــتوري Waterbury يعتقد أن تاريخ الدولة في الشرق الأوسط لها يبين أن للبنى الإجتماعيـة دور في ادارة شؤون المسلمين،مما قدم نموذجا اقتدت به الدول العربية الحديثة.
كما أن الإستعمار الأوروبي عزز من دور التقاليد المرتكزة على الحكم الأبوي الــذي انتقل تدريجيا الى الدول الحديثة.
و في الفترة الحديثة يمكن القول أن علاقة الدولة بالمواطن(و إن كانت المواطنة غيـر قائمة بتاتا في الدول العربية) في البلدان العربية، بما فيها الجزائر، ليست كما هو في الحـال في الغرب. بل هي تشبه علاقة الشخص بالحاكم على أساس الولاء و الخضوع أكثر منه على أسس ديمقراطية مرتكزة على المواطنة و التمثيل، و الإحترام. مما سمح للحكام باتخــــاذ قرارات مصيرية بعيدا عن استشارة الأفراد، و ان كانت تعنيهم.
فحدثت استمرارية تاريخية في نقل القيم التقليدية الأبوية للدولة الجزائرية. كما أن كـل حاكم يعتقد انه هو الأقدر لوحده على ادارة الأزمة ، و شؤون البلد، و أن له وصاية عليه.
كما تطرح أيضا في اطار الثقافة السياسية السائدة في المجتمع الجزائري مسألــــة الشعبوية و التي ارتبطت بالأحزاب السياسية الجزائرية منذ الحركة الوطنية و لغاية التعدديـة السياسية.
فالحزب الشعبوي يعتبر نفسه أنه يمثل الشعب، و ليس هناك من مكان للأحــــزاب الأخرى. و ان كان المفهوم الغربي للحزب السياسي يتطلب وجود أحزاب أخرى تدخل معـه في تنافس من أجل الوصول إلى السلطة. ولهذا فالحزب الشعبوي ليس بحزب سياسي مندمجا في اللعبة الديموقراطية. فقد اعتبرا كل من جبهة التحرير الوطني سابقا و الجبهة الإسلاميـة للإنقاذ لاحقا على أنهما حركتين تعبران عن الهوية الجزائرية، العربية الإسلامية.
فالأولى كان حزبا وحيدا أثناء الثورة التحريرية، و رفض وجود الأحزاب الأخــرى بجانبه، لأسباب سياسية متعلقة بالتفاوض مع المستعمر، مما أدى الى انصهار مختلــــف الأحزاب السياسية القائمة في داخله في 1956م، في حين رفضت الحركة الوطنية الجزائرية التي تزعمها مصالي الحاج هيمنة جبهة التحرير الوطني.
و أما الثانية فقد رفضت أيضا وجود الأحزاب السياسية الأخرى ، خصوصـــــا الديمقراطية العلمانية،و اعتبرت المجتمع الجزائري في عمقه على أنه رافضا للتعدديــــة السياسية و للديمقراطية بالمفهوم الحديث، و على أنها كفر.
فسادت في الجزائر الإيديولوجية القائمة على الأبوية الجديدة، والتي رفضت فكــرة التعددية السياسية، التي تفترض مبدأ التداول على السلطة.
فالثقافة السياسية المرتكزة على الإيديولوجية الشعبوية، ترى أنه لا مكانة للحريــــة السياسية، و لإستقلالية الفرد اللذان هما من عنصري الديمقراطية. و قد بقيت هذه الثقافـــة الشعبوية مترسخة في الثقافة السياسية الجزائرية ، مما أعاق و صعب من ظهور ثقافة سياسية ديمقراطية أن تظهر، و من أن تترسخ في البيئة السياسية الجزائرية. فالشعبوية سمحت بظهور حركات جماهيرية رفضت وجود الأحزاب السياسية التعددية.
فعليه تعتبر الثقافة السياسية الشعوبية تعد من إحدى العوامل التي ساهمت في الأزمـة الجزائرية.

ج-غياب بورجوازية قوية:

إن ما يميز الدولة في الجزائر هو أنها تطورت كطبقة لذاتها بعيدا عن المجتمع، و من هذا، فعلاقاتها بالمجتمع ارتكزت على الإغتراب ، و الصراع الطبقي و إستقلاليتها النسبية عن المجتمع. فالدولة كانت و مازالت تعمل لصالح طبقتها الخاصة دون اعتبار للطبقات الأخـرى في المجتمع.
و ينظر للقطاع الخاص على أنه ضعيف و هامشي و تجاري محض، و أدخلــت الليبرالية الإقتصادية لضمان استمرارية النظام من خلال تسريع التنمية، مما يترتب عنه تقلص وظائف أجهزة الدولة، و تبقى النخب الحاكمة تتحكم في رقابتها على الإقتصاد من خـــلال ميكانيزمات الحواجز الرقابية، أي تبقي على رقابتها الطبقية على وسائل الإنتاج ، و تنتقــل بالمقابل الملكية للقطاع الخاص،و هذه الرقابة يمكن أن تكون معرقلا لقواع إقتصاد السوق، و هذا ما لا يسمح بنمو القطاع الخاص، و يجعله لا يلعب دورا كبيرا في التنمية الإقتصادية.
إذا كانت البورجوازية حسب بانيدر و ليزا أندرسون تلعب دور الحاكم في أية بدايــة ديمقراطية، فان ما يميزها في الجزائر هو كونها ضعفيفة، و هذا يعود إلى أسباب تاريخية و موضوعية أعاقا تطورها. فتاريخيا، أعاق المستعمر الفرنسي نموها و تطورها لتخوفه من أنها تشكل قوة تعي بوجودها و مصالحها لاحقا، مما سيسمح لها بمنافسة البورجوازيــــة الإستعمارية في الجزائر، و من ثم قيادة الجماهير الجزائرية نحو التحرر.
أما موضوعيا، فقد لاقت المواجهة من قبل النخبة الحاكمة بعد الإستقلال، للشك فــي تحالفها مع المستعمر الفرنسي، و الرأسمالية العالمية. فضلا على أن الخيار الإيديولوجــي و الإقتصادي للجزائر المستقلة لم يسمح لها بالنشاط و الحركية.
كما أن ضعف البورجوازية و القطاع الخاص الذي تشرف عليه، لا يرتبط فقـــط بالإجراءات الرقابية للدولة عليه، بل ان الريع النفطي قد ساهم في جعلها، أي البورجوازيـة ، هامشية، و هذا لكون الجزائر تتحصل على موارد مالية من الخارج، و تتحكم فيها بعيدا عـن أية مساهمة للقطاع الخاص و للأفراد، مما أعطى لها ، أي للدولة، إستقلالية على الفاعليــن الآخرين في المجتمع. فارتكزت القدرة الإستخراجية للدولة على العائدات المالية للنفـــط ، و المرتبطة بالأسواق المالية الدولية، ثم توزعها على أفراد المجتمع بطريقة غير متساوية.
و هذا التوزيع قد يأخذ شكل توزيع الرواتب على الموظفين، حتى و ان كان هنـــاك تضخم وظيفي، أو توزيع للأجور على العمال حتى و ان كانت المؤسسات غير منتجة و غير محققة للأرباح، كما قد يأخذ التوزيع شكل مايسمى بدولة العناية الإلاهية، وذلك بتخصيــص ميزانيات إضافية للولايات و المشاريع غير انتاجية و عاجزة. فالهدف هو شراء السلــــم الإجتماعي، و الحصول على المشروعية السياسية.
فترتكز الدولة الريعية على حد تعبير جياكوم لوتشيانيGiacomo Luciani و حـازم ببلاويHazem Beblawi على التوزيع أكثر منه على زيادة الدخل في الموارد الماليـــة، خصوصا من الضرائب التي تفرض على الأفراد،و بشكل يجعل الدولة تتفادى التمثيــــل السياسي الحقيقي، مما يترتب عنه مقولة "لا ضريبة إلا بتمثيل".
و ينشط القطاع الخاص في الجزائر و يتغذى بطريقة غير مباشرة من ميزانية الدولـة. و في هذا يقول الباحث الأمريكي ديلمان برادفورد:" ان التراكم المالي الذي يحققه القطــاع الخاص يرتكز على تحويل الموارد من الدولة عن طريق النفقات العمومية، و الدعـــــم و الزبائنية"، و هو لا يتمتع باستقلالية مطلقة و لا نسبية عنها. و هو مقارنة بالقطاع العام، و بادراج قطاع المحروقات لا يساهم في الدخل الوطني الخام و لا في تحقيق القيمة المضافة إلا بنسبة ضئيلة جدا.
و مع انهيار أسعار النفط، و بداية مسار الإصلاحات الإقتصادية، أصبح الخطـــاب السياسي الرسمي يعترف بالقطاع الخاص، و على أنه سوف يساهم في التنمية الإقتصاديــة، خصوصا مع تجسيد العديد من الإصلاحات الإقتصادية؛ كوضع قانون النقد و القـــرض ، و وضع القوانين المجشعة و الضامنة للإستثمار الخاص، و تحرير التجارة الخارجية...الخ.
إلا أن هذه الإجراءات لم يستفيد منها القطاع الخاص الإنتاجي، بل سمحت ببـــروز بورجوازية كومبرادورية أو طفيلية، مرتبطة بالرأسمالية العالمية، و تهتم بالتجارة و المضاربة أكثر منه بالإستثمار الإنتاجي الذي يحقق و يزيد من الثروة، و هذا لتجنبها المغامـــــرة الإقتصادية التي هي من صفات المستثمر الإقتصادي الرأسمالي. و فضلاعن هذا، هي فئــة مرتبطة بالنخبة الحاكمة، سواء من حيث المصالح المالية و الإقتصادية المشتركة، أو مــن حيث المصاهرة. مما جعل القطاع الخاص الحقيقي المنتج يغيب، و لا يكون له دور حقيقي في العملية السياسية الديمقراطية، و في المطالبة بالتمثيل، و التأثير في القرار السياسي.
و القليل من المقاولين الخواص الذين تمكنوا من تحقيق نمو في نشاطاتهم في ظل النظام القائم، يعود إلى العلاقات الزبائنية التي سمحت لهم من الحصول على الريع، و اتصالهـــم بالأعضاء الفاعلين في أجهزة الدولة،و باعتبار أنهم كانوا أنفسهم أعضاء في هذه الأجهزة.
و تعد النخبة الحاكمة قلب الدولة و سلاح للقطاع الخاص. و قد حررت هذه الفئـــة المستفيدة من الإصلاحات الإقتصادية، من القيود المفروضة على نشاطاتهم الخاصة، و لكن لم يسمح لهم بالتوسع الإقتصادي أكثر.
و قد عارض هؤلاء الخواص، و كذا الشبكات الريعية، كل إصلاح إقتصادي ليبرالـي حقيقي، ومن ثم ييشكل هؤلاء أكبر معرقل كبير لكل اصلاح ليبرالي من شأنه السماح للقطاع الخاص من أن يلعب دورا في الإقتصاد.
و لكن رغم، هذا فانه بدأ يتحرر نوعا ما من الإجراءات البيروقراطية، و أصبـح دوره في زيادة الدخل الوطني الخام، و تحقيق القيمة المضافة خارج المحروقات، و الزيادة فــي التوظيف يزداد من سنة لأخرى.

د-غياب المجتمع المدني:

إن إلغاء المسار الديمقراطي في 11جانفي1992م، ودخول الجيش الحيــاة السياسية، و إعلان حالة الطوارئ، قد أثرعلى مسار الدمقرطة، بل أدى إلى تضييق الحريات العامــة، و إلى الحد من نشاط الأحزاب السياسية و الجمعيات والنقابات، و أدى بالمقابل إلى تقوية قوة الدولة على حساب المجتمع المدني، و إن كان قائما فهو شكلي و تابع للدولة.
فما هو دور هذه الجمعيات في التفتح الديمقراطي؟
فمن جهة أخرى فان الجمعيات اعتبرت كمحاور متميز مع الحكومة، فشاركت في لجان عديدة و بصفة نشيطة و في مختلف التشاورات و الإستشارات لإصلاح الإدارة، كمـــا أن النقابة العمالية و أرباب العمل عملت جنبا لجنب مع الحكومة فيما يتعلق عالم الشغـــــل و الإصلاحات الإقتصادية . فرئيس المجلس الأعلى للدولة محمد بوضياف أنشا المجلـــس الاستشاري لضمان مشاركة الجمعيات.
و ما يميزالقليل جدا من هذه الجمعيات هو تمتعها بالإستقلالية التامة عن الدولة،وتمكنت من أن تفرض نفسها نوعا ما بالرغم من المحيط العام غير الملائم للنشاط الجمعوي، بعيدا عن تدخل و رقابة الدولة من الناحية المادية و المالية، و هو ما ينطبق على الرابطة الجزائريــة للدفاع عن حقوق الإنسان، و جمعية تجمع عمل شبابRAJ، و هذا لإرتباطها بالمنظمات غير الحكومية الدولية، التي تمارس ضغوطا دولية على الجزائر لكي لاتعرقل عمل هذه الجمعيات.
ومن جهة أخرى فان مختلف الجمعيات في حركيتها أصبحت تخضع لمجموعة مــن العراقيل التي عرقلت من نشاطها و المتمثلة في:
1-حالة الطوارئ في فيفري1992م، الذي ضيق من عمل الجمعيات . و في هذا يـرى الباحث الفرنسي في العلوم السياسية جون لوكا، أنه من الناحية القانونية فان المجتمع المدنـي يكون في هذه الحالة ضعيفا ، و نفس الأمر في حالات الحروب أين المجتمع يقتصر فقط على الجمعيات الخيرية، ويعيد هذا إلى الذهن وضعية الجزائر بعد الإستقلال، إذ بموجب المادة 54 من دستور1963م تم توقيف الدستور إلى غاية دستور1976م.
2-في أن الدولة تعلن إحترامها لمبادئ الدستور و للقانون ولحرية حركية و نشـــاط الجمعيات و لكن في الممارسة تقوم بالتضييق و الحد من عملها. فالسلطة تمارس ضغوطـات إدارية و قضائية على النقابات المستقلة التي تعبر على رأي القاعدة،على غرار ماحدث لنقابي المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي الذين وضعوا تحت الرقابة القضائية في إضـــراب 2005م. و أكثر من هذا، فالسلطة رفضت منح وصل التسجيل لنقابتين، كما أن هناك إعـادة النظر في حق الإضراب الذي هو حق دستوري و قانوني ممنوح للعمال كما تنص عليه المادة 90-02 ، فالعدالة قررت عدم شرعية الإضراب الذي تنادي به النقابات المستقلة لاسيمـا إذا كان مفتوحا.
3- فضلا عن إختراق هذه الجمعيات من خلال فرض الرقابة المالية عليها و ربــط المساعدات المالية بالتعبيرعن الولاء للدولة ، و استبدال قادتها الذين يتبنون لمبدأ الإستقلاليـة عن السلطة بآخرين، موالين لها ، و بشكل يجعل تقريبا غالبية الجمعيات تعبر عن تأييدها لكل المبادرات التي من عند الدولة والسلطة. و بالرغم من أن هناك إرادات لإنشاء الجمعيـــات المستقلة إلا أن هذه تجابه برفض الإدارة التي تفرض عليها ضرورة الرقابة المالية.
4- كما أن هناك محاولات فاشلة من قبل الدولة لإضعاف دور هذه الجمعيات ذي البعد الدولين من خلال خلق جمعيات منافسة لها كإنشاء الجمعية الوطنية الإستشارية لترقية حقـوق الإنسان لكي تنافس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان.
5-خلق إنشقاقات بداخلها بشكل شل عمل الجمعيات، و هو إجراء مس معظـــــم الجمعيات الوطنية التي تنشط في المجالات الإستراتيجية، فعملت الدولة على إسترجاع المجال الذي فقده بفعل أحداث أكتوبر1988م، لصالح النقابات المستقلـة و الإتحادات المهنيــــة و الجمعيات.
فهذه العراقيل حددت من نشاط الجمعيات، و ما صراع بين الدولة و المجتمـع المدنـي حول قضايا حقوق الإنسان، و قانون الأسرة، و التعليم، و الحقوق الثقافية، و قضية الهويــة لدليل على تشدد الثقافة السياسية التسلطية للنخبة الحاكمة في النظام السياسي القائم التي تلجـأ إلى المناورات السياسية للإبقاء على إمتيازاتها.
و ما يميز اليوم المسارالديمقراطي هو أنه محدود ، و لا يرق إلى طموحات الشعــب الجزائري. و الجمعيات المشكلة للمجتمع المدني ظهرت في وقت صعب ، و هي لم تتجذر في المجتمع الجزائري و من ثم فان قدراتها التعبئية محدودة، و نشـأة العديد منها كان بدفع مـن الدولة، و هذا بغرض إجهاض كل ظهور و بروز حقيقـي للمجتمع المدني
. فضلا عـن إرادة السلطة في تجاوز أزمة المشروعية التي تعاني منها، مما يجعل هذه الجمعيات بــدون جدوى على أساس أن نشأتها مرتبط بالسلطة فهي ستبقى رهينة منطق السلطة و بدون أيــة فاعلية، كما أن العنف السياسي المنتشر،و العنف المضاد هي عوامل غير مشجعة وغير مؤيدة لإقامة مسار المجتمع المدني، كما أن الحذر و الظن المتبادل بين السلطة و التنظيمــــات الجمعوية يمنع من بروز مجتمع مدني.
خلاصة،فالمجتمع المدني في الجزائر هو غير قادر على تعديل ميزان القوة الذي هو في صالح الدولة، لعدم تجذره (أي المجتمع المدني) ، و هذا بسبب مجموعة من العوامل التاريخية التي تعود إلى فترة الثورة التحريرية، و المرتبطة أساسا بالنخبة المسيطرة على الثورة التي لم تقبل بتعدد الأفكار و التصورات، فكان غرضها هو تحقيق الإستقلال الوطني. و هو سلــوك سياسي إستمر بعد الإستقلال، و جسدته القيادة العسكرية بقيادة هواري بومدين، و التي ركزت كل عملها على بناء الدولة على حساب المجتمع المدني. و أما في فترة التعددية السياسية، فانه بالرغم من ضعف الدولة و ترك المجال للجمعيات في الظهور، إلا أن هذا كان مؤقتا، حيـث إستعادت الدولة مكانتها وجعلت المجتمع المدني خاضعا لها ، و ما ساعدها في ذلك هو حالـة الطوارئ، و العنف السياسي الذي ساد البلاد، و الذي حد من الحريات العمومية و الفرديـة . و فضلا عن هذا، فان عدم النضج السياسي للمجتمع يعد من العوامل المعرقلة لتطور المجتمع المدني.

الخاتمة:

من خلال هذه الدراسة، يمكن أن نستخلص أن الجزائر قد تحركت في فترة الثمانينـات نحو الليبرالية السياسية و الإقتصادية، و ان كانت الليبرالية الإقتصادية قبل السياسية.
و قد ارتبط هذا التحول خصوصا بوصول نخبة سياسية جديدة إلى الحكم، و كذا بانهيار أسعار النفط، و الأزمة الإقتصادية الجزائرية التي عرفتها الجزائر، والتي أفقدت المشروعيـة السياسية للنظام، و جعلت النخبة الحاكمة غير قادرة على خلق مشروعية سياسية جديـــدة، و هذا في ظل مرحلة تميزت بتزايد المطالب المختلفة؛ السياسية، و الإقتصادية، و الإجتماعية، و الثقافية الموجهة للنظام السياسي.
و في هذا، لم يبق للسلطة إلا أن تفتح المجال السياسي الذي استمر لمدة ثلاثة سنوات ، ثم استرجعته بعد ذلك، بفعل انتصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ بغالبية المقاعد البرلمانية فــي الدور الأول من انتخابات26 ديسمبر1992م، و تدخل المؤسسة العسكرية التي تحالفت مــع السياسيين لإلغائها.
ان اجهاض مسار التحرك نحو الليبرالية السياسية لا يعود فقط لهذا السبب الأخيـــر المباشر، بل أيضا إلى الثقافة السياسية غير الديمقراطية السائدة في المجتمع الجزائر، و لغياب بورجوازية قوية تقود حركة الدمقرطة، و كذا غياب مجتمع مدني قوي يواجه الدولة.
أما عن الليبرالية الإقتصادية، فقد استمرت، و لكن حرفت عن مسارها الأول، بفعــل بروز فئة تسمى بالبورجوازية الطفيلية التي تهتم بالإستيراد أكثر منه بالإنتاج، و استغلــت علاقاتها و شبكات الزبائنية التي تتمتع بها في مختلف أجهزة الدولة لكي تبقي على الوضــع القائم الذي سمح لها بتحقيق ثروات، و من ثم فهي تعمل دائما على اجهاض الإصلاحـــات الإقتصادية الحقيقية التي تمس بمصالحها.
و لكن رغم هذا، فان السلطة مصممة على مواصلة مسار الليبرالية الإقتصادية، و هـذا نظرا لضغوطات المستثمرين الأجانب.

spisos
12-03-2009, 18:28
تابع إلى المعرفة:

هذه هي المراجع للبحث السابق:


-Gerd Nonneman ,Political and Economic Liberalization,USA: Lynne Rienner Pub, 
1996,p.330,
-Rex Brynen, Bahgat Korany, Paul Noble de Rex Brynen, Political Liberalization 
and Democratization in the Arab World, USA: Lynne Rienner Pub,1998,p.3.

-Ibid.,p.4.
-Ibid.p.5.
-Camille Bonora-Waisman,France and the Algerian Conflict:Issues in Democracy 
and Political Stability1988-1995,USA:Ashgate Pub Ltd,2003,p.17.
-الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبيـة، دستور1976م،ص.2.
 -بوالشعير سعيد، النظام السياسي الجزائري،الجزائر:دار الهدى،ص..184-189.
-Isabelle Werenfels , Managing Instability in Algeria : Elites and political change 
Since1995,UK : Routledge , 2007,p.40.
-Dahmani Mohamed,Algérie: Légitimité Historique et Continuité Politique ,France: 
Harmattan,1999,p.119.
-Isabelle Werenfels,op.cit,p.41.
- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية المــواد :31،و35، و36، و37، و39، و 40، و41، و44، و49، و50،و51، و 52،و 53، دستور 1989 م ، ص.6-9.
-عبيد هناء، أزمة التحول الديمقراطـي في الجزائر، في التحول الديمقراطي في دول المغرب العربي،القاهرة: مركز الدراســـات
السياسية و الإستراتيجية ، 2004،ص .149.
-Camille Bonora-Waisman,op.cit.,p.20.
 -كمثال الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي استعملت العامل الدين كمورد سياسي، سمح لها بتعبئة الأفراد.
-Layachi Azzedine ,Political Liberalization and the Islamist Movement in Algeria, 
in Michael Bonner , Megan Reif and Mark Tessler, Islam, Democracy and the
State in Algeria : Lessons for the Western Mediterranean and Beyond, UK:
UK:Routledge,2005,p.
-Entelis J. P, " State Society Relations as a case study " , in Mark A.Tessler, Jodi 
Nachtwey And Anne Banda , Area Studies and Social Science , USA : Indiana
university Press,1999,pp..20-21.
 -Thomas Carothers,,Marina Ottaway, Uncharted Journey:Promoting Democracy
.in the Middle East,USA: Carnegie Endowment,2005,p.20
Etat , Bazar et Globalisation,Algérie : Les Editions El Hikma , -Tlemcani Rachid,
1999,p.37.
-Ibid.,p.117.
 - القانون رقم 82-11 المؤرخ في 21 أوت 1982م المتعلق بالإستثمار الإقتصادي الخاص، الجريدة الرسمية، رقـــم 34،
الصادر في 24 أوت 1982م،ص.1692-1700.
-Isli Mohand Arezki, " La Création d'Entreprises en Algérie " , Les Cahiers du ,
CREAD,Algérie, numéro 73 , 2005 , p.60.
 - القانون رقم82-13 المؤرخ في 28 أوت1982م و المتعلق بتأسيس الشركات المختلطة الإقتصادية و سيرها، الجريدة الرسمية،
العدد35، الموافق ل31 أوت 1982م،ص.1724-1732.
 -Abdoun Rabah," Le Secteur Industriel Privé en Algérie " , France , Annuaire de
 -Isli Mohand Arezki,op.cit.,p.60.
 -Mekideche Mustapha , L'Algérie entre Economie De Rente et Economie
Emergente,Alger:éd.Dahlab,2000,p..51-52.
-Ibid.,p.53
 -Westerlund David,Questioning The Secular State: The Worldwide Resurgence of
Religion in Politics,USA:St.Martin's Press,1996,p.156.
-Sadiki Larbi , The Search For Arab Democracy , London : C. Hurst and Co -
publishers,2004,p.174.
 -شرابي هشام،النظام الأبوي و اشكالية تخلف المجتمع العربي،ترجمة:محمود شريح،لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية،1992م،
ص.60.
 -نفس المرجع، ص.62.
 -نفس المرجع، ص64.
 -نفس المرجع،ص.64.
 -شرابي هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط3، بيروت: الأهلية للنشر و التوزيع، 1980،ص.40.
--Sadiki Larbi,op.cit.,p.175.
 -Entelis J.P, Algeria :The Revolution Institutionalized , Boulder : Westview ,1986,
,p.157.
 -Bryner Rex, Korany Bahgat and Noble Paul,op.cit.,pp..61-93.
-Addi Lehouari,L'Algérie et La Démocratie:pouvoir et crise du politique contemp-
oraine,France:éd.La Découverte,1994,pp..108-109.
 -Ibid.,p110.
 -Ibid.,p.110.
 -Emma C.Murphy, The State and the Private Sector in North Africa:Seeking
Specificity,Mediterranean Politics,London, Vol.6,No.2,Summer 2001,,p.5.
 -Ibid.,p.6.
- ووتربوري جون،إمكانية التحرك نحو الليبرالية السياسية في الشرق الأوسط، في غسان سلامة و آخرون، ديمقراطية مــن دون
ديمقراطيين: سياسات الإنفتاح في العالم العربي/ الإسلامي، لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية،1995، ص.83.

 و هو ما يبرز خصوصا في مسألة توزيع الأجور و الرواتب، حيث اذا كان الفرق بين راتب الوزير أو النائب في البرلمان من جهة
في فرنسا يتجاوز الأجر القاعدي للمواطن الفرنسي بحوالي أربعة إلى خمسة مرات فقط، فانه في الجزائر يتجاوز الفارق أكثر مـن
خمسة و عشرون مرة أو أكثر من ذلك.
 -ووتربوري جون ، المرجع السابق الذكر،ص.85.
 -Bradford L.Dillman,The Private Sector in Algeria:The Politics of Rent Seeking
and Failed,Boulder,Co:Westview Press,2000,p.16.
 -Layachi Azzedine,The Private Sector in Algerian Economy:Obstacles and
Potentials for a Productive Role, Mediterranean Politics,London, Vol.6, No.2,
Summer 2001,p..36-37.
 -Emma C.Murphy ,op.cit.,p.6.
 -Layachi Azzedine,op.cit,p.37.
 -Leca Jean,"L'etat d'urgence ,un tracteur inhibiteur ", Journal El watan ,vendredi 1-
samedi 2 juin 2007,p.2.
 -Bryner Rex, Korany Bahgat and Noble Paul,op.cit.,p.29.

 -على غرار الجمعيات ذات الطابع السياسي التي وصل عددها أكثرمن65 حزبا سياسيا، إذ الغرض منه هو إجهاض الظاهــرة
الحزبية أكثر منه إعطاء ديناميكية لها .
 -Leca Jean,op.cit.,p.2.

spisos
13-03-2009, 16:31
رد إلى zepolot:

بسم الله الرحمن الرحيم

ظاهرة العنف السياسي في الجزائر:

دراسة تحليلية مقارنة 1976ـ 1998م

مقدمة:
يقدم هذا البحث دراسة تحليلية لظاهرة العنف السياسي في الجزائر خلال الفترة الواقعة بين 1976 و 1998م ، وذلك من خلال مقارنة النظام السياسي الجزائري في عهد الرئيس هواري بومدين وعهد الرئيس الشاذلي بن جديد وعهد الرئيس الأمين زروال. وذلك بهدف تحديد الفترات الزمنية التي تزايدت فيها عمليات العنف السياسي، وأشكال العنف السياسي الأكثر انتشارا في الجزائر، مع إلقاء الضوء على القوى السياسية في المجتمع الجزائري التي مارست العنف السياسي في كل عهد من العهود الثلاثة وأسباب ظاهرة العنف السياسي في تلك المراحل الزمنية. كذلك تستعرض هذه الدراسة عهدي محمد بوضياف وعلي كافي استعراضاً عابراً لأسباب منها: [1] الحيز الزمني القصير لسلطة كل منهما. [2] أن كل منهما لم يتول السلطة كرئيس للجمهورية، بل تولى رئاسة المجلس الأعلى للدولة، وهو مجلس يتكون من مجموعة من الأعضاء تسيطر عليه المؤسسة العسكرية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة تشمل العنف بشقيه: العنف الرسمي (وهو العنف الذي تمارسه الدولة ضد العناصر التي تعتقد أنها خارجة على القانون) والعنف الشعبي (وهو العنف الذي تمارسه الجماعات والأفراد ضد الدولة ومنسوبيها ومؤيديها).
إن منطلق التعريف الإجرائي (Operational Definition) لظاهرة العنف أنه "ذلك العنف الموظف لفرض وضع سياسي معين، أو للحصول على مكاسب سياسية بما في ذلك تغيير أو قلب حكم قائم. وبهذا المعنى فإن العنف السياسي يشير إلى نوعين من النشاط من حيث المصدر. فهناك عنف السلطة أو الدولة والذي يشتمل على عدد كبير من الأفعال التي تلجأ إليها السلطة الرسمية لفرض نظام معين، والمحافظة على النظام. وقد تفننت السلطة الرسمية في توظيف أساليب العنف لإخماد جميع أنواع الرأي المخالف خصوصا في المجتمعات التي تعاني الديموقراطية فيها أزمة خانقة، ثم هناك أفعال العنف التي توظفها الجماعات التي تعارض السلطة الرسمية" (التير، 1993: 44-45)
إن ظاهرة العنف السياسي بهذا المعنى تبقى ليست ظاهرة عرضية أو وليدة الصدفة، وليست كذلك حادثة غريبة ودخيلة على المجتمعات البشرية. إنها أكثر تعقيداً وابعد عمقاً من المفاهيم السطحية التي يتداولها الناس، وهي لا تختص بأمة دون أخرى إنها ظاهرة عالمية، متعددة الخصائص، متباينة الأشكال، بل وتعتبر من أهم مظاهر السلوك البشري التي عرفها الإنسان خلال مسيرة تطوره الزمني. ومع أن ظاهرة العنف السياسي هي ظاهرة غير مقبولة وممقوتة بل ومرفوضة على كافة المستويات منذ ظهورها في التاريخ البشري، إلا أنها ليست على الدوام سلبية. فقد يكون لها إيجابيات، بل وقد تكون ضرورة تاريخية في حياة الأمم والجماعات البشرية. فقد تكون ظاهرة العنف السياسي ضرورة في حالة رفض الهيمنة الخارجية والحفاظ ومن ثم الدفاع عن الحقوق المشروعة.
وقد تزامن ظهور العنف السياسي في بعض الدول العربية منذ بداية الثمانينات مع المتغيرات الكبرى في هيكل الصراع العربي ـ الإسرائيلي. فقد بدأت ظاهرة العنف بأشكاله المختلف (الرسمي والشعبي) تنتشر في بعض الدول وعلى وجه التحديد في جمهورية مصر العربية والجزائر. ويعزو المسؤولون في تلك الدول إنتشار ظاهرة العنف إلى الجماعات الإسلامية التي ظهرت في كلا الدولتين. وحيث أن المتابع لما يجري في الجزائر قد ينظر للأوضاع هناك من منظور أكاديمي ويقدم على هذا الأساس تصوراً علمياً يختلف عن جميع الأطروحات التي لا تمت إلى المنهج العلمي بأية صلة. ولذلك فالغاية العلمية والتفسير العلمي لما يحدث هناك هو أهم الحوافز وراء القيام بهذه الدراسة.

طبيعة المشكلة:

انتشرت ظاهرة العنف السياسي في الجزائر بأشكاله المختلفة. سواء ما يطلق عليه العنف السياسي الشعبي (الذي يمارسه المواطنون أفراداً أو جماعات ضد الأنظمة السياسية المتعاقبة)، أو ما يطلق عليه العنف السياسي المؤسـسي (الرسمي) والذي تمارسه الدولة من خلال أجهزتها المختلفة ضد المواطنين أفراداً أو جماعات، أو عناصر معينة منهم. وحيث أن هذه الظاهرة يكتنفها الكثير من الغموض في جوانبها المختلفة، فإن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من البحث والتحليل في جذور ومسببات العنف السياسي في الجزائر.
وعليه يمكن صياغة المشكلة على النحو التالي:
هل العنف السياسي في الجزائر هو نتيجة لتناقضات في مواقف وتصورات القوى السياسية الموجودة على المسرح السياسي، أم أن هناك عدد من المتغيرات المختلفة التي أسهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في انتشار ظاهرة العنف السياسي في الجزائر. من هنا تركز هذه الدراسة على إبراز العوامل المختلفة التي أدت إلى إنتشار العنف السياسي ظاهرة وسلوكاً في الجزائر وكذلك البحث في أساسيات المشكلة والتي وصلت إلى مرحلة أصبحت تهدد ليس المجتمع العربي في الجزائر بل جميع الدول العربية نظراً للترابط الكبير بين المجتمعات العربية.

أهداف البحث:

تهدف هذه الدراسة إلى إبراز معالم ظاهرة العنف السياسي في الجزائر وبيان أسبابه المختلفة، ولكن ينبغي أولاً تحديد موضوع العنف السياسي من حيث المضمون النظري والعلمي من خلال الملاحظات التالية:
أولاً: يجب أن نستثني بعض مجالات العنف من دراستنا هذه، وهي المجالات المتعلقة باللصوصية والإجرام على الرغم من أن استعمال كلمة (عنف Violence ) عند العامة بل وفي مختلف وسائل الإعلام تشمل جميع أشكال العنف. فلو افترضنا أن العنف هو (الاستخدام الفعلي للقوة أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص، والإتلاف للممتلكات)، لأصبح حتماً علينا أن نقيس بمقياس واحد أعمال العنف التي تمارسها الحكومات والجماعات والأفراد والمجرمون. لكن يجب أن نميز بين العنف السياسي (الذي تمارسه الدول والجماعات والأفراد، والذي يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمصالح الجماعة والمجتمع)، والعنف الفردي (اللاسياسي) والذي يمارسه الأفراد إنطلاقاً من دوافع فردية ذاتية للكسب الشخصي أو للانتقام، والذي يعتبر عنفاً إجرامياً ليس له علاقة بالعنف السياسي.
ثانياً: إن هذا البحث هو بحث نظري يقوم على التحليل السياسي للوقائع التاريخية المتعلقة بالعنف السياسي في الجزائر ومحاولة تفسير أسبابها ومبرراتها ودوافعها والبحث في العلاقة بين تلك الوقائع والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الجزائري الذي ظهرت فيه تلك الأحداث. وانطلاقاً من المقدمة السابقة فإن الأهداف الأساسية لهذه الدراسة تنحصر في:
[1] معرفة المسببات التي أدت إلى انتشار العنف السياسي في الجزائر.
[2] تحديد دور العوامل الخارجية في خلق وتصعيد العنف السياسي.
[3] العلاقة بين الجماعات الإسلامية وانتشار العنف السياسي في الجزائر.
[4] مقارنة أعمال العنف في الفترات الزمنية في الجزائر
فرضيات الدراسة:

على ضوء تحديد طبيعة المشكلة التي ذكرناها آنفاً هناك مجموعة من الفروض وهي:
[1] أن ظاهرة العنف السياسي هي ظاهرة عالمية لا تختص بها جماعة معينة ولا دولة بعينها.
[2] أن ظاهرة العنف السياسي في الجزائر هي إفراز لمجموعة من التناقضات والاختلافات داخل المجتمع الجزائري.
[3] أن ظاهرة العنف السياسي في الجزائر تعود إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية والتي وجدت بيئة مناسبة لنمو العنف الشعبي والرسمي.
[4] أن ربط ظاهرة العنف السياسي بالجماعات الإسلامية هو وسيلة لابعاد تلك الجماعات عن السلطة السياسية.

الإطار النظري:

حظيت ظاهرة العنف السياسي باهتمام العديد من علماء السياسة والباحثين وهناك العديد من المفكرين الذين تناولوا هذا الموضوع بهدف فهم ودراسة كيفية ظهور وانتشار العنف السياسي في الدول. ومن هذا المنطلق تستأنس هذه الدراسة بنظريات العنف التي يؤكد أصحابها على أن العنف السياسي هو نتاج تفاعلات داخلية وخارجية، الأمر الذي قد ينتج عنه خلخلة وتحول في البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدول. يتجاذب مفهوم العنف السياسي أربعة إتجاهات رئيسـة، تتمثل فيما يلي (الفالح، 1991)
(1) العوامل السيكولوجية والنفسية Psychological Factors

ويرجع أصحاب هذا الاتجاه إلى أن العنف السياسي مرتبط بالحالات الانفعالية الساخطة والملازمة للغضب والقلق والمتمثلة في توقعات واحباطات الناس. في محاولته لتحديد أسباب العنف السياسي(1) طور T ed Gurr (1970) مفهوم الحرمان النسبي (Relative Deprivation) وربط بينه وبين ظاهرة العنف السياسي. فالحرمان النسبي كما يؤكد Gurr يتركز حول التفاوت المدرك بين توقعات الناس القيمية التي يعتقدون بأنهم يستحقونها على نحو مشروع وبين قدراتهم القيمية التي يعتقدون بأنهم قادرون على تحصيلها أو الاحتفاظ بها. وهذا التفاوت يؤدي إلى فجوة بين التوقعات والواقع [بين ما يتوقع المرء أن يحصل عليه وبين ما يحصل عليه فعلاً] الأمر الذي يؤدي بلا شك إلى حالة إحباط لدى أعداد كبيرة من الناس نتيجة لفشلها من تحقيق أهدافها وطموحاتها.
وفي نفس الاتجاه السيكولوجي يضيف James C. Davis(1962:6) أن العنف السياسي مرتبط ببعض المتغيرات الاقتصادية التي تحدث في المجتمعات. فالعنف السياسي، كما يقول ، يقع بعد حدوث فترة طويلة من الازدهار الاقتصادي ثم يعقبها فترة قصيرة من الانتكاس الحاد. وقد استخدم نظرية الإحباط ـ العنف والتي تنتج عن التناقض بين التوقعات والآمال من ناحية وبين ما يحصلون عليه فعلياً من ناحية ثانية. فإذا شعر الناس بأن هناك فجوة بين هذين المفهومين زادت احتمالات ظهور العنف السياسي

في نفس الاتجاه طور كل من Ivo K. and Rosalind L. Feierabend (1972) مفهوم [الإحباط النسقي] كعامل أساسي لبروز العنف السياسي، وذلك اعتماداً على نظرية (الإحباط ـ العدوان Frustration-Aggression) والتي تتضمن أن هناك متطلبات وحاجات اجتماعية متعددة تحتاج إلى إشباع. بمعنى أنه كلما كانت الحاجات الاجتماعية تفوق ما يتوفر لإشباعها كلما أدى ذلك إلى إحباط نسقي والذي تصل حدته إلى ظهور العنف السياسي. إذن يركز هذا الاتجاه على مفهوم الإحباط النسقي لتفسير العلاقة بين إشباع الحاجة الاجتماعية وتشكل الحاجة الاجتماعية، وهذا يتبين من شكل المعادلة التالية:
إشباع الحاجات الاجتماعية
ــــــــــــــ = الإحباط النسقي
تشكل الحاجات الاجتماعية
(2) العوامل السيسيولوجية (الاجتماعية) Sociological factors

ويركز هذا الاتجاه على حالة اختلال في النسق الاجتماعي والسياسي الأمر الذي يحد من قدرة النظام السياسي على الاستجابة للضغوط والمطالب التي تفرضها عليه بيئته الداخلية والخارجية. حيث أن حالة (عدم توازن النسق) تؤدي بالضرورة إلى فشل النظام السياسي في مواجهة التغير وعدم قدرته في إعادة التوازن الأمر الذي يؤدي إلى حدوث العنف السياسي نتيجة لاختلال هذا التوازن. إذن طبقاً لهذا الاتجاه، فإن عدم التناسق بين القيم والبيئة في المجتمع تكون النتيجة هي فشل النسق الاجتماعي مما يؤدي إلى ظهور أزمات اجتماعية، وهنا يصبح النظام السياسي فاقداً للسلطة وغير قادر على امتلاك القوة في إعادة التوازن الاجتماعي إلى وضعه الطبيعي الأمر الذي يؤدي إلى ظهور مؤشرات العنف السياسي في المجتمع.(Johnson, 1976 )

(3) عوامل الصراع السياسي: Political Struggle Factors

يرى هذا الاتجاه أن العنف السياسي هو نتاج للصراع الذي يحدث بين السلطة السياسية والجماعات المنظمة التي تنافس السلطة السياسية المحتكرة لوسائل الإكراه (القوة) في المجتمع. ففي هذا الإطار يؤكد (Charles Tilly, 1976) أن ظهور الصراع السياسي في المجتمع يؤدي بالضرورة إلى ظهور مفهوم [السلطة متعددة السيادة]، ويقصد بذلك توافر قوى متنافسة في المجتمع مما يؤدي إلى إضعاف دور الحكومة وبروز تكتلات القوى والتي تخلق تحدياً للسلطة القائمة والذي بدوره يؤدي إلى تفكك السلطة السياسية المحتكرة للقوة. باختصار يرى هذا الاتجاه أن طبيعة التنظيم الجماعي والتفاعل القائم بين الأنظمة السياسية والقوى المنافسة لها يحدد مدى العنف السياسي في المجتمع.

(4) عوامل الصراع الطبقي: Class Struggle Factors

ينطلق هذا الاتجاه في تفسير ظاهرة العنف السياسي من منطلقات ماركسية، حيث يركز على أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج والصراع بين الطبقات. يؤكد كارل ماركس (117-116 :1978) هذه الحالة من الصراع، فيقول: "… إن نمط الإنتاج للحياة المادية يحدد بشكل عام عملية الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية. … إن قوى المجتمع الإنتاجية المادية، عند مرحلة محددة من تطورها، تصبح في حالة صراع مع علاقات الإنتاج القائمة"، والتي بدورها تتحول إلى قيود للقوى الإنتاجية، وعند هذه الحالة تبدأ مرحلة العنف في المجتمع والذي يأخذ شكل صراع بين الطبقات في المجتمع. حيث يقول كوهان (1979:67-68) "… البناء الاقتصادي يسبب نمو علاقات اجتماعية معينة، عن هذه الأسباب تنبع تنظيمات طبقية خاصة، وفي كل مجتمع ثمة طبقتان رئيسيتان: طبقة حاكمة مستغِلة وأخرى محكومة مستغَلة، وأفراد هذه الطبقة الأخيرة يغتربون عن القيم السائدة وطريقة إنتاج الأشياء، وهم يشكلون أخيراً جماعة ضخمة، يجمعهم معاً الوعي الطبقي المشترك، … وإذا قويت هذه الطبقة المستغَلة بما يكفي أطاحت بالطبقة الحاكمة."




العنف السياسي وأسبابه في عهد بومدين

إن ما تشهده الجزائر من عنف سياسي لم يكن وليد الساعة، بل ترجع جذوره إلى بداية السبعينات من هذا القرن إن لم يكن قبل ذلك. فالشعب الجزائري كان يرزح تحت الاستعمار الفرنسي أكثر من 132 عاما، ولم يحصل على استقلاله إلا بعد تضحيات كبيرة، وبعد استخدام كافة الوسائل المتعددة من الطرق السلمية إلى استخدام القوة والعنف بشتى صوره. ولذلك فشعب كان يعاني من التقتيل والتشريد والحصار والهيمنة الخارجية أصبحت لديه المناعة الكافية لاستيعاب وتحمل أية أزمة كانت. وباستطاعته أن يضحي في سبيل استقلاله وتحقيق أهدافه الدينية والسياسية والاقتصادية. ولم تحجم قدرته وتطلعاته أي محاولات سواء من الداخل أو الخارج. إلا أنه ومن منطلق أهداف هذه الدراسة فإننا سوف نتحدث عن حالة ظهور العنف المنظم في عهد الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين. لم تكن مرحلة الرئيس هواري بومدين مرحلة بناء واستقرار وتنمية فحسب بل كانت تشوبها بعض الصراعات السياسية والفكرية، إلا أنها لم تصل في حدتها وقوتها وخروجها على القانون مثل ما حدث في المراحل اللاحقة.
إن المتتبع لجذور العنف السياسي في الجزائر ليجد جذوره الأولى في الأساس البنائي والهيكلي لدولة الجزائر الحديثة والذي نتج عن التغيير السياسي في شكل السلطة الجزائرية بعد الاستقلال والمتمثل في الحركة الانقلابية التي قادها الرئيس هواري بومدين في 19 من شهر يوليو لعام 1965م والتي أطاحت بالرئيس أحمد بن بيلا وانتهت بتعديل هيكلية النظام السياسي والتركيز على إعادة بناء الحزب الحاكم ومن ثم إنفراده المطلق بالسلطة مع استيعابه لبعض عناصر المعارضة من خلال طرح برامجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أجلت المواجهة بين النظام السياسي وعناصر المعارضة. ولذلك نجد أنه في بداية مرحلة الرئيس هواري بومدين أكد النظام السياسي على سياسة تأكيد الهوية العربية والإسلامية للدولة وكان هناك شبه إجماع على تجذير أيديولوجية الدولة الجديدة. الأيديولوجية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، وكان النظام السياسي في تلك المرحلة يجيد التعامل مع مختلف القوى في الدولة، بل أن مرجعية هذه القوى قد تم تحديدها في جبهة التحرير الوطني والتي بدورها استخدمت الإسلام كأداة لتمرير سياساتها وأيديولوجيتها ولذلك نجد أنه "في كل مرة يؤكد ساسة الجزائر انتماءهم إلى الحضارة العربية الإسلامية، وبقي الإسلام الملاذ الثقافي للمشروع الاشتراكي." (. قواص، 1998:24) وقد لعب الإسلام دوراً صاهراً لوحدة وهوية وشخصية الجزائر استمر في إسباغ شرعية على الجزائر المستقلة.
فقد ساهمت الهوية الإسلامية للدولة في منح وتأكيد الشرعية للنظام السياسي، بل وحشدت كافة الكتل الشعبية خلف مشروع بناء الوحدة الوطنية، الأمر الذي أبعد -ولو مؤقتاً- شبح المواجهة بين النظام السياسي وقوى المعارضة. وفي مقابل ذلك حرص النظام السياسي على عدم إثارة الجماهير الشعبية، بل وقام بقبول بعض المطالب الشعبية التي تتعارض مع برامجه المختلفة. من ذلك عدلت الدولة عن "تطبيق سياسة تحديد النسل التي كانت تنادي بها، وذلك رغبة في اجتناب المعارضة الشديدة التي لقيتها هذه السياسة في أغلبية الأوساط الشعبية، وعدلت أيضاً عن التحويرات (التعديلات) الأساسية التي كانت تعتزم إدخالها في قانون الأحوال الشخصية خاصة فيما يهم حقوق المرأة." (بلعيد، 1998:79)
لقد استطاع النظام السياسي في عهد بومدين أن يضع توازناً سياسياً هشاً بين جميع أطراف المعارضة في الجزائر، حيث نجده، أولاً: يؤكد على سياسة التعريب الأمر الذي أدى إلى كسب تأييد ودعم التيار الإسلامي والعروبي في الجزائر وخارجها. وثانياً: بدأ في عام 1972م بإطلاق ما يعرف بـ (الثورة الزراعية) والتي أحدثت نقلة نوعية في الجزائر من حيث أنها بدأت تروج للنظام الاشتراكي في الجزائر، خاصة بعد الاستعانة بخبراء من الاتحاد السوفييتي السابق لترسيخ هذا البرامج الزراعي، الذي لم يؤت بنتائج كما كان يتوقع النظام السياسي. ثالثاً: بدأ النظام السياسي يطرح برامج اقتصادية وثقافية متعددة لرفاهية المجتمع، إلا أن هذه الإجراءات كان يقصد بها توفير سند اجتماعي واقتصادي للنظام السياسي، كعوامل ضرورية لاستقراره والحفاظ على شرعيته، غير أن فشل هذه البرامج أدى إلى كشف عدم قدرة النظام وعجزه عن تطبيق برامجه المتعددة، بل إن هذا العجز عكس عقماً داخلياً في عدم قدرة النظام على إنتاج بدائل تطرح رؤية اقتصادية وسياسية عصرية تعبر عن رغبات ومتطلبات كافة شرائح وفئات المجتمع الجزائري. ولهذا أوجد النظام السياسي عداوة جميع أطراف المعارضة، مما أدى إلى بداية المواجهة الفعلية في عام 1975م والذي تمحور حول إقرار (الميثاق الوطني الجديد) والذي تم إقراره في عام 1976م بعد تنازلات وتحالفات بين مختلف أطراف الصراع في الدولة. ومع أن الميثاق الجديد قد "أفرز معادلات جديدة في السياسة الجزائرية، لكن الشرخ كان قد بدأ بالاتساع بين دعاة التعريب، ودعاة الإصلاح الزراعي" (مركز الدراسات والأبحاث، 1992:141). ولذلك بدأ النظام السياسي محاولاته بضبط وإضعاف مراكز القوى المتصارعة والتي تهدد كلا المشروعين (التعريب والثورة الزراعية)، لكن النظام وجد نفسه في مواجهة مع هذه القوى. وجد النظام السياسي نفسه في مواجهة مباشرة مع القوى الإسلامية وخاصة القوى التي رفضت الميثاق الوطني لعام 1976م، حيث انتقلت هذه المعارضة ولأول مرة في تاريخ الجزائر من المعارضة السلمية إلى استخدام العنف المسلح.(2) والمتتبع لجذور العنف السياسي في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، يستطيع أن يحصر ذلك في ستة أمور أساسية: (قواص،1998، حيدوسي، 1997، مركز الدراسات والأبحاث، 1992).
أولاً: فشل الثورة الزراعية وعدم تحقيق أهدافها التي نادت بها ، وما ترتب على ذلك الفشل من تغيير في التركيبة السكانية حيث نزح الكثير من سكان الريف إلى المدن الأمر الذي أدى إلى نوع من الخلل في التوازن الديموغرافي. وهذا بدوره أدى إلى ضغوط على النظام السياسي لتوفير الحاجات الأساسية للمجتمع، ونتيجة لهذا الفشل، يكتشف المجتمع الجزائري أن الثورة الزراعية لم تنتج سوى الحرمان والإحباط، الأمر الذي أدى إلى اهتزاز قاعدة النظام السياسي.
ثانياً: تعثر سياسة "التعريب" في الجزائر والتي استجابت لكثير من الضغوط الداخلية والخارجية، الأمر الذي أدى إلى نوع من الفوضى في هذه السياسة.
ثالثاً: فشل النظام السياسي في السيطرة على قطاع المساجد والذي اصبح ينمو بشكل كبير حيث انتشرت المساجد التي يتم إنشاؤها من قبل الشعب والجماعات الإسلامية وبذلك أصبحت مراكز توجيه وتنظيم وتخطيط للجماعات والتنظيمات الإسلامية.
رابعاً: في عام 1971م سمحت الدولة بإقامة الجمعيات التي تحولت إلى منابر يعبر من خلالها الجزائريون عن توجهاتهم الفكرية واطروحاتهم السياسية ومنتظماتهم الاجتماعية وكان تأسيس هذه الجمعيات عبارة عن نقلة نوعية تنظيمية مهمة في الحياة السياسية للأفراد والجماعات في المجتمع الجزائري، وقد أدى ذلك إلى تقوية نفوذ ومكانة تلك الجمعيات والتهيئة إلى الانتقال إلى مرحلة تالية أكثر مواجهة مع النظام السياسي.
خامساً: في عام 1976م فرض الرئيس بومدين تبني دستور جديد (الميثاق الوطني) وهو عبارة عن "دستور منسوخ عن النماذج الستالينية.... (حيث) جرى استبدال ديكتاتورية البروليتاريا بديكتاتورية الجهاز العسكري" (حيدوسي، 51:1997) وهذا الدستور الجديد بعيد كل البعد عن التعبير عن حقيقة التوازنات السياسية. وكردة فعل لمثل هذه السياسة، بدأت الجماعات والتنظيمات الإسلامية برفض هذا الدستور، ولذلك بدأ النظام السياسي بقمع الجماعات المعارضة للدستور، وخاصة الجماعات الإسلامية مما أدى إلى نموها وقوتها واثبات وجودها في المجتمع، وتوسيع قاعدتها الشعبية في مواجهة التيارات الأيديولوجية المتعددة، بل وفي مواجهة النظام السياسي.
سادساً: فشل السياسة التصنيعية التي اعتمدها النظام السياسي، والتي تهدف إلى تشييد قاعدة اقتصادية متحررة عن تأثيرات وضغوط السياسة الاقتصادية الرأسمالية المهيمنة. ولتحقيق ذلك فقد تبنت النخبة الحاكمة "نموذجاً تنموياً يستند إلى مجموعة من الأفكار والإجراءات، مثل التأميمات وبناء قطاع عام واسع، واعتماد المخططات التنموية الهادفة إلى إقامة اقتصاد [متمركز حول الذات] وكذلك فكرة التصنيع الكثيف المستند على ما أطلق عليه اسم [الصناعات التصنيعية]" (قواص، 50:1998) وهذه السياسة أوقعت البلاد ضحية البرنامج الاقتصادي الغير متكافئ وإمكانات الدولة، حيث اعتبر الرئيس هواري بومدين أن "لا استقلال سياسياً دون سياسة تصنيعية مستقلة . غير أن تلك السياسة أدت إلى حرمان النظام من تأمين الاكتفاء الذاتي الغذائي للبلاد" (قواص، 50:1998)
من خلال قراءة وتحليل العناصر السابقة يمكن القول بأن حجم العنف السياسي [بشقيه الشعبي والرسمي] في الجزائر خلال فترة الرئيس هواري بومدين لم يصل إلى درجة المواجهة المسلحة بين أطراف المعارضة، وبقي الوضع في إطار المعارضة السلمية باستثناء حالات محدودة، ولذلك نستطيع القول أن مرحلة هواري بومدين لم تشهد عنفاً سياسياً بالمعنى المتعارف عليه، إلا أن أواخر مرحلة الرئيس هواري بومدين، ونتيجة لبعض السياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تم اتخاذها في تلك المرحلة بلورت أسس العنف السياسي المعاصر في الجزائر. ولذلك فإن هذه المرحلة من عهد الرئيس هواري بومدين قد يفسرها الاتجاه الذي يؤكد على حالة اختلال في النسق الاجتماعي والسياسي مما يؤدي إلى عدم قدرة النظام السياسي على التكيف مع البيئة الداخلية والخارجية، وكذلك عدم قدرته على الاستجابة للضغوط والمطالب الشعبية، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث العنف السياسي.

العنف السياسي وأسبابه في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد.

عقب وفاة الرئيس هواري بومدين أصبح هناك فراغ سياسي لم تستطع القيادة السياسية الجزائرية في حينه من التغلب على المؤثرات الخارجية والداخلية في ترتيب انتقال الحكم بطريقة تبعد تلك المؤثرات عن التدخل في السلطة، ولذلك نجد أن المؤسسة العسكرية تدخلت وبشكل مباشر في فرض من تعتقد أنه يحقق أهدافها ومن خلاله تستطيع أن تحكم الدولة. وكانت النتيجة أن تم اختيار الشاذلي بن جديد أحد عناصر جبهة التحرير الوطني لرئاسة الدولة، وهكذا تمكن الجيش من تكريس دوره في المراقبة وملاحظة كل ما يجري في الدولة وليصبح المحرك الأساسي لسياسة الدولة.(3) من هنا بدأت التنظيمات المختلفة في الجزائر تزداد نشاطاً ورفضاً للنهج (السياسي- العسكري) الذي فرضه الجيش على المجتمع الجزائري. وبما أن الرئيس بن جديد لم يفرض نفسه على منافسيه -كما فعل بومدين- بل تم اختياره بالتوافق بين بعض التيارات التي تمثل النخب المشاركة في السلطة بالإضافة إلى النخب المسلحة، ولذلك أصبح بن جديد مديناً لهذه النخب ملتزماً باطروحاتها وتوجهاتها السياسية والاقتصادية والأيديولوجية. ففي سبيل ذلك أكد نظام بن جديد على محورين مهمين شعبياً: هما المحور الاقتصادي والمحور السياسي.

المحور الاقتصادي:

لقد تبنى النظام السياسي منهجاً مغايراً لمنهج النظام السابق في سبيل تثبيت شرعيته. وبدأ يطرح سياسة اقتصادية تمثلت في إلغاء النظام الاشتراكي وتشجيع الخصخصة للأملاك العامة، والتشجيع على الاستهلاك عبر الاستيراد المكثف مقترناً بالدعم الحكومي للأسعار، وقد ساعد على ذلك زيادة دخل الدولة من موارد البترول، ومن هنا بدأ واضحاً استقرار العلاقة بين السلطة والمجتمع طيلة العقد الأول من فترة رئاسة الشاذلي بن جديد (1978-1988)، وكانت هذه السياسة هي الرابطة التي تمحورت حولها علاقة السلطة بالمجتمع، إلا أن خللاً خطيراً أصاب هذه العلاقة
"عندما تقلصت الموارد المالية، في مقابل تزايد مستوى الإنفاق العام، نظراً إلى نمط الحياة الاستهلاكي غير الرشيد الذي برز مع بداية الثمانينات. فالانخفاض المؤلم في العايدات النفطية أدى ... إلى تهديد الركائز التي شيٌد عليها النظام نموذجه التنموي وإلى ضرب "المعادلة" السياسية-الاجتماعية التي أعتاد اعتمادها. ولم تنتج سياسة "الانفتاح" إلا ارتفاعاً جديداً في عدد المتضررين، طالت هذه المرة، تلك الشرائح التي كانت تستظل بالاقتصاد الموجه." (قواص، 1998: 53-54)
لذلك ظهر الشرخ واضحاً في المجتمع الجزائري، فقد ظهرت شريحة "الأغنياء الجدد" وهي طبقة غير منتجة "تعيش وفق النموذج والسلوك الغربيين، تتمتع بوفرة استهلاكية عالية، وتستند إلى علاقات وطيدة مع أجهزة الدولة." (قواص، 56:1998) ومع أن القطاع الخاص كان يعول عليه أن يكون رمزاً للصعود والارتقاء الاجتماعي والمساهمة في دفع عملية التنمية، إلا أن انتشار الفساد داخل شركات القطاع العام وبعض الدوائر المرتبطة بالسلطة لم تكن تنوي السماح للقطاع الخاص بالاستناد إلى عقلنة اقتصادية قاعدتها الربح والجدوى، فمن شأن تلك الأسس أن تضرب شرعية النظام السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتكزة على سياسة التحكم بالتوزيع لمصلحة عناصر النظام السياسي.
لقد برزت مظاهر الفشل الاقتصادي وتجسدت في ضعف الأداء والمرد ودية الاقتصادية للمنشآت والتجهيزات التي كلفت الدولة ثروات ضخمة. وكان من نتائج ذلك الفشل، "تعميق عملية التشوه والتبعية التي تعرضت لها البنية الاقتصادية بسبب الاعتماد شبه المطلق على مداخيل الريع النفطي." (عنصر، 1995:84) وعندما انهارت أسعار النفط في السوق الدولية، وفقدت قسماً كبيراً من عائداتها، وتفاقم الوضع الاقتصادي، وسيطرت البيروقراطية العسكرية على أوضاع الاقتصاد، لم تعد الدولة مع ذلك كله قادرة على الوفاء بوعودها لاصلاح الوضع الاقتصادي واضطرت إلى التخلي عن دعمها للأسعار الاستهلاكية، فارتفع معدل التضخم إلى حد أصبح يثير القلق على مستقبل الوضع الاقتصادي، وارتفع معدل البطالة حتى تجاوز 25% من القوى العاملة، وانخفضت قيمة العملة بنسبة 50% ، وجمدت الأجور، وتراكمت الديون حتى بلغت في بداية التسعينات حوالي 26 مليار دولار. (عنصر، 1995: 84-85) ونتج عن هذه الأوضاع المتردية انتقال شرائح كبيرة من المجتمع إلى التهميش بما في ذلك الطبقات الوسطى وخريجي الجامعات من أطباء ومهندسين، وبدأت هذه الشرائح تطالب بحصتها من الاستهلاك وإصلاح الوضع الاقتصادي المتدهور الأمر الذي ولد لدى هذه الشرائح "إحساساً عاماً بالظلم والحرمان، وأشعل نار التململ الاجتماعي المطالب بتوزيع أكثر عدالة للثروة الوطنية." (قواص، 59:1998) بل إن هذا الوضع الاقتصادي المتردي بدأ يضغط على الشرائح الاجتماعية، وبالذات الشابة منها، مما أدى إلى فقدان الثقة بالسلطة ورموزها، ولذلك وجدت هذه الشرائح خلاصها بالالتحاق بالحركة الدينية السياسية وتبنت بالمقابل ثقافة عنف تعبر من خلالها عن حالة ا ليأس والحرمان والقنوط التي تعتريها.(4)
المحور السياسي:

لقد أدرك الرئيس بن جديد أن الأوضاع الدولية والإقليمية والمحلية تفرض عليه ضرورة التغيير السياسي ليتماشى وهذه المتغيرات. فعلى المستوى الدولي رأى الرئيس الشاذلي بن جديد أن دول العالم بدأت تعصف بها رياح التغيير، وبدأت غالبية دول العالم تعيد حساباتها من هذه التغييرات. فقد بدأت الدول تتحول نحو التعددية السياسية. وأن نظام الحزب الواحد أصبح غير ذي فاعلية، بل إن الدول أحادية الحزب في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي (السابق) بدأت تنهار ، وأن التحول إلى نظام التعدد الحزبي هو التطور الحتمي الذي يجب على الأنظمة أن تتبناه في سبيل تجنب انتشار المعارضة والعنف.
أما على المستوى السياسي المحلي: فقد كان حزب جبهة التحرير هو الحزب المسيطر والمحتكر للسلطة السياسية، وأدى هذا الاحتكار إلى خنق الحريات الفردية والعامة، بل ومصادرتها في بعض الأحيان ومن ثم التعسف في استعمال السلطة، وهذا بدوره أدى إلى فشل الجهاز البيروقراطي في أداء مهماته كوسيلة للاتصال وأداة لتنفيذ البرامج والمخططات، كل ذلك أدى إلى خلق فجوة بين النظام السياسي والمجتمع، بل وأوجد مواجهة بينهما، ونتج عن ذلك فقدان النظام السياسي لمصداقيته وشرعيته لدى شرائح المجتمع المختلفة، بل أدى إلى ظهور وضع متفجر يصل إلى استخدام العنف أحياناً لفك الحصار المضروب على القوى السياسية والاجتماعية في المجتمع. (نصر،:1995:88) ظهرت الخلافات والاختلافات في المؤسسات السياسية والعسكرية حول إدارة الأزمة، وظهرت حركات معارضة ذات قاعدة شعبية كبيرة: مثل الحركة الإسلامية، والتي نشأت حول المساجد والخطباء وتشبعت باطروحات قادة الحركة الإسلامية السياسية والتي جاءت كردة فعل لانتشار الفساد الإداري والمالي والسياسي في الدولة. وقد تشكل إطارها النضالي من الجامعيين والموظفين في القطاع العام في الدولة، وغالبيتهم من الشبان الذين وجدوا فيها اعترافاً اجتماعياً بوضعهم. كذلك برزت حركات معارضة -هي الأخرى فقدت الثقة في الدولة- تطالب بالتغيير السياسي والمؤسسي: مثل الحركة الثقافية البربرية، وأخرى ذات نزعة أيديولوجية تمثلت في المنظمات اليسارية. فجميع هذه التنظيمات على اختلاف توجهاتها واهدافها تتفق جميعاً على أمر أساسي وهو معارضة النظام السياسي ومعارضة الممارسات التي تقوم بها العناصر المتنفذة في السلطة. كانت مطالب المعارضة واضحة ومنسقة: تتمثل في وضع برنامج منهجي للإصلاحات المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. أدرك النظام السياسي أنه أمام متغيرات يصعب ضبطها ولذلك ظهرت على رموز النظام علامات الإرباك والانقسام تجاه مطالب المعارضة، ومع ذلك أخذ النظام السياسي يراوغ ويناور ويرفض التنازل عن المكتسبات السياسية التي حققها، هذه السياسة أدت إلى انفجار الأوضاع في الدولة في أكتوبر عام 1988م، حيث ظهرت التظاهرات والحوادث وتدخل الجيش وأعلن حالة الطوارئ وبدأ الجيش يقمع التظاهرات. (حيدوسي، 89-1987:84)
أدرك الرئيس بن جديد خطورة الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الدولة وأن الجزائر دخلت عصراً جديداً لابد فيه من تغيير لغة الخطاب السياسي، وأن المواجهة مع المعارضة حتمية مالم يتخذ النظام السياسي إصلاحات سياسية جذرية، ولذلك اعتمد الرئيس ما يعرف بسياسة "الانفتاح السياسي" والحوار والتغيير إلى الأفضل، لأن ذلك -كما يرى الرئيس- هو الوسيلة الوحيدة لجمع الحكم والمعارضة في محاولة لإبعاد شبح العنف المسلح عن الدولة، فأصدر قانون (5 يونيو 1989م) والذي يقضي بإلغاء نظام الحزب الواحد والسماح بنظام التعددية الحزبية ووعد بإجراء الانتخابات على المستويات المختلفة، ابتداءً من الانتخابات البلدية، مروراً بالانتخابات النيابية ووصولاً إلى الانتخابات الرئاسية. (أبو عامود،1993:119) ولتحقيق التغيير والانفتاح وتطبيق الديموقراطية، أعلن الرئيس عن إجراء الانتخابات النيابية في 26 ديسمبر 1991م، لم يتوقع النظام السياسي (ومؤسساته السياسية والعسكرية) عند طرح برنامج الانفتاح السياسي والتعدد الحزبي أن القوى السياسية الإسلامية تمتلك قاعدة شعبية عريضة تؤهلها للفوز بالانتخابات.(5) وجرت الانتخابات في موعدها وجاءت المفاجأة بحصول جبهة الإنقاذ على 188 مقعداً نيابياً من أصل 430 في الدورة الأولى، حيث حصلت على نسبة 44% من أصوات المقترعين، وكانت التوقعات تؤكد أن جبهة الإنقاذ ستحصل في الدورة الثانية على أغلبية الثلثين. (غانم، 1992:66) كانت رغبة الرئيس بن جديد هي التعايش مع جبهة الإنقاذ خاصة بعد ظهور المؤشرات التي تبين مدى شعبية الجبهة في الشارع الجزائري، وقد كانت استراتيجية ابن جديد هي محاولة لإرساء توازنات للقوى على الخريطة الجزائرية. توازنات بين السلطة السياسية من جهة والجبهة ذات التأثير الشعبي الكبير والقوى السياسية الأخرى من جهة أخرى.
هذا التوجه للرئيس ابن جديد وكذلك الفوز الذي حققته الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يلق الرضى والقبول من قبل المؤسسة العسكرية، ولذلك بدأ الجيش يمسك بزمام السلطة لإبعاد الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الوصول إلى السلطة، فأجبر الجيش الرئيس بن جديد على اتخاذ إجراءات تتعارض ومنهجه السياسي، ومنها: إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي فازت بها جبهة الإنقاذ، حل المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، تعليق العملية الانتخابية، وأخيراً أجبر الرئيس الشاذلي بن جديد على تقديم استقالته.(6) بعد تلك الإجراءات توالت الأحداث التي عصفت بالوضع المتفجر في الجزائر، مما جعل الجيش يتخذ بعض الإجراءات ومنها: حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومنع وسائلها الإعلامية عن الصدور، بدء حملة الاعتقالات الواسعة في صفوف الحركة الإسلامية، خاصة بين قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مع رفض إجراء أي حوار مع القوى السياسية.
إنطلاقاً من هذه الإجراءات أصبح للمؤسسة العسكرية وزناً سياسياً كبيراً في نطاق المعادلة السياسية الجزائرية، وأخذت الأزمة الجزائرية منعطفاً خطيراً، فقد لعب الجيش دوراً أساسياً في انفجار الأوضاع وبداية المواجهة بين السلطة وقوى الإسلام السياسي. هذه الإجراءات دفعت أحزاب المعارضة "إلى العمل السري والاعتقاد بشرعية استخدام العنف في مواجهة السلطة السياسية التي لم تحترم إرادة الشعب التي عبر عنها في صناديق الانتخابات." (أبو عامود، 1993:120) بعد نجاح المؤسسة العسكرية في الضغط على النظام السياسي لاتخاذ إجراءات ضد سياسة الانفتاح السياسي والاقتصادي، بدأ يتبلور دور الجيش كحارس للنظام السياسي وهذا جعله في مواجهة مباشرة مع القوى والتيارات السياسية التي بدأت تطرح نفسها كبديل للنظام السياسي القائم، ومن هنا اتجهت المؤسسة العسكرية إلى استخدام العنف ضد القوى المعارضة لتقليص وتحجيم دور هذه القوى. كما أن تركز السلطة في المؤسسة العسكرية تعزل من تشاء وتعين من تشاء(في رئاسة الدولة) على حساب إرادة ورغبات الشعب وتضييق الخناق على الجماعات والتنظيمات المعارضة، الأمر الذي أفقدها فاعليتها كقنوات اتصال بين الشعب والسلطة الحاكمة. كل ذلك أوجد بيئة مناسبة لممارسة أعمال العنف، فعندما تنعدم أو تضيق القنوات الرسمية للمشاركة والتعبير عن الرأي ينفتح الباب أمام العمل تحت الأرض، أضف إلى ذلك حالة الفشل والإحباط التي عمت الجماهير الجزائرية (وخاصة الشابة والمثقفة) نتيجة لسوء الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة بين الناس والتي عبر عنها الشعب الجزائري في شكل تظاهرات عارمة خلال عامي 1988 و1991م. وهذه المرحلة من مراحل العنف السياسي في الجزائر يفسرها العامل السيكولوجي الذي يؤكد على أن المجتمعات عندما تمر بمرحلة ازدهار اقتصادي يعقبها فترة انتكاس حاد فإن ذلك يؤدي إلى نوع من الإحباط نتيجة لبروز فجوة بين التوقعات والآمال من ناحية وما يحصل عليه الناس من ناحية أخرى، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة احتمال ظهور العنف السياسي، وهذا ما حدث في الجزائر في أواخر عهد الرئيس الشاذلي بن جديد.

سمات العنف السياسي في الجزائر في عهد كل من بوضياف وعلي كافي:

شهد عهد الرئيس الأمين زروال أشد أعمال العنف السياسي في الجزائر. غير أنه لايمكن الحديث عن أسباب العنف السياسي في عهد الرئيس الأمين زروال دون الأخذ في الاعتبار التراكمات السياسية والعنفية التي خلفتها الأنظمة السياسية السابقة، بدءأً بأواخر عهد الرئيس بن جديد ومروراً بعهد محمد بوضياف وانتهاءً بعهد علي كافي. تلك الأنظمة الثلاثة وما خلفته من تركة سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة كانت بمثابة أسس العنف السياسي في عهد الأمين زروال. إن التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي شهدتها الجزائر في ظل دستور سنة 1989 والذي نص على التعددية السياسية، وجرت على أساسه الانتخابات المحلية في يونيو سنة 1990 ثم الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 1991م، هذه التحولات من نظام الحزب الواحد [حزب جبهة التحرير الوطني] إلى النظام الديموقراطي القائم على تعدد الأحزاب السياسية، والمنافسة الحرة، والتداول السلمي للسلطة، وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، والسماح للقطاع الخاص بممارسة دور أكبر في قطاعات الإنتاج والتصنيع والتجارة الداخلية والخارجية، تأثراً بالتحولات الجذرية التي شهدتها دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق، كل هذه التحولات لم تعكس تحولاً أساسياً في طبيعة هيمنة المؤسـسة العسكرية، بل إن هذه التجربة تم إحاطتها بسياج من القوانين والإجراءات التي أفرغتها من مضمونها الحقيقي، بل وأجهضتها قبل أن تتشكل وتؤتي ثمارها. إن المؤسسات التي تمتلك وسائل الإكراه (الجيش، الشرطة، أجهزة الاستخبارات) لم تكن قادرة على استيعاب القوى المختلفة والمتنوعة بطريقة سلمية وبدون اللجوء إلى العنف، وكذلك لم تستوعب المؤسسة العسكرية إعطاء الشعب دور في تحديد اختياره بطريقة مشروعة فهو وحده مصدر السلطات في الدولة والذي عبر عن هذا الدور من خلال صناديق الانتخابات في المرحلة الأولى في ديسمبر 1991م وأسفر ذلك عن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية تصل إلى 44% من إجمالي عدد مقاعد المجلس الشعبي ( البرلمان) إلا أن المؤسسة العسكرية حاولت جر المنظمات والأحزاب الإسلامية للانخراط في العنف الأمر الذي برر لهذه المؤسسات ممارسة العنف السياسي وذلك بهدف ضمان استمرار النظام السياسي، والحفاظ على الوضع القائم، وتقليص حجم ودور القوى المعارضة للنظام، خاصة التنظيمات الإسلامية، ومن ثم إقناع النظام السياسي بعدم وجود مخرج إلا بالعودة إلى النظام السابق، والتخلي عن الإصلاحات السياسية.
المؤسسة العسكرية في الجزائر ـ كغيرها من المؤسسات العسكرية في دول العالم الثالث ـ قد تكون وسيلة للاستقرار إذا استطاعت القيادة السياسية أن تروضها وتوجهها للقيام بوظيفتها الأساسية، وقد تنخرط المؤسسة العسكرية في المعترك السياسي وتفقد وظيفتها الأساسية وذلك يؤدي إلى الفوضى والعنف وعدم الاستقرار، وهذا يحدث في حالة سيطرة المؤسسة العسكرية على القيادة السياسية. وقد مرت الجزائر بالحالتين السابقتين: الأولى في عهد الرئيس هواري بومدين، حيث كان يتمتع بقوة الشخصية والقيادة الكاريزمية. لقد حيد الرئيس بومدين المؤسسة العسكرية من الانخراط في الحياة السياسية الجزائرية، ولذلك انفرد بالحكم فارضاً قوة الحزب (جبهة التحرير الوطني) في إدارة شؤون الدولة، وقد أدى ذلك إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. أما الحالة الثانية فقد بدأت منذ وفاة الرئيس بومدين واستمرت إلى الوقت الراهن، حيث اتسمت هذه المرحلة بتدخل الجيش في السلطة السياسية وأصبح يعين ويقيل القيادات السياسية في الدولة.
بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد حرصت المؤسسة العسكرية على الاحتماء بالشرعية التاريخية الثورية،(7) فقد بحثت المؤسسة العسكرية الحاكمة عن وجه مدني جديد، يمكن استخدامه واجهة للسلطة العسكرية وعلى أن يكون من القادة التاريخيين لحرب التحرير، فلم تجد المؤسسة العسكرية أفضل من محمد بوضياف وأحد صانعي الاستقلال،(8) حيث هو الشخصية التي تتوفر لديها صفات خاصة مؤهلة لرئاسة المجلس المؤقت (المجلس الأعلى للدولة)(9) ويعطيه الثقل الشرعي. تولى محمد بوضياف رئاسة "المجلس الأعلى للدولة" وطرح برنامجه السياسي والمتمثل في "أن مجلس الرئاسة هو وضع انتقالي نحو نظام ديموقراطي يحتكم إلى الدستور الذي تضعه جمعية تأسيسية منتخبه تلتزم بمبادئ الثورة الجزائرية، حول وحدة التراب الوطني والتنمية الاقتصادية الشاملة في خدمة المواطن." (أبو عامود، 1993:115)
عندما استلم الرئيس بوضياف الحكم في الجزائر وجد أن السلطة السياسية لا تتمتع بالقاعدة الشعبية التي تستند عليها والتي تؤهلها لفرض النظام، وتوفر الدعم اللازم لمشروعها الاقتصادي والاجتماعي، وتشكل قوة سياسية لدعم برامجها المختلفة، أضف إلى ذلك اهتزاز صورة المؤسسة العسكرية لدى الشعب الجزائري خاصة بعد اشتراكه في مواجهات دامية ضد الجماهير الشعبية، وتجاوزه الدور الذي حدده له الدستور الجزائري وتدخله في اللعبة السياسية.(ميتكيس، 1993:44) لذلك طرح الرئيس بوضياف فكرة إنشاء تجمع وحدوي وطني يتكون من مجموعة من القوى السياسية والأحزاب والمنظمات المهنية والنقابية في تجمع وطني كأحد أشكال الحزب الواحد، أطلق عليه "حزب التجمع الوطني الديموقراطي" وذلك لسد الفراغ السياسي الناتج عن حل جبهة الإنقاذ الإسلامية وتجميد حزب التحرير الوطني.(أبو عامود، 1993:116) ثم بدأ الرئيس يعطي أهمية كبيرة لقضية الفساد المالي والإداري والتجاوزات التي ظهرت في مرحلة الرئيس بن جديد، وكان يبدو من طرح بوضياف السياسي أنه أصبح يهدد، ليس الوجود السياسي لتنظيمات المعارضة فحسب، بل كذلك أصبح يهدد مصالح النخب السياسية والعسكرية في الدولة، حيث كان يستعد لإقالة مجموعة من كبار الموظفين والمسؤولين في المؤسسة العسكرية. ومع أن الجيش لعب دوراً هاماً في تولي بوضياف السلطة، إلا أن بوضياف حاول أن يقلص من دور المؤسسة العسكرية في العمل السياسي وإيضاح أنه ليس واجهة للسلطة العسكرية، وكذلك أراد أن ينهج أسلوب مواجهة مع القوى التي يعتقد بأنها خلف هذا الفساد. وقد سبب ذلك مواجهة بين بوضياف من ناحية والمسؤولين السياسيين والعسكريين من ناحية أخرى، أضف إلى ذلك مواجهة بوضياف للقوى السياسية الإسلامية، حيث بدأت السلطة باعتقالات واسعة شملت القيادات البارزة في الأحزاب الإسلامية. ومن هنا وجد بوضياف أنه أصبح في صراع مع جبهتين، جبهة القوى الرسمية من مدنية وعسكرية وجبهة المعارضة، ونظراً إلى أن هذه المواجهة بين بوضياف والأطراف الأخرى هي مواجهة غير متكافئة، فقد دفع بوضياف حياته ثمناً لمواقفه تلك.(10)
بعد اغتيال بوضياف بدأ الصراع على السلطة في الجزائر، ورغبة المؤسسة العسكرية البقاء في الظل على الأقل في مرحلة عدم الاستقرار السياسي التي تعصف بالجزائر. ونتيجة لذلك حرصت المؤسسة العسكرية مرة أخرى على الاحتماء بالشرعية التاريخية الثورية، وتم اختيار علي حسين كافي الذي يعد رمزاً من رموز الشرعية الثورية، رئيساً للمجلس الأعلى للدولة وذلك لما يتمتع به من نفوذ قوي حيث تُوج هذا النفوذ برئاسته لمنظمة قدماء المجاهدين.
عندما جاء علي كافي إلى السلطة رغب في تجسير الفجوة بين النظام السياسي والمعارضة بشتى أطيافها، أو تفتيت قوة المعارضة بما يخدم مصلحة النظام السياسي، فلجأ إلى أسلوب فتح الحوار والمصالحة وتهدئة الأوضاع السياسية بالإضافة إلى المناورة السياسية آخذاً بمنهج الاعتدال في التعامل مع المعارضة في محاولة لتحقيق الحد الأدنى من التوافق السياسي مع المنظمات والأحزاب المعارضة للنظام السياسي ومن ثم البحث عن صيغة توفيقية تكون مقبولة من كافة الأطراف. ففي سبيل تحقيق ذلك بدأ النظام السياسي باتخاذ جملة من الأساليب المختلفة مثل:(ميتكيس، 51-52 1993)
أولا: محاولة استقطاب بعض القيادات الإسلامية لجبهة الإنقاذ سواء القيادات الرئيسية لعقد اتفاقات تصالحية معها، أو بعض القيادات المنشقة عن جبهة الإنقاذ ودعمها في سبيل الضغط على الجبهة أو محاولة تفتيت وحدتها.
ثانياً: بدأ النظام السياسي في تكوين بديل لجبهة الإنقاذ من التنظيمات الإسلامية الهامشية في الحركة الإسلامية الجزائرية لتمثل الواجهة الشرعية للحركة الإسلامية، الأمر الذي قد يضعف الدور السياسي والمكانة الشعبية لجبهة الإنقاذ في الجزائر.
ثالثاً: حرص النظام السياسي على مد حيز المصالحة لتشمل بقية أطراف المعادلة السياسية في الجزائر، خاصة الأحزاب السياسية العلمانية وذلك لتكوين توازن سياسي في الدولة بين الحكومة ومختلف التيارات السياسية الفاعلة في إطار مصالحة وطنية. إلا أن هذه الاستراتيجية لم تنجح ولم يحدث تغيير جوهري في الأوضاع السياسية والاقتصادية في الجزائر، بل لقد شهدت الجزائر في تلك المرحلة أعمال عنف واسعة النطاق شاركت فيها كافة قوات الحكومة والمعارضة باستخدام أساليب عنف أكثر شدة من أي وقت مضى.
تجليات العنف السياسي في عهد الأمين زروال.

في ضوء مسار الأحداث المعقدة هذه، وحدة تصاعد مواقف العنف، تم اختيار الأمين زروال ليرأس المجلس الأعلى للدولة. ولذلك فقد ورث نظام الرئيس زروال هذه التركة من الكم الهائل من تراكمات الصراع السياسي والعسكري بين النظام السياسي وقوى المعارضة في الجزائر. إذن فالعنف السياسي في عهد الأمين زروال ما هو إلا امتداد طبيعي لأسباب العنف في العهدين السياسيين السابقين لعهد زروال، ومع ذلك فقد اتسم عهد الأمين زروال بمجموعة من السمات التي لازمت النظام السياسي طوال فترته وأدت إلى ترسيخ واستمرارية العنف السياسي حتى أصبحت من سمات ذلك النظام. وتتمثل هذه السمات في الأبعاد التالية:
أولاً: تورط جميع القوى السياسية (الرسمية والشعبية) وبكثافة شديدة في دوامة العنف السياسي الأمر الذي أدى إلى تشعب مصادر العنف السياسي في الدولة. إن إيقاف المسار الانتخابي في عام 1992 من قبل المجلس الأعلى للدولة والذي هيمنت عليه المؤسسة العسكرية قد فجر الأزمة بين سلطة النظام السياسي والقوى السياسية المعارضة، خاصة جبهة الإنقاذ الإسلامية التي حصلت في تلك الانتخابات على أغلبية مقاعد المجلس الوطني (البرلمان). تلك الأزمة التي جرفت جميع القوى الفاعلة على الخريطة السياسية الجزائرية في تكتلات سياسية وعسكرية في مواجهة بعضها البعض مما سبب حالة من الفوضى والتشتت وعدم الاستقرار في الدولة. فمنذ تسلم الأمين زروال السلطة في الدولة لم يستطع أن يغير من الوضع القائم بل لقد زادت أعمال العنف مما أدى إلى أزمة مجتمعية شاملة كان من نتيجتها ظهور المزيد من بؤر التوتر والانفجار في المجتمع، وبرز العديد من التنظيمات الفرعية المسلحة التي لم تعد تأتمر بأوامر وتوجيهات القيادة السياسية لجبهة الإنقاذ الإسلامية وانخرط المجتمع في دوامة من العنف يصعب على الرئيس، أو حتى المؤسسة العسكرية، التحكم فيه أو تحديد العناصر الفاعلة فيه.
ثانياً: هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي في الدولة، وبروزها كطرف رئيسي في العنف السياسي. وهذه السمة لا تقتصر على عهد زروال بقدر ما كانت سمة من سمات العهود السابقة وخاصة عهدي محمد بوضياف وعلي كافي. اكتسبت المؤسسة العسكرية الجزائرية هيبتها واحترامها من تاريخها الطويل في الكفاح حتى تحقق استقلال الجزائر ثم استمرت كمركز قوة داعمة للنظام السياسي في برامجه الإصلاحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولم تتورط المؤسسة العسكرية بشكل مباشر في صنع السياسة الجزائرية الخارجية والداخلية في مرحلة بناء الدولة الجزائرية وهي المرحلة التي استمرت من تاريخ الاستقلال عام 1962 حتى وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين عام 1978م، إلا أن المؤسسة العسكرية برزت مع بداية عهد الشاذلي بن جديد كأقوى طرف في الصراع الدائر على السلطة في الجزائر، حيث نجحت في المشاركة والتحكم في كل الخيارات السياسية وتعدد تدخلها لضبط توازنات القوى في الجزائر. فبقدر ما لعبت المؤسسة العسكرية في الجزائر دوراً محورياً في حماية النظام السياسي، استطاعت أن تقوم بدور هام في الحياة السياسية خاصة فيما يتعلق باختيار قيادات النظام السياسي ابتداءً بالرئيس الشاذلي بن جديد وانتهاءً بالرئيس الأمين زروال. فمنذ تولي الرئيس الشاذلي بن جديد الرئاسة ارتبطت المؤسسة العسكرية، ممثلة في القيادات العسكرية، بشبكة واسعة من العلاقات مع النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة الأمر الذي ضمنت من خلاله الارتباط بمراكز اتخاذ القرار السياسي في الدولة، وهذا يبين الدور الاستراتيجي للمؤسسة العسكرية في النظام السياسي وقدرتها على المشاركة والتحكم عن قرب في توجيه وضبط إيقاع مؤسسة الرئاسة ومسارها السياسي.
هذه الهيمنة العسكرية على أدوات صنع القرار والمشاركة الفعلية في رسم السياسة الخارجية والداخلية للجزائر شكلت عائقاً أساسياً في حركة النظام السياسي، الأمر الذي دفع القيادات السياسية إلى التخفيف من تلك الهيمنة ومن ثم تقنين دور المؤسسة العسكرية، وكان ذلك من خلال دستور 1989م والذي تضمن إشارة واضحة إلى حظر العمل على الجيش في المجال السياسي ومحاولة تحجيم دوره بإبعاده عن مصدر اتخاذ القرار السياسي، إلا أن المؤسسة العسكرية استطاعت الإمساك بزمام الأمور وتخلصت من جميع الرؤساء الذين حاولوا تجريد المؤسسة العسكرية من المكاسب السياسية التي تحققت لها منذ تولي الشاذلي بن جديد.(11)
ثالثاً: انتفاء الشرعية التاريخية الثورية عن نظام الأمين زروال وضعف سلطته أمام المؤسسة العسكرية. ظلت الأنظمة السابقة لنظام الرئيس زروال تستمد شرعيتها من الشرعية التاريخية الثورية التي تحققت من خلال المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، واستمرت هذه الشرعية في الدفاع عن أولوياتها في مواجهة أية قوة سياسية تحاول منافستها، إلا أن تراجع هذه الشرعية بعد حكم علي كافي سبب أزمة سياسية للنظام السياسي أدت إلى إضعاف الرئيس زروال. فالشرعية التاريخية للنظام السياسي - على مدى المراحل التاريخية السابقة- تمثلت في التداخل بين السلطة السياسية وجبهة التحرير الوطني التي قادت الجهاد ضد فرنسا، إلا أن فك الارتباط بين السلطة السياسية وجبهة التحرير الوطني أدى إلى تراجع شرعية النظام السياسي تجاه الجماهير، وفرض ضرورة البحث عن بديل شرعي آخر للنظام السياسي تمثل ذلك في نظام الإصلاحات السياسية من خلال بناء المؤسسات السياسية والتعدد الحزبي التي تحققت في أواخر عهد الرئيس الشاذلي بن جديد من تحول في شرعية النظام من الشرعية التاريخية إلى شرعية التعددية الحزبية.
إن تدخل الجيش في السلطة أوقف الإصلاحات السياسية وحاول إعادة الاعتماد على الشرعية التاريخية الثورية من خلال اختيار كل من محمد بوضياف وعلي كافي كرمزين لهذه الشرعية وأصبحت المؤسسة العسكرية تتحكم في مجريات أمور الدولة من خلال تحكمها في مؤسسة الرئاسة والهيمنة على مفاتيح السلطة، حيث أصبحت تختار من تشاء على رأس الدولة وتقيل من تشاء. ومن وراء ستار الشرعية التاريخية قامت المؤسسة العسكرية بأعمال ومواجهات دامية ضد أطراف المعارضة السياسية والجماهير الجزائرية. ومن هذا المنطلق تم اختيار الرئيس الأمين زروال لرئاسة الدولة، وكان اختياره عبارة عن أول حالة خروج على الشرعية التاريخية، حيث لم يكن زروال من القيادات ذات الوزن التاريخي في النظام السياسي الجزائري. لذلك كان اختياره عبارة عن تأكيد هيمنة ووصاية المؤسسة العسكرية على مؤسسة الرئاسة، ومؤشراً واضحاً على خضوع الرئيس للجيش وعدم استقلاليته في اتخاذ القرار السياسي وتداخلت المسؤوليات بين المؤسستين، وفقدت مؤسسة الرئاسة مصداقيتها لدى شرائح عريضة من المجتمع الجزائري مما سبب توسيع الفجوة بين الحاكم والمحكوم. من هنا برز ضعف الرئيس زروال وكان ذلك واضحاً من جانبين:
(1) أن المؤسسة العسكرية هي التي أتت به إلى مؤسسة الرئاسة، ولذلك لابد للرئيس أن ينصاع وينفذ ما يرسم له من قيادة المؤسسة العسكرية، وانطلاقاً من خلفيته العسكرية فقد أعطى المؤسسة العسكرية دوراً كبيراً تمثل في هيمنتها على مركز القرار السياسي.
(2) يتعلق هذا الجانب بشرعية نظام زروال، فقد انتفت الشرعية التاريخية وكذلك الشرعية القانونية ونتيجة لذلك تحولت مؤسسة الرئاسة إلى مجرد هيئة استشارية مشكلة لأداء وظائف إدارية. من هنا فقدت مؤسسة الرئاسة ثقة الشعب والقوى السياسية في الجزائر، وأصبحت المؤسسة العسكرية تقوم بعملية الإقصاء لقوى سياسية واجتماعية ذات توجهات سياسية مغايرة مستخدمة في ذلك العنف والتصفية الجسدية لفرض الهيمنة، الأمر الذي أدى إلى ظهور ردود أفعال مماثلة لمقاومة الهيمنة والاستبداد الفئوي بالسلطة، حيث ظهر ذلك في المقاومة السلبية أولاً ثم الاحتجاج والعنف ثانياً. (عنصر، 88:1995) وعلى الرغم من هذا الوضع المتأزم بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية من ناحية والمعارضة السياسية من ناحية أخرى، فقد حدث تغير جوهري في شرعية النظام السياسي كان من المفروض أن يستثمره الرئيس زروال للخروج من الطوق الذي ضرب حوله وحد من سلطته. هذا التغير تمثل في الانتخابات الرئاسية التعددية التي جرت في نوفمبر عام 1995، والتي فاز فيها الرئيس زروال بأكثر من 60% من الأصوات وأكتسب من خلالها الرئيس زروال شرعية قانونية فعلية، ألغت الحق التاريخي للشرعية الأولى.
ففوز الرئيس زروال في تلك الانتخابات أتاح له فرصة كبيرة في التحرر من هيمنة المؤسسة العسكرية وفي فرض حل سياسي للأزمة وإعادة التوازنات للقوى السياسية في الدولة إنطلاقاً من أنه يستند إلى قاعدة شعبية، لكن الرئيس زروال لم يستثمر هذه الفرصة التي أتاحها له الشعب الجزائري من خلال صناديق الاقتراع.(المديني، 97-96 :1998) كذلك من ضمن المآخذ على حكومة زروال الأمور التالية: (أ) أن حكومة زروال لم تغير شيئاً بشأن إنتشار أعمال العنف والاضطرابات والصراع بين مختلف القوى السياسية من ناحية والحكومة والمؤسسة العسكرية من ناحية ثانية. (ب) كذلك لم تنجح في إدارة الأزمة السياسية في الجزائر. (ج) لم تنجح في الاستجابة للمطالب الشعبية والمتغيرات المتلاحقة على الساحة الجزائرية. (د) لم تستطع السيطرة على أعمال العنف في الدولة. (هـ) لم تنجح في معالجة وتحسين الظروف الاقتصادية المتردية في الجزائر. (و) لم تحقق الحوار مع القوى السياسية الفاعلة في الدولة وقد كان هذا الشعار أحد سمات برنامج الرئيس زروال عند انتخابه.
أخيراً اكتشف الرئيس زروال أنه لم يكن إلا وسيلة من وسائل المؤسسة العسكرية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، ولذلك فاجأ الرئيس زروال الأحزاب السياسية والرأي العام الجزائري بقراره الانسحاب من الحياة السياسية قبل نهاية ولايته وسط عدم اقتناع عام بالأسباب التي أوردها، وهذا اعتراف منه بعدم قدرته على مواجهة المؤسسة العسكرية، وداعياً إلى انتخابات رئاسية، والتي تمت في شهر فبراير 1999، وفاز فيها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقه.
أثر العامل الخارجي على العنف السياسي في الجزائر.

إن للأزمة الجزائرية أبعاداً مختلفة، لم تقتصر أبعادها على العوامل الداخلية والإقليمية، بل أن هناك أبعاداً دولية للأزمة أثرت على مسارها وطبيعتها من حيث عناصر الصراع واستمراريته. والأزمة الجزائرية تعكس جزءاً من الصراع الدولي على الجزائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وكل منهما له امتدادات داخل الجزائر. ويأتي اهتمام الدولتين بالأوضاع السياسية في الجزائر إلى أن التحول إلى التعددية في الجزائر يبين التأثر بالنموذج الغربي. "فالنموذج الجزائري يعكس بوضوح جدلية العالمية والخصوصية التي يثيرها مفهوم الديموقراطية، حيث ترتبط عالمية المفهوم، بممارسة الديموقراطية الليبرالية وما تعرضه من تعددية حزبية، كأحد أبعادها." (ميتكيس، 1993:25).
ومع أن الدولتين قد تختلفان في الرؤى حول حل هذه الأزمة، إلا أن هناك اتفاقا بينهما حول بعض الأمور الجوهرية ذات العلاقة بالأزمة الجزائرية. فالدولتان -ومعهما كافة الدول الغربية- تعتبران أن تطور الأحداث في الجزائر ما هو إلا بوادر "صعود للإسلام الراديكالي أو الأصولي" العدو المحتمل استراتيجياً وثقافياً والمنافس الرئيسي للديموقراطية الغربية، وهذا الصعود يعتبر تهديداً خطيراً ويجب القضاء عليه أو وأده قبل أن ينتشر خطره أو على الأقل ترويضه ليتكيف مع المفاهيم الديموقراطية الغربية. (العمار، 1996:84) وقد أكد أكثر من مفكر ورجل دولة في الدولتين، وفي أكثر من مناسبة، هذا التصور والمتمثل في الحؤول دون وصول الأحزاب الإسلامية إلى السلطة في الجزائر أو في غيرها من الدول الإسلامية. فقد أكد بلاتنر "أن الإسلام الأصولي حتى الآن يعد أكبر منافس للديموقراطية أو هو البديل الأكثر حيوية لها في أي مكان من العالم." (العمار، 1996:84) كذلك أكد هذه الاستراتيجية وزير الخارجية الفرنسي السابق (آلان جوبيه) في عام 1993 حيث أوضح "رغبة الحكومة الفرنسية في مساعدة الجزائر للكفاح ضد الإرهاب والأصولية." (العمار، 1996:84)
كما أكد هذا التوجه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه [الفرصة السانحة]، عندما طلب من صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية "أن يأخذوا حذرهم من خطر الإسلام، وأن تتفرغ أمريكا له بعد أن فرغت من العدو الشيوعي." (1996، 85) كذلك ترى فرنسا أن التحولات في الجزائر وما تبعه من تصاعد تأثير التيار الإسلامي ووصوله إلى السلطة وما يحمله ذلك التيار من نظرة معادية لفرنسا وتطلعاتها ومصالحها في منطقة تعتبرها منطقة ثقافية فرانكفونية، ويجب عليها السعي إلى التدخل لضبط تصاعد الأحداث والوقوف أمام أي محاولات لتقليص النفوذ الفرنسي في المنطقة. (العمار، 1996:85)
فالدولتان إذن متفقتان حول منع الأحزاب السياسية الإسلامية من الانفراد بالسلطة في الجزائر. والدولتان تقف خلف النظام السياسي في الجزائر بمؤسستيه: مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، لكن هناك تباين في موقف الدولتين حيال كيفية إنهاء الأزمة الجزائرية. هذا التباين في موقف الدولتين انعكست آثاره على مختلف أطراف الصراع في الجزائر، فقد برز هذا التباين داخلياً بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، حيث تقف خلف كل واحدة منهما دولة. ترى فرنسا أن الجزائر هي مجال حيوي لها ولا يمكن السماح لدول أخرى بمنافستها، إنطلاقاً من النفوذ الفرنسي التاريخي في منطقة شمال أفريقيا وبشكل خاص في الجزائر، وكذلك إنطلاقاً من الروابط التاريخية والثقافية والإرث التاريخي الاستعماري. ولتأكيد هذا الموقف تدعم فرنسا المؤسسة العسكرية إدراكاً منها بأن المؤسسة العسكرية هي القوة الشرعية التي تستطيع كبح جماح التيار الإسلامي وتعزيز النظام العلماني في الجزائر وعدم السماح للاتجاهات الدينية في المشاركة في المسار الديموقراطي. كذلك تعول فرنسا على المؤسسة العسكرية في استمرار النظام السياسي ودعم التيار الاستئصالي (الفرانكفوني)(12) فيها للقضاء نهائياً وبالوسائل العسكرية على المقاومة المسلحة التي تشنها الجماعات الإسلامية المختلفة، (مهابة، ب 1994 :128) ولذا ترى فرنسا أن الاستقرار في الجزائر لن يتحقق إلا إذا تولى الجيش حراسة السلطة في البلاد، وقد طالب وزير خارجية فرنسا السابق (كلود شيسون) الجيش الجزائري بتحمل مسؤولياته كاملة، وأنه "لا يعتقد في أية إمكانية لسلطة بديلة غير الجيش إذا أريد للبلاد أن تستعيد استقرارها السياسي ونموها الاقتصادي،" (مهابة، أ 1994 :177) ولذلك تعتقد فرنسا أن انهيار النظام السياسي ووصول جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى السلطة ينذر بالقضاء على أي نفوذ فرنسي ليس في الجزائر فحسب ولكن في جميع دول المغرب العربي، كما أكد ذلك وزير الخارجية الفرنسي الأسبق (رولان دوما) في عام 1992 عندما اعتبر أن انتصار الإسلام في الجزائر "فرضية خطيرة ليس على الجزائر فحسب بل على فرنسا أيضاً." (قواص، 1998، :207)
إن تركيز فرنسا على دعم المؤسسة العسكرية والبحث في إيجاد آليات للتنسيق مع دول المغرب العربي، أوجد مخاوف كثيرة عند مؤسسة الرئاسة والجزائريين، ويعود هذا التخوف إلى الخبرة التاريخية السلبية في التعامل مع فرنسا خلال فترة الاحتلال الفرنسي. وأن تدخلها في الجزائر هو محاولة لإبقاء الجزائر في وضع غير مستقر كي تبقى بحاجة إلى المساعدة الفرنسية، الأمر الذي يتيح لفرنسا نوعاً من السيطرة والتحكم في الشؤون الداخلية للجزائر. كذلك احتضان فرنسا للتيارات البربرية في الجزائر تحت ستار "إحياء الثقافة البربرية" أو "تجسيد الشخصية البربرية" والتي يراها الجزائريون أنها محاولة لزعزعة الوحدة الوطنية للشعب الجزائر. (العمار، 1996 : 57) وقد عبر عن سياسة فرنسا هذه ورفضها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقه، عندما أكد "أن على فرنسا أن تفهم منذ الآن أن لهجة [الأبوة] والوصاية السياسية التي تعودت أن تتعامل بها مع الجزائر، لن تكون مقبولة في عهدي أبداً." (المجلة، 1999 :26)
أما الولايات المتحدة الأمريكية فإن تواجدها في الجزائر لم يكن وليد الأزمة الجزائرية الراهنة، بل لقد سبق ذلك بفترة طويلة. فقد تمكنت الشركات الأمريكية من السيطرة على قطاع النفط والغاز والتجارة الخارجية منذ منتصف الستينيات من هذا القرن. أكد ذلك أحد المسؤولين الرسميين الأمريكيين عندما قال: "إن الوجود الأمريكي في الجزائر هو أهم وأضخم وجود اقتصادي في القارة الأفريقية رغم عدم وجود علاقات سياسية بين البلدين منذ عام 1967 حين قامت الحرب بين العرب وإسرائيل." (مهابة،أ 1994 :123) ولذلك فإن رؤية الولايات المتحدة الأمريكية للأزمة الجزائرية وطريقة حلها تختلف عن تلك الفرنسية. فالموقع الاستراتيجي المؤثر، والثروة البترولية الهائلة، والديموقراطية عوامل أساسية تحدد موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الأزمة الجزائرية. فالولايات المتحدة الأمريكية تضع مصالحها الاقتصادية والسياسية في مقدمة أولوياتها في التعامل مع الجزائر، بحكم موقعها الاستراتيجي الذي يؤثر على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهي منطقة تعتبر مجال حيوي للولايات المتحدة الأمريكية. ويهمها كذلك الاستقرار السياسي في الجزائر خاصة وهي تمتلك ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز، وتهتم كذلك بتحرير الاقتصاد العالمي. وقد حققت الشركات الأمريكية إنجازات كبيرة في حصولها على عقود ضخمة في مجال التنقيب عن النفط والغاز وكذلك في مجال الإعمار. (قواص، 1998 :210)
أما موقف الولايات المتحدة من الديموقراطية فقد كان مغايراً للنهج الفرنسي. حيث أدانت تعليق العملية الانتخابية في يناير من عام 1992. ومع أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعم مؤسسة الرئاسة، إلا أنها أخذت تضغط عليها لاتخاذ إجراءات لتوسيع قاعدتها السياسية من خلال الدخول في حوار مع عناصر تمتلك صفة تمثيلية في المجتمع الجزائري. ويقصد بذلك الجبهة الإسلامية للإنقاذ. (مهابة،أ 1994 :126) ولذلك فقد حافظت الولايات المتحدة على علاقات متوازنة مع الحكومة والمعارضة، حيث طورت علاقاتها مع النظام السياسي دون أن تقطع اتصالاتها مع المعارضة، الأمر الذي جعلها تجمع أحزاب المعارضة في روما ، والذي نتج عنه برنامج يدعو إلى التعددية الحزبية والانتخابات الحرة. (مهابة،أ 1994 :126)
هذا التناقض في أسلوب كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا حول الأزمة الجزائرية، وكذلك التنافس للهيمنة والسيطرة على مصادر اتخاذ القرار السياسي في الجزائر جعل الجزائر تسبح في بحر من الغموض وعدم الإدراك للقرار الرشيد حول السيطرة على أعمال العنف السياسي في الجزائر. خاصة والأزمة الجزائرية ذات أبعاد ثلاثة: مؤسسة الرئاسة، والمؤسسة العسكرية، وأحزاب المعارضة، ولكل من هذه الأبعاد إمداداته الداخلية والخارجية الأمر الذي أدى إلى استمرارية أعمال العنف السياسي في الجزائر. ويعبر عن العنف السياسي في هذه المرحلة الاتجاه الذي يؤكد على أن هذا النوع من العنف السياسي هو نتاج للصراع الذي يحدث بين السلطة السياسية والقوى السياسية في المجتمع، والتي أصبحت تنافس السلطة السياسية وتحاول إضعاف دورها الأمر الذي أدى إلى اختلال وتفكك في التركيبة السياسية للسلطة، وهذا فرض على المؤسسة العسكرية الاستجابة لمثل هذا التحدي والذي عبرت عنه من خلال إجراءات سياسية وعسكرية تمثلت في فرض ضغوطاً على الرئيس الأمين زروال لاختزال فترة رئاسته والدعوة إلى انتخابات رئاسية.


القوى السياسية المؤثرة والفاعلة ودورها في العنف السياسي

إن الحديث عن القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة في الجزائر خلال العهود الثلاثة يفرض علينا دراسة هياكل وبرامج القوى السياسية الفاعلة المعارضة في الجزائر لكي نتوصل من خلال هذه الدراسة إلى مواقفها من النظام، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نحدد دور هذه القوى في ممارسة العنف السياسي. ومع أن الساحة الجزائرية تزخر بما يربو على الخمسين حزباً سياسياً، إلا أن هذه الأحزاب ليست على نفس الدرجة من القوة والتأثير والتواجد والانتشار السياسي داخل الدولة، ولذلك سوف نعرض لأهم تلك القوى على الساحة السياسية الجزائرية. ولهدف هذه الدراسة سنعتمد تقسيم هذه القوى إلى ثلاث فئات: (أ) القوى السياسية ذات الاتجاه الإسلامي. (ب) القوى السياسية الأخرى. (ج) المؤسسة العسكرية ودورها في العنف السياسي.
(أ) القوى السياسية ذات الاتجاه الإسلامي.

ليس من السهولة تحديد جذور وأسس تنظيمات القوى السياسية ذات الاتجاه الإسلامي، ولكن قد تكون هذه الجذور قد نمت في مرحلة مقاومة الاستعمار الفرنسي ومحاولة العلماء تقوية الموقف الشعبي وتعبئة الرأي العام الجزائري لمقاومة الآثار الحضارية والثقافية والفكرية للوجود الفرنسي في الجزائر، إلا أن هذه القوى السياسية لم تبرز في شكل هياكل منظمة إلا في أواخر عقد الثمانينات. وتتشكل القوى السياسية ذات الاتجاه الإسلامي من مجموعة من التنظيمات الرئيسية والهامشية، ويمثل تطبيق الشريعة الإسلامية المنطلق الأساسي لفكر هذه التنظيمات الإسلامية. وسنركز في دراستنا هذه على التنظيمات السياسية الإسلامية ذات التأثير في المسار السياسي الجزائري وهذه التنظيمات تتكون من:
(1) الجبهة الإسلامية للإنقاذ: وتعتبر عماد التنظيمات الإسلامية في الجزائر حيث أنها تأتي في مقدمة القوى التي تشكل في الوقت الراهن خريطة الحركة الإسلامية الجزائرية من حيث أنها الأوسع انتشاراً والأكثر عدداً وأنصاراً. وقد تشكلت الجبهة كحزب سياسي في مارس 1989، ولها خبرة في العمل السياسي والتنظيم المحكم وأسلوب تعبئة الجماهير حتى أنها أصبحت أكثر القوى السياسية اتساعا وتنظيماً ونتيجة لذلك فقد سيطرت على الشارع الجزائري في فترة الانتخابات البلدية في يونيو من عام 1990 والانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991، وتعتمد الجبهة مبدأ الشورى والقيادة الجماعية في تصريف الأمور. يعكس التشكيل التنظيمي للجبهة منطلقات فكرية لتيارات متعددة يكون التأثير لكل منها بحسب وزن كل تيار وتأثيره وفاعليته داخل الجبهة، إلا أنه من الصعب تقدير الأوزان النسبية لكل تيار داخل الجبهة. وتتدرج هذه التيارات من التشدد مروراً بالاعتدال مع التدرج وانتهاءاً بتيار "الجزأرة" وهو التيار الذي يحصر نشاطه في نطاق الجزائر مؤكداً على خصوصية البيئة الجزائرية واختلافها عن غيرها من الدول الإسلامية. ومع ذلك تؤكد بعض المؤشرات أن التيار السلفي الذي يقوده على بلحاج والتيار الجهادي الذي يقوده الدكتور عباسي مدني يشكلان أغلبية كبيرة داخل الجبهة. إذن نستطيع أن نتعرف على ثلاث تيارات داخل جبهة الإنقاذ وهي: [1] التيار المتشدد ويمثله علي بلحاج. [2] التيار الإصلاحي وهو بزعامة عباسي مدني. [3] تيار الجزأرة الذي كان يقوده محمد سعيد. ويعتبر التيار الأول هو صاحب الصوت العالي والمؤثر الأقوى على بقية التيارات والذي استطاع منذ ظهور الأزمة الجزائرية أن يحرك الشارع الجزائري حاجباً بقية التيارات، (ميتكيس 1993 :35-36 ، العمار 1996 : 68-69) ومستفيداً من المتغيرات الداخلية والخارجية "حيث النكوص الذي أصاب الأيديولوجية التعبوية الاشتراكية وتهيكل أركان جبهة التحرير واستعار الصراعات الداخلية فيها،" (العمار، 1996 : 67) مستثمراً اضطراب النظام السياسي، وتغير الأجواء السياسية المحيطة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية للدولة، وارتفاع نسبة البطالة، والصراع بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية الذي أدى في النهاية إلى فرض الاستقالة على الرئيس الشاذلي بن جديد، وإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية في دورتها الأولى عام 1991، وقرار حل جبهة الإنقاذ في 19 من شهر مارس عام 1992، مما أدى إلى تراجع المكانة القانونية للجبهة على خريطة القوى السياسية، بل وفقدان تنظيمها المشروعية، واعتقال قياداتها وسيطرة المؤسسة العسكرية على النظام السياسي، كل هذه المتغيرات وظفتها الجبهة في إعادة توزيع الأدوار داخلها حيث تحول تنظيم الجبهة إلى جناحين: [1] الجناح السياسي: وهو الجناح الذي كان يحاول الحفاظ على سمعته وموقفه الشعبي، وكان يتحرك في إطار اللعبة السياسية. [2] الجناح العسكري: ويتكون من تنظيمين هما: الجيش الإسلامي للإنقاذ، ويعتبر الذراع العسكري للجبهة، والجماعة الإسلامية المسلحة والتي خرجت من تحت عباءة الجبهة وانشقت عليها، ورفضت وصاية الجبهة واتهمتها بمداهنة النظام حين قبلت المشاركة في الانتخابات، ونهجت منهجاً أكثر تشدداً وعنفاً كردة فعل لما تقوم به المؤسسة العسكرية من قمع لهذه التنظيمات. وكل من هذين التنظيمين أخذ على عاتقه تصعيد المواجهة مع المؤسسة العسكرية الجزائرية ووجها ضربات قوية وموجعة للنظام السياسي وللمصالح الغربية في الجزائر وبشكل خاص المصالح الفرنسية، وأظهرا الدولة بأنها غير قادرة على إقرار الأمن والاستقرار.
من هذا المنطلق نستنتج أن الاختلاف في الخطاب السياسي على المستوى القيادي للجبهة وكذلك عدم التجانس الفكري بين تيارات الجبهة والتباين في الأسس التربوية والرؤى السياسية ومناهج التغيير التي يؤمن بها كل تيار، أدى إلى نوع من التضارب والارتباك في حركة الجبهة وأدى كذلك إلى عدم الحسم في تحديد المواقف تجاه النظام السياسي. جميع هذه العوامل أدت إلى عدم تنسيق وتحديد أهداف الجبهة ومن ثم عدم قدرة الجناح السياسي للجبهة من السيطرة على مسار الأحداث والخروج من أعمال العنف السياسي. ( غانم، 1992 :28-32)
(2) حركة المجتمع الإسلامي [حماس] نشأ هذا التنظيم كحزب سياسي عام 1990 (وتم الاعتراف به كحزب رسمي في فبراير 1991) بزعامة الشيخ محفوظ نحناح الذي يدعو إلى الإصلاح الإسلامي وفتح الحوار وتجنب الصدام مع السلطة بالإضافة إلى التنسيق مع كافة القوى والفعاليات الإسلامية، وتعتبر الحركة ثاني أكبر القوى الإسلامية في الجزائر بعد جبهة الإنقاذ وكانت الحركة من أوائل التنظيمات السياسية الإسلامية في الجزائر حيث تستند إلى تراث سياسي طويل في الجزائر، فقد بدأت الحركة العمل السري منذ عام 1963 وأصبحت تمتلك قدراً من الفاعلية أدى بها إلى الصدام مع النظام الحاكم في عام 1976، وذلك لمعارضتها لقانون الثورة الزراعية والتعديلات التي أدخلت على الميثاق الوطني (الدستور) ، ونتيجة لتلك المعارضة كانت أول عملية عنف سياسي في الجزائر تنفذها عناصر من الحركة، وأسفر ذلك عن اعتقال الشيخ نحناح مؤسس الحركة وحكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما.(13) ثم بدأت الحركة تعمل تحت اسم "جمعية الإرشاد والإصلاح" إلى أن تمت الموافقة على تأسيس الحزب في فبراير 1991. أما المنطلقات الفكرية لحركة المجتمع الإسلامي فإنها تختلف عن منطلقات جبهة الإنقاذ، فهي تؤكد على التغيير المرحلي والتدرجي وتميل إلى تجسير العلاقات مع السلطة السياسية وفتح الحوار معها وعدم المواجهة العنفية مع النظام السياسي، وتحرص على فتح الحوار مع كافة القوى والفعاليات السياسية في الدولة، بما فيها الفعاليات الإسلامية.
وتعتبر "حماس" حركة نخبوية، وليست جماهيرية. أي أن القاعدة الاجتماعية للحركة تتركز في الأوساط المثقفة من جامعات ومعاهد عليا، ولذلك فإن الخطاب السياسي والمنهج الفكري للحركة يختلف عن القوى الإسلامية الأخرى، فهي تتسم بالاعتدال والوسطية والتجديد والتدرج في عملية الإصلاح والتغيير. (غانم 1992 :38-40)
أما موقف حركة المجتمع الإسلامي من أعمال العنف السياسي فإنها ترفض العنف السياسي كمنهج للتغيير حيث تنكر ذلك على جبهة الإنقاذ ولذلك فقد كان موقف حماس هو تأييد تدخل الجيش ضد جبهة الإنقاذ، كما عبر عن هذا الموقف الشيخ نحناح، معللاً ذلك "بأن الجبهة لا تزال تعمل بفكر وعقلية السرية ولا بد أن تتطور بشكل إيجابي وفقاً للتطورات ولا تحاول فرض أية وصاية على المجتمع باسم الدين." (أدهم 1992 : 221) ومؤكداً أن تدخل الجيش كان لحفظ الأمن والاستقرار وهو بذلك يؤكد "إن تدخل الجيش كان حكيماً ... ونحن نؤمن اليوم بالقانون والدستور الجزائري ولا بد أن يحترمهما الجميع...." (العمار 1996 : 72) بل إن الشيخ محفوظ نحناح أعلن ولأول مرة تأييده لقرار المؤسسة العسكرية بإلغاء الانتخابات التي جرت في نهاية عام 1991، حيث قال "لو لم يتم إلغاء هذه الانتخابات لعرفت الجزائر المصير ذاته الذي عرفته أفغانستان وبورندي ولانهارت الدولة الجزائرية" (أبو النصر 1997 : 36) وباستثناء أعمال العنف المحدودة جداً في السبعينات التي قامت بها عناصر من الحركة، فإن الحركة كانت في تحالف مع النظام السياسي وشاركت في الحكم في عهود ما بعد الشاذلي بن جديد.
(3) حركة النهضة الإسلامية. تأسست الحركة كحزب سياسي معترف به رسمياً في ديسمبر 1990 تحت قيادة الشيخ عبدالله جاب الله الذي يعتبر أحد العناصر النشطة على الساحة الجزائرية حيث تعرض للاعتقال والسجن مرات عديدة. والبرنامج السياسي لحركة النهضة يتمحور حول اتخاذ الشورى منهجاً وأسلوباً في الحكم، وتحتل قضية الاستقلال أهمية كبرى في رؤية الحركة. والاستقلال في مفهوم الحركة هو الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ترى الحركة أن الحوار هو السبيل إلى تحقيق الاستقرار وإنهاء العنف السياسي في الجزائر. وهي تنتمي إلى التيار المعتدل، ولا تتطلع إلى الحكم، وتؤكد على تعاون جميع القوى السياسية في الدولة لتحقيق الاستقرار والأمن في الدولة. (أدهم 1992 : 221) لم يثبت عن الحركة تورطها في العنف السياسي بالرغم من وجودها في المعارضة، بل لقد هاجمت القوى التي تمارس العنف السياسي، حيث هاجمت جبهة الإنقاذ والنظام السياسي لممارستهما العنف السياسي.


(ب) القوى السياسية الأخرى.

تتشكل القوى السياسية الموازية لقوى الإسلام السياسي من مجموعة من الأحزاب والتنظيمات السياسية التي ازداد عددها بإفراط منذ تبني نظام التعددية الحزبية في عام 1989، إلا أننا سنركز في دراستنا هذه على أهم القوى السياسية التي كان لها أهم الأثر في التفاعلات السياسية في الجزائر وهي:

(1) جبهة التحرير الوطني.

وهي التنظيم السياسي الأوحد الذي قاد الجزائر إلى الاستقلال، وهي صاحبة الشرعية التاريخية استناداً إلى ما قامت به من دور في الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي. وظلت الجبهة تلعب دوراً سياسياً تعبوياً في الداخل في إطار تبنيها نظام الحزب الواحد، معارضةً أي إجراء سياسي لنشوء قوى سياسية جديدة. وقد تعرضت الجبهة لأزمات متعددة شككت في مصداقيتها، وأبرزت قوى منافسة على الخريطة السياسية فرضت إعادة تشكيل التوازنات السياسية في الدولة، الأمر الذي أضعف دور جبهة التحرير وأظهرها بعدم القدرة على استيعاب المتغيرات الداخلية والدولية وخاصة بعد أحداث أكتوبر 1988 والتي هزت كيانها وأجبرتها على التراجع إلى الصفوف الخلفية. ولذلك تبدو أطراف المعادلة السياسية في الجزائر منذ عام 1992 تتمحور حول المؤسسة العسكرية وجبهة الإنقاذ، باعتبارهما أكثر المؤسسات قدرة على التأثير في الواقع السياسي الجزائري. (ميتكيس 1993 :30)
ومع أن جبهة التحرير حاولت التغيير وانتهاج أساليب سياسية جديدة إلا أنها فشلت في إعادة هيكلة الحزب وكوادره في إطار توجهات جديدة ومتوازنة تسمح لها بالانتقال التدريجي في الأداء السياسي. (ميتكيس 1993 :28) بعد أحداث أكتوبر 1988 بدأ الرئيس الشاذلي بن جديد بتنفيذ إصلاحات سياسية جذرية صدرت في دستور عام 1989، لم يعط الدستور الجديد أي دور لجبهة التحرير الوطني في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية أو التشريعية كما كان ذلك سابقاً. كما أكد الدستور كذلك على قيام الجبهة بدور حزبي فقط وليس دوراً إشرافياً ورقابياً. وبدأت عملية التحول نحو التعدد الحزبي، الأمر الذي أفقد جبهة التحرير مكانتها التاريخية السياسية، وقد حولت تلك الإجراءات جبهة التحرير من حزب حاكم إلى حزب معارض، شاركت على أساسه مع أحزاب المعارضة الأخرى في التوقيع على "العقد الوطني" في روما عام 1994. (شكري 1989 :155-156) فمن الظاهر أن غالبية التنظيمات السياسية التي فقدت مميزات أو مكانة سياسية في الدولة قد تكون لعبت دوراً مهماً في العنف السياسي.
(2) جبهة القوى الاشتراكية.

تأسس حزب جبهة القوى الاشتراكية تحت قيادة حسين آيت أحمد وهو أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية، حيث استهدف تعبئة القوى العلمانية والاشتراكية تحت مظلة الحزب، على أن تكون ركيزته وقاعدته الجماهيرية تستند على العرقية البربرية، فقد دافع عن الثقافة البربرية وعارض سياسة التعريب التي تبنتها جبهة التحرير الوطني عندما كانت في السلطة وكذلك عارض الخطاب السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ حول إقامة الدولة الإسلامية. وترجع قوة الحزب إلى اعتماده على ركيزتين تشكلان في الوقت نفسه أهم عوامل ضعفه: الركيزة الأولى هي استناده إلى قبائل البربر الذين تصل نسبتهم إلى حوالي ثلث عدد السكان، وقد يكون في ذلك ضعف للدور السياسي للحزب انطلاقا من غياب المشروع الوطني وهذا أفقده الكثير من المتعاطفين الجزائريين، ثم التأكيد على المصالح العرقية والقبلية. (العمار 1996 :75-76) أما الركيزة الثانية فتتمثل في اعتماد الحزب على قوى خارجية مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. فالخطاب السياسي العلماني للحزب الذي يدافع عن حقوق البربر في مواجهة العنصر العربي لاقى قبولاً في الأوساط الغربية في إطار اهتمام الغرب بالأقليات الأثنية والقومية والدينية ليس في الجزائر فحسب ولكن في جميع الدول العربية. وقد أضعف هذا التوجه من شعبية الحزب على أساس أنه امتداد لسياسات الغرب في الجزائر حتى أن الحزب يعرف في الأوساط السياسية في الجزائر بأنه "حزب فرنسا." (عبدالفتاح 1992 :197)
عندما نتحدث عن دور جبهة القوى الاشتراكية في العنف السياسي في الجزائر فإن الحديث ينطلق من أبعاد ثلاثة:
البعد الأول: أن الجبهة اتخذت موقفاً معارضاً لجميع القوى السياسية الإسلامية وبشكل خاص جبهة الإنقاذ الإسلامية، برغم أن جبهة القوى الاشتراكية تؤكد على العودة إلى المسار الديموقراطي، ورفع حالة الطوارئ، وإلغاء المحاكم الخاصة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، إلا أن الجبهة رفضت الاعتراف بالفوز الذي حققته جبهة الإنقاذ في الانتخابات التشريعية، كما عارضت فكرة تسلم جبهة الإنقاذ الحكم إنطلاقاً من الصورة التي تشكلت عند قيادات جبهة القوى الاشتراكية بأن الحل الإسلامي ليس هو الحل المطلوب، وقد أكد هذا الموقف زعيم الجبهة عندما قال "نحن لسنا مع أي حكم إسلامي." (العمار 1996 :75) إذن قد تكون الجبهة أحد أطراف العنف السياسي في محاولة لإبعاد الجبهة الإسلامية للإنقاذ عن السلطة.
البعد الثاني: يتمحور حول موقف الجبهة من النظام السياسي. فقد اتهمت الجبهة النظام السياسي بالاستبدادية، وضرب الأمن الجماعي، بل لقد وقفت الجبهة موقفاً معارضاً من أسلوب المؤسسة العسكرية في التعامل مع الأزمة حيث وصفت المؤسسة العسكرية بأنها "عنصر مهم من عناصر فساد الحياة السياسية في الجزائر." (العمار 1996 :75) وهذا الموقف الذي تبنته الجبهة وضعها في الطرف المعارض لسياسة الحكومة الجزائرية الأمر الذي قد يجعلها هدفاً من أهدافها العنفية.
البعد الثالث: أن العنف لم يستثني مناطق القبائل، القاعدة الرئيسية لجبهة القوى الاشتراكية، والذي تجسد في الإعلان عن ميلاد "الحركة المسلحة البربرية" الجناح العسكري للجبهة التي توعدت بسلوك طريق العنف للدفاع عن حقوق البربر الثقافية والسياسية، وحذرت كذلك بأنها ستستخدم العنف ضد من يحاول تطبيق قانون التعريب. والجبهة تصارع على جبهتين: ضد السلطة السياسية لتحقيق مكاسب سياسية وثقافية للبربر، وضد الجماعات الإسلامية المسلحة لكبح جماحها وإجهاض مشروعها السياسي.
(3) حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية.

أنشق حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية عن جبهة القوى الاشتراكية في عام 1989. فقد تشكل الحزب الجديد تحت قيادة سعيد سعدي واتخذ موقفاً مغايراً للحزب الأم فقد دعا الجيش للقيام بانقلاب عسكري لمنع الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الوصول إلى الحكم، داعياً جميع "الأحزاب الديموقراطية" في الجزائر إلى حشد قواها لإيقاف اللعبة الديموقراطية بعد فوز جبهة الإنقاذ في الانتخابات في دورتها الأولى. وهذا الموقف وضع حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية في مواجهة مباشرة مع جبهة الإنقاذ الأمر الذي يبين أن الحزب قد انخرط في العنف السياسي أو أصبح هدفاً للعنف السياسي نتيجة لمواقفه المعارضة لجبهة الإنقاذ والمؤيدة للمؤسسة العسكرية.
(4) مجموعة أخرى من التنظيمات الحزبية:

بالإضافة إلى الأحزاب السياسية السابقة هناك مجموعة من التنظيمات السياسية التي ظل دورها محدوداً في العملية السياسية على الرغم من الخط السياسي الذي تعبر من خلاله عن مطامحها وبرامجها السياسية. ولعل من أهمها وأكثرها فاعلية من حيث النطاق الحركي: حزب الحركة من أجل الديموقراطية بزعامة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا، الذي يحاول العودة إلى السلطة من خلال توحيد جميع القوى السياسية الموجودة على الساحة الجزائرية، وكذلك حزب الطليعة الاشتراكية: وقد نشأ هذا الحزب على أنقاض الحزب الشيوعي، إلا أن دوره بقي هامشياً في اللعبة الديموقراطية. ويجمع هذه التنظيمات معارضتها للنظام السياسي ونهجه القمعي لأحزاب المعارضة ومصادرة حق الشعب في ممارسة الديموقراطية التي أقرها الدستور الجزائري. ومع أن احتمال ممارسة العنف من قبل هذه الأحزاب السياسية قائم نتيجة لوجودها في المعارضة السياسية وكذلك نتيجة للاختلافات السياسية والأيديولوجية مع مختلف الأحزاب الأخرى الأمر الذي قد يؤدي إلى أن تصبح هذه الأحزاب هدفاً لعمليات العنف السياسي، إلا أن احتمال ممارسة العنف السياسي من قبل هذه الأحزاب ضعيف ولم تشر الدراسات المختلفة عن تورطها في العنف السياسي.
المؤسسة العسكرية ودورها في العنف السياسي.

منذ عام 1985 تبلور اتجاه لدى الرئيس الشاذلي بن جديد في سرعة التحول الديموقراطي. هذا التوجه الذي بدأه الرئيس بن جديد أدى بلا شك إلى تغييرات جوهرية في مراكز القوى السياسية في الدولة وأهمها: تقليص هيمنة المؤسسة العسكرية وإضعاف دورها السياسي وابعادها عن السلطة، حيث أن المؤسسة العسكرية هي صاحبة القوة والمهيمنة منذ الستينات، ولم تكن هناك قوة تنافسها على مكانتها، إلا أن هذا التوجه سيفقد المؤسسة العسكرية مكانتها السياسية. ثم جاءت أزمة أكتوبر عام 1988 وتداعياتها السياسية التي أفرزت قوى سياسية جديدة في المجتمع الجزائري أصبحت تزاحم المؤسسة العسكرية، وتطالب بمشاركة أكثر توازناً في القرار السياسي والتوزيع الاقتصادي. هذه الأزمة أعطت الرئيس بن جديد فرصة ذهبية في القيام بتنفيذ إصلاحاته السياسية والتي تمثلت في التحول نحو التعددية الحزبية والتعامل مع الشعب الجزائري مباشرة، وما ترتب على ذلك من انتخابات برلمانية وفوز جبهة الإنقاذ الإسلامية في الدورة الأولى من الانتخابات الأمر الذي بدأت معه تداعيات أزمة الشرعية داخل النظام السياسي، وكذلك عدم وجود صيغة للتعايش وغياب التنسيق السياسي بين أركان الحكم الجزائري -المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة- بل وكشفت عن عمق الخلافات بين أطراف الصراع في الحكم مما أدى إلى تفاقم الأزمة السياسية والدستورية في الدولة. (شكري 1989 :78، أبو عامود 1993 :119، قواص 1992 :78)
كشفت التطورات التي حدثت في الجزائر منذ أحداث العنف التي شهدتها الدولة في أكتوبر 1988 أن المؤسسة العسكرية هي المحور الأساسي للحكم في الجزائر، بل إن تلك الأحداث كانت بمثابة نقطة بداية المواجهة بين المؤسسة العسكرية وقوى الإسلام السياسي. باعتبارها القوة الأساسية في الدولة والعمود الفقري للنظام فقد لعبت المؤسسة العسكرية دوراً محورياً في انتشار العنف السياسي في الجزائر، وكان ذلك واضحاً من خلال بعض الممارسات العنفية التي قامت بها المؤسسة العسكرية. فالقيادة العسكرية هي التي تقبض على مفاتيح السلطة فهي تعين الرئيس وتقيله.(14) ولذلك يتوجب على الرئيس الذي تختاره القيادة العسكرية أن يتحمل النظام ويخضع له، وإذا سعى الرئيس لتحقيق نوع من الاستقلالية النسبية عن المؤسسة العسكرية فإن مصيره سيكون الإبعاد.(15)
إن هيمنة المؤسسة العسكرية جعلها مركز قوة النظام ومحور التوازن السياسي في الدولة، لذلك فإن القرار السياسي رهين بموافقة المؤسسة العسكرية، بل إن اختيار رئيس الدولة لايمكن أن يتم إلا من خلال موافقتها. ومع أن المؤسسات العسكرية في دول العالم الثالث تفتقر إلى رؤية سياسية تسمح لها بتجاوز الرؤية المستندة إلى قوة الردع العسكري كأداة أخيرة لحسم الأزمات السياسية، فإن المؤسسة العسكرية في الجزائر لاختلف عن ذلك، حيث ساهمت في زعزعة الثقة والهيبة في مصداقية الحكم، ولم يستطع الجيش تقديم أية رؤية سياسية للخروج من الأزمة السياسية والدستورية سوى التخلص من الرؤساء ، والسيطرة على السلطة، وتطويق جبهة الإنقاذ من الوصول إلى الحكم. فقد واجهت المؤسسة العسكرية هذه الأحداث بعنف مضاد، وبما أن المؤسسة العسكرية هي قوة ذات ثقل كبير على الخريطة السياسية الجزائرية، فإن كم العنف المتوقع منها هو كم كبير، كما أن الهدف الذي يتوجه إليه هذا العنف يتركز أساساً على جبهة الإنقاذ. فمنذ الإطاحة بالرئيس الشاذلي بن جديد اتخذت المؤسسة العسكرية سياسة اليد الحديدية تجاه جبهة الإنقاذ، حيث لجأت إلى حملات الاعتقال لقادتها ورموزها السياسية وذلك بهدف إحداث فجوة بين القيادة وبين القاعدة الأمر الذي يؤدي إلى اضطراب وشلل ورعونة الفعل السياسي العنيف للجبهة وبالتالي تصفية وتحطيم هياكل الجبهة. (عبدالفتاح 1992 :200-201) ولتحقيق هذه الاستراتيجية اتخذت المؤسسة العسكرية إجراءات منها: (أ) إلغاء نتيجة الانتخابات البرلمانية التي عقدت في ديسمبر 1991. (ب) إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية المقرر عقدها في يناير 1992. (ج) فرض قانون الطوارئ على البلاد والذي يعتبر بحد ذاته أسلوب من أساليب العنف السياسي ضد حقوق الشعب. (د) حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإلغاء تصريح الحزب وإيقاف منشورات الجبهة. (هـ) رفض إجراء أي حوار مع القيادة السياسية للجبهة الإسلامية. (و) وأخيراً السماح لعناصر عسكرية فرنسية للمشاركة في حملات العنف ضد الجماعات الإسلامية. (مهابة أ 1994 :127) ولم تتوقف عند هذا الحد بل قامت المؤسسة العسكرية بممارسة عدة مناهج عنفية في مواجهة التنظيمات التي تمارس العنف:
[1] قامت المؤسسة العسكرية بممارسة العنف من خلال مجاراتها للتنظيمات التي تمارس العنف، حيث استخدمت العنف ضد عناصر وقوى ومراكز الجبهة الإسلامية للإنقاذ وذلك في محاولة لضرب القاعدة أو البنية الأساسية لهذه التنظيمات. فقد شكلت الحكومة الجزائرية فرق اغتيالات يطلق عليها [الوطنيون الجزائريون] تقوم بقتل عناصر الجبهة، بالإضافة إلى الأسلوب العنفي الذي اتخذته المؤسسة العسكرية في قمع وإخماد المظاهرات التي اندلعت عام 1988 احتجاجاً على المعاناة اليومية التي يتعرض لها الشعب الجزائري. (مهابة أ1994 :125)
[2] استخدمت المؤسسة العسكرية العنف ضد المدنيين ومراكز مختلفة وإلقاء المسؤولية على التنظيمات الإسلامية في محاولة لإحراجها وإظهارها بالمظهر الإرهابي والدلائل على ذلك كثيرة. فقد أكد مدير الاستخبارات العسكرية السابق في الجزائر "محمد بتشين" أن المؤسسة العسكرية قد كونت "فرق الموت" وهي "فرق شكلت من بعض الأجنحة العسكرية للقيام بالاغتيالات وبعض المجازر التي نسبت لاحقاً للجماعات الإسلامية المسلحة." (المديني 1998 :99)
[3] محاولة إحداث انشقاقات بين فصائل الجبهة وكذلك ضرب التنظيمات الإسلامية بعضها ببعض في محاولة لشق الإجماع بين هذه التنظيمات. فقد نجحت المؤسسة العسكرية في التحالف مع أو تحييد بعض التنظيمات الإسلامية [حركة المجتمع الإسلامي وحركة النهضة] بل لقد نجحت المؤسسة العسكرية أيضاً في انفراط تنظيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ حيث ظهر الانشقاق في البناء "الإنقاذي" عبر عدد من المؤسسين الأوائل، الأمر الذي أدى إلى انقسامها إلى أجنحة وتيارات متعددة،(16) حيث لا توجد قيادة واحدة توجه الأجنحة العسكرية المسلحة للجبهة، فأصبح هؤلاء يتحركون بلا أهداف واضحة سوى ممارسة أعمال العنف، بل إن بعض أجنحة الجماعة الإسلامية المسلحة تحركها أجهزة الأمن الجزائرية لاستدراجها للعنف لكي تتوفر الحجة والمبرر للقضاء عليها. (أبو عامود 1993 :122)
[4] قام بعض ضباط المؤسسة العسكرية باستغلال الفوضى وسياسة العنف في الدولة وبدأوا بتصفية خصومهم واتهام الإسلاميين بقتلهم. (هويدي 1998)
هذه الإجراءات جعلت خيار العنف هو الخيار المتاح أمام جبهة الإنقاذ أكثر من غيره من الخيارات الأخرى في إدارة الصراع مع النظام السياسي.

القوى التي مارست العنف السياسي وكيفية استجابة النظام السياسي خلال العهود الثلاث.

من خلال الاستعراض السابق للقوى التي مارست العنف السياسي في الجزائر نستنتج أن القوى التي مارست العنف تختلف نسبياً من عهد إلى عهد آخر على النحو التالي:
(1) في عهد الرئيس هواري بومدين لم تسجل حالة ممارسة للعنف في الدولة ضد النظام حتى عام 1975. ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية: [أ] أن النظام السياسي مارس سياسة تعبئة الجماهير لتكون بمثابة مصدر شرعيته، وقد تميزت هذه السياسة بالتوفيق بين مختلف القوى السياسية والتيارات المختلفة، وقد نجح نظام هواري بومدين في تطبيق سياسة التعايش هذه والجمع بين المتناقضات، ونجح كذلك في استقطاب الجماهير باستغلال مشاعرها وطموحاتها، خصوصاً في وضعية مثل التي عرفها المجتمع الجزائري الذي عاش فترات طويلة تحت القهر الأجنبي من سلب للهوية وإهدار للحقوق والثروات. [ب] في هذه المرحلة كانت جميع القوى الرسمية والشعبية في توجه نحو بناء الدولة وبناء المؤسسات السياسية. [ج] مع أن كافة التيارات السياسية الإسلامية وغير الإسلامية لم تكن غائبة في ذلك الوقت، إلا أنها لم تكن لها اليد الطولى في التأثير على السياسة الجزائرية. [د] أنه منذ الاستقلال كان هناك تزاوج بين "جبهة التحرير" وبين "المؤسسة العسكرية"، حيث فرضت هذا التزاوج ظروف الثورة وهدف بناء دولة جزائرية ذات سيادة ديموقراطية واجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية. فالجبهة كانت هي الحزب الحاكم الأوحد وصاحب السلطة الشرعية الوحيدة، والمؤسسة العسكرية كانت المحرك الأساسي لجبهة التحرير والدرع الواقي والحامي لسلطة الجبهة. [هـ] أن الجزائريين لم يقعوا في الفصام بين هويتهم الإسلامية والعربية والبربرية. [و] أن النظام السياسي وظف التوجه الإسلامي توظيفاً سياسياً منذ الحرب ضد الاحتلال الفرنسي ثم بعد الاستقلال بسطت الدولة نفوذها على التوجه الإسلامي وتحكمت فيه وأدارته لحسابها الأمر الذي مهد لنشوء تيار إسلامي رسمي يعمل تحت مظلة الدولة وبرعاية منها مما جعل هذا التيار سنداً للسلطة يمنحها الشرعية الدينية والشعبية. [ز] لا تمتلك جميع القوى السياسية في الدولة –بما فيها التيار الإسلامي- آنذاك رؤية مخالفة لرؤية النظام السياسي. [ح] خضوع النظام السياسي لنظام التسيير الممركز في ظل ديكتاتورية الحزب الواحد والمؤسسة العسكرية. (عبدالله 1989 :190، قواص 1998 :75)
منذ عام 1976 ظهر الفشل على البرامج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تبنتها الدولة ولم ينتج عن تلك السياسة سوى الحرمان والإحباط واهتزاز قاعدة النظام، فقد فشلت في تحقيق أهداف المجتمع في الرفاهية والعدالة الاجتماعية، ولذلك بدأت مسيرة جديدة في السياسة الجزائرية هي: [مسيرة العودة إلى التنظيم المؤسسي.] هذا التغير أعطى الفرصة لقوى المعارضة السياسية -وخاصة التيار الإسلامي- لاستقطاب التأييد الشعبي وبسط نفوذه على الساحة الشعبية. أضف إلى ذلك تبني الدولة دستوراً جديداً في عام 1976 يتعارض مع ما يعرف بميثاق 1954 الذي قامت على أساسه الثورة الجزائرية. تبنى الدستور الجديد إلغاء التعليم الديني وتعليق عملية التعريب، ثم فرضت السلطة السياسية قيادةً إكراهية دون الاهتمام بضرورات التواصل مع مختلف التنظيمات السياسية ودورها التاريخي في تحرير الجزائر. (قواص 1998 :75) هذا التغير في السياسة الجزائرية أدى إلى ظهور احتجاجات ومعارضة لتلك السياسة الأمر الذي أدى إلى أول عملية عنف نفذتها الجماعات الإسلامية في عام 1976 ضد النظام السياسي. (مركز الدراسات والأبحاث 1992 :140-141) ومع ذلك فإن التنظيمات الإسلامية لم تمارس عنفاً مكثفاً ملموساً ضد النظام في عهد الرئيس هواري بومدين كما هو الحال بالنسبة لعهد الرئيسين "الشاذلي بن جديد والأمين زروال"، كذلك لم يحدث أن مارست المؤسسة العسكرية عنفاً ضد الجماعات الإسلامية في تلك المرحلة، ولذلك فإن حجم العنف الرسمي والشعبي كان عند أدنى المستويات.
(2) أما القوى التي مارست العنف السياسي خلال عهد الرئيس الشاذلي بن جديد ، وبصفة خاصة خلال النصف الثاني من فترة رئاسته الثانية، فهي غالبية القوى السياسية، ولكن بدرجات مختلفة وإن كانت التنظيمات الإسلامية وخاصة الأجنحة العسكرية (الجيش الإسلامي للإنقاذ والجماعة الإسلامية المسلحة) للجبهة الإسلامية للإنقاذ تأتي في مقدمة هذه التنظيمات. وقد تمثلت بداية أعمال العنف السياسي في الجزائر في عهد الرئيس بن جديد في المظاهرات التي قادها طلبة "جامعة تيزي" (مناطق القبائل) في عام 1980 حيث تمحورت حول المطالب الثقافية للبربر. وخلال أحداث أكتوبر 1988 كانت المظاهرات الشعبية تعبر عن الموقف الشعبي ضد سياسة الدولة، وهو ما يسمى "بالعنف الجماهيري" الذي أخذ شكل مظاهرات وإضرابات وحركات احتجاج شعبية وأحداث شغب، ولقد وظفت الجبهة الإسلامية هذا العنف الجماهيري في تدعيم دورها السياسي ومن ثم أخذت تمارس عنفاً منظما أخذ أشكالاً متعددة بما فيها الاغتيالات. كذلك ساهمت المؤسسة العسكرية في أزمة العنف السياسي، حيث اتخذت أساليب متعددة مباشرة وغير مباشرة في ممارسة العنف السياسي، وكان الهدف من ذلك هو تأكيد الوجود والدور السياسي للمؤسسة العسكرية. فقد قام الجيش بقمع وإخماد المظاهرات التي قام بها الشعب الجزائري عام 1988، مستخدماً في ذلك العنف المسلح. وألغى نتيجة الانتخابات التشريعية في دورتها الأولى عام 1991. وسمح لعناصر عسكرية فرنسية للمشاركة في حملات العنف المسلح ضد الجماعات الإسلامية، ثم التدخل المباشر في أعمال العنف ضد التنظيمات الإسلامية. ومع ذلك فإن حجم العنف الرسمي الذي وجهته المؤسسة العسكرية للقوى المعارضة كالجبهة الإسلامية للإنقاذ، في تلك المرحلة، يفوق حجم العنف الذي وجهته الجبهة الإسلامية للإنقاذ للمؤسسة العسكرية. ويمكن معرفة ذلك في ضوء شكل النظام السياسي الذي تشكل بعد استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، حيث تم حل المؤسسات الدستورية كالمجلس الوطني الشعبي (البرلمان) والمجلس الدستوري، وتم تكوين "المجلس الأعلى للدولة" الذي كانت توجهه المؤسسة العسكرية وتختار لرئاسته من تريد. وقد انعكست هذه التحولات على طبيعة النظام السياسي الذي تبلور بعد تشكيل المجلس الأعلى للدولة، حيث اتسم بمركزية السلطة العسكرية وهيمنتها على مؤسسة الرئاسة، ولذلك لم تتردد المؤسسة العسكرية في المواجهة العنيفة والحادة لجميع القوى والتيارات السياسية المعارضة في الدولة.
(3) أما في عهد الرئيس الأمين زروال فإن القوى الرسمية والشعبية قد انخرطت وبكثافة شديدة في العنف السياسي، واتخذ العنف أشكالاً مختلفة من العنف المسلح إلى الإضرابات والمظاهرات وأعمال الشغب. ومع أن بعض قوى المعارضة قد اتجهت إلى المعارضة السلمية للنظام السياسي، وذلك بانتقاد سياساته وممارسته على المستويين الداخلي والخارجي، بل إن بعض هذه القوى قد خاضت الانتخابات التشريعية والمحلية لعام 1997 والتي حقق فيها حزب "التجمع الوطني الديموقراطي" الموالي للرئيس زروال الغالبية المطلقة في البرلمان، إلا أن تلك القوى لم تفلح في دخول البرلمان، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول دور المؤسسة العسكرية في مصادرة حق أحزاب المعارضة الانتخابي وإبعادها عن الدخول في البرلمان الجزائري.
في عهد الرئيس زروال بدأت مرحلة جديدة ومعقدة من مراحل العنف والمواجهة بين النظام السياسي والمؤسسة العسكرية من ناحية وقوى الإسلام السياسي من ناحية ثانية. هذه المواجهة أخذت تزداد وتتعقد حتى إعلان الرئيس زروال عن رغبته في التنحي عن السلطة في سبتمبر 1998. فعلى المستوى الرسمي نجد أن الجيش كان يشكل مصدراً للعنف السياسي، ولعل الاتهامات المتبادلة بين جنرالات الجيش كشف الكثير من الحقائق والأسرار عن دور المؤسسة العسكرية في التعذيب والقتل والتصفية الجسدية منذ أحداث أكتوبر 1988. فقد أكد أحد أهم رموز المؤسسة العسكرية آنذاك "أن السلطة الجزائرية قامت في بداية التسعينات بتشكيل [كتائب الموت] التي ذاع صيتها وغطت بشاعتها كامل التراب الجزائري وعرفت باقترافها المجازر التي أبادت قرى بأكملها، كما أنها تميزت باختطاف العشرات من المواطنين الذين لا يزالون ضمن المفقودين،" (هويدي 1998) ثم نسبت هذه الأعمال العنفية إلى التنظيمات الإسلامية، كما تقف دائماً أمام اتصالات مؤسسة الرئاسة مع جبهة الإنقاذ وأجنحتها العسكرية، خوفاً من أن يؤدي أي تقارب بين التيار الوطني الموالي للرئيس زروال والمتمثل في "التجمع الوطني الديموقراطي" والتيار الإسلامي بجميع أحزابه وتنظيماته وعلى رأسها "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" أن يكتسب الرئيس زروال قاعدة شعبية حقيقية تسمح له بتحجيم الدور السياسي للمؤسسة العسكرية ومن ثم تخفيف أو توقف أعمال العنف المسلح في الجزائر. وعندما تم الاتصال بين مؤسسة الرئاسة ممثلة في الجنرال محمد بتشين مستشار الرئيس زروال للشؤون الأمنية، وبعض قادة جبهة الإنقاذ أثارت المؤسسة العسكرية ضده اتهامات بالفساد والتسلط، الأمر الذي أجبره على الاستقالة. (عواد 1998 :12) بالمثل أسهمت جبهة الانقاذ في تأجيج العنف الشعبي بحيث لم يقتصر هذا الوضع على المؤسسة العسكرية، بل ساهمت جبهة الإنقاذ في تأجيج العنف السياسي في الجزائر، فقد عبر عن ذلك مرزاق مدني الذي نصب أميراً لجيش الإنقاذ حيث أصدر بياناً عبر من خلاله عن "أسفه للأعمال التي قامت بها بعض الجماعات المسلحة ضد الشعب، ودعا تلك الجماعات للبقاء [جيش مبادئ لا جيش مرتزقة] مناشداً مدني وبلحاج بتزويد الحركة الإسلامية بتوجيهات سلوكية تحدد المبادئ والخطط التي لا يجوز تجاوزها في النضال." (قواص 1998 :159) وفي ذلك دلالة واضحة على تورط الأجنحة العسكرية للجبهة في العنف المسلح. فقد اتهم النظام السياسي القوى الإسلامية بالتحريض على أعمال العنف السياسي، ومن هنا كثرت حملات الاعتقال التي استهدفت قيادات التيار الإسلامي، وكثيراً ما اتخذ الإعلان عن اكتشاف خلايا تنظيمية للجبهة كذرائع لضرب وتحجيم القوى والعناصر الإسلامية في الجزائر. ولكن يبقى القول بأن الأجنحة العسكرية للجهة الإسلامية ساهمت إلى جانب قوى أخرى في بعض أعمال العنف السياسي. أما بقية قوى المعارضة فقد مارست أعمال العنف بشكل تدرجي حيث بدأ من الحد الأدنى: كالمظاهرات والإضرابات والاحتجاجات الشعبية، إلى الحد الأعلى: المتمثل في العنف المسلح. ففي منطقة القبائل (البربر) تشكلت "الحركة المسلحة البربرية"، باعتبارها الجناح العسكري لجبهة القوى الاشتراكية التي هددت بسلوك طريق العنف ضد النظام السياسي للدفاع عن حقوق البربر الثقافية والسياسية، وضد الجماعات الإسلامية المسلحة المنادية بتطبيق قانون التعريب. (أبو زكريا 1998 :101-102)

الجزائر ومستقبل العنف السياسي

في برنامجه الانتخابي تحدث بوتفليقه عن أولويات ثلاث: (1) إحلال السلام. (2) الوئام الوطني. (3) إعادة الاعتبار للجزائر عربياً وأفريقياً ودولياً، وانطلاقاً من هذا البرنامج، هناك من يعتقد أن أزمة العنف السياسي في الجزائر قد وصلت إلى حدودها القصوى، وأن تغيير القيادة السياسية واختيار الرئيس عبد العزيز بوتفليقه وتطبيق برنامجه السياسي المتمثل في قانون (الوئام الوطني) كفيل بإنهاء الأزمة الجزائرية. إن مفتاح تحليل مستقبل العنف السياسي في الجزائر لا يمكن معرفته من خلال البرامج السياسية التي يطرحها النظام السياسي الحالي، كالوئام الوطني وغيرها، وهذا يرجع إلى تجذر وتراكم الانحرافات المختلفة في الدولة. فأزمة العنف السياسي في الجزائر مرتبطة بديناميكية مجتمعية معقدة، فهي موجودة في الهياكل الداخلية للمجتمع والنظام السياسي على حد سواء.
العنف في الجزائر مرتبط بحركة اجتماعية شاملة يصعب السيطرة عليها أو التفاوض معها. فقد تجذر العنف حتى وصل إلى مرحلة لم يستطع النظام السياسي أو حتى القوى السياسية المختلفة السيطرة عليها، فهي حركة سياسية-دينية-أخلاقية في أشكالها التعبيرية، ويصعب تحديد فضاءات نشأتها، فهي موجودة في الحي الشعبي وضواحي المدن الكبرى، كما توجد في أماكن الإنتاج، تحركها العناصر الشابة العاطلة عن العمل، ولذلك فهي حركة تمردية أكثر من كونها حركة تفاوضية، الأمر الذي جعل الدولة عاجزة عن معرفة مصدر العنف والتعامل مع محركاته.(الكنز وجابي، 1996:214).
كثير من المعطيات توضح أن الرئيس بوتفليقه سيكون كسابقيه في سياق عدم القدرة على التعامل مع أزمة العنف في الجزائر، الأمر الذي قد يطيل مرحلة الأزمة، لأسباب منها:
[1] فشل الجهاز البيروقراطي في أداء مهماته كوسيلة لتنفيذ البرامج والمخططات الإصلاحية التي يطرحها نظام بوتفليقه، الأمر الذي يؤدي إلى تجذر العنف وتوسيع الفجوة بين البرامج المطروحة لحل الأزمة والواقع المعاش، مما أفقد مختلف الشرائح المجتمعية الثقة في النظام السياسي، وبالتالي فقدت مؤسسات الدولة مصداقيتها لدى المجتمع.
[2] أن النظام السياسي للرئيس بوتفليقه يعاني ـ نسبياً ـ من أزمة الشرعية فقد أتى إلى الحكم في انتخابات جرى التشكيك بشكل واسع فيها بعد انسحاب جميع المرشحين الستة احتجاجاً على الإجراءات الانتخابية، ولذلك لم يستطع الرئيس بوتفليقة أن يكسب دعم وتأييد الشارع الجزائري لأطروحاته السياسية.
[3] لم يستطع الرئيس بوتفليقه كسب دعم وتأييد القوى السياسية المختلفة، فقد أوضح الشيخ محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم، الشريك في الائتلاف الحكومي أن "خطر تمزيق الجزائر بالإرهاب ما زال قائماً … والبلاد ربما كانت على مشارف مرحلة أصعب بكثير، إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه." (غسان، 2000:8). هذه النزعة التشاؤمية هي القاسم المشترك بين مختلف القوى السياسية في الجزائر، بل هي أكثر شدة عند من غلب عليه التفاؤل بعد انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.
من هذا المنطلق نستطيع القول أن مرحلة الرئيس بوتفليقة لا تختلف عن غيرها من المراحل السابقة، وأنه لم يستطع إحداث تغيير إيجابي يخفف من الأزمة ويحقق "الوئام الوطني" الأمر الذي قد يقود الجزائر إلى " حرب أهلية "



خاتمة:

يجب أن نعترف أن العنف السياسي في الجزائر هو عنف لا حدود له، ولا ضوابط له، ولا قواعد له، وضمن هذا المنطلق يصعب تحديد مصدر العنف أو أهدافه أو أطرافه. إن ظاهرة العنف السياسي في الجزائر خلال العهود الثلاثة ارتبطت بظروف الأزمة المجتمعية التي أخفق النظام السياسي في التعامل معها بفاعلية وكفاءة، الأمر الذي أفرز مجموعة من التناقضات والاحباطات أدت إلى ردود فعل عنيفة. فالمسألة ليست أعمال إرهابية فردية كما يؤكد على ذلك النظام السياسي، بل هي أزمة سياسية اقتصادية مجتمعية لها أبعادها الداخلية والخارجية، وليس من السهولة السيطرة عليها. إن ظاهرة العنف السياسي في الجزائر ليست سمة بعهد سياسي دون غيره وليست حكراً على تيار سياسي دون غيره -وإن كانت حدتها وأحداثها تزداد من عهد إلى آخر، ومن تنظيم سياسي إلى آخر- ولكنها ظاهرة معقدة لها أسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فمن خلال النظرة الشاملة للعهود الثلاثة ودورها في نشوء وممارسة العنف السياسي في الجزائر يمكن التأكيد على عدة أمور:
أولاً/ أن أزمة العنف السياسي في الجزائر تخضع لأبعاد متعددة: البعد السياسي والبعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي. وليس من السهولة بمكان فصل أي من هذه الأبعاد عن بعضها البعض نتيجة للترابط الوثيق بين هذه الأبعاد. البعد السياسي يشتمل على عوامل عدة منها على سبيل المثال: احتكار السلطة من قبل حزب واحد: جبهة التحرير الوطني. هيمنة المؤسسة العسكرية وإلغاء دور الرئيس. مصادرة الحريات الخاصة والعامة. التأخر في بناء المؤسسات السياسية في الدولة. إقصاء وتهميش النظام السياسي للقوى السياسية والاجتماعية في المجتمع، ومصادرة حقها في التعبير عن مصالحها بطريقة منظمة وضمن إطار الشرعية المؤسساتية. بروز الإسلام السياسي كقوة لها مؤيدوها. الصراع بين عناصر النظام السياسي ودخوله إلى دائرة الأزمة الأمر الذي أدى إلى اهتزاز شرعية النظام وضعف هيبة الدولة. محاولة تحديد هوية الدولة: هل هي عربية إسلامية أم فرانكفونية. كل هذه العوامل أدت إلى الاحتجاج السلمي ثم المقاومة العنفية، الأمر الذي جعل المؤسسات السياسية تعجز عن احتواء آثار أعمال العنف هذه. أما البعد الاقتصادي للأزمة باعتباره أحد أهم مقوماتها فيرجع إلى فشل البرامج الاقتصادية التي تبناها النظام السياسي منذ الاستقلال، وهي البرامج التي استندت إلى بناء اقتصاد "متمركز حول الذات". والمتمثل في بناء تنمية مركزية ذاتية قاعدتها الصناعات التصنيعية وبناء قطاع عمومي واسع بعيداً عن تأثيرات وضغط الاقتصاد العالمي، لكن تفاقم الفشل الاقتصادي منذ عام 1986 نتيجة انهيار أسعار النفط في السوق العالمية أدى إلى تراجع الموارد المالية للدولة وزيادة مستوى الإنفاق العام والعجز الإنتاجي وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الدخل الوطني وارتفاع معدل التضخم وتفاقم الديون الخارجية والدخول في اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، الأمر الذي أدى إلى تخفيض قيمة العملة، وتحديد الأسعار وتجميد الأجور، كل ذلك هدد الكثير من الشرائح الاجتماعية الجزائرية التي كانت تستظل بالاقتصاد الموجه. أما البعد الاجتماعي للأزمة فكان له أهميته في إنتشار واستمرارية العنف السياسي في الجزائر. فالمتغيرات الاجتماعية التي غطت غالبية دول العالم المعاصر لم تحقق نقلة نوعية نحو تحديث البنى المجتمعية في الجزائر. فالبرامج الاجتماعية والاقتصادية عجزت عن تحقيق تغير جذري في تحول البنى الاجتماعية التقليدية القائمة والمسيطرة على السلطة إلى بنى متنوعة ومتجددة ذات حراك اجتماعي تؤدي إلى تداول السلطة ودوران النخب السياسية وأسس توزيع القوة في المجتمع. كما يتجسد البعد الاجتماعي في تحول النظام السياسي إلى شبه إقطاعيات ومراكز نفوذ لشرائح محددة في المجتمع، خاصة عندما انفردت المؤسسة العسكرية بالحكم محاولة إخضاع بقية الشرائح الاجتماعية مما أدى إلى ظهور ردود أفعال عنفية لمقاومة استحواذ المؤسسة العسكرية بالسلطة، الأمر الذي أدى إلى حالة اضطراب قصوى وعدم توازن في البناء المجتمعي، واتساع الفجوة بين الشرائح الاجتماعية المختلفة مما أوجد الاحتجاجات والمعارضة من قبل الغالبية العظمى والفاعلة في المجتمع الجزائري والتي تشعر بالظلم واللامساواة وعدم تكافؤ الفرص. كل ذلك أدى إلى تعميق الأزمة الجزائرية ومن ثم اللجوء إلى استخدام أساليب العنف للتخلص من ظاهرة التفاوت الاجتماعي مما جعل البعد الاجتماعي للازمة ينتقل إلى درجة الانفجار.
ثانيا/ أن التنظيمات السياسية الإسلامية كانت عنصراً أساسياً في أحداث العنف خلال العهود الثلاثة، وبصفة خاصة خلال الفترة 1976-1998. فخلال تلك الفترة شكلت الجماعات الإسلامية العصب الأساس للمعارضة السياسية في الجزائر. فقد عبرت التنظيمات الإسلامية عن مطالب مجتمعية عامة كتطبيق الشريعة الإسلامية، والاحتجاج على بعض الإجراءات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذها النظام السياسي مثل الثورة الزراعية، والتعديل الدستوري لعام 1976، وضعف الأداء الوظيفي والبطالة والفساد الإداري والمالي ونظام الحزب الواحد وهيمنة المؤسسة العسكرية على النظام السياسي. ويمكن فهم وتفسير دور المنظمات الإسلامية في أحداث العنف المسلح، وفي إطار تفاقم الأزمة الاقتصادية والمجتمعية في الجزائر منذ منتصف الثمانينات.
ثالثاً/ أن دور المؤسسة العسكرية في أحداث العنف برز بشكل كبير منذ أحداث 1988 في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد ثم تطور هذا الدور بعد استقالة الرئيس بن جديد وترسخ هذا الدور في عهد الرئيس الأمين زروال حتى أصبح الرئيس لا يستطيع أن يسيطر على مجريات الأحداث، بل أصبحت المؤسسة العسكرية عاملاً أساسياً في ممارسة العنف ضد الجماعات الإسلامية.
رابعاً/ أن التيارات العلمانية لم تنخرط بشكل مباشر في أعمال العنف السياسي ضد النظام السياسي خلال العهود الثلاثة، وإن كانت بعض الأحزاب والتيارات لم تؤيد سياسة الدولة حول إيقاف العمل الديموقراطي. ولذلك اتخذ النظام السياسي، وخاصة في عهد الرئيس زروال، سياسة استيعاب الأحزاب العلمانية وبعض التنظيمات الإسلامية في محاولة عزل هذه القوى السياسية المهادنة للنظام السياسي عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
خامساً/ من خلال دراستنا هذه نستنتج أن أعمال العنف المسلح التي نفذتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد كان الهدف منها الضغط على الرئيس لتحقيق أهداف سياسية، بينما أعمال العنف المسلح في عهد الرئيس زروال كان الهدف منها تدمير السلطة والاستيلاء عليها، ولذلك زادت أعمال العنف المنظم منذ تدخل الجيش في السلطة في عام 1991، واعتقال القيادات السياسية التاريخية للجبهة، الأمر الذي فتح المجال أمام صعود قيادات شابة إلى المراكز القيادية في الجبهة تفتقر إلى الخبرة والدراية باللعبة السياسية.
سادساً/ عدم قدرة النظام السياسي في التكيف مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية العصرية، بل وفشله في لعبة توازن القوى بين التيارات السياسية والاجتماعية في الدولة، والتي كانت تتمثل في التيار الإسلامي العروبي والتيار الفرانكفوني والتيار البربري.
سابعاً/ انخرطت بعض العناصر الهامشية في أحداث العنف الجماهيري كالتظاهرات وأحداث الشغب، وهي عناصر غير مندمجة في العملية الإنتاجية، وتعيش على الهامش الاجتماعي للمجتمع، وتعاني الفقر المدقع، لذلك تكون مستعدة للانخراط في أعمال العنف السياسي والاجتماعي المناهضة للنظام. وانخراط هذه العناصر في العنف كان في الغالب عبارة عن ردات فعل انتقامية دون أي محتوى سياسي أو ديني، ولكن نتيجة لأن الدولة أحياناً تمارس مختلف أنواع العنف ضد مناطق معينة، فتتحول هذه المناطق إلى بؤر أكثر عداءً للدولة.
جميع العوامل السابقة أدت إلى زيادة موجة الإحباط لدى الكثير من الأفراد والجماعات وكانت هذه الجماعات أكثر قدرة على رد الفعل إزاء المحبطات المجتمعية، لذلك انخرطت في أعمال العنف السياسي ضد ممارسات النظام السياسي وسياساته.

الهوامش:

يعرف Gurr العنف السياسي بأنه [كل الهجمات داخل المجموعة السياسية والموجهة ضد النظام السياسي، وفوا عله – بما في ذلك الجماعات السياسية المتنافسة بالإضافة إلى أصحاب المناصب – أو سياساته ].

(2) كانت أول عملية عنف قد سجلت في مدينة [بليداء] مسقط رأس الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة المجتمع الإسلامي (حماس) قام بها أنصار الشيخ نحناح فاتحين بذلك الطريق لتغيير شكل المعارضة وأسلوبها من الأسلوب السلمي إلى أسلوب العنف

(3) بعد وفاة الرئيس هواري بومدين كانت التوقعات ترشح كل من صالح اليحياوي وعبدالعزيز بوتفليقة لخلافته في الحكم، إلا أن المؤسسة العسكرية تدخلت وفرضت عنصراً أضعف لكي تتمكن من فرض هيمنتها وسيطرتها على السلطة السياسية في الدولة، وقد ورد ذلك في خطاب استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، حيث بين أنه خضع لإرادة قادة القوات المسلحة في استلام السلطة

(4) كانت أول عملية عسكرية كبيرة قامت بها إحدى الجماعات المتضررة من الأوضاع الاقتصادية ضد الجيش الجزائري في قمار بالجنوب الجزائري تشتمل على طبيب عاطل عن العمل.

(5) كانت القوى الإسلامية البارزة آنذاك هي: الجبهة الإسلامية للإنقاذ ويرأسها د. عباسي مدني، وحركة المجتمع الإسلامي ويرأسها الشيخ محفوظ نحناح، وحركة النهضة الإسلامية والتي أسسها ويرأسها الشيخ عبدالله جاب الله.

(6) تقول المصادر المقربة من الرئاسة أن الجيش قد أجبر الرئيس على الاستقالة، حيث اجتمع حوالي 180 ضابطاً من القوات المسلحة وبتواطئ مع الوزير الأول سيد احمد غزالي وأجبروا الرئيس على الاستقالة. (انظر حول هذا الأمر، (قواص 1998:123)، ( حيدوسي، 1997:173)